تفسير الآية الرابعة من (باب الأمر بالمحافظة عَلَى السُّنَّة وآدابِها) من رياض الصالحين
|
ثم قال المؤلف
_رحمه الله_ في (باب الأمر بالمحافظة عَلَى السُّنَّة وآدابِها): وَقالَ
تَعَالَى: {لَقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو
اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الأحزاب: 21] |
شرح
المفردات الغريبة:
وتمام
الآية:
{لَقَدْ كَانَ
لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ
وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]
وقال أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الخزرجي، شمس الدين القرطبي (المتوفى: 671 هـ) _رحمه الله_ في "الجامع
لأحكام القرآن" (14 / 155):
"والأسوة
ما يتأسى به، أي يتعزى به. فيقتدى به في جميع أفعاله ويتعزى به في جميع أحواله."
اهـ
وقال محمد بن
علي اليمني، المعروف بـ"الشوكاني"
(المتوفى: 1250هـ) _رحمه الله_ في "فتح القدير" (4/ 311):
"أُسْوَةٌ
حَسَنَةٌ أَيْ: قُدْوَةٌ صَالِحَةٌ، يُقَالُ لِي فِي فُلَانٍ أُسْوَةٌ: أَيْ لِي
بِهِ، وَالْأُسْوَةُ مِنَ الِائْتِسَاءِ، كَالْقُدْوَةِ مِنَ الِاقْتِدَاءِ: اسْمٌ
يُوضَعُ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالْأُسْوَةُ وَالْإِسْوَةُ
بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ، وَالْجَمْعُ: أُسًى وَإِسًى. قَرَأَ الْجُمْهُورُ
«أُسْوَةٌ» بِالضَّمِّ لِلْهَمْزَةِ، وَقَرَأَ عَاصِمٌ بِكَسْرِهَا، وَهُمَا
لُغَتَانِ كَمَا قَالَ الْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُ." اهـ
المعنى
الإجمالي للآية في سياق الباب:
استشهد الإمام
النووي رحمه الله بهذه الآية الكريمة في باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها؛
لأنها أصلٌ عظيم في وجوب الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، والتمسك بسنته
في جميع شؤون الدين.
فقد أخبر الله
تعالى أن في رسوله صلى الله عليه وسلم القدوة الكاملة، والإمام الأكمل، والمثل
الأعلى الذي ينبغي للمؤمنين أن يتأسوا به في أقواله، وأفعاله، وأخلاقه، وعبادته،
وصبره، وجهاده، ودعوته، وسائر أحواله. فلا طريق إلى رضا الله والفوز في الآخرة إلا
باتباع هديه، والسير على سنته، وترك ما خالفها.
ثم بيَّن سبحانه
أن الذي ينتفع بهذه القدوة حق الانتفاع هو من كان يرجو الله واليوم الآخر؛ أي: من
كان يؤمن بلقاء الله، ويطمع في ثوابه، ويخاف عقابه، ويستعد ليوم القيامة.
فهذا هو الذي
يحمل نفسه على الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، لأن رجاءه لله وخوفه من الآخرة
يدفعانه إلى متابعة الرسول ظاهراً وباطناً.
فالآية تدل على
أن المحافظة على السنة ليست أمراً مستحباً مجرداً، بل هي من لوازم صدق الإيمان،
وعلامات محبة الله ورسوله، وأساس الاستقامة على الدين، ولذلك صدر بها الإمام
النووي هذا الباب؛ لتكون أصلاً لما سيورده بعد ذلك من الأحاديث الآمرة بالتمسك
بالسنة، والمحذرة من مخالفتها والإعراض عنها.
تفسير
الآية من كلام المفسرين:
وقال أبوْ
الْفَرَجِ عبد الرحمن بن علي الدمشقي، المعروف بـ"ابن
الجوزيِّ" (المتوفى: 597 هـ) _رحمه الله_ في "زاد المسير في علم
التفسير" (5 / 128):
"والمعنى:
لقد كان لكم به اقتداءٌ لو اقتديتم به في الصبر معه كما صبر يوم أُحُد حتى كُسِرت
رَباعِيَّتُه وشُجَّ جبينه، وقُتِل عمُّه، وآساكم مع ذلك بنفسه." اهـ
وقال
الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى:
1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح
رياض الصالحين" (2/ 251_252):
"ويشمل
قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)___معنيين:
المعنى
الأول:
هو أن كل ما يفعله فهو حسن، فالتأسي به حسن.
الثاني:
أننا مأمورون بأن نتأسى به أسوة حسنة، لا نزيد على ما شرع ولا ننقص عنه، لأن
الزيادة أو النقص ضد الحسن، ولكننا مأمورون بأن نتأسى به وكل شيء نتأسى به فيه
فإنه حسن." اهـ
وقال أبو محمد
مكي بن أبي طالب حَمُّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني
الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437 هـ) _رحمه الله_ في "الهداية الى
بلوغ النهاية" (9 / 5814):
"هذا عتاب
من الله للمتخلفين عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ بالمدينة من المؤمنين، أي:
كان لكم أن تتأسَّوْا بِهِ، وتكونوا معه حيث كان ولا تتخلفوا عنه.
ثم قال: {لِّمَن
كَانَ يَرْجُواْ الله}، أي: ثواب الله في الآخرة. {واليوم الآخر}، أي: ويرجوا
عاقبة اليوم الآخر. {وَذَكَرَ الله كَثِيراً}، أي: وأَكْثَرَ ذِكْرَ اللهِ في
الخوف والشدة والرخاء." اهـ
وقال محمد بن
علي اليمني، المعروف بـ"الشوكاني"
(المتوفى: 1250هـ) _رحمه الله_ في "فتح القدير" (4/ 311):
"وَفِي
هَذِهِ الْآيَةِ: عِتَابٌ لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ الْقِتَالِ مَعَ رَسُولِ
اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_،
أَيْ: (لَقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ) حَيْثُ بَذَلَ نَفْسَهُ لِلْقِتَالِ وَخَرَجَ
إِلَى الْخَنْدَقِ لِنُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ (أُسْوَةٌ)،
وَهَذِهِ
الْآيَةُ وَإِنْ كَانَ سَبَبُهَا خَاصًّا فَهِيَ عَامَّةٌ___فِي كُلِّ شَيْءٍ،
وَمِثْلُهَا: {وَمَا
آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]،
وَقَوْلُهُ: {قُلْ
إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل
عمران: 31]." اهـ
وقال أبو الطيب محمد صديق حسن خان الحسيني البخاري القِنَّوجي (المتوفى: 1307 هـ) _رحمه الله_ في "فتح
البيان في مقاصد القرآن" (11/ 66):
"وفي هذه
الآية عتاب للمتخلفين عن القتال مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي لقد كان
لكم في رسول الله حيث بذل نفسه للقتال، وخرج إلى الخندق لنصرة دين الله أسوة،
والمعنى: اقتدوا
به اقتداء حسناً، وهو أن تنصروا دين الله وتوازروا رسوله، ولا تتخلفوا عنه،
وتصبروا على ما يصيبكم، كما فعل هو، إذ كسرت رباعيته، وجُرِحَ وشُجَّ وجْهُه، وجاع
بطْنُه، وقُتِل عمه حمزةُ، وأوذي بضروب الأذى فصبر، وواساكم مع ذلك بنفسه، فافعلوا
أنتم كذلك أيضاً، واستنوا بسنته.
وهذه الآية وإن
كان سببها خاصاً، فهي عامة في كل شيء؛
وَمِثْلُهَا: {وَمَا
آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]،
وَقَوْلُهُ: {قُلْ
إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل
عمران: 31]." اهـ
وقال أبو الطيب محمد صديق حسن خان الحسيني البخاري القِنَّوجي (المتوفى: 1307 هـ) _رحمه الله_ في "فتح
البيان في مقاصد القرآن" (11/ 66):
"عن ابن
عمر، قال في الآية: (هذا في جوع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_).
وقد استدل بهذه
الآية جماعة من الصحابة في مسائل كثيرة اشتملت عليها كتب السنة، وهي خارجة عما نحن
بصدده،
نعم فيه دلالة
على لزوم الاتباع، وترك التقليد الحادث الذي أصيب به الإسلام أي مصيبة.
وهل هذه الأسوة
على الإيجاب أو على الاستحباب، فيه قولان، قال القرطبي:
* يحتمل أن تحمل
على الإيجاب في أمور الدين،
* وعلى
الاستحباب في أمور الدنيا." اهـ
وقال محمد
الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر التونسي، المعروف بـ"ابن
عاشور" المالكي (المتوفى : 1393 هـ) _رحمه الله_ في "التحرير
والتنوير" (21/ 303):
“وَفِي
الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى فَضْلِ الِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ الْإِسْوَةُ الْحَسَنَةُ لَا مَحَالَةَ وَلَكِنْ لَيْسَ
فِيهَا تَفْصِيلٌ وَتَحْدِيدٌ لِمَرَاتِبِ الِائْتِسَاءِ وَالْوَاجِبِ مِنْهُ
وَالْمُسْتَحَبِّ وَتَفْصِيلُهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَاصْطِلَاحُ
أَهْلِ الْأُصُولِ عَلَى جَعْلِ التَّأَسِّي لَقَبًا لِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ فِي
أَعْمَالِهِ الَّتِي لَمْ يُطَالِبْ بِهَا الْأُمَّةَ عَلَى وَجْهِ التَّشْرِيعِ.
وَذَكَرَ
الْقُرْطُبِيُّ عَنِ الْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ
بْنِ حَسَّانَ الْهَجَرِيِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ
عُمَرَ: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ قَالَ: فِي
جُوعِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وقال محمود بن
عبد الله الحُسيني الأَلُوْسِيُّ (المتوفى: 1270 هـ)
_رحمه الله_ في "روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني" (11/
165):
"والآية - وإن
سيقت للاقتداء به _عليه الصلاة والسلام_ في أمر الحرب من الثبات ونحوه -، فهي عامة
في كل أفعاله _صلّى الله تعالى عليه وسلم_، إذا لم يعلم أنها من خصوصياته، كنكاح
ما فوق أربع نسوة،[1]
أخرج ابن ماجة،
وابن أبي حاتم عن حفص بن عاصم قال: قلت لعبد الله بن عمر _رضي الله تعالى عنهما_:
(رأيتك في السفر
لا تصلي قبل الصلاة ولا بعدها)،
فقال: (يا ابن
أخي، صَحِبْتُ رسول الله _صلّى الله تعالى عليه وسلم_ كذا وكذا، فلم أره يصلي قبل
الصلاة ولا بعدها، ويقول الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ
أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21])[2]."
اهـ
"هَذِهِ
الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي التَّأَسِّي بِرَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ؛
وَلِهَذَا أُمِرَ النَّاسُ بِالتَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، فِي صَبْرِهِ وَمُصَابَرَتِهِ وَمُرَابَطَتِهِ
وَمُجَاهَدَتِهِ وَانْتِظَارِهِ الْفَرَجَ مِنْ رَبِّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، صَلَوَاتُ
اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ؛
وَلِهَذَا قَالَ
تَعَالَى لِلَّذِينِ تَقَلَّقُوا وَتَضْجَّرُوا وَتَزَلْزَلُوا وَاضْطَرَبُوا فِي
أَمْرِهِمْ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ
أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} أَيْ: هَلَّا اقْتَدَيْتُمْ بِهِ وَتَأَسَّيْتُمْ
بِشَمَائِلِهِ؟
وَلِهَذَا
قَالَ: {لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ
كَثِيرًا}." اهـ
وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (المتوفى:
1376 هـ) _رحمه الله_ في "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" (1
/ 660):
"{لَقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} حيث حضر الهيجاء بنفسه
الكريمة، وباشر موقف الحرب، وهو الشريف الكامل، والبطل الباسل،
فكيف تشحون
بأنفسكم، عن أمر جَادَ رسولُ اللّه _صلى اللّه عليه وسلم_، بنفسه فيه؟" فَتأَسَّوْا
به في هذا الأمر وغيره.
واستدل
الأصوليون في هذه الآية، على الاحتجاج بأفعال الرسول _صلى اللّه عليه وسلم_، وأن
الأصل: أن أمته أسوته في الأحكام، إلا ما دل الدليل الشرعي على الاختصاص به.
فالأسوة نوعان:
أسوة حسنة، وأسوة سيئة.
* فالأسوة
الحسنة: في الرسول _صلى اللّه عليه وسلم_، فإن المتأسِّي به، سالك الطريق الموصل
إلى كرامة اللّه، وهو الصراط المستقيم.
* وأما الأسوة بغيره،
إذا خالفه: فهو الأسوة السيئة،
كقول الكفار حين
دعتهم الرسل للتأسِّي بهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا
عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف: 22]
وهذه الأسوة
الحسنة، إنما يسلكها ويوفق لها من كان يرجو اللّه، واليوم الآخر، فإن ما معه من
الإيمانِ، وخوفِ اللّه، ورجاءِ ثوابه، وخوفِ عقابه، يحثه على التأسي بالرسول _صلى
اللّه عليه وسلم_." اهـ
فوائد
ودروس من الآية:
من فوائد الآية
الكريمة:
1 - إثباتُ
وجوبِ الاقتداءِ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
فإنَّ الله
تعالى جعلَه الأسوةَ الحسنةَ لعبادِه، ومن جُعِلَ قدوةً من قِبَلِ الله وجب
اتباعُه والاهتداءُ بهديه.
2 - أنَّ رسولَ
الله صلى الله عليه وسلم أكملُ الخلقِ هديًا وسيرةً.
إذ لا يصفُ الله
أحدًا بأنه أسوةٌ حسنةٌ على الإطلاق إلا من كمُلت خصالُه، واستقام ظاهرُه وباطنُه.
3 - أنَّ السنةَ
هي الطريقُ الموصلُ إلى رضوانِ الله، لأنَّ التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم هو
حقيقةُ التمسكِ بالسنة.
4 - أنَّ
القرآنَ يأمرُ باتباعِ الرسول كما يأمرُ بتوحيدِ الله.
ففي الآية دليلٌ
على أنَّ اتباعَ الرسول أصلٌ من أصولِ الدين، لا يتمُّ الإيمانُ إلا به.
5 - أنَّ محبةَ
النبي صلى الله عليه وسلم ليست دعوى مجردة، بل حقيقتُها متابعةُ أوامرِه، واجتنابُ
نواهيه، والاقتداءُ به في الظاهرِ والباطن.
6 - أنَّ
المؤمنَ الصادقَ يحرصُ على معرفةِ هديِ النبي صلى الله عليه وسلم.
إذ لا يتحققُ
التأسي إلا بمعرفةِ أقوالِه وأفعالِه وسيرتِه.
7 - أنَّ
الرجاءَ الصادقَ لله يحملُ صاحبَه على الاتباع.
فمن رجا ثوابَ
الله صدقًا لازمَ سبيلَ رسولِه صلى الله عليه وسلم.
8 - أنَّ
الإيمانَ باليومِ الآخر من أعظمِ دواعي الاستقامة.
لأنَّ من
استحضرَ الوقوفَ بين يدي الله رقَب نفسَه، ولزم هديَ نبيِّه.
9 - أنَّ
الانتفاعَ بالوحي ليس لكل أحد.
وإنما ينتفعُ به
أهلُ الإيمان، الذين يرجون الله واليوم الآخر.
10 - أنَّ
الاقتداءَ بالنبي صلى الله عليه وسلم يشملُ جميعَ أبوابِ الدين في الاعتقاد،
والعبادة، والأخلاق، والمعاملات، والدعوة، والجهاد، وسائرِ شؤونِ الحياة.
11 - أنَّ
أفعالَ النبي صلى الله عليه وسلم حجةٌ شرعيةٌ يُهتدى بها، لأنَّ الله جعلَه قدوةً،
والقدوةُ إنما تكونُ بما يظهرُ من أقوالِها وأفعالِها.
12 - أنَّ حسنَ
الخُلُق من أعظمِ معالمِ الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
فإنه كان أكملَ
الناس خُلُقًا، فمن اقتدى به نال حظًّا من كمالِ الأخلاق.
13 - أنَّ
الخيرَ كلَّه في متابعةِ الرسول صلى الله عليه وسلم. فما من فضيلةٍ إلا دلَّ
عليها، ولا رذيلةٍ إلا حذَّر منها.
14 - أنَّ
مخالفةَ السنة سببٌ للحرمان والضلال. إذ إذا كان الخيرُ في التأسي، كان ضدُّه
سببًا للفواتِ والخسران.
15 - أنَّ هذه
الآية أصلٌ في ردِّ البدع والمحدثات، لأنَّ كلَّ عبادةٍ لم يكن عليها رسولُ الله صلى
الله عليه وسلم فليست من الأسوةِ الحسنة.
16 - أنَّ
العبدَ مأمورٌ بتقديمِ هديِ النبي صلى الله عليه وسلم على الآراءِ والأهواءِ
والعادات. إذ لا تُقدَّمُ أقوالُ الرجال على قولِ رسولِ ربِّ العالمين.
17 - أنَّ في
سيرةِ النبي صلى الله عليه وسلم الكفايةَ لمن طلبَ صلاحَ الدنيا والآخرة. فهي
السيرةُ الجامعةُ لمحاسنِ الدين ومكارمِ الأخلاق.
18 - أنَّ
التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم من علاماتِ صدقِ الإيمان.
فكلما عظم نصيبُ
العبد من الاتباع، قوي إيمانُه واستقامت حالُه.
19 - أنَّ هذه
الآية تدعو إلى تعلمِ السنةِ وتعليمِها ونشرِها بين الناس.
إذ لا يتحققُ
الاقتداءُ إلا بمعرفةِ السنة وفهمِها والعملِ بها.
20 - أنَّ أعظمَ
القدواتِ وأكملَ الأئمةِ هو محمدٌ صلى الله عليه وسلم.
فمن ابتغى
القدوةَ في غيرِه مع الإعراضِ عن هديِه فقد عدل عن أكملِ سبيلٍ إلى سبيلٍ دونه،
وترك النورَ إلى ما لا يؤمَن فيه العثار.
[1] قال
العثيمين _رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 252_253):
"وأخذ
العلماء من هذه الآية أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم حجة يحتج بها ويقتدى به
فيها، إلا ما قام الدليل على أنه خاص به، فما قام الدليل على أنه خاص به فهو مختص
به، مثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ
أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا
أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ) إلى أن قال (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ
نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً
لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) (الأحزاب: 50) ، فما كان من خصائصه فهو من
خصائصه.
ومن
ذلك أيضاً: الوصال في الصوم، أي أن يسدد الإنسان صوم يومين بلا فطر، فإن النبي صلى
الله عليه وسلم نهى عنه، قالوا: يا رسول الله، إنك تواصل، يعني فكيف تنهانا؟ فقال:
(إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقي) وفي لفظ: (إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) يعني
يطعمه الله ويسقيه بما___يمده به من ذكره، وتعلق قلبه به حتى ينسى الأكل والشرب
ولا يطلبه." اهـ
[2] ففي
"سنن ابن ماجه" (1/ 340) (رقم: 1071):
حَدَّثَنَا
أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، عَنْ
عِيسَى بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: حَدَّثَنِي
أَبِي، قَالَ: كُنَّا مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي سَفَرٍ فَصَلَّى بِنَا، ثُمَّ
انْصَرَفْنَا مَعَهُ وَانْصَرَفَ، قَالَ: فَالْتَفَتَ فَرَأَى أُنَاسًا
يُصَلُّونَ، فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ قُلْتُ يُسَبِّحُونَ، قَالَ: لَوْ
كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ صَلَاتِي، يَا ابْنَ أَخِي «إِنِّي صَحِبْتُ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى
رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ» ، ثُمَّ صَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ
فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَحِبْتُ عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى
رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى
قَبَضَهُمُ اللَّهُ، وَاللَّهُ يَقُولُ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ
أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]
وصححه
الألباني _رحمه الله_ في "الإرواء" (رقم: 563)
Komentar
Posting Komentar