شرح الحديث 37-38 (بَابُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا) من الأدب المفرد
|
[37] – (3) حَدَّثَنَا
مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ، عَنْ غَالِبٍ قَالَ:
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: "كُنَّا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَيْلَةً،
فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي هُرَيْرَةَ، وَلِأُمِّي، وَلِمَنِ
اسْتَغْفَرَ لَهُمَا»، قَالَ لِي مُحَمَّدٌ: "فَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُ لَهُمَا حَتَّى نَدْخُلَ
فِي دَعْوَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ." [قال الشيخ الألباني : صحيح] |
رواة الحديث:
* حَدَّثَنَا مُوسَى (ثقة ثبت: ت 223 هـ بـ البصرة):
موسى بن إسماعيل المنقرى مولاهم، أبو سلمة التبوذكي البصري (مشهور بكنيته وبِاسْمِهِ )، من صغار
أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق
* قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ (ثقة صاحب سنة، فى روايته عن قتادة ضعف: ت 164 هـ):
سلاَّم بن أبى مطيع سعد، أبو سعيد الخُزاعي مولاهم، البصري
(مولى عمر بن أبي وهب)، من كبار أتباع التابعين، روى له: خ م ل ت س ق
* عَنْ غَالِبٍ (صدوق):
غالب بن خَطَافٍ[1]، وهو ابن أبي غيلان القطان،
أبو سليمان البصري، من الذين عاصروا صغار التابعين، روى
له: خ م د ت س ق.
* قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ (ثقة ثبت كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى: ت. 110
هـ):
محمد بن سيرين الأنصاري، أبو بكر بن أبى عمرة البصري (مولى أنس بن مالك، وأخو أنس
بن سيرين ومعبد وحفصة وكريمة)، من الوسطى من التابعين، روى
له: خ م د ت س ق
* أبو هريرة الدوسي اليماني (صحابي: ت. 57 هـ):
عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليماني _رضي الله
عنه_، روى له: خ م د ت س ق
نص الحديث:
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَيْلَةً،
فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي هُرَيْرَةَ، وَلِأُمِّي، وَلِمَنِ
اسْتَغْفَرَ لَهُمَا."
قَالَ لِي مُحَمَّدٌ: "فَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُ لَهُمَا حَتَّى نَدْخُلَ
فِي دَعْوَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ."
المعنى الإجمالي لهذا الأثر:
دل هذا الأثر على فضل الدعاء والاستغفار، وحرصِ الصحابة _رضي الله عنهم_ على
نفع أنفسهم ونفع غيرهم بالدعاء.
فقد كان أبو هريرة _رضي الله عنه_ يدعو لنفسه ولأمّه بالمغفرة، ثم عمَّ بدعائه
كل من يستغفر لهما، توسعةً للخير، ورغبةً في أن ينال المسلمون نصيبًا من هذا
الدعاء المبارك.
وظهر فيه أيضا فقْهُ محمد بن سيرين _رحمه الله_ وحسْنُ فهمه، إذ بادر هو ومن
معه إلى الاستغفار لأبي هريرة وأمّه؛ طمعًا في الدخول ضمن من شَمَلَتْهُمْ دعوةُ
أبي هريرة _رضي عنه_،
وفي ذلك دليل على استحباب اغتنام مواطن الخير، والمسارعة إلى الأعمال التي
يُرجى بها نيل الدعاء والفضل.
وفي الأثر أيضًا بيان لفضل برّ الوالدين بالدعاء لهما، وأن الدعاء الصالح يبقى
نفعه متعديًا، ينتفع به الداعي وغيره، وفيه إشاعة لروح المحبة والتراحم بين
المسلمين.
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص: 28) (رقم : 37).
والحديث صحيح: صححه الألباني في "صحيح الأدب المفرد" (ص: 45) (رقم: 28)
من فوائد الحديث:
وقال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر
_حفظه الله_ في "فقه الأدعية والأذكار" (2/ 242):
"ودعاء الولدِ لوالديه ينفعهما بعد موتهما حيث ينقطع عملُهما في____هذه
الحياة،
فقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: " إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلاَّ من ثلاث: صدقة جارية،
أو علمٍ يُنتفع به، أو وَلَدٍ صالح يدعو له " [م]
وروى البخاري في الأدب المفرد بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
" تُرفع للميِّت بعد موته درجتُه، فيقول: أيْ ربِّ، أيُّ شيءٍ هذه؟ فيُقال:
ولدُك استغفرَ لك [خد].
وإذا كان الدعاءُ للوالدين بالرحمة والمغفرَة بِرًّا وإحساناً وحقًّا ينبغي
على الابن أن يعتني به، فإنَّ مِن أعظمِ الإثمِ ومِن كبائرِ الذنوب أن يَسُبَّ ـ
والعياذ بالله ـ الولدُ والديه، سواء ابتداء ـ وهو أشدُّ ـ أو تسبُّباً." اهـ
وقال زين الدين
عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي،
البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه
الله_ في "جامع العلوم والحكم" – ط. الرسالة (2/ 416):
"وَمَنْ زَادَ اهْتِمَامُهُ بِذُنُوبِهِ، فَرُبَّمَا تَعَلَّقَ
بِأَذْيَالِ مَنْ قَلَّتْ ذَنُوبُهُ، فَالْتَمَسَ مِنْهُ الِاسْتِغْفَارَ. وَكَانَ
عُمَرُ يَطْلُبُ مِنَ الصِّبْيَانِ الِاسْتِغْفَارَ، وَيَقُولُ : "إِنَّكُمْ
لَمْ تُذْنِبُوا."
وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ لِغِلْمَانِ الْكُتَّابِ: قُولُوا:
"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي هُرَيْرَةَ"، فَيُؤَمِّنُ عَلَى
دُعَائِهِمْ.
قَالَ بَكْرٌ الْمُزَنِيُّ: "لَوْ كَانَ رَجُلٌ يَطُوفُ عَلَى
الْأَبْوَابِ كَمَا يَطُوفُ الْمِسْكِينُ يَقُولُ: (اسْتَغْفِرُوا لِي)، لَكَانَ نَوْلُهُ
أَنْ يَفْعَلَ.
وَمَنْ كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ وَسَيِّئَاتُهُ حَتَّى فَاتَتِ الْعَدَدَ
وَالْإِحْصَاءَ، فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ مِمَّا عَلِمَ اللَّهُ، فَإِنَّ اللَّهَ
قَدْ عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ وَأَحْصَاهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ
يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ
وَنَسُوهُ} [المجادلة: 6] [الْمُجَادَلَةِ: 6]." اهـ
وقال زين الدين
عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي،
البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه
الله_ في "أسباب المغفرة"
(ص: 31_32):
"(دواء الذنوب: الاستغفار)
وبالجملة فدواء الذنوب الإستغفار.
وروينا من حديث أبى ذر مرفوعا: (إن لكل داء دواء، وإن دواء الذنوب الإستغفار)
.
قال قتادة: (إن هذا القرأن يدلكم على دائكم ودوائكم. فأما داؤكم، فالذنوب.
وأما دواؤكم، فالإستغفار
وقال بعضهم: (إنما معول المذنبين البكاء والإستغفار، فمن أهمته ذنوبه، أكثر
لها من الإستغفار) .
قال رياح القيسى: (لى نيف وأربعون ذنبا قد استغفرتُ الله لكل ذنب مائة ألف
مرة) .
وحاسب بعضهم نفسه من وقت بلوغه، فإذا زلاته لا تجاوز ستا وثلاثين فاستغفر الله
لكل زلة مائة ألف مرة، وصلى لكل زلة ألف ركعة، وختم فى كل ركعة منها ختمة. قال:
ومع ذلك فإنى غير آمن من سطوة ربي أن يأخذنى بها فأنا على خطر من قبول التوبة.
طلب الاستغفار ممن قلت ذنوبه
ومن زاد اهتمامه بذنوبه فربما تعلق بأذيال من قلت ذنوبه فالتمس منهم الاستغفار
وكان عمر يطلب من الصبيان الإستغفار ويقول: (إنكم لم تذنبوا) .
وكان أبو هريرة يقول لغلمان الكتاب قولوا: (اللهم اغفر لأبى هريرة) .
فيؤمن على دعائهم.
قال بكر المزنى: (لو كان رجل يطوف على الأبواب كما يطوف المسكين يقول:
استغفروا لى لكان قبوله أن يفعل) .
ومن كثرت ذنوبه وسيئاته حتى فاقت العدد والإحصاء فليستغفر الله مما علم. فإن
الله قد كتب كل شئ وأحصاه." اهـ
وقال الشيخ زيد بن محمد المدخلي (المتوفى 1435 هـ) _رحمه الله_ في
"عون الأحد الصمد" (١/ ٦٤):
"في هذا الحديث بيان لمنقبة من مناقب أبي
هريرة _رضي الله عنه_ الكثيرةِ، ومنقبةِ لأمه، وفي
نفس الوقت كرامة لها؛ لأنها من أولياء الله الذين منحهم الله من المناقب الرفيعة
والكرامات المبشرة،
وهكذا كل من أحب أبا هريرة _رضي الله عنه_ واستغفر له، فإنه تناله تلك الدعوة
الكريمة من الرسول _عليه الصلاة والسلام_ صاحبِ الخلق العظيم." اهـ
وقال محمد لقمان بن محمد بن ياسين أبو عبد الله
الصِّدِّيْقِيُّ السلَفِيُّ (المتوفى 1441 هـ) _رحمه
الله_ في "رش البرد شرح الأدب المفرد" (ص 38):
"فقه الحدیث:
1_ اهتمام الصحابة والتابعين بسؤال المغفرة لأنفسهم ولوالديهم وللمستغفرين
لهما." اهـ
ملحق الفوائد:
تضمن هذا الأثر فوائد مهمة، وتلك الفوائد:
1. فضل الدعاء والاستغفار، فدل الأثر على عِظم شأن الدعاء، وأنه من أجلِّ
القربات، ولا سيما إذا كان بطلب المغفرة، فهي أعظم ما يحتاجه العبد في دنياه
وأخراه.
2. فضل برّ الوالدين بعد موتهما، فدعاء أبي هريرة _رضي الله عنه_ لأمّه دليل
على أن برّ الوالدين لا ينقطع بالموت، ومن أعظمه: الدعاء، والاستغفار لهما.
3. سَعة أفق الصحابة في الخير، فتوسعة أبي هريرة دعاءَه ليشمل كل من يستغفر
لهما تدل على سموّ أخلاق الصحابة، وحبهم لنفع المسلمين، وعدم اقتصارهم على مصلحة
أنفسهم.
4. مشروعية الدعاء العامّ، ففي الأثر دليل على استحباب أن يُدخل المسلم غيره
في دعائه، وأن يجعل دعاءه سببًا لنفع أكبر عدد من الناس.
5. فضل الاستغفار للغير، فقول محمد بن سيرين: «فنحن نستغفر لهما...» يدل على
أن الاستغفار للآخرين عمل صالح يُرجى به الأجر والدخول في دعاء الصالحين.
6. فقه السلف في اغتنام الفضائل، فحرص محمد بن سيرين ومن معه على الاستغفار
لأبي هريرة وأمّه يبين فقه السلف في اغتنام مواطن الخير والمسارعة إليها.
7. أن الجزاء من جنس العمل، فمن دعا للمسلمين وفتح لهم باب الخير، كان ذلك
سببًا لأن يدعو له غيره، فينال أجر الدعاء من جهات متعددة.
8. فضل مجالسة الصالحين، فكون هذا الدعاء صدر في مجلس أبي هريرة يدل على أن
مجالسة أهل العلم والفضل مظنة لنزول الخير، وسماع الذكر، ونيل البركة.
9. التواضع وحسن النية، فدعاء أبي هريرة لنفسه ولأمّه، مع إدخال غيره، يدل على
تواضعه، وحسن ظنه بالله، وعدم اغتراره بفضله وسبقه.
10. إشاعة روح المحبة بين المسلمين، فهذا الأثر يربي النفوس على المحبة
والتراحم، وأن المسلم يفرح بنفع أخيه، ويسعى لأن يكون الخير مشتركًا بينه وبين
غيره.
11. الحرص على الأعمال الخفية، فالاستغفار والدعاء من الأعمال الخفية التي لا
يطّلع عليها الناس غالبًا، وهي أدل على الإخلاص وأقرب للقبول.
12. التنبيه إلى أثر النية الصالحة، فنية أبي هريرة في تعميم الدعاء، ونية
محمد بن سيرين في الدخول فيه، تبين أن النيات الصالحة تفتح أبوابًا عظيمة من
الأجر.
فهذه الفوائد تُظهر علوّ منزلة الدعاء، وعمق فقه السلف، وحرصهم على الخير
لأنفسهم ولغيرهم، رحمهم الله جميعًا.
|
[38] – (4) حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ
بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَلَاءُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ _صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ قَالَ: "إِذَا مَاتَ الْعَبْدُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ
ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ
يَدْعُو لَهُ." [قال الشيخ الألباني : صحيح] |
رواة الحديث:
* حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ (ثقة: ت. 234 هـ):
سليمان بن داود العَتَكِيّ، أبو الربيع الزَهْرَانِيّ
البصْري (سكن بغداد)، روى له: خ م د س
* قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ (ثقة ثبت: ت. 180 هـ بـ بغداد):
إسماعيل بن جعفر بن أبى كثير الأنصارى الزُّرَقِيُّ
مولاهم، أبو إسحاق المدني القارىء، من أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق
* قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَلَاءُ (صدوق ربما وهم: ت. 138 هـ):
العلاء بْنُ عبد الرحمن بن يعقوب الحُرَقِيُّ،
أبو شبل المدني، مولى الحرقة من جهينة، من صغار التابعين، روى له: ر م د ت س ق (ر: البخاري
في جزء القراءة خلف الإمام)
* عَنْ أَبِيهِ (ثقة):
عبد الرحمن بن يعقوب الجُهَنِيُّ المدني، مولى
الحرقة، من الوسطى من التابعين، روى له: ر م د ت س
ق
* عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (صحابي: ت. 57 هـ):
عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليماني، صحابي جليل
_رضي الله عنه_، توفي سنة 57 هـ، روى له: خ م د ت
س ق
نص الحديث:
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، قَالَ:
"إِذَا مَاتَ الْعَبْدُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ، إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ:
صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو
لَهُ."
المعنى الإجمالي للحديث:
بين النبي _صلى الله عليه وسلم_ أن الإنسان إذا مات، وانتهت حياته، انقطع عنه
عمله الذي كان يباشره في الدنيا، فلم يعد قادراً على زيادة حسناته بالأعمال
المباشرة، إلا من ثلاثة أنواع من الأعمال يبقى ثوابها جارياً له بعد موته؛ لأن
نفعها يستمر، ولا ينقطع.
فهذه الثلاثة هي:
1. الصدقة الجارية: وهي كل صدقة يبقى نفعها
متواصلاً، كوقفٍ أو بناء مسجد أو نشر مصحف ونحو ذلك.
2. العلم الذي يُنتفع به: كتعليم الناس العلم
الشرعي أو تأليف الكتب أو نشر العلم النافع الذي يعمل به الناس بعده.
3. ولد صالح يدعو له: لأن صلاح الولد من كسب والديه،
ودعاءه لوالده سبب لوصول الرحمة والمغفرة إليه.
فالحديث يحث المسلم على أن يحرص في حياته على الأعمال التي يمتد نفعها بعد
موته، وأن يستثمر عمره فيما يبقى أثره، ليجد ثمرته في قبره ويوم لقائه بربه.
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص: 28) (رقم: 38)، ومسلم في "صحيحه"
(3/ 1255) (رقم: 1631)، وأبو داود في "سننه" (3/ 117) (رقم: 2880)، والترمذي
في "سننه" (3/ 652) (رقم: 1376)، والنسائي في "سننه" (6/ 251)
(رقم: 3651)، وفي "السنن الكبرى" (6/ 162) (رقم: 6445)، وابن
ماجه في "سننه" (1/ 88) (رقم: 242).
والحديث
صحيح: صححه
الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الأدب المفرد" (ص: 45) (رقم: 29)،
و"تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 71) (رقم: 203)، و"إرواء الغليل في
تخريج أحاديث منار السبيل" (6/ 28) (رقم: 1580)، و"صحيح الجامع الصغير
وزيادته" (1/ 199) (رقم: 793)، و"أحكام الجنائز" (1/ 175_176)،
و"التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (5/ 40) (رقم: 3005)، و"صحيح
الترغيب والترهيب" (1/ 143 و1/ 149) (رقم: 78 و 93).
من فوائد الحديث :
قال محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي
الوَلَّوِي (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في
شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (28/ 413_414):
"وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله :
"هذه
الثلاث الخصال إنما جرى عملها بعد الموت على من نُسبت إليه؛ لأنه تسبّب في ذلك،
وحَرَصَ عليه، ونواه، ثم إن فوائدها متجدّدة بعده دائمة، فصار كأنه باشرها بالفعل،
وكذلك حكم كلّ ما سنّه الإنسان من الخير، فتكرّر بعده، بدليل قوله -صلى الله عليه
وسلم-:
«من سنّ سُنّةً
في الإسلام حسنة، كان له أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»، رواه مسلم.
وإنما___خصّ هذه
الثلاثة بالذكر في هذا الحديث؛ لأنها أصول الخير، وأغلب ما يَقصد أهل الفضل بقاءه
بعدهم،
والصدقة الجارية
بعد الموت هي: الْحُبُسُ، فكان حُجَّةً على من يُنكر الْحُبُس." [المفهم لما
أشكل من تلخيص كتاب مسلم (4/ 554 – 555)]." اهـ
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (6/ 657):
"فالمساجد أحب البقاع إلى الله لأنها
محل ذكره، وعبادته، وقراءة شَرْعِهِ، وغير ذلك من مصالح الدنيا والدين. ولهذا كان
بذل المال فيها من أفضل أنواع البذل، والبذل فيها من
الصدقة الجارية، وهي أفضل من أن يجعل الإنسان ماله في أضحية أو عشاء أو ما
أشبه ذلك.
فإذا جعل ماله
في بناء المساجد وعمارتها، كان ذلك أفضل، لأن المساجد صدقة جارية باقية عامة كلَّ
المسلمين، ينتفعون بها المصلون والدارسون والمتعلمون والمعلمون والذين آواهم البرد
أو الحر إلى المساجد إلى غير ذلك." اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي
الوَلَّوِي (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في
شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (28/ 415_416):
"في فوائده :
1 - (منها): بيان ما يلحق الإنسان بعد موته
من الثواب، وهو ثواب الصدقة الجارية، وهو يعمّ ما فعله الإنسان قبل موته، مِنْ
وَقْف، ونحوه، مما له البقاء بعد موته." اهـ
وقال عياض بن
موسى السبتي، المعروف بـ"القاضي عياض" اليحصبي
(المتوفى: 544 هـ) _رحمه الله_ في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (5/ 373):
"وفيه: دليلٌ على جواز الوقف والحبس،
ورَدٌّ على من منعه مِن الكوفيين؛ لأن الصدقة الجارية بعد الموت إنما تكون
بالوقوف." اهـ
وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى:
676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (11/ 85):
"وَفِيهِ دَلِيلٌ
لِصِحَّةِ أَصْلِ الْوَقْفِ وَعَظِيمِ ثَوَابِهِ." اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي
الوَلَّوِي (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في
شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (28/ 415_416):
2 - (ومنها): أن فيه دليلًا على صحّة الوقف،
وعظيم ثوابه، والردّ على من أنكر ذلك." اهـ
وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى:
676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (11/ 85) :
"وَ[فيه][2]
بَيَانُ فَضِيلَةِ الْعِلْمِ وَالْحَثُّ عَلَى الِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ
وَالتَّرْغِيبُ فِي تَوْرِيثِهِ بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّصْنِيفِ وَالْإِيضَاحِ
وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَارَ مِنَ الْعُلُومِ الْأَنْفَعَ
فَالْأَنْفَعَ." اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي
الوَلَّوِي (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في
شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (28/ 415_416):
3 - (ومنها): أن فيه فضيلة العلم، والحثّ على
الاستكثار منه، والترغيب في توريثه بالتعليم، والتصنيف، والإيضاح، وأنه يُختار من
العلوم الأنفع، فالأنفع.
وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي
الوَلَّوِي (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في
شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (28/414) :
وفيه: ما
يدلّ على الحضّ على تخليد العلوم الدينيّة بالتعليم، والتصنيف، وعلى الاجتهاد في
حمل الأولاد على طريق الخير والصلاح، ووصيّتهم بالدعاء عند موته، وبعد الموت.
انتهى كلام القرطبيّ _رحمه الله_." اهـ [من "المفهم" (4/ 554 –
555)]
قال محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي
الوَلَّوِي (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في
شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (28/ 415_416):
4 - (ومنها): أن فيه فضيلة الزواج؛ لرجاء ولد
صالح، وقد سبق في "كتاب النكاح" بيان اختلاف أحوال الناس فيه، وأوضحنا
ذلك هناك، ولله الحمد والمنّة." اهـ
وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد السعدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "بهجة
قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار" – ط. الوزارة (ص: 104):
"ويستدل بهذا الحديث على الترغيب في التزوج الذي من ثمراته حصول الأولاد
الصالحين، وغيرها من المصالح، كصلاح الزوجة وتعليمها ما تنتفع به، وتنفع غيرها.
والله أعلم." اهـ[3]
وقال الحسين بن
محمود الزَّيْدَانيُّ الكوفي الضَّريرُ
الشِّيرازيُّ الحَنَفيُّ، المشهورُ بـ"المُظْهِري"
(المتوفى: 727 هـ) _رحمه الله_ في "المفاتيح في شرح المصابيح"
(1/
304):
"الولد كشجرةِ مثمرة، فكما أن من غرس
شجرة مثمرة يحصل له ثواب بأكل تلك الثمرة، سواء يدعو آكلها للغارس أو لا يدعو،
فكذلك الأب
كالغارس، والولد الصالح كالشجرة المثمرة، فهذا مثل قوله: (من سنَّ سُنَّة حسنة فله
أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)[م]." اهـ
وقال الحسين بن
محمود الزَّيْدَانيُّ الكوفي الضَّريرُ
الشِّيرازيُّ الحَنَفيُّ، المشهورُ بـ"المُظْهِري"
(المتوفى: 727 هـ) _رحمه الله_ في "المفاتيح في شرح المصابيح"
(1/ 304):
"فإن كان الولد سيئًا لا يلحق من سيئاته
إلى الأب إثم؛ لأن نيَّةَ الأب في طلب الولد الخير لا الشر؛ لأن نيته في طلب الولد
أن يحصل له ولد صالح يعبد الله ويحصل منه الخير إلى الناس، وإنما يصل من شر الولد
إلى الأب نصيبٌ أن يعلِّمَ الأبُ الولدَ شرًا كالسرقة وشرب الخمر وغيرهما من
المعاصي." اهـ
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (4/ 567):
"يتأكد علينا أن نحرص غاية الحرص على
صلاح أولادنا، لأن صلاحهم صلاح لهم وخير حيث يدعون لنا بعد الموت." اهـ
وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى:
676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (11/ 85) ::
"وَفِيهِ : أَنَّ الدُّعَاءَ يَصِلُ
ثَوَابُهُ إِلَى الْمَيِّتِ،
وَكَذَلِكَ
الصَّدَقَةُ، وَهُمَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِمَا، وَكَذَلِكَ قَضَاءُ الدَّيْنِ كَمَا
سَبَقَ،
وَأَمَّا
الْحَجُّ : فَيَجْزِي عَنِ الْمَيِّتِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ
وَمُوَافِقِيهِ، وَهَذَا دَاخِلٌ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ :
* إِنْ كَانَ
حَجًّا وَاجِبًا،
* وَإِنْ كَانَ
تَطَوُّعًا، وصى به، فهو مِنْ بَابِ الْوَصَايَا.
وَأَمَّا إِذَا
مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ، فَالصَّحِيحُ : أَنَّ الْوَلِيَّ يَصُومُ عَنْهُ،
وَسَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ.
وَأَمَّا
قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَجَعْلُ ثَوَابِهَا لِلْمَيِّتِ وَالصَّلَاةُ عَنْهُ
وَنَحْوُهُمَا : فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ أَنَّهَا
لَا تَلْحَقُ الْمَيِّتَ، وَفِيهَا خِلَافٌ وَسَبَقَ إِيضَاحُهُ فِي أَوَّلِ هَذَا
الشَّرْحِ في شرح مقدمة صحيح مسلم." اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي
الوَلَّوِي (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في
شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (28/ 415_416):
5 - (ومنها): أن الدعاء يصل ثوابه إلى الميت،
وكذلك الصدقة[4]،
وهما مجمعٌ عليهما، وكذلك قضاء الديون، وأما الحجّ فيجزي عن الميت عند الشافعيّ،
وموافقيه، وهو الحقّ، كما تقدّمت أدلّته في "كتاب الحجّ"،
قال____النوويّ
: وهذا داخل في قضاء الدَّين إن كان حجًّا واجبًا، وإن كان تطوّعًا وأوصى به، فهو
من باب الوصايا، وأما إذا مات، وعليه صيامٌ، فالصحيح أن الوليّ يصوم عنه؛ لصحّة
أمر النبيّ -صلى الله عليه وسلم- بذلك، وأما قراءة القرآن، وجَعْل ثوابها للميت،
والصلاة عنه، ونحوهما، فمذهب الشافعيّ، والجمهور أنها لا تَلْحَق الميت، وفيها
خلاف. انتهى كلام النوويّ رحمه الله.
قال
الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الجمهور عندي هو الأرجح؛
لعدم دليل صحيح على وصول ثواب القرآن، ونحوه إلى الأموات، فمن جاءنا بنصّ صحيح
صريح لذلك، فعلى الرأس والعين، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا
اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ
أُنِيبُ}." اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي
الوَلَّوِي (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في
شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (28/ 414):
"جعل الشارع الولد من جملة كسب الإنسان،
فقد أخرج ابن ماجه بإسناد صحيح، من حديث عائشة -رضي الله عنها-، مرفوعًا :
"إن أطيب ما أكل الإنسان من كسب يده، وإن ولده من كسبه"[د ت س ق][5]،
فسمّاه كسبًا،
كما عدّه في هذا الحديث من أعماله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
والمآب." اهـ
وقال الحسين بن
محمود الزَّيْدَانيُّ الكوفي الضَّريرُ
الشِّيرازيُّ الحَنَفيُّ، المشهورُ بـ"المُظْهِري"
(المتوفى: 727 هـ) _رحمه الله_ في "المفاتيح في شرح المصابيح" (1/
304):
"قوله: (يدعو له) إنما قال هذا لتحريض
الولد على الدُّعاء لأبيه، لا لأنه لو لم يدعُ الولد لا يلحق والده منه ثوابٌ، بل
يحصل له،
فكما أن الأب
يحصل له ثواب من الولد فكذلك الأم يحصل لها ثواب من ولدها بل ثوابها أكثر؛ لأن
حقَّها على الولد أكثر." اهـ
محمد أشرف بن
أمير بن علي بن حيدر، أبو عبد الرحمن، الصديقي، الشهير بـ"شرف
الحقِ العظيمِ آباديِّ" (المتوفى: 1329هـ) _رحمه الله_ في "عون
المعبود" (8/ 62):
قَالَ
الْمُنَاوِيُّ : "وَفَائِدَةُ تَقْيِيدِهِ بِالْوَلَدِ مَعَ أَنَّ دُعَاءَ
غَيْرِهِ يَنْفَعُهُ : تَحْرِيضُ الْوَلَدِ عَلَى الدُّعَاءِ." اهـ[6]
وقال أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البُسْتِيُّ،
المعروف بـ"الخطابي" (المتوفى: 388هـ) _رحمه
الله_ في "معالم السنن" (4/ 89):
"فيه: دليل على أن الصوم والصلاة وما
دخل في معناهما من عمل الأبدان لا تجري فيها النيابة.
وقد يستدل به من
يذهب إلى أن من حج عن ميت فإن الحج في الحقيقة يكون للحاج دون المحجوج عنه وإنما
يلحقه الدعاء ويكون له الأجر في المال الذي أعطى ان كان حج عنه بمال."
وقال القاضي
محمد بن عبد الله الْمَعَافِرِيُّ الإِشْبِيْلِيُّ، المعروف بـ"أبي بكر بْنِ الْعَرَبِيِّ المالكِيِّ"
(المتوفى: 543 هـ) _رحمه الله_ في "المسالك في شرح موطأ مالك" (4/ 221):
"وفي "العارضة"[7]:
قال علماؤنا:
"لا يصلِّي أحدٌ عن أحدٍ باتِّفَاقٍ فَرْضًا ولا نافلة، حياةً ولا موتًا،
وكذلك الصِّيام فإنّه لا يصومه أحدٌ عن أحدٍ." اهـ
وقال عياض بن
موسى السبتي، المعروف بـ"القاضي عياض" اليحصبي
(المتوفى: 544 هـ) _رحمه الله_ في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (5/ 373):
"وفى هذا: دليل على أنه لا يجزئ عمل
الأبدان من صلاة وصيام ولا نيابة فى غير المال الذى نص عليه ونفى غيره." اهـ
وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز
رياض الصالحين" (ص: 557):
"فيه: دليل على أن عمل ابن آدم ينقطع
بعد الموت، لقوله تعالى {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم (39)
] .
قال ابن كثير: ومن هذه الآية الكريمة
استنبط الشافعي رحمه الله ومن تبعه أن القراءة لا يصل إهداؤها، إلى الموتى لأنه
ليس من عملهم، ولا كسبهم.
وأما حديث :
«إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث» ، فهي في الحقيقة من سعيه وكده وعمله.
انتهى ملخصًا." اهـ[8]
وقال الحسين بن
محمود الزَّيْدَانيُّ الكوفي الضَّريرُ
الشِّيرازيُّ الحَنَفيُّ، المشهورُ بـ"المُظْهِري"
(المتوفى: 727 هـ) _رحمه الله_ في "المفاتيح في شرح المصابيح" (1/
303):
"إذا مات الإنسان لا يكتب له بعد موته
أجر وثواب؛ لأن الأجر جزاء العمل الصالح، والعملُ ينقطعُ بموتِ الرَّجل إلا إذا
فعل فعلًا في الحياة يدوم خيره، وإذا كان كذلك يلحقه أجره." اهـ[9]
وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد السعدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "بهجة قلوب
الأبرار وقرة عيون الأخيار" – ط. الوزارة (ص: 102):
دار الدنيا
جعلها الله دار عمل، يتزود منها العباد من الخير، أو الشر، للدار الأخرى، وهي دار
الجزاء. وسيندم المفرطون إذا انتقلوا من هذه الدار، ولم يتزودوا لآخرتهم ما
يسعدهم، وحينئذ لا يمكن الاستدراك. ولا يتمكن العبد أن يزيد حسناته مثقال ذرة، ولا
يمحو من سيئاته كذلك." اهـ[10]
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (4/ 567_568):
"وأفضل هذه الثلاثة : العلم، الذي يُنتفع به،
وأضرب لكم
مثلاً، بل أمثالا كثيرةً : أبو هريرة _رضي الله عنه_ من أفقه الصحابة بعد الرسول
_صلى الله عليه وسلم_، يَسْقُط أحيانا على الأرض من شدة الجوع،
ومع ذلك أكثر
المسلمين الآن لا يقرءون إلا رواياتِه، فهو الذي نقل لنا هذه الأحاديثَ، وهي صدقة
جارية، إذًا ما قورنت بأي صدقات أخرى في عهده.
الإمام أحمد شيخ
الإسلام ابن تيمية يُدَرِّسُنَا، وهو في قبره، لأن كتبه بين أيدينا،
أكبرُ خليفة،
أكبرُ تاجر في عهد ابن تيمية _رحمه الله_، هل وصل خيرهم إلينا اليومَ أبدا؟! إذا
العلم أنفع____الثلاثةِ،
فـ(الصدقة
الجارية) قد تتعثر، و(الولد الصالح) قد يموت،
لكن العلم
النافع الذي ينتفع به المسلمون باقٍ إلى ما شاء الله،
فاحرص أخي على
العلم فهو لا يعدله شيء كما قال الإمام أحمد لمن صحت نيته فاحرص على العلم الشرعي
وعلى مساعداته كالنحو وما أشبه ذلك حتى ينفعك الله وينفع بك والله الموفق"
اهـ[11]
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (5/ 439_440):
"وفي هذا: دليل على أن الدعاء لأبيه
وأمه وجدِّه وجدتِّه أفضلُ من الصدقة عنهم، وأفضل من الصلاة لهم، وأفضل من الصيام
لهم، لأن النبي _صلى الله عليه وسلم_ لا يمكن أن يدل أمته إلا على خير ما يعلمه
لهم، (ما من نبي بعثه الله إلا دل أمته على خير ما يعلمه لهم)[12]،
فلو علم الرسول
_صلى الله عليه وسلم_ أن كونك تتصدق عن أبيك وأمك أفضلُ من الدعاء لقال في الصدقة
ما قال في الدعاء،
فلما عدل عن
الصدقات والصيام والصلاة وقراءة القرآن، _والمقام مقام تحدث عن الأعمال_، لما عدل
عن هذه الأعمال إلى الدعاء، علمنا يقينا _لا إشكال فيه_: أن الدعاء أفضل من ذلك،
فلو سألنا سائل:
أيهما أفضل أتصدق لأبي أو ادعو له قلنا الدعاء أفضل لأن رسول الله____هكذا أرشدنا،
فقال: «أو ولد صالح يدعو له»،
والعجيب أن
العوام وأشباه العوام يظنون أن الإنسان إذا تصدق عن أبيه، أو صام يوما لأبيه، أو
قرأ حزبا من القرآن لأبيه أو ما أشبه ذلك، يرون أنه أفضل من الدعاء.
ومصدر هذا، هو
الجهل، وإلا فمن تدبر النصوص علم أن الدعاء أفضل، ولهذا لم يرشد النبي صلى الله
عليه وسلم في أي حديث بحرف واحد إلى العمل الصالح يجعله الإنسان لوالده أبدا.
قال الإمام مالك
أنه حصلت قضايا أعيان يسأله الصحابة هل يتصدقوا عن أبيه وهو ميت وعن أمه وهي ميتة
فيقول : نعم لا بأس لكنه لم يحث الأمة على ذلك ولم يرشدهم إلى هذا لكن سئل في
قضايا أعيان سعد بن عبادة رضي الله عنه سأله هل يتصدق بحائطه يعني ببستانه عن أمه
بعد موتها قال الرسول: "نعم."
وجاءه رجل قال:
يا رسول الله إن أمي أفتلتت نفسها يعني ماتت بغتة أفأتصدق عنها قال:
"نعم"،
لكن ما أراد أن
يشرع تشريعا عاما للأمة." اهـ
محمود بن محمد بن أحمد بن خطاب المالكي الأزهري، أبو محمد السُّبْكي (المتوفى
1352 هـ) _رحمه الله_ في "الدين الخالص" = "إرشاد الخلق إلى دين
الحق" (8/ 316):
"وقد دلت أحاديث الباب أيضا:
(أ) على فضل الزواج لرجاء ولد صالح.
(ب) وعلى مشروعية الوقف وعظيم نفعه في الدنيا والآخرة.
(جـ) وعلى فضل العلم والحث على التعلم والتصنيف والتعليم وأن يختار من العلوم
الأنفع فالأنفع.
(د) وعلى أن الدعاء ينفع الميت وكذا الصدقة وقضاء الدين، والله تعالى ولي
التوفيق والهادي إلى أقوم طريق." اهـ
وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد السعدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "بهجة
قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار" – ط. الوزارة (ص: 102_104):
"وانقطع عملُ العبد عنه إلا هذه
الأعمالَ الثلاثةَ التي هي من آثار عمله.
الأول
:
الصدقة الجارية، أي: المستمر نفعها.
وذلك كالوقف
للعقارات التي ينتفع بمغلها، أو الأواني التي ينتفع باستعمالها، أو الحيوانات التي
ينتفع بركوبها ومنافعها، أو الكتب والمصاحف التي ينتفع باستعمالها والانتفاع بها،
أو المساجد والمدارس والبيوت وغيرها التي ينتفع بها.
فكلها أجرها
جارٍ على العبد ما دام يُنتفع بشيء منها. وهذا من أعظم
فضائل الوقف. وخصوصا الأوقاف التي فيها الإعانة على الأمور الدينية، كالعلم
والجهاد، والتفرغ للعبادة، ونحو ذلك.
ولهذا اشترط
العلماء في الوقف: أن يكون مصرفه على وجهةِ برٍّ وقربةٍ.____
الثاني
: العلم
الذي ينتفع به من بعده، كالعلمِ الذي علمه الطلبة المستعدين للعلم، والعلمِ الذي
نشره بين الناس، والكتبِ التي صنفها في أصناف العلوم النافعة.
وهكذا كل ما
تسلسل الانتفاع بتعليمه مباشرةً، أو كتابةً، فإن أجره جارٍ عليه. فكم من علماء
هداة ماتوا من مئات من السنين، وكتبهم مستعملةٌ، وتلاميذهم قد تسلسل خيرهم. وذلك
فضل الله.
الثالث:
الولد
الصالح - ولد صلب، أو ولد ابن، أو بنت، ذكر أو أنثى -،
ينتفع والده
بصلاحه ودعائه. فهو في كل وقت يدعو لوالديه بالمغفرة والرحمة، ورفع الدرجات، وحصول
المثوبات.
وهذه المذكورة
في هذا الحديث هي مضمون: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا
قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس: 12][13]
فما
قدموا : هو ما باشروه من الأعمال الحسنة أو السيئة.
وآثارهم:
ما
ترتب على أعمالهم، مما عمله غيرهم، أو انتفع به غيرهم.
وجميع ما يصل
إلى العبد من آثار عمله ثلاثة:
الأول:
أمور عمل بها الغير بسببه وبدعايته وتوجيهه.
الثاني:
أمور انتفع بها الغير أيَّ نفعٍ كان، على حسب ذلك النفع باقتدائه به في الخير.
الثالث:
أمور عملها الغير وأهداها إليه، أو صدقة تصدق بها عنه أو دعا له، سواء أكان من
أولاده الحسيين أو من أولاده الروحيين الذين تخرجوا بتعليمه، وهدايته وإرشاده، أو
من أقاربه وأصحابه المحبين، أو من عموم____المسلمين، بحسب مقاماته في الدين، وبحسب
ما أوصل إلى العباد من الخير، أو تسبب به، وبحسب ما جعل الله له في قلوب العباد من
الود الذي لا بد أن تترتب عليه آثاره الكثيرة التي منها: دعاؤهم، واستغفارهم له.
وكلها تدخل في
هذا الحديث الشريف.
وقد يجتمع للعبد
في شيء واحد عدة منافع، كالولد الصالح العالم الذي سعى أبوه في تعليمه، وكالكتب
التي يقفها أو يهبها لمن ينتفع بها." اهـ
ملحق
الفوائد:
حديث أبي هريرة
_رضي الله عنه_ من الأحاديث العظيمة ذات الفوائد المهمة، ومن تلك الفوائد:
1. فيه: بيان
حقيقة انقطاع العمل بالموت، فدل الحديث على أن باب العمل والكسب يغلق بموت
الإنسان، فلا يستطيع بعده زيادة حسناته بالأعمال المباشرة، مما يحث على اغتنام
الحياة قبل الفوات.
2. فيه: سعة
رحمة الله بعباده، فاستثناء هذه الثلاثة يدل على رحمة الله، إذ جعل لعباده أبوابًا
يبقى ثوابها جارياً بعد الموت، تفضلاً منه سبحانه.
3. فيه: فضل
الصدقة الجارية، ففي الحديث ترغيب عظيم في الصدقة التي يدوم نفعها، لأنها سبب
لاستمرار الأجر، ولو بعد انقطاع العمر.
4. فيه: علو
منزلة العلم النافع، فالعلم الذي يُنتفع به من أعظم ما يُخلِّف الإنسان من الخير،
وفيه حث على تعلم العلم الشرعي وتعليمه ونشره.
5. فيه: فضل
تربية الأولاد على الصلاح، فصلاح الولد ليس نفعًا للولد وحده، بل هو نفع مستمر
لوالديه، بدعائه لهما، وفي ذلك تحريض على حسن التربية.
6. فيه: أن دعاء
الولد يصل إلى والديه بعد موتهما، فدل الحديث على انتفاع الميت بدعاء الحي، وهو
أصل في وصول ثواب الدعاء للميت.
7. فيه: أن هذه
الأعمال من كسب الإنسان وآثاره، فالصدقة الجارية، والعلم النافع، والولد الصالح
كلها ثمرة من سعي العبد في حياته.
8. فيه: الحث
على الاستعداد للآخرة، فالحديث يربي المسلم على الاستعداد والتفكير فيما بعد
الموت، والعمل لما ينفعه في قبره ويوم القيامة.
9. يربي أن
العمل المتعدي نفعه أعظم أجراً، لأن هذه الثلاثة يجتمع فيها نفع صاحبها ونفع غيره،
فكان ثوابها مستمرًا.
10. فيه: التحذير
من الغفلة عن الوقت، لأن الفرصة الوحيدة لاكتساب هذه الأعمال هي زمن الحياة، فإذا
انتهت، انتهت القدرة على العمل.
11. فيه: حث على
الجمع بين العبادة الفردية والنفع العام
فالحديث لا
يقتصر على العبادات الشخصية، بل يظهر قيمة الأعمال التي تخدم الناس والمجتمع.
12. فيه: إثبات
بقاء أثر الإنسان بعد موته، فالإنسان لا ينقطع ذكره ولا أثره إذا خلّف خيرًا
نافعًا، بل يبقى حيًّا بأعماله الصالحة.
13. فيه: أن
كثرة الذرية ليست مقصودة بذاتها، وإنما المقصود صلاحها، لأن الولد الصالح هو الذي
ينفع والديه بعد موتهما.
14. فيه: حض على
الإخلاص في العمل، إذ لا يبقى للعبد إلا ما كان خالصًا نافعًا، أما الأعمال
الخالية من الإخلاص، فلا ثمر لها بعد الموت.
15. فيه: بيان
فضل العمل المستمر على العمل المنقطع، فالعمل الذي يبقى نفعه بعد الموت أعظم وأبقى
أثرًا من العمل الذي ينتهي بانتهاء فاعله.
[1] قال الذهبي _رحمه الله_ في سير أعلام النبلاء ط الرسالة (6/ 205)
(رقم: 99):
"غَالِبٌ
القَطَّانُ أَبُو سَلَمَةَ بنُ خَطَافٍ * (ع) هُوَ الفَقِيْهُ، أَبُو سَلَمَةَ بنُ
أَبِي غَيْلاَنَ خَطَافٍ - بِالفَتْحِ -. وَقِيْلَ: خُطَافٍ، مَوْلَى الأَمِيْرِ
عَبْدِ اللهِ بنِ عَامِرِ بنِ كُرَيْزٍ القُرَشِيِّ." اهـ
[2]
ما بين المعقوفتين
زيادة مني للإيضاح، ليس من كلام النووي _رحمه الله_.
[3]
وفي شرح النووي على مسلم (11/ 85) :
"وَفِيهِ فَضِيلَةُ الزَّوَاجِ لِرَجَاءِ وَلَدٍ صَالِحٍ وَقَدْ سَبَقَ
بَيَانُ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِيهِ وَأَوْضَحْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ
النِّكَاحِ." اهـ
[4]
وفي "عون المعبود" (8/ 62) لشرف الحق
العظيم آبادي:
"وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي "شَرْحِ مُسْلِمٍ" فِي
بَابِ بَيَانِ أَنَّ الْإِسْنَادَ مِنَ الدِّينِ: أَنَّ الصَّدَقَةَ تَصِلُ إِلَى
الْمَيِّتِ وَيَنْتَفِعُ بِهَا بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا هُوَ
الصَّوَابُ. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ أَنَّ الْمَيِّتَ لَا
يَلْحَقُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ثَوَابٌ، فَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ وَخَطَأٌ بَيِّنٌ
مُخَالِفٌ لِنُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ، فَلَا
الْتِفَاتَ إِلَيْهِ، وَلَا تَعْرِيجَ عَلَيْهِ انْتَهَى." اهـ
[5]
أخرجه : أبو
داود في "سننه" (3/ 288) (رقم : 3528)، والترمذي في "سننه"
(3/ 631) (رقم : 1358)، والنسائي في "سننه" (7/ 240) (رقم : 4449)، وابن
ماجه في "سننه" (2/ 723 و 768) (رقم : 2137 و 2290)،
والحديث
صحيح: صححه الألباني في "صحيح الأحكام" (171)، و"الإرواء" (6
/ 66) ، و"تخريج المشكاة" (رقم: 2770).
[6]
وفي "الذخيرة" للقرافي (6/ 314):
"الدُّعَاء
لَيْسَ خَالِصا بِالْوَلَدِ بَلْ كُلُّ مَنْ دَعَا لِشَخْصٍ رَجَاءَ نَفْعِهِ
بِدُعَائِهِ قَرِيبًا كَانَ أَوْ أَجْنَبِيًّا وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ ثَوَابَ
الدُّعَاءِ يَحْصُلُ لِلْمَدْعُوِّ لَهُ بَلْ مُتَعَلِّقُ الدُّعَاءِ وَمَدْلُولُهُ
لُغَةً فَصَارَ ذِكْرُ الْوَلَدِ مَعَهُمَا مُشْكِلًا وَجَوَابُهُ أَنَّ الْوَلَدَ
أَكْثَرُ دُعَاءً لِأَنَّ دَاعِيَةَ الْقَرَابَةِ تَحُثُّهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ
وَلِذَلِكَ خَصَّصَهُ بِالصَّالِحِ لِأَنَّ الصَّلَاحَ مَعَ الْبُنُوَّةِ نظمة
كَثْرَةِ الدُّعَاءِ وَإِجَابَتِهِ فَكَانَ أَوْلَى بِالذِّكْرِ مِنْ
غَيْرِهِ." اهـ
[7]
يعني: "عارضة الأحوذي" لأبي بكر ابن
العربي _رحمه الله_، وهي شرح لسنن الترمذي.
[8]
وفي إكمال المعلم بفوائد مسلم (5/ 373) للقاضي
عياض :
"عمل الميت منقطع بموته، لكن هذه الأشياء لما كان هو سببها؛
من اكتسابه: الولد، وبثه العلم عند من حمله فيه، أو إيداعه تاليفاً بقى بعده،
وإيقافه هذه الصدقة - بقيت له أجورها ما بقيت ووجدت." اهـ
وفي
شرح النووي على مسلم (11/ 85):
"قَالَ الْعُلَمَاءُ: "مَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّ عَمَلَ
الْمَيِّتِ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ وَيَنْقَطِعُ تَجَدُّدُ الْثوَابِ لَهُ إِلَّا
فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ لِكَوْنِهِ كَانَ سَبَبَهَا فَإِنَّ
الْوَلَدَ مِنْ كَسْبِهِ وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ الَّذِي خَلَّفَهُ مِنْ تَعْلِيمٍ
أَوْ تَصْنِيفٍ وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ وَهِيَ الْوَقْفُ." اهـ
[9]
وفي توضيح الأحكام من بلوغ المرام (5/ 100) :
"قال ابن الجوزي : من علم أنَّ الدنيا دار سباق، وتحصيل
الفضائل، وأنَّه كلما علت مرتبته في علم وعمل، زادت مرتبته في دار الجزاء، أنهب
الزمان، ولم يُضِعْ لحظة، ولم يترك فضيلة تمكنه إلاَّ حصلها، ومن وُفِّق لهذا
فليغتنم زمانه بالعلم، وليصابر كل محنةٍ وفقرٍ إلى أن يحصل له ما يريد." اهـ
وانظر
: الآداب الشرعية والمنح المرعية (1/ 222) لابن مفلح، عيون الرسائل والأجوبة على
المسائل (2/ 779) لعبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل
الشيخ (المتوفى: 1293هـ).
[10]
وفي شرح رياض الصالحين (5/ 437) للعثيمين :
"وهذا الحديث فيه الحث أعني حث الإنسان على المبادرة بالأعمال
الصالحة لأنه لا يدري متى يفاجئه الموت فليبادر قبل أن ينقطع العمل بالعمل الصالح
الذي يزداد به رفعة عند الله سبحانه وتعالى وثوابا،
ومن
المعلوم أن كل واحد منا لا يعلم متى يموت ولا يعلم أين يموت كما قال الله تعالى:
وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض____تموت فإذا كان الأمر كذلك فإن
العاقل ينتهز الفرص فرص العمر في طاعة الله عز وجل قبل أن يأتيه الموت ولم يستعتب
ولم يتب." اهـ
[11]
وفي شرح رياض الصالحين (5/ 439) للعثيمين :
"أما الثاني فـ(علم ينتفع به)، وهذا أعمها وأشملها وأنفعها أن
يترك الإنسان وراءه علما ينتفع المسلمون به سواء ورث من بعده بالتعليم الشفوي أو
بالكتابة فتأليف الكتب وتعليم الناس وتداول الناس لهذه المعلومات مادام مستمرا
فأجر المعلم جاز مستمر لأن الناس ينتفعون بهذا العلم الذي ورثه." اهـ
[12]
أشار به إلى ما أخرجه مسلم في "صحيحه"
(3/ 1472) (رقم : 1844) : عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ _رضي الله
عنهما_ عن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ : « إِنَّهُ لَمْ
يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ
عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ
لَهُمْ».
[13]
وفي "زاد المسير في علم التفسير" (3/
519) لابن الجوزي :
"وفي (أثارهم) ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها خُطاهم بأرجُلهم، قاله الحسن،
ومجاهد، وقتادة.
قال
أبو سعيد الخدري : شَكَت بنو سَلِمَةَ إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم بُعْدَ
منازلهم من المسجد، فأنزل الله تعالى: وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ، فقال
النبيّ صلى الله عليه وسلّم: «عليكم منازلكم، فإنّما يكتب آثارُكم» ، وقال قتادة
وعمر بن عبد العزيز: لو كان اللهُ مُغْفِلاً شيئاً، لأغفل ما تعفِّي الرِّياحُ من
أثرَ قَدَم ابن آدم.
والثاني : أنها الخُطا إلى الجمعة، قاله أنس بن
مالك.
والثالث : ما أثَروا من سُنَّة حسنة أو سيِّئة
يُعْمَل بها بعدهم، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، واختاره الفراء، وابن قتيبة،
والزجاج." اهـ
وفي
"تفسير السعدي" = "تيسير الكريم الرحمن" (ص: 693) :
"{وَآثَارَهُمْ} : وهي آثار الخير وآثار الشر، التي كانوا هم
السبب في إيجادها في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم
وأفعالهم وأحوالهم،
فكل
خير عمل به أحد من الناس، بسبب علم العبد وتعليمه ونصحه، أو أمره بالمعروف، أو
نهيه عن المنكر، أو علم أودعه عند المتعلمين، أو في كتب ينتفع بها في حياته وبعد
موته، أو عمل خيرا، من صلاة أو زكاة أو صدقة أو إحسان، فاقتدى به غيره، أو عمل
مسجدا، أو محلا من المحال التي يرتفق بها الناس، وما أشبه ذلك، فإنها من آثاره
التي تكتب له، وكذلك عمل الشر.
ولهذا
: {من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة
فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة}
وهذا
الموضع، يبين لك علو مرتبة الدعوةِ إلى الله والهدايةِ إلى سبيله بكل وسيلة وطريق
موصل إلى ذلك، ونزولِ درجة الداعي إلى الشر الإمام فيه، وأنه أسفل الخليقة، وأشدهم
جرما، وأعظمهم إثما." اهـ

Komentar
Posting Komentar