من صفات أهل السنة - شرح عقيد السلف للصابوني

 

قال الصابوني _رحمه الله_ في "عقيدة السلف أصحاب الحديث" (ص: 34):

"ويتحابون في الدين ويتباغضون فيه،

ويتقون الجدال في الله، والخصومات فيه،

ويجانبون أهل البدع والضلالات، ويعادون أصحاب الأهواء والجهالات.

ويقتدون بالسلف الصالحين من أئمة الدين وعلماء المسلمين،

ويتمسكون بما كانوا به متمسكين من الدين المتين والحق المبين.

ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم،

ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان، وقرت في القلوب ضرت، وجرت إليها الوساوس والخطرات الفاسدة.

وفيه أنزل الله _عز وجل_ قوله:

{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: 68]

 

المعنى الإجمالي

 

بيّن الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله في هذا الموضع: جملةً من أعظم الصفات التي امتاز بها أهل السنة والجماعة، وهي الصفات التي تحفظ عليهم عقيدتهم، وتجمع كلمتهم، وتصون قلوبهم من الانحراف والزيغ.

 

* فذكر أولًا: أنهم يجعلون الحب والبغض تابعين للدين؛ فيحبون المؤمنين وأهل السنة لطاعتهم لله وتمسكهم بالحق، ويبغضون الكفر والفسوق والبدع وأهلها بقدر ما عندهم من المخالفة، لا اتباعًا للأهواء أو العصبيات أو المصالح الدنيوية، بل تحقيقًا للولاء والبراء الذي أمر الله به.

 

* ثم بيَّن: أنهم يجتنبون الجدال والخصومات في دين الله، ولا يخوضون في المراء الذي يورث قسوة القلوب، ويوقع في الشقاق والفرقة، وإنما يطلبون الحق بالدليل، ويتبعون الوحي بفهم السلف الصالح، ولا يجعلون الدين ميدانًا للخصومات العقلية والكلامية.

 

* ثم وصف موقفهم من أهل البدع والأهواء، وأنهم يحذرون منهم، ويبتعدون عن مجالسهم ومناظراتهم، ولا يصاحبونهم، ولا يصغون إلى شبهاتهم؛ صيانةً لدينهم، وحفظًا لقلوبهم من أن تتأثر بالباطل، فإن الشبهة إذا استقرت في القلب قد يصعب دفعها، ولذلك كان السلف ينهون عن سماع كلام أهل الأهواء، سدًّا لذريعة الفتنة.

 

* وبيَّن أيضًا أن أهل السنة يقتدون بالسلف الصالح من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام، ويتمسكون بما كانوا عليه من العقيدة الصحيحة والمنهج القويم، لأنهم أعلم الأمة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأصدقها اتباعًا وأبعدها عن الابتداع.

 

ثم ختم رحمه الله كلامه بالاستدلال بقول الله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: 68]، مبينًا أن الإعراض عن مجالس أهل الباطل أصلٌ شرعي، وأن هجرهم وترك الإصغاء إلى باطلهم من أسباب حفظ الدين وسلامة القلب، حتى لا تتسرب إليه الشبهات والأهواء.

 

فخلاصة كلام الصابوني _رحمه الله_: أن منهج أهل السنة والجماعة قائم على أمور:

* محبة الحق وأهله، وبغض الباطل وأهله،

* ولزوم سبيل السلف،

* واجتناب البدع وأهلها،

* وصيانة القلوب والأسماع عن الشبهات، تحقيقًا لسلامة الاعتقاد والثبات على الصراط المستقيم.

 

فوائد ودروس:

 

فوائد هذا الكلام

الفائدة الأولى:

أن الحبَّ والبغضَ في الله من أوثق عُرى الإيمان، فلا يكون ميزان المؤمن الهوى، ولا النسب، ولا الوطن، ولا المصلحة، وإنما ميزانه ما أحبه الله ورسوله وما أبغضه الله ورسوله.

الفائدة الثانية:

أن الولاء والبراء أصلٌ عظيم من أصول الاعتقاد، به يتميز أهل الإيمان عن أهل الزيغ والطغيان، وهو مبنيٌّ على اتباع الوحي، لا على حظوظ النفوس.

الفائدة الثالثة:

أن اجتماع القلوب إنما يكون على العقيدة الصحيحة، لا على المجاملات الفارغة، فإن الدين هو الرابطة العظمى التي جمع الله بها عباده المؤمنين.

الفائدة الرابعة

أن المراء والخصومات في الدين من أسباب قسوة القلب، وذهاب نور العلم، وفساد القصد، وقد كان السلف يكرهون الجدال إلا عند الحاجة لإظهار الحق وإبطال الباطل.

الفائدة الخامسة

أن الاشتغال بطلب الحق خيرٌ من الاشتغال بكثرة المنازعات، فإن المقصود من العلم العمل والاهتداء، لا الغلبة في الخصومة.

الفائدة السادسة

أن أهل السنة يفرِّقون بين المناظرة الشرعية التي يقصد بها إقامة الحجة، وبين الجدل المذموم الذي يقصد به المغالبة والمراء.

الفائدة السابعة

أن البدعة داءٌ يفسد الدين، كما يفسد المرض الأبدان، ولذلك كان السلف أشدَّ الناس تحذيرًا منها، رحمةً بالأمة، وصيانةً للشريعة.

الفائدة الثامنة

أن هجر أهل البدع من أصول السياسة الشرعية إذا ترتبت عليه مصلحة شرعية، كزجر المبتدع، وحماية العامة من الاغترار به، وصيانة الدين من انتشار الفاسد.

الفائدة التاسعة

أن القلب ضعيف، والشبهة خطَّافة، فمن عرَّض قلبه للشبهات أوشك أن يُسلب نور اليقين، ولهذا كان السلف يغلقون أبواب الفتنة قبل وقوعها.

الفائدة العاشرة

أن السمع بابٌ من أبواب القلب، فما استقر في السمع نفذ إلى الفؤاد، فكان حفظ السمع من سماع الباطل من تمام حفظ الدين.

الفائدة الحادية عشرة

أن الوقاية من الشبهات مقدَّمة على علاجها، فإن دفع الفساد قبل وقوعه أيسر من رفعه بعد تمكنه.

الفائدة الثانية عشرة

أن الاقتداء بالسلف الصالح سبيل النجاة؛ لأنهم أعلم الأمة بالكتاب والسنة، وأقومهم فهمًا، وأصدقهم اتباعًا، وأبعدهم عن التكلف والابتداع.

الفائدة الثالثة عشرة

أن الحق لا يُعرف بكثرة الرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق، فمن وافق سبيل السلف فهو المحق، وإن قلَّ أنصاره، ومن خالفه فهو على خطر، وإن كثر أتباعه.

الفائدة الرابعة عشرة

أن الدين الكامل لا يحتاج إلى زيادة المبتدعين، فإن الله قد أكمله، فمن أحدث فيه ما ليس منه فقد اتهم الشريعة بالنقص.

الفائدة الخامسة عشرة

أن من أعظم نعم الله على العبد الثبات على السنة؛ إذ هي سفينة النجاة عند اضطراب الفتن، وعليها درج الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان.

الفائدة السادسة عشرة

أن مجالسة أهل الأهواء تورث الألفة بهم، والألفة قد تجر إلى قبول أقوالهم، ولذلك أمر السلف بمجانبتهم حفظًا للعقائد.

الفائدة السابعة عشرة

أن سلامة الصدر لا تنافي بغض البدعة وأهلها؛ فإن المؤمن يجمع بين الرحمة بالخلق، والغيرة على الدين، فيبغض البدعة لله، ويرجو هداية المبتدع.

الفائدة الثامنة عشرة

أن الاعتصام بالكتاب والسنة على فهم السلف هو العصمة من الافتراق؛ إذ كل فرقة إنما ضلت لما فارقت سبيلهم، واتبعت الهوى أو الرأي المجرد.

الفائدة التاسعة عشرة

أن الآيات القرآنية أصلٌ في وجوب الإعراض عن مجالس الباطل إذا كان حضورها سببًا للفتنة أو إقرارًا للمنكر، امتثالًا لأمر الله تعالى.

الفائدة العشرون

أن منهج أهل السنة قائمٌ على جمع كلمتين عظيمتين: اتباعُ الأثر، وترك الابتداع؛ فمن لزم الأثر سلم، ومن ركب مطية الهوى عطب، كما قال بعض السلف: "الاقتصاد في السنة خيرٌ من الاجتهاد في البدعة".

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

خمس بلايا على الأمة وسببها