تفسير الآية 6-7 (باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها) - من رياض الصالحين
|
وقال الله
تَعَالَى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ
إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] قَالَ
العلماء: معناه إِلَى الكتاب والسُنّة. |
تفسير الآية:
تقدم
|
وَقالَ _تَعَالَى_:
{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}
[النساء:80] |
استشهد الإمام
النووي _رحمه الله_ بهذه الآية الكريمة في باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها؛
لأنها أصلٌ عظيم في وجوب اتباع النبي _صلى الله عليه وسلم_ والتمسك بسنته.
فالله _سبحانه
وتعالى_ أخبر أن طاعة رسوله _صلى الله عليه وسلم_ هي في حقيقتها طاعة لله _عز وجل_؛
لأن الرسول _صلى الله عليه وسلم_ لا يأمر، إلا بما أمر الله به، ولا ينهى، إلا عما
نهى الله عنه، وقد أرسله الله مبلغًا لوحيه، ومبينًا لكتابه، ومشرعًا لعباده
بإذنه.
ودلتِ الآية على
أن السنة النبوية وحيٌ من الله _تعالى يجب قبولها والعمل بها، وأن من أطاع النبي _صلى
الله عليه وسلم_ فيما أمر، وانتهى عما نهى عنه، فقد امتثل أمر الله تعالى ونال
رضوانه.
ودلتْ – أيضا - على
أن مخالفة سنة النبي _صلى الله عليه وسلم_ ليست مجرد مخالفة لرأي بشر، وإنما هي
مخالفة لأمر الله الذي أوجب اتباع رسوله.
ولهذا كانت
المحافظة على السنة، والاعتصام بها، وتعظيمها، والاقتداء بالنبي _صلى الله عليه
وسلم_ في الأقوال والأفعال والأخلاق والآداب، من أعظم علامات صدق الإيمان وكمال
العبودية لله _تعالى_، وبها يتحقق صلاح الدين والدنيا، ويسلم العبد من الانحراف
والبدع والضلالات.
تفسير
الآية :
وقال
أبوْ الْفَرَجِ عبد الرحمن بن علي الدمشقي، المعروف بـ"ابن
الجوزيِّ" (المتوفى: 597 هـ) _رحمه الله_ في "زاد
المسير في علم التفسير" (2 / 70)
"سبب
نزولها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن
أحبني، فقد أحب الله."
فقال المنافقون:
لقد قارب هذا الرجلُ الشرْكَ، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. ومعنى الكلام: من
قَبِلَ ما أتى به الرسول، فانما قبل ما أمر الله به." اهـ
"فَاحْتَرَسَ
بِقَوْلِهِ: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ) عَنْ تَوَهُّمِ
السَّامِعِينَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي أُمُورِ التَّشْرِيعِ،
فَأَثْبَتَ
أَنَّ الرَّسُولَ فِي تَبْلِيغِهِ إِنَّمَا يُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ، فَأَمْرُهُ
أَمْرُ اللَّهِ، وَنَهْيُهُ نَهْيُ اللَّهِ، وَطَاعَتُهُ طَاعَةُ اللَّهِ،
وَقَدْ دَلَّ
عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ) لِاشْتِمَالِهَا
عَلَى إِثْبَاتِ كَوْنِهِ رَسُولًا وَاسْتِلْزَامِهَا أَنَّهُ يَأْمُرُ وَيَنْهَى،
وَأَنَّ ذَلِكَ تَبْلِيغٌ لِمُرَادِ اللَّهِ _تَعَالَى_.
فَمَنْ كَانَ
عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ فِي غَفْلَةٍ، فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ
لَهُ اخْتِلَافَ مَقَامَاتِ الرَّسُولِ،
وَمَنْ تَوَلَّى
أَوْ أَعْرَضَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى الْمُكَابَرَةِ، فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ
حَفِيظاً، أَيْ حارسا لَهُم ومسؤولا عَنْ إِعْرَاضِهِمْ،
وَهَذَا
تَعْرِيضٌ بِهِمْ وَتَهْدِيدٌ لَهُمْ بِأَنْ صَرَفَهُ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِهِمْ،
فَيُعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ سَيَتَوَلَّى عِقَابَهُمْ." اهـ
"فيه أن
طاعة الرسول طاعة لله، وفي هذه من النداء بشرف رسول الله وعلو شأنه وارتفاع مرتبته
ما لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه.
ووجهه: أن
الرسول لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهي إلا ما نهى عنه، ولولا بيانه صلى
الله عليه وآله وسلم ما كنا نعرف كل فريضة في كتاب الله كالحج والصلاة والزكاة
والصوم كيف نأتيها، وقال الحسن: جعل الله طاعة رسوله طاعته وقامت به الحجة على
المسلمين." اهـ[1]
وفي "تفسير
الخازن" = "لباب التأويل في معاني التنزيل" (1/ 401):
"وقال
الشافعي: إن كل فريضة فرضها الله في كتابه كالحج والصلاة والزكاة لولا بيان رسول
الله صلّى الله عليه وسلّم لها ما كنا نعرف كيف نأتيها ولا كان يمكننا أداء شيء من
العبادات وإذا كان الرسول صلّى الله عليه وسلّم بهذه المنزلة الشريفة كانت طاعته
على الحقيقة طاعة الله." اهـ
قال أبو السعود العمادي
_رحمه الله_ في "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" (2/ 206):
"{مَّنْ
يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله} بيانٌ لأحكام رسالته صلى الله عليه وسلم إثرَ
بيانِ تحقّقِها وثبوتِها،
وإنما كان كذلك
لأن الآمرَ والناهيَ في الحقيقةِ هُو الله تعالى وإنما هو صلى الله عليه وسلم
مبلِّغٌ لأمره ونهيِه فمرجِعُ الطاعة وعدمها هو الله _سبحانه_." اهـ
قال ابن جُزَيٍّ
الغرناطي _رحمه الله_ في "التسهيل لعلوم التنزيل" (1/ 200):
"هذه الآية
من فضائل رسول الله صلّى الله عليه وعلى اله وسلّم، وإنما كانت طاعته كطاعة الله
لأنه يأمر وينهى عن الله." اهـ
قال ابن كثير
_رحمه الله_ في "تفسيره" – ت. سلامة (2/ 363)
"يُخْبِرُ
تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بِأَنَّهُ مَنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَاهُ فَقَدْ عَصَى
اللَّهَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ
إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى." اهـ
فوائد
ودروس:
تضمنت هذه الآية
الكريمة فوائد عديدة ودروس مهمة، ومن ذلك:
1 - وجوب طاعة
الرسول _صلى الله عليه وسلم_، لأن الله سبحانه جعل طاعة رسوله عينَ طاعته، فمن
امتثل أمر النبي _صلى الله عليه وسلم_، فقد امتثل أمر الله جل وعلا.
2 - السنة وحي
من عند الله_تعالى_، إذ لو لم تكن وحيًا، لما أمر الله بطاعة الرسول ﷺ.
3 - طاعة الله
لا تتم، إلا باتباع رسوله ﷺ.
فمن ادعى محبة
الله وطاعته مع الإعراض عن سنة نبيه ﷺ، فهو متناقض في دعواه.
4 - إثبات عصمة
النبي ﷺ في تبليغ الرسالة،لأن الله أمر بطاعته على الإطلاق فيما يبلغه عن ربه،
وذلك دليل على عصمته في البلاغ.
5 – فيه الرد
على منكري السنة، فالآية نص صريح في أن طاعة الرسول ﷺ واجبة، ومن رد سنته، فقد رد
أمر الله تعالى.
6 - اتباع السنة
سبب للفوز برضا الله، لأن من أطاع الرسول ﷺ، فقد أطاع الله، ومن أطاع الله، استحق
رضوانه وثوابه.
7 - مخالفة
الرسول ﷺ من أعظم أسباب الضلال، فإن ضد الطاعة هو المعصية، ومعصية الرسول ﷺ معصية
لله تعالى.
8 - جميع أوامر
النبي ﷺ الشرعية واجبة القبول، فلا يجوز تقديم قول أحد كائنًا من كان على قوله ﷺ. قال
الله _تعالى_:
{يَاأَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا
اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات: 1، 2]
9 – فيه: تعظيم
منزلة الرسول ﷺ، إذ قرن الله طاعته بطاعة رسوله، وهذا من أعظم دلائل شرفه وعلو
منزلته.
10 - الاحتجاج
بالسنة أصل من أصول الشريعة، فالآية دليل على أن السنة حجة مستقلة يجب العمل بها
كما يعمل بالقرآن.
11 - الإيمان
الصادق يظهر بالاتباع، فليست العبرة بالدعاوى، وإنما بحسن الاقتداء برسول الله ﷺ.
12 - وجوب ردِّ
النزاع إلى الكتاب والسنة، لأن من لوازم طاعة الرسول ﷺ التحاكم إلى سنته عند
الاختلاف.
13 - الرسول ﷺ
مبلغ عن ربه لا يتكلم في الدين من قبل نفسه. ولهذا كانت طاعته طاعة لله _سبحانه
وتعالى_.
14 - السعادة في
الدنيا والآخرة لا تنال إلا بالاتباع، فما سعدت هذه الأمة، إلا باتباع نبيها ﷺ،
ولا تشقى إلا بمخالفته.
Komentar
Posting Komentar