شرح الآية السادسة من (باب في الأمر بالمحافظة عَلَى السنة وآدابها) من رياض الصالحين

  

ثم قال المؤلف _رحمه الله_ في (باب في الأمر بالمحافظة عَلَى السنة وآدابها) مِنْ كتابه "رياض الصالحين":

وَقالَ تَعَالَى : {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [النساء:65]

 

المعنى الإجمالي للآية:

 

أقسم الله سبحانه بنفسه المقدسة، وهو أصدق القائلين، على أن الإيمان الكامل الواجب لا يثبت لأحد حتى يجمع ثلاث خصال عظيمة:

 

أولها: أن يُحكِّم رسول الله ﷺ في جميع ما يقع بين الناس من المنازعات والاختلافات، فيردَّ الأمر إلى حكمه، ويجعل سنته هي المرجع والفصل، لا يقدم عليها رأيًا، ولا هوًى، ولا عادةً، ولا قانونًا مخالفًا لها.

 

وثانيها: أن يرضى بحكمه باطنًا، فلا يبقى في صدره ضيق ولا تردد ولا اعتراض على ما قضى به رسول الله ﷺ، بل ينشرح صدره لحكمه، ويوقن أنه الحق والعدل والخير.

 

وثالثها: أن يستسلم لحكمه استسلامًا تامًّا، فينقاد له ظاهرًا وباطنًا، ويعمل به من غير ممانعة ولا منازعة، مع كمال الرضا والقبول.

 

فدلت الآية على أن حقيقة الإيمان لا تتم إلا باجتماع هذه المراتب الثلاث: التحكيم، وانتفاء الحرج، والتسليم.

 

فمن حققها، فقد حقق كمال الإيمان الواجب، ومن أخلَّ بشيء منها، كان نقص إيمانه بحسب ما أخلَّ به، فإن ردَّ حكم الرسول ﷺ أو أبى التحاكم إليه استكبارًا أو جحودًا، انتفى عنه أصل الإيمان،

وإن وقع في مخالفة مع اعترافه بوجوب حكم الله ورسوله، كان من أهل المعصية بقدر مخالفته، لا يخرج بذلك من الإسلام.

 

أسباب نزول الآية:

 

زاد المسير في علم التفسير (1/ 428)

قوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ في سبب نزولها قولان:

أحدهما: أنها نزلت في خصومة كانت بين الزبير وبين رجل من الأنصار في شراج الحرّة[1]، فقال النبيّ _صلّى الله عليه وسلّم_ للزبير: «اسق ثم أرسل إِلى جارك»[2]

فغضب الأنصاري، قال: "يا رسول الله، أن كان ابن عمّتك!"

فتلوّن وجه رسول الله _صلّى الله عليه وسلّم_، ثم قال للزبير: «اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يبلغ الجَدْر»

قال الزبير: فو الله ما أحسب هذه الآية نزلت إِلاّ في ذلك. أخرجه البخاري ومسلم.

والثاني: أنها نزلت في المنافق، واليهودي اللذين تحاكما إِلى كعب بن الأشرف، وقد سبقت قصتهما، قاله مجاهد.

 

تفسير الآية:

 

زاد المسير في علم التفسير (1/ 428):

"قوله _تعالى_: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ)، أي: لا يكونون مؤمنين حتى يحكموك، وقيل: «لا» ردٌ لزعمهم أنهم مؤمنون، والمعنى: فلا، أي: ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا، وهم يخالفون حكمك.

* ثم استأنف، فقال: (وربّك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم)، أي: فيما اختلفوا فيه.

* وفي «الحرج» قولان:

أحدهما: أنه الشك، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي في آخرين.

والثاني: الضيق، قاله أبو عبيدة، والزجاج.

* وفي قوله: (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) قولان:

أحدهما: يسلموا لما أَمَرْتَهُمْ به، فلا يعارضونك، هذا قول ابن عباس، والزجاج، والجمهور.

والثاني: يسلّموا ما تنازعوا فيه لحكمك، قاله الماورديّ." اهـ

 

تفسير القرطبي (5/ 267)

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ فِي الرَّجُلِ الْأَنْصَارِيِّ:

* فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ.

* وَقَالَ مَكِّيٌّ وَالنَّحَّاسُ: هُوَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ.

* وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ وَالْوَاحِدِيُّ وَالْمَهْدَوِيُّ: هُوَ حَاطِبٌ.

* وَقِيلَ: ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ.

وَقِيلَ: غَيْرُهُ. وَالصَّحِيحُ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَلَا مُسَمًّى، وَكَذَا فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ." اهـ

 

قال القرطبي في "تفسيره" (5/ 267):

"قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَكُلُّ مَنِ اتَّهَمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ كَافِرٌ، لَكِنَّ الْأَنْصَارِيَّ زَلَّ زَلَّةً فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، وَأَقَالَ عَثْرَتَهُ لِعِلْمِهِ بِصِحَّةِ يَقِينِهِ، وَأَنَّهَا كَانَتْ فَلْتَةٌ، وَلَيْسَتْ لِأَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَطَعَنَ فِيهِ ورده فهي ردة يستتاب. وأما إِنْ طَعَنَ فِي الْحَاكِمِ نَفْسَهُ لَا فِي الْحُكْمِ فَلَهُ تَعْزِيرُهُ وَلَهُ أَنْ يَصْفَحَ عَنْهُ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذَا فِي آخِرِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ _تَعَالَى_." اهـ

 

تفسير ابن كثير ت سلامة (2/ 349)

وَقَوْلُهُ: {فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} يُقْسِمُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ الْمُقَدَّسَةِ: أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ أَحَدٌ حَتَّى يُحَكم الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، فَمَا حَكَمَ بِهِ فَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَجِبُ الِانْقِيَادُ لَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: {ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} أَيْ: إِذَا حَكَّمُوكَ يُطِيعُونَكَ فِي بَوَاطِنِهِمْ فَلَا يَجِدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا حَكَمْتَ بِهِ، وَيَنْقَادُونَ لَهُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فَيُسَلِّمُونَ لِذَلِكَ تَسْلِيمًا كُلِّيًّا مِنْ غَيْرِ مُمَانِعَةٍ وَلَا مُدَافِعَةٍ وَلَا مُنَازِعَةٍ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ".

 

قال السعدي _رحمه الله_ في "تيسير الكريم الرحمن" (ص: 185):

"فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان. فمَن استكمل هذه المراتب وكملها، فقد استكمل مراتب الدين كلها.

فمَن ترك هذا التحكيم المذكور غير ملتزم له، فهو كافر، ومَن تركه، مع التزامه، فله حكم أمثاله من العاصين." اهـ

 

وقال الشنقيطي في "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" (1/ 245_246):

قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)،

أَقْسَمَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ الْمُقَدِّسَةِ: أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ أَحَدٌ حَتَّى يُحَكِّمَ رَسُولَهُ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، ثُمَّ يَنْقَادَ لِمَا حَكَمَ بِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَيُسَلِّمَهُ تَسْلِيمًا كُلِّيًّا مِنْ غَيْرِ مُمَانَعَةٍ وَلَا مُدَافَعَةٍ وَلَا مُنَازَعَةٍ،

وَبَيَّنَ فِي آيَةٍ أُخْرَى أَنَّ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ مَحْصُورٌ فِي هَذَا التَّسْلِيمِ الْكُلِّيِّ، وَالِانْقِيَادِ التَّامِّ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لِمَا حَكَمَ بِهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، وَهِيَ قَوْلُهُ _تَعَالَى_: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور: 51]، الْآيَةَ." اهـ

 

فوائد ودروس:

 

في هذه الآية الكريمة من الفوائد العقدية والأصولية والتربوية شيء كثير، ومن أهمها:

١- تعظيم شأن التحاكم إلى الوحي

الفائدة: دلَّت الآية على أن التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أصلٌ من أصول الدين، لا يستغني عنه مؤمن، إذ به تُعرف الأحكام، وتُرفع الخصومات، وتُصان الحقوق.

٢- أن الإيمان قول وعمل واعتقاد

الفائدة: جعل الله للإيمان أعمالًا ظاهرةً وباطنةً؛ فالتحاكم عملٌ ظاهر، وانتفاء الحرج عملُ القلب، والتسليم يجمع أعمال القلب والجوارح، فدلَّ ذلك على أن الإيمان ليس مجرد المعرفة أو التصديق.

٣- وجوب تقديم حكم الرسول ﷺ على كل حكم

الفائدة: في الآية إبطال تقديم الآراء والأهواء والعادات والقوانين المخالفة لحكم رسول الله ﷺ، فإن حكمه هو الميزان الذي تُوزن به الأقوال والأفعال.

٤- أن الرضا بحكم الله من أعمال القلوب الواجبة

الفائدة: لم يكتف الشرع بمجرد قبول الحكم ظاهرًا، بل اشترط انشراح الصدر له، وخلوَّ القلب من الضيق والاعتراض، وذلك من تمام العبودية.

٥- أن التسليم أكمل من مجرد الرضا

الفائدة: فإن الرضا عمل القلب، وأما التسليم فهو انقياد القلب والجوارح جميعًا، ولذلك خُتمت الآية بقوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ مبالغةً في تحقيق الانقياد.

٦- أن القضاء النبوي كله عدل وحق

الفائدة: لأن الله تعالى جعل الإيمان معلقًا بقبول قضاء الرسول ﷺ، وما كان كذلك فلا يكون إلا حقًّا وعدلًا ورحمةً.

٧- أن الخصومات تُرد إلى الشرع

الفائدة: كل ما تنازع فيه الناس من أمر الدين أو الدنيا، فإن مرجعه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، لا أهواء الرجال ولا مجرد العقول.

٨- أن أعمال القلوب معتبرة في الشرع

الفائدة: دل قوله: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ على أن الشرع يعتني بباطن العبد كما يعتني بظاهره، بل قد يكون فساد الباطن سببًا لفساد الظاهر.

٩- إثبات تفاوت مراتب الإيمان

الفائدة: علقت الآية كمال الإيمان بتحقق هذه الأوصاف، فدل ذلك على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن أهله يتفاضلون فيه.

١٠- وجوب الحذر من الاعتراض على أحكام الشرع

الفائدة: فإن وجود الضيق أو الاعتراض على حكم الله ورسوله من أعظم أسباب نقصان الإيمان، وكلما قوي الرضا والتسليم كمل إيمان العبد.

١١- أن الانقياد الصادق يجمع الظاهر والباطن

الفائدة: فليس المقصود مجرد الامتثال بالبدن، بل لا بد أن يوافقه قبول القلب وإذعانه، إذ الأعمال الظاهرة لا تكمل إلا بصلاح الباطن.

١٢- أن هذه الآية جمعت مراتب الدين

الفائدة: أشار جماعة من أهل العلم، ومنهم الشيخ السعدي رحمه الله، إلى أن الآية اشتملت على الإسلام في التحكيم، والإيمان في انتفاء الحرج، والإحسان في كمال التسليم، فمن حققها فقد استكمل مراتب الدين بحسب ما منَّ الله عليه.

١٣- أن القسم يدل على عظم المقسَم عليه

الفائدة: افتتح الله الآية بالقسم بنفسه الكريمة: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾، وفي ذلك تعظيمٌ لشأن هذه القضية، وأنها من أجلِّ مسائل الاعتقاد والإيمان.

١٤- أن اتباع النبي ﷺ فرضٌ في حياته وبعد وفاته

الفائدة: فإن التحاكم إليه في حياته يكون بالرجوع إليه، وبعد وفاته يكون بالرجوع إلى سنته الصحيحة الثابتة، إذ سنته قائمة مقام حكمه إلى قيام الساعة.

١٥- أن حقيقة العبودية كمال الانقياد

الفائدة: فإن العبد كلما ازداد خضوعًا لحكم الله، وترك معارضة الوحي بالرأي والهوى، كان أقرب إلى تحقيق مقام العبودية الذي خلق الله الخلق لأجله.



[1] في «اللسان» الشراج: بكسر الشين جمع شرج، والشرج: مسيل الماء من الحرّة إلى السهل، والحرّة: موضع معروف في المدينة، وهي أرض ذات حجارة سود نخرة، كأنما أحرقت بالنار كما في «معجم البلدان» 2/ 244.

[2] صحيح: أخرجه البخاري 2708 عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري عن عروة بن الزبير عن الزبير.

وأخرجه البخاري 2359 و 2361 و 2362 و 4585 ومسلم 2357 وأبو داود 3637 والترمذي 1363 والنسائي 8/ 245 وابن ماجة 15 و 2480 وأحمد 4/ 4- 5 و 165 وابن حبان 24 وابن الجارود 1021 والطبري 9917 و 9918 والبيهقي 6/ 153 و 154 و 10/ 106 من طرق عن الزهري به.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

شرح الحديث 36 (بَابُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا) من الأدب