شرح الآية الخامسة (باب في الأمر بالمحافظة عَلَى السنة وآدابها) من كتاب "رياض الصالحين"

 

ثم قال النووي _رحمه الله_ في كتابه "رياض الصالحين" في (باب في الأمر بالمحافظة عَلَى السنة وآدابها):

"وَقالَ تَعَالَى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ[1] وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ[2] فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ[3] إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا[4] (59) [النساء : 59]

 

قال ابن الجوزي _رحمه الله_ في "زاد المسير في علم التفسير" (1/ 424):

"قوله تعالى: (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)، طاعة الرسول في حياته: امتثال أمره، واجتناب نهيه، وبعد مماته: اتباع سُنّته. اهـ

 

قال ابن الجوزي _رحمه الله_ في "زاد المسير في علم التفسير" (1/ 424):

"وفي (أولي الأمر) أربعة أقوال:

* أحدها: أنهم الأمراء، قاله أبو هريرة، وابن عباس في رواية، وزيد بن أسلم والسدي ومقاتل.

* والثاني: أنهم العلماء، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وهو قول جابر بن عبد الله والحسن وأبي العالية وعطاء والنخعي والضحاك، ورواه خصيف عن مجاهد.

* والثالث: أنهم أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال بكر بن عبد الله المزني.

* والرابع: أنهم أبو بكر وعمر، وهذا قول عكرمة." اهـ

قال الإمام الطبري _رحمه الله_ في "جامع البيان" – ت. شاكر (8/ 502):

"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال هم الأمراء والولاة، لصحة الأخبار عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان لله طاعة وللمسلمين مصلحة." اهـ

 

قال ابن الجوزي _رحمه الله_ في "زاد المسير في علم التفسير" (1/ 424):

"قوله تعالى: (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) في كيفيّة هذا الرد قولان:

* أحدهما: أن ردّه إلى الله ردّه إلى كتابه، ورده إِلى النبي رده إلى سنّته، هذا قول مجاهد، وقتادة، والجمهور.

قال القاضي أبو يعلى: وهذا الرّد يكون من وجهين:

أحدهما: إلى المنصوص عليه باسمه ومعناه.

والثاني: الرّد إِليهما من جهة الدلالة عليه، واعتباره من طريق القياس، والنظائر.

* والقول الثاني: أن ردّه إلى الله ورسوله أن يقول من لا يعلم الشيء: الله ورسوله أعلم، ذكره قومٌ، منهم الزجّاج." اهـ

 

قال ابن الجوزي _رحمه الله_ في "زاد المسير في علم التفسير" (1/ 425):

"وفي المراد بـ"التأويل" أربعة أقوال:

أحدها: أنه الجزاء، والثواب، وهو قول مجاهد، وقتادة.

والثاني: أنه العاقبة، وهو قول السدي، وابن زيد، وابن قتيبة، والزجاج.

والثالث: أنه التصديق، مثل قوله تعالى: هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ. قاله ابن زيد في رواية.

والرابع: أن معناه: ردّكم إِياه إلى الله ورسوله أحسن من تأويلكم، ذكره الزجّاج." اهـ

أسباب نزول الآية:

 

وقال أبوْ الْفَرَجِ عبد الرحمن بن علي الدمشقي، المعروف بـ"ابن الجوزيِّ" (المتوفى: 597 هـ) _رحمه الله_ في "زاد المسير في علم التفسير" (1/ 423)

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ في سبب نزولها قولان:

* أحدهما: أنها نزلت في عبد الله بن حُذافة بن قيس السّهمي إِذ بعثه النبي _صلّى الله عليه وسلّم_ في سريّة، أخرجه البخاري، ومسلم، من حديث ابن عباس.[5]

* والثاني: أن عمّار بن ياسر كان مع خالد بن الوليد في سريّة، فهرب القوم، ودخل رجلٌ منهم على عمار، فقال: "إِني قد أسلمتُ، هل ينفعني، أو أذهب كما ذهب قومي؟" قال عمار: "أَقِمْ، فأنت آمِنٌ"،

فرجع الرجل، وأقام فجاء خالد، فأخذ الرجل، فقال عمّار: "إِني قد أمَّنْته، وإِنه قد أسلم."

قال: "أَتُجِيْرُ عَلَيَّ، وَأَنَا الْأَمِيْرُ؟" فتنازعا، وقدما على رسول الله _صلّى الله عليه وسلّم_، فنزلتْ هذه الآية، رواه أبو صالح، عن ابن عباس.[6]

 

المعنى الإجمالي للآية:

 

أورد الإمام النووي _رحمه_ الله في هذا الباب هذه الآية العظيمة؛ لبيان أنها أصلٌ جامعٌ في وجوب التمسك بالكتاب والسنة، والمحافظة على هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_ وآدابه، وأن السعادة والفلاح لا يكونان إلا بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله _صلى الله عليه وسلم_.

 

فأمر الله المؤمنين بطاعته فيما أمر به ونهى عنه، وأمر بطاعة رسوله _صلى الله عليه وسلم_ طاعةً مستقلة؛ لأن طاعته من طاعة الله، ولأن ما جاء به من السنة وحيٌ من عند الله تعالى،

كما أمر بطاعة ولاة الأمور من الأمراء والعلماء في غير معصية الله، لما في ذلك من اجتماع الكلمة وانتظام مصالح الدين والدنيا.

 

ثم بيَّن _سبحانه_ المنهج الذي يجب الرجوع إليه عند وقوع الاختلاف والنزاع، وهو ردُّ جميع المسائل إلى كتاب الله وسنة رسوله _صلى الله عليه وسلم_، لا إلى الأهواء، ولا إلى الآراء المجردة، ولا إلى العادات والتقاليد،

عن عطاء: "(أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)، قال: "طاعة الرسول: اتباع الكتاب والسنة." رواه الطبري في "جامع البيان" – ت. شاكر (8/ 496) (رقم: 9853):

فمن كان مؤمنًا بالله واليوم الآخر حق الإيمان، لزمه أن يجعل الوحيين الحكمَ الفاصل في كل ما تنازع فيه الناس.

 

ثم ختم الله _تعالى_ الآية ببيان أن هذا الردَّ إلى الكتاب والسنة خيرٌ في العاجل؛ لما فيه من الهداية والاستقامة ووحدة الأمة، وأحسن تأويلًا؛ أي: أحسن عاقبةً ومآلًا في الدنيا والآخرة،

إذ به تُصان العقائد، وتستقيم العبادات، وتستقر الأحكام، وتنجو الأمة من الفرقة والضلال.

 

ولذلك ساق الإمام النووي _رحمه الله_ هذه الآية في (باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها)، لأنها تدل دلالةً واضحةً على أن السنة النبوية حجةٌ يجب اتباعها، وأن الواجب على المسلم عند كل خلاف أن يرجع إلى الكتاب والسنة، وأن المحافظة على السنة ليست أمرًا مستحبًا مجردًا، بل هي من مقتضيات الإيمان بالله واليوم الآخر، ومن أعظم أسباب الهداية والفلاح.

 

كلام المفسرين وتفسيرهم للآية الكريمة:

 

وقال أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى: 774 هـ) _رحمه الله_ في "تفسير القرآن العظيم" – ط. دار طيبة (2 / 345_346):

"قال مجاهد وغير واحد من السلف: (أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله).

وهذا أمر من الله _عز وجل_ بأن كل شيء تنازع الناسُ فيه من أصول الدين وفرُوْعِهِ أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة،

كما قال _تعالى_: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى:10]،

فَمَا حَكَمَ بِهِ كتابُ الله وسنةُ رسولِهِ وشَهِدَا له بالصحة، فهو الحق، وما ذا بعد الحق، إلا الضلال، ولهذا قال _تعالى_: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} أي: ردوا الخصومات والجهالات___إلى كتاب الله وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}،

فدل على أن من لم يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر." اهـ

 

قال محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي (المتوفى: 1393 هـ) _رحمه الله_ في "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" (1 / 244_245):

"وَيُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّحَاكُمُ إِلَى غَيْرِ كِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_،

وَقَدْ أَوْضَحَ _تَعَالَى_ هَذَا الْمَفْهُومَ مُوَبِّخًا لِلْمُتَحَاكِمِينَ إِلَى غَيْرِ كِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ مُبَيِّنًا أَنَّ الشَّيْطَانَ أَضَلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا عَنِ الْحَقِّ بِقَوْلِهِ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا } [النساء: 60]،

وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ أَحَدٌ حَتَّى يَكْفُرَ بِالطَّاغُوتِ بِقَوْلِهِ: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [البقرة: 256].___

وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ، لَمْ يَسْتَمْسِكْ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، فَهُوَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ هُوَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى،

وَالْإِيمَانُ بِالطَّاغُوتِ يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُ مَعَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، لِأَنَّ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ شَرْطٌ فِي الْإِيمَانِ بِاللَّهِ أَوْ رُكْنٌ مِنْهُ ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ قَوْلِهِ: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ...} [البقرة: 256]." اهـ

 

وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" (ص: 183_184):

"ثم أمر بطاعته وطاعة رسوله وذلك بامتثال أمرهما، الواجب والمستحب، واجتناب نهيهما. وأمر بطاعة أولي الأمر، وهم: الولاة على الناس، من الأمراء والحكام والمفتين، فإنه لا يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم إلا بطاعتهم والانقياد لهم، طاعة لله ورغبة فيما عنده، ولكن بشرط ألا يأمروا بمعصية الله، فإن أمروا بذلك، فلا طاعة لمخلوق في___معصية الخالق.

ولعل هذا هو السر في حذف الفعل عند الأمر بطاعتهم وذكره مع طاعة الرسول، فإن الرسول لا يأمر إلا بطاعة الله، ومن يطعه فقد أطاع الله، وأما أولو الأمر فشرط الأمر بطاعتهم أن لا يكون معصية.[7]

ثم أمر برد كل ما تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه إلى الله وإلى رسوله أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله؛ فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية[8]، إما بصريحهما أو عمومهما؛ أو إيماء، أو تنبيه، أو مفهوم، أو عموم معنى يقاس عليه ما أشبهه، لأن كتاب الله وسنة رسوله عليهما بناء الدين، ولا يستقيم الإيمان إلا بهما.

فالرد إليهما شرط في الإيمان، فلهذا قال: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} فدل ذلك على أن من لم يرد إليهما مسائل النزاع فليس بمؤمن حقيقة، بل مؤمن بالطاغوت، كما ذكر في الآية بعدها {ذَلِكَ} أي: الرد إلى الله ورسوله {خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا}، فإن حكم الله ورسوله أحسن الأحكام وأعدلها وأصلحها للناس في أمر دينهم ودنياهم وعاقبتهم.

 

وقال محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر التونسي، المعروف بـ"ابن عاشور" المالكي (المتوفى : 1393 هـ) _رحمه الله_ في "التحرير والتنوير" (5/ 96):

"لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ الْأُمَّةَ بِالْحُكْمِ بِالْعَدْلِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِخِطَابِهِمْ بِالْأَمْرِ بِطَاعَةِ الْحُكَّامِ وُلَاةِ أُمُورِهِمْ، لِأَنَّ الطَّاعَةَ لَهُمْ هِيَ مَظْهَرُ نُفُوذِ الْعَدْلِ الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ حُكَّامُهُمْ.

فَطَاعَةُ الرَّسُولِ تَشْتَمِلُ عَلَى احترام الْعدْل المشرَّع لَهُمْ وَعَلَى تَنْفِيذِهِ. وَطَاعَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ تَنْفِيذٌ لِلْعَدْلِ،

وَأَشَارَ بِهَذَا التَّعْقِيبِ إِلَى أَنَّ الطَّاعَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا: هِيَ الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ، وَلِهَذَا

قَالَ عَلِيٌّ: «حَقٌّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْعَدْلِ وَيُوَدِّيَ الْأَمَانَةَ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ، فَحَقٌّ عَلَى الرَّعِيَّةِ أَنْ يَسْمَعُوا وَيُطِيعُوا»

أَمَرَ اللَّهُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَذَلِكَ بِمَعْنَى طَاعَةِ الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مُنَزِّلُ الشَّرِيعَةِ، وَرَسُولَهُ مُبَلِّغُهَا، وَالْحَاكِمُ بِهَا فِي حَضْرَتِهِ." اهـ

 

فوائد ودروس:

 

هذه الآية الكريمة قاعدة ومن قواعد الشريعة الغراء ومنهج من مناهج الإسلام في فصل التنازع بين الناس، فمن تأملها تأملا عميقا، وجد فيها كنوز الفوائد والدروس المهمة، منها:

1 - وجوب طاعة الله _تعالى_، فطاعة الله _تعالى_ أصل الدين، ولا صلاح للعبد، إلا بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

2 - وجوب طاعة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، فالواجب اتباع سنته كما يجب اتباع القرآن، لأن الله أمر بطاعته على وجه الاستقلال. فما بيّنه النبي _صلى الله عليه وسلم_ بقوله وفعله من أمور الدين، فعلينا اتباعه فيه.

3 - أن السنة وحي من عند الله _تبارك وتعالى_، إذ لو لم تكن حجةً لما أمر الله بطاعة الرسول _صلى الله عليه وسلم_ طاعةً مطلقة.

4 - أن الإيمان يقتضي الانقياد للأوامر الشرعية، فابتداء الآية بنداء الإيمان يدل على أن الامتثال من لوازم الإيمان.

5 - وجوب طاعة ولاة الأمور في المعروف، وهم الأمراء والعلماء، وطاعتهم تكون فيما وافق شرْعَ الله.

6 - أن طاعة ولاة الأمور تابعة لطاعة الله ورسوله، ولذلك لم يُعِدِ الله فعل الطاعة معهم، إشارة إلى أنها ليست مستقلة.

7 - إثبات مكانة العلماء في الأمة، لأنهم داخلون في أولي الأمر من جهة بيان الأحكام الشرعية.

8 - الحث على اجتماع الكلمة ونبذ الفرقة، فإن طاعة ولاة الأمور في المعروف سبب لاجتماع المسلمين.

9 - أن الاختلاف واقع بين الناس، ولذلك أرشد الله _تعالى_ إلى الطريق الشرعي عند وقوعه.

10 - أن المرجع عند النزاع هو الكتاب والسنة، فلا يجوز تقديم الآراء والأذواق والعادات عليهما.

11 - عموم الاحتكام إلى الوحي، فقوله: (في شيء) يشمل جميع مسائل الدين والدنيا.

12 - بطلان التحاكم إلى غير شرع الله عند وجود حكم الله _تعالى_ ورسوله _صلى الله عليه وسلم_، لأن الله لم يجعل مرجعًا عند النزاع سوى الوحي.

13 - أن القرآن والسنة متلازمان، فلا يكتفى بأحدهما دون الآخر، لأن الله _تعالى_ هو المنزل، والرسول _صلى الله عليه وسلم_ هو المبلغ والمبين.

14 - أن السنة مبينة للقرآن وشارحة له، ولذلك قرنها الله بكتابه في مقام الاحتكام.

15 - أن رد النزاع إلى الكتاب والسنة علامةٌ على صحة الإيمان، لقوله: (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر).

16 - أن الإيمان يزيد وينقص، إذ علق كماله وصدقه بتحقيق هذا الأصل العظيم.

17 - أن مخالفة الوحي سبب للضلال والافتراق، فما ضلت الأمم، إلا حين أعرضت عن وحي الله _تعالى_. قال _تعالى_: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123]

18 - أن الخير كله في اتباع الوحي، لقوله تعالى: (ذلك خير).

19 - أن أحكام الشريعة أحسن عاقبة ومآلًا، فكل من تمسك بها، سلم في الدنيا، وفاز في الآخرة.

20 - أن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، بل العقل السليم يشهد بحكمة الشريعة وكمالها.

21 - أن الواجب على المسلم التسليم للنصوص الشرعية، فلا يعارضها برأي أو قياس فاسد.

22 - أن وحدة الأمة لا تتحقق، إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة.

23 - أما الاجتماع على غيرهما، فاجتماع مؤقت لا يدوم.

24 - أن طاعة الرسول _صلى الله عليه وسلم_ باقية بعد وفاته، وذلك بالرجوع إلى سنته الصحيحة والعمل بها.

25 - أن التحاكم إلى الوحي عبادةٌ يتقرب بها العبد إلى الله _تعالى_، لأنه تنفيذ لأمره وامتثال لحكمه.

26 - أن هذه الآية أصل عظيم من أصول أهل السنة والجماعة، فهي تجمع بين الأمور المهمة من لزوم السمع والطاعة في المعروف، وتعظيم السنة، ورد جميع المنازعات إلى كتاب الله وسنة رسوله _صلى الله عليه وسلم_، وتحقيق الاعتصام بالوحيين، وهو سبيل النجاة والهداية في الدنيا والآخرة.

 



[1] قال ابن الجوزي _رحمه الله_ في "زاد المسير في علم التفسير" (1/ 424): "قوله تعالى: (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)، طاعة الرسول في حياته: امتثال أمره، واجتناب نهيه، وبعد مماته: اتباع سُنّته. اهـ

[2] قال ابن الجوزي _رحمه الله_ في "زاد المسير في علم التفسير" (1/ 424):

"وفي أولي الأمر أربعة أقوال:

أحدها: أنهم الأمراء، قاله أبو هريرة، وابن عباس في رواية، وزيد بن أسلم والسدي ومقاتل.

والثاني: أنهم العلماء، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وهو قول جابر بن عبد الله والحسن وأبي العالية وعطاء والنخعي والضحاك، ورواه خصيف عن مجاهد.

والثالث: أنهم أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال بكر بن عبد الله المزني.

والرابع: أنهم أبو بكر وعمر، وهذا قول عكرمة." اهـ

قال الإمام الطبري _رحمه الله_ في "جامع البيان" – ت. شاكر (8/ 502):

"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال هم الأمراء والولاة، لصحة الأخبار عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان لله طاعة وللمسلمين مصلحة." اهـ

[3] قال ابن الجوزي _رحمه الله_ في "زاد المسير في علم التفسير" (1/ 424):

"قوله تعالى: (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) في كيفيّة هذا الرد قولان: أحدهما: أن ردّه إلى الله ردّه إلى كتابه، ورده إِلى النبي رده إلى سنّته، هذا قول مجاهد، وقتادة، والجمهور.

قال القاضي أبو يعلى: وهذا الرّد يكون من وجهين: أحدهما: إلى المنصوص عليه باسمه ومعناه. والثاني: الرّد إِليهما من جهة الدلالة عليه، واعتباره من طريق القياس، والنظائر. والقول الثاني: أن ردّه إلى الله ورسوله أن يقول من لا يعلم الشيء: الله ورسوله أعلم، ذكره قومٌ، منهم الزجّاج." اهـ

[4] قال ابن الجوزي _رحمه الله_ في "زاد المسير في علم التفسير" (1/ 425):

"وفي المراد بـ"التأويل" أربعة أقوال:

أحدها: أنه الجزاء، والثواب، وهو قول مجاهد، وقتادة.

والثاني: أنه العاقبة، وهو قول السدي، وابن زيد، وابن قتيبة، والزجاج.

والثالث: أنه التصديق، مثل قوله تعالى: هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ. قاله ابن زيد في رواية.

والرابع: أن معناه: ردّكم إِياه إلى الله ورسوله أحسن من تأويلكم، ذكره الزجّاج." اهـ

[5] ففي سنن ابن ماجه (2/ 955) (رقم: 2863):

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ:

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَلْقَمَةَ بْنَ مُجَزِّزٍ عَلَى بَعْثٍ، وَأَنَا فِيهِمْ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى رَأْسِ غَزَاتِهِ، أَوْ كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، اسْتَأْذَنَتْهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْجَيْشِ، فَأَذِنَ لَهُمْ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيَّ، فَكُنْتُ فِيمَنْ غَزَا مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، أَوْقَدَ الْقَوْمُ نَارًا لِيَصْطَلُوا، أَوْ لِيَصْنَعُوا عَلَيْهَا صَنِيعًا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَكَانَتْ فِيهِ دُعَابَةٌ: أَلَيْسَ لِي عَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَمَا أَنَا بِآمِرِكُمْ بِشَيْءٍ، إِلَّا صَنَعْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكُمْ، إِلَّا تَوَاثَبْتُمْ فِي هَذِهِ النَّارِ، فَقَامَ نَاسٌ، فَتَحَجَّزُوا، فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّهُمْ وَاثِبُونَ، قَالَ: أَمْسِكُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّمَا كُنْتُ أَمْزَحُ مَعَكُمْ، فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَمَرَكُمْ مِنْهُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَلَا تُطِيعُوهُ» - حسنه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (5/ 418) (رقم: 2324).

وورد قصة عبد الله بن حذافة عن حديث علي بن أبي طالب _رضي الله عنه_: أخرجه البخاري في "صحيحه" (5/ 161) (رقم: 4340)، ومسلم  في "صحيحه" (3/ 1469) (رقم: 1840).

وورد أيضا عن ابن عباس _رضي الله عنه_: أخرجه البخاري في "صحيحه" (6/ 46) (رقم: 4584)، ومسلم في "صحيحه" (3/ 1465) (رقم: 1834)، والنسائي في "سننه" (7/ 154) (رقم: 4194)

[6] أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (16/ 235_236 و 43/ 400_401)،

قال عبد الرزاق المهدي _حفظه الله_ في تعليقه على "زاد المسير في علم التفسير" (1/ 424):

"ضعيف. أخرجه ابن مردويه كما في «تفسير ابن كثير» 1/ 530 من طريق الحكم بن ظهير عن السدي عن أبي صالح عن ابن عباس. والحكم بن ظهير متروك الحديث وأبو صالح غير ثقة في ابن عباس. واسم أبي صالح باذام. وأخرجه الطبري 9866 عن السدي وهذا معضل، ومع ذلك فالسدي متكلم فيه إذا وصل الحديث فكيف إذا رواه معضلا. وخبر خالد وعمار في الصحيح بغير هذا السياق، وليس فيه ذكر نزول الآية." اهـ

[7] وقال ابن عاشور _رحمه الله_ في "التحرير والتنوير" (5/ 97):

"وَإِنَّمَا أُعِيدَ فِعْلُ: وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ مَعَ أَنَّ حَرْفَ الْعَطْفِ يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ إِظْهَارًا لِلِاهْتِمَامِ بِتَحْصِيلِ طَاعَةِ الرَّسُولِ لِتَكُونَ أَعْلَى مَرْتَبَةً مِنْ طَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ، وَلِيُنَبِّهَ عَلَى وُجُوبِ طَاعَتِهِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ، وَلَوْ كَانَ أَمْرُهُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِقَرَائِنِ تَبْلِيغِ الْوَحْيِ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ السَّامِعُ أَنَّ طَاعَةَ الرَّسُولِ الْمَأْمُورَ بِهَا تَرْجِعُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ دُونَ مَا يَأْمُرُ بِهِ فِي غَيْرِ التَّشْرِيعِ، فَإِنَّ امْتِثَالَ أَمْرِهِ كُلِّهِ خَيْرٌ، أَلَا تَرَى

أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا أَبَا سَعِيدِ بْنَ الْمُعَلَّى، وَأَبُو سَعِيدٍ يُصَلِّي، فَلَمْ يُجِبْهُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ جَاءَهُ فَقَالَ لَهُ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي» فَقَالَ: «كُنْتُ أُصَلِّي» فَقَالَ: «أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ»." اهـ

[8] وقال ابن عاشور _رحمه الله_ في "التحرير والتنوير"  (5/ 99):

"وَضَمِيرُ (تَنازَعْتُمْ) رَاجِعٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا فَيَشْمَلُ كُلَّ مَنْ يُمْكِنُ بَيْنَهُمُ التَّنَازُعُ، وَهُمْ مَنْ عَدَا الرَّسُولَ، إِذْ لَا يُنَازِعُهُ الْمُؤْمِنُونَ، فَشَمَلَ تَنَازُعَ الْعُمُومِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، وَشَمَلَ تَنَازُعَ وُلَاةِ الْأُمُورِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، كَتَنَازُعِ الْوُزَرَاءِ مَعَ الْأَمِيرِ أَوْ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، وَشَمَلَ تَنَازُعَ الرَّعِيَّةِ مَعَ وُلَاةِ أُمُورِهِمْ، وَشَمَلَ تَنَازُعَ الْعُلَمَاءِ بَعْضِهِمْ مَعَ بعض فِي شؤون عِلْمِ الدِّينِ.

وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى مَا ذُكِرَ فِي سَبَبِ النُّزُولِ، نَجِدُ الْمُرَادَ ابْتِدَاءً هُوَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْأُمَرَاءِ وَالْأُمَّةِ، وَلِذَلِكَ نَجِدُ الْمُفَسِّرِينَ قَدْ فَسَّرُوهُ بِبَعْضِ صُوَرٍ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ، فَلَيْسَ مَقْصِدُهُمْ قَصْرَ الْآيَةِ عَلَى مَا فَسَّرُوا بِهِ، وَأَحْسَنُ عِبَارَاتِهِمْ فِي هَذَا قَوْلُ الطَّبَرِيِّ: «يَعْنِي فَإِنِ اخْتَلَفْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْتُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ أَوْ أَنْتُمْ وَأُولُو أَمْرِكُمْ فِيهِ»، وَعَنْ مُجَاهِدٍ: فَإِنْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ رَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ»." اهـ

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام

شرح الحديث 36 (بَابُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا) من الأدب