شرح الحديث 262 (باب الألفة) من الأدب المفرد

 

262 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "النِّعَمُ تُكْفَرُ، وَالرَّحِمُ تُقْطَعُ، وَلَمْ نَرَ مِثْلَ تَقَارُبِ الْقُلُوبِ."

[قال الشيخ الألباني: صحيح]

 

رواة الحديث:

 

* حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ (ثقة حافظ جمع المسند: ت. 229 هـ):

عبدُ اللهِ بْنُ محمدِ بْنِ عبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْجُعْفِي، أبو جعفر البخاري، المعروف بـ"الْمُسْنَدِيّ" (سُمِّيَ بذلك، لأنه كان يطلب الْمُسْنَدَاتِ)، كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خ ت

 

* قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ثقة حافظ فقيه إمام حجة إلا أنه تغير حفظه بأخرة و كان ربما دلس لكن عن الثقات: 198 هـ بـ مكة):

سفيان بن عيينة بن أبى عمران ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي، المكي (مولى محمد بن مزاحم)، من الوسطى من أتباع التابعين، روى له:  خ م د ت س ق

 

* عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ (ثبت حافظ: ت. 132 هـ):

إبراهيم بن ميسرة الطَّائِفِيّ (نزيل مكة، من الموالى)، من صغار التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنْ طَاوُسٍ (ثقة فقيه فاضل: ت. 106 هـ، وقيل بعد ذلك):

طاووس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الحميري مولاهم، الفارسي (يقال: اسمه ذكوان، وطاووس لقب)، من الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (صحابي: ت. 68 هـ بـ الطائف):

عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، أبو العباس المدني، ابن عم رسول الله _صلى الله عليه وسلم_)، روى له: خ م د ت س ق

 

نص الحديث وشرحه:

 

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "النِّعَمُ تُكْفَرُ، وَالرَّحِمُ تُقْطَعُ، وَلَمْ نَرَ مِثْلَ تَقَارُبِ الْقُلُوبِ."[1]

 

وفي "الزهد والرقائق" لابن المبارك (1/ 123):

"عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

"إِنَّ النِّعْمَةَ تُكْفَرُ، وَالرَّحِمَ تُقْطَعُ، وَإِنَّ اللَّهَ _تَعَالَى_ يُؤَلِّفُ بَيْنَ الْقُلُوبِ، وَإِذَا قَارَبَ بَيْنَ الْقُلُوبِ لَمْ يُزَحْزِحْهَا شَيْءٌ أَبَدًا، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: 63][2]

 

وفي "شعب الإيمان" (11/ 336):

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:

"قَرَابَةُ الرَّحِمِ تُقْطَعُ، وَمِنْهُ: النِّعَمُ تُكْفَرُ، وَلَمْ نَرَ مِثْلَ تَقَارُبِ الْقُلُوبِ، يَقُولُ اللهُ _عَزَّ وَجَلَّ_: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} [الأنفال: 63].[3]

 

وفي "الإخوان" لابن أبي الدنيا (ص: 128)

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:

«الرَّحِمُ تُقْطَعُ وَالنِّعَمُ تُكْفَرُ وَلَمْ يُرَ كَتَقَارُبِ الْقُلُوبِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: " فَكَانَ مُحَمَّدٌ مُبَادِرًا فِي ذَلِكَ:

[البحر الكامل]

قَدْ يُقْطَعُ الرَّحِمُ الْقَرِيبُ وَتُكْفَرُ النَّـ ... ـعْمَاءُ وَلَا كَتَقَارُبِ الْقَلْبَيْنِ

يُبْدِي الْهَوَى هَذَا وَيُبْدِي ذَا الْهَدَى ... فَإِذَا هُمَا نَفْسٌ تُرَى نَفَسَيْنِ."[4]

 

المعنى الإجمالي:

 

أرشد عبد الله بن عباس _رضي الله عنهما_ في هذا الأثر إلى حقيقةٍ عظيمةٍ من حقائق الاجتماع الإنساني؛ وهي أن كثيرًا من الروابط الدنيوية قد يعتريها الضعف والزوال، فالنِّعَمُ قد تُقابَل بالكفر والجحود، والأرحام التي أمر الله بصلتها قد تُقطع بسبب الأهواء والمطامع، ومع ذلك فإن هناك رابطةً أعظمَ وأقوى، وهي رابطةُ تألُّف القلوب واجتماعها على الإيمان والمحبة الصادقة.

 

وبيَّنتْ الروايات الأخرى أن هذا التألُّف ليس أمرًا يناله العباد بمجرد الأسباب المادِّية أو الأموال أو الجاه، وإنما هو فضلٌ من الله _تعالى_، يخلقه في القلوب،

كما قال _سبحانه_: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 63]،

 

فإذا جمع الله _تعالى_ بين قلبين على الحق والمودة الصادقة، ثبتت هذه الألفة ورسخت، ولم تستطع الحوادث ولا المصالح المتغيرة أن تزيلها ما دام سببُها الإيمانَ والإخلاصَ لله _تبارك وتعالى_.

 

فأعظم النعم وأجلَّ المنن التي يمنُّ الله بها على عباده هي نعمةُ ائتلاف القلوب، وأنها نعمةٌ تفوق كثيرًا من النعم الظاهرة؛ لأن النعم قد تُجحد، والقرابات قد تنقطع، أما القلوب إذا ألَّف الله _تعالى_ بينها على طاعته، فإنها تبقى متحابَّةً متآلفة، يجمعها الإيمان، وتربطها الأخوة في الله، وهي نعمة لا يملك أحدٌ إيجادها إلا الله _سبحانه وتعالى_.

 

فتجمع هذه الروايات بين ثلاث حقائق عظيمة:

* أن النعم قد تُجحد فلا تُشكر.

* وأن الأرحام قد تُقطع مع تأكد حقها.

* وأن أعظم ما يهب الله لعباده بعد الإيمان هو تآلف القلوب، فهو نعمة ربانية لا يملكها مال، ولا جاه، ولا سلطان، وإنما يهبها الله لمن شاء من عباده الصالحين.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص: 101) (رقم: 262)، وعبد الرزاق الصنعاني في "المصنف" (11/ 171) (رقم: 20233)، وابن المبارك في "الزهد والرقائق" (1/ 123) (رقم: 362)، وابن أبي الدنيا في "الإخوان" (ص: 128) (رقم: 77)، وسعدان بن نصر المخزومي في "جزئه" (ص: 44) (رقم: 146)، وابن المقرئ في "المعجم" (ص: 96) (رقم: 222)، والخطابي في "العُزْلة" (ص: 42)، وابن حبان في "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" (ص: 64)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (2/ 330 و 2/ 359) (رقم: 3179 و 3268)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (11/ 335) (رقم: 8616_8617)، وفي "القضاء والقدر" (ص: 176) (رقم: 148)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (41/ 283)

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الأدب المفرد" (ص: 115) (رقم: 198)

 

من فوائد الحديث:

 

قال أَبُو حاتم ابن حبان البُسْتِيّ _رَضِيَ اللَّه عنه_ في "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" (ص: 64):

"الواجب على العاقل: أن يتحبب إلى الناس بلزوم حسن الخلق وترك سوء الخلق، لأن الخلق الحسن يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد،

وإن الخلق السيء ليفسد العمل كما يفسد الخلُّ العَسَلَ،

وقد تكون في الرجل أخلاق كثيرة صالحة كلها وخلق سيء فيفسد الخلق السيء الأخلاق الصالحة كلها." اهـ

 

وقال ابن عبد البر في "بهجة المجالس وأنس المجالس" (ص: 165):

"كان يقال: لا تؤدى حقّ الرحم، إلا بأن تصل من أدلى بها إذا قطعك، وتعطيه إذا حرمك.

 

قال الشيخ محمد لقمان السلفي _رحمه الله_ في كتابه "رش البرد" (ص: 157):

"فقه الحديث:

1 - الحب الصادق والعلاقة الوُدِّيَّة الْقلبية يكون لها الدوام والبقاء، وهي لا تتاثر بالامور الخارجية غير اللائقة." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

ومن الفوائد المستنبطة من هذه الآثار، مع صياغتها بلغةٍ عربيةٍ جزلة:

١- أنَّ تأليفَ القلوبِ مِنْ أَعْظَمِ مِنَنِ اللهِ _تعالى_ على عباده،

فإنَّ اجتماعَ القلوبِ على الإيمانِ والمحبَّةِ الصادقةِ ليس من كسبِ العبادِ، ولا من آثارِ الأموالِ والأسبابِ، وإنَّما هو فضلٌ يختصُّ اللهُ به من شاء من أوليائه.

٢- أنَّ الألفةَ الربَّانيةَ آيةٌ من آياتِ قدرةِ الله _تعالى_، إذ يُقلِّبُ القلوبَ كيف يشاء، فيجمعُ بين المتباعدين، ويُزيلُ ما في الصدورِ من الأحقادِ والشنآن، حتى يصيرَ المتعاديانِ أخوينِ متحابَّين.

٣- أنَّ الأسبابَ المادِّيَّةَ لا تستقلُّ بإيجادِ المحبَّة،

فلو اجتمعَت خزائنُ الأرضِ بأسرِها، وبُذِلَت في استجلابِ مودَّةِ القلوبِ، لم تُثمرْ شيئًا إلا أن يُباركَ اللهُ السببَ ويخلقَ الألفةَ في الصدور.

٤- أنَّ النِّعَمَ قد تُقابَلُ بالجحودِ والنكران، ففيه تحذيرٌ للمؤمنِ من الاغترارِ بإحسانِه إلى الناسِ، فإنَّ من طَبْعِ كثيرٍ منهم نسيانَ الجميلِ وكفرانَ المعروف.

٥- أنَّ صلةَ الرَّحمِ قد تضعفُ بسببِ أهواءِ النفوس، فكم من قريبٍ انقطعتْ مودَّتُه، وذهبتْ أُلفتُه، مع عِظَمِ حقِّه، وذلك من فسادِ الطباعِ إذا خلتْ من تقوى الله.

٦- أنَّ رابطةَ الإيمانِ أقوى من رابطةِ النَّسبِ إذا صدقت، فقد ينقطعُ حبلُ القرابةِ، ولا ينقطعُ حبلُ الأخوَّةِ في الله، إذ هو موصولٌ بحبل ربِّ العالمين.

٧- أنَّ القلوبَ جنودٌ مجنَّدةٌ، تتلاقى بتقديرِ الله _تعالى_، فما كان منها متوافقًا في الإيمانِ والصدقِ، ائتلف، وما كان متباينًا في المقاصدِ والنيَّاتِ، اختلف.

٨- أنَّ ثباتَ الألفةِ دليلٌ على رسوخِ الإخلاص، فإذا بُنِيَت المحبَّةُ على الدِّينِ والحقِّ، لم تُزعزعْها الحوادثُ، ولم تُفرِّقْها المطامعُ.

٩- أنَّ من أجلِّ ما يُسألُ اللهُ صلاحُ القلبِ وأُلفتُه، إذ القلوبُ بين إصبعينِ من أصابعِ الرحمن، يُصرِّفُها كيف يشاء، فلا غِنى للعبدِ عن سؤالِ ربِّه أن يُصلحَ قلبَه.

١٠- أنَّ الألفةَ الصادقةَ من دلائلِ نعمةِ الله على الجماعاتِ والأفراد، فإذا رأيتَ قومًا قد اجتمعتْ كلمتُهم على الحقِّ، وائتلفتْ قلوبُهم على السُّنَّةِ، فاعلمْ أنَّ ذلك من أَجَلِّ نعمِ الله عليهم.

١١- أنَّ فسادَ القلوبِ أصلُ فسادِ العلاقات، فما انقطعتْ رحمٌ، ولا جُحدتْ نعمةٌ، إلا بعد فسادٍ دَبَّ في القلوب، واستيلاءِ الهوى عليها.

١٢- أنَّ المؤمنَ لا يجعلُ إحسانَه موقوفًا على شكرِ الناس، بل يُحسنُ ابتغاءَ وجهِ الله عالمًا أنَّ الجحودَ من طبائعِ كثيرٍ من الخلق.

١٣- أنَّ المحبَّةَ في الله ليستْ وليدةَ المصالحِ الدنيويَّة، فإذا زالتِ المصالحُ وبقيتِ المودَّةُ، علم أنَّ أصلَها الإيمانُ والإخلاصُ.

١٤- أنَّ من أعظمِ أسبابِ بقاءِ الجماعةِ سلامة الصدور، فإنَّ القلوبَ إذا ائتلفتْ، سَهُلَ اجتماعُ الكلمةِ، وقويتِ الشوكةُ، واندفعَتْ أسبابُ الفرقة.

١٥- أنَّ العبدَ ينبغي أن يعتني بإصلاحِ قلبِه أكثرَ من عنايتِه بإصلاحِ ظاهرِ أحوالِه، فإنَّ القلبَ إذا صلحَ، صلحتِ المودَّةُ، واستقامتِ الصلةُ، وحَسُنَتِ المعاشرةُ.

١٦- أنَّ دوامَ المودَّةِ من الكراماتِ التي يمنُّ اللهُ بها على عباده الصالحين، ولهذا قال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: «ولم نرَ مثلَ تقاربِ القلوب»، فجعلَه أعجبَ ما يُشاهَدُ في معاشرةِ الناسِ؛ لأنَّه نعمةٌ ربَّانيةٌ لا تُنالُ بالحيلةِ، ولا تُستجلبُ بكثرةِ المال، وإنَّما تُوهَبُ لمن صفا توحيدُه، وحَسُنَ قصدُه، وصَلُحَ باطنُه.


[1] (النِّعَمُ تُكْفَرُ)، أي: تُجْحَد ولا يُعترف بفضلها، فلا يُشكر صاحبُها من الناس، ولا يُشكر الله تعالى عليها، وقد يُقابَل الإحسان بالإساءة. والكفر في أصل اللغة: الستر والتغطية، ومنه سُمِّي جاحد النعمة كافرًا؛ لأنه سترها ولم يعترف بها. [مقاييس اللغة (5/ 191)] (الرَّحِمُ تُقْطَعُ)، أي: تقع القطيعة بين الأقارب، فلا يُؤدَّى حقُّ القرابة من الزيارة، والإحسان، والمواساة، والسؤال، مع أن الله أمر بصلتها ونهى عن قطعها. (وَلَمْ نَرَ مِثْلَ تَقَارُبِ الْقُلُوبِ)، أي: لم نجد شيئًا أعظم أثرًا، ولا أقوى رابطةً، ولا أشدَّ دوامًا من اجتماع القلوب على المحبة والإيمان والإخلاص، وقوله: "تقارب القلوب" ليس المراد به مجرد توافق الطباع، بل اجتماعها على المودة الصادقة التي يجعلها الله بين عباده.

[2] (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُؤَلِّفُ بَيْنَ الْقُلُوبِ)، أي: يجمع بينها بعد التفرُّق، ويزرع فيها المحبة، ويزيل ما فيها من العداوة والبغضاء. والتأليف هو: الجمع بين الشيئين حتى يصيرا متوافقين بعد التباعد. (وَإِذَا قَارَبَ بَيْنَ الْقُلُوبِ)، أي: إذا جمع الله بين القلوب بالمحبة والإيمان، وأوقع بينها الألفة والمودة. (لَمْ يُزَحْزِحْهَا شَيْءٌ أَبَدًا)، أي: لا يُزيل تلك الألفة، ولا يُضعّفها شيء من أسباب الدنيا إذا كانت قائمةً على الإيمان والإخلاص لله. يزحزحها: يُبعدها ويُنحِّيها ويصرفها عن اجتماعها. (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)، أي: لو بذلت جميع أموال الدنيا وكنوزها. وهذا من باب بيان عِظَم الأمر، لا من باب وقوعه. (مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ)، أي: ما استطعت أن تجعلها متحابةً متوافقةً بمجرد المال أو الجاه أو القوة. (وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ)، أي: الله وحده هو الذي خلق تلك المحبة في قلوبهم، وجعلهم إخوانًا بعد أن كانوا أعداء.

[3] (قَرَابَةُ الرَّحِمِ)، أي: الصلة التي تنشأ بسبب النسب، كصلة الوالدين، والإخوة، والأعمام، والأخوال، وسائر الأقارب. (مِنْهُ النِّعَمُ تُكْفَرُ)، أي: ومن شأن الناس أيضًا أن يجحدوا النعم ويقابلوها بعدم الشكر، كما قد يقطعون الأرحام.

[4] (يُبْدِي الْهَوَى)، أي: يُظهر المحبة والميل والمودة. (وَيُبْدِي ذَا الْهُدَى)، أي: ويُظهر الآخر الاستقامة والدين والرشاد، أو يُظهر ما في قلبه من المحبة الصادقة المبنية على الهدى. (فَإِذَا هُمَا نَفْسٌ تُرَى نَفَسَيْنِ)، هذا من بليغ التشبيه، أي: لشدة اتفاقهما ومحبتهما، كأنهما روحٌ واحدة في جسدين، وإن كانا شخصين مختلفين، حتى يظن الناظر إليهما أنهما نفسٌ واحدة ظهرت في صورتين.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

شرح الحديث 36 (بَابُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا) من الأدب