شرح الحديث 261 (باب الألفة) من الأدب المفرد

 

132 - بَابُ الْأُلْفَةِ

 

261 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَاصِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ:

عَنِ النَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، قَالَ:

«إِنَّ رُوحَ الْمُؤْمِنَيْنِ لَيَلْتَقِيَانِ فِي مَسِيرَةِ يَوْمٍ، وَمَا رَأَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ»

 

رواة الحديث:

 

* حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَاصِمٍ (ت. 227 هـ):

أحمد بن عاصم، أبو محمد البلْخِيُّ (رجح ابن حجر أنه الأنطاكي)، من أوساط الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خ بخ[1]

 

* قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ (صدوق عالم بالأنساب وغيرها: ت. 226 هـ):

سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم بن يزيد بن الأسود الأنصارى مولاهم، أبو عثمان المصري (ابنُ أُخْتِ المغيرةِ بن الحسن بن راشد)، من كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خ م قد س  (قد: أبو داود في القدر)

 

* قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ (ثقة حافظ عابد: ت. 197 هـ):

عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم الفهري، أبو محمد المصرى الفقيه، المولود: سنة 125 هـ، من صغار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ (:  ثقة ثبت فقيه زاهد: ت. 158 هـ وقيل 159 هـ):

حيوة بن شريح بن صفوان بن مالك التُّجِيْبِيُّ، أبو زرعة المصري، الفقيه الزاهد العابد، من كبار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنْ دَرَّاجٍ (صدوق، فى حديثه عن أبى الهيثم ضعْفٌ: ت. 126 هـ):

دراج بن سَمْعَانَ (يقال: اسمه عبد الرحمن، ودَرَّاج لَقَبٌ)، أبو السَّمْحِ الْقُرَشِيُّ السَّهْمِيُّ مولاهم، المصري القاصُّ (مولى عبد الله بن عمرو)[2]، من طبقة تلى الوسطى من التابعين، روى له: بخ د ت س ق 

 

* عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفِيِّ (صدوق):

عيسى بن هلال الصَّدَفِيُّ المصري، من طبقة تلى الوسطى من التابعين، روى له: بخ د ت س 

 

قال طارق بن محمد آل بن ناجي (المتوفى: 1432هـ) _رحمه الله_ التذييل علي كتب الجرح والتعديل (1/ 232) (رقم: 622)

"هـ - عيسى بن هلال الصدفي المصري:

عن عبد الله بن عمرو. وعنه دراج أبو السمح، وكعب بن علقمة. [ذكره ابن حِبَّان في "الثقات"].ا. هـ.

قلت: ذكره يعقوب بن سفيان في "ثقات تابعي أهل مصر"، وصَحَّحَ له الترمذي وابن حِبَان والحاكم." اهـ

 

* عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (صحابي: ليالى الحرة سنة 63 هـ بـ الطائف):

عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سعد القرشي السهمي، أبو محمد (وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو نصير)، روى له: خ م د ت س ق

 

نص الحديث وشرحه:

 

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ:

عَنِ النَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، قَالَ:

«إِنَّ رُوحَ الْمُؤْمِنَيْنِ لَيَلْتَقِيَانِ فِي مَسِيرَةِ يَوْمٍ[3]، وَمَا رَأَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ[4]»

 

المعنى الإجمالي:

 

بيّن هذا الحديث الشريف حقيقةً إيمانيةً دقيقة، وهي أن الأرواح لها من التآلف والتجاذب والتعارف ما ليس للأبدان، وأن رابطة الإيمان تجمع بين المؤمنِيْنَ قبل أن تجمعهم المعرفة الظاهرة أو اللقاء الحسي.

 

فإذا كان المؤمنان متقارِبَيْنِ في الإيمان، ومتوافِقَيْنِ في الصلاح والاستقامة، حصل بين رُوْحَيْهِمَا نوعٌ من الألفة والميلِ والمحبةِ، وإن لم يسبق بينهما لقاء أو معرفة.

 

فقوله _صلى الله عليه وسلم_: «إن روح المؤمنَيْنِ ليلتقيان في مسيرة يوم» إشارةٌ إلى سرعة اجتماع الأرواح وائتلافها، وأن بينها من التجاذب ما يتجاوز المسافات الحسية.

وليس المراد بالضرورة التقاءً بالأبدان، وإنما المراد تقاربُ الأرواح وتوافُقُها وائتلافُها؛ لأن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها، ائتلف، وما تناكر منها اختلف.

 

ثم قال _صلى الله عليه وسلم_: «وما رأى أحدهما صاحبه»،

أي: قد تقع هذه المودة والألفة القلبية بين مؤمنين لم يلتقيا قطُ، ولم يعرِفْ أحَدُهما الآخَرَ بعينه، وإنما جمع بينهما ما في القلوب من الإيمانِ والصدقِ والإخلاصِ، فكان تَوَافُقُ الأرواحِ سَبَبًا في ميْلِ بعْضِها إلى بعض.

 

فدل الحديث على أن الألفة الحقيقية ليست مبنية على المصالح الدنيوية، ولا على القرابة، ولا على الاشتراك في الأهواء، وإنما أصلها: اجتماع القلوب على الإيمان والتقوى. فكلما كان العبد أكمل إيمانًا وأصفى سريرةً، كان أقرب إلى قلوب المؤمنين، وأشد محبة لهم ومحبةً منهم.

 

وفيه أيضًا تسليةُ للمؤمن إذا وجد في قلبه ميلًا إلى بعض أهل الصلاح، أو وجد محبةً لرجل من أهل الإيمان لم يره من قبل، فإن هذا من آثار توافق الأرواح، كما أنه تحذير من التنافر الذي ينشأ عن فساد القلوب أو اختلاف المقاصد.

فالمؤمن يحرص على إصلاح باطنه، لأن صلاح الروح سببٌ للألفة، كما أن فسادها سببٌ للوحشة والنفرة.

 

فالإيمان يورث الأرواح تعارفًا وائتلافًا ومحبةً خفية، قد تسبق اللقاء بالأبدان، وأن الأرواح المتشابهة في الإيمان والصدق تتجاذب بطبعها، وإنْ حالت بينها المسافات، بينما الأرواح المتنافرة تتباعد، ولو اجتمعت الأجساد في مكان واحد.

 

سرُّ تخصيص المؤمنين بالذكر، لأن الإيمان أعظم أسباب اجتماع القلوب وائتلاف الأرواح، فكلما قوي الإيمان، قوي التآلف والمحبة، كما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10].

 

فهذا الحديث يؤسس قاعدة عظيمة في تزكية النفوس، وهي أن ائتلاف الأرواح ثمرةٌ للإيمان، وسلامة السريرة، والإخلاص لله تعالى، وأن اجتماع القلوب لا تُنشئه المصالح المجردة، وإنما يخلقه الله بين عباده المؤمنين إذا صحت عقائدهم، واستقامت أعمالهم، وطهرت سرائرهم.

 

مناسبة الحديث بباب الألفة:

 

أورد الإمام البخاري _رحمه الله_ هذا الحديث في باب الألفة؛ لأنه يدل على أن الألفة الحقيقية تنشأ أولًا بين الأرواح، ثم تظهر آثارها على الجوارح والمعاملة، وأن المحبة الصادقة ليست مبنية على المصالح الدنيوية، بل على توافق الإيمان وصلاح الباطن.

 

والعلاقة بين هذا الحديث وحديث: «الأرواح جنود مجندة»: أن هذا الحديث يفسر معناه الحديث الآخر: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف». فكلا الحديثين يدل على أن للأرواح تعارفًا وائتلافًا أو تناكرًا وتباعدًا بحسب ما أودعه الله فيها من أسباب الإيمان أو غيره، وأن هذا التوافق قد يظهر أثره قبل حصول المعرفة الظاهرة بين الأشخاص.

 

وبذلك يظهر أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أثبت حقيقةً عظيمةً، وهي أن اجتماع القلوب ليس سببه الأول كثرة اللقاء، وإنما سببه توافق الأرواح على الإيمان والصدق والإخلاص، فإذا صلحت البواطن، انجذبت الأرواح بعضها إلى بعض، ولو لم تتلاقَ الأبدان.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص: 101) (رقم: 261)، وابن وَهْبٍ في "الجامع" – ت  مصطفى أبو الخير (ص: 268) (رقم: 180)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (2/ 175 و 2/ 220) (رقم: 6636 و 7047)، والطبراني في "المعجم الكبير" (13/ 66) (رقم: 161)، والمزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (23/ 54)، وأبو شجاع الديلمي في "الفردوس بمأثور الخطاب" (1/ 237) (رقم: 912).

 

وله شاهد من حديث خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأنصاري الخطمي _رضي الله عنه_: أخرجه مسند أحمد - عالم الكتب (5/ 214) (21864):

عن خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ : رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنِّي أَسْجُدُ عَلَى جَبْهَةِ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَأَخْبَرْتُ بِذَلِكَ رَسُولَ اللهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَقَالَ : "إِنَّ الرُّوحَ لَتَلْقَى الرُّوحَ."[5]

 

 

وحديث عبد الله بن عمرو _رضي الله عنهما_ حسنٌ: حسنه الشيخ شعيب الأرنؤوط، وقال في "تخريج مسند أحمد" – ط. الرسالة (11/ 212):

"حديث حسن، ابن لهيعة قد توبع، ودراج: هو ابن سمعان أبو السمح.

وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" ص 76، من طريق ابن وهب، عن حيوة بن شريح، عن دراج، به، نحوه، وهذا إسناد حسن.

وذكره الهيثمي في "المجمع" 10/274، وقال: "رواه أحمد، ورجاله وُثقوا على ضعف في بعضهم، ورواه الطبراني" كذا في مطبوع "المجمع"، ولم يُبين الهيثمي حال رجال إسناد الطبراني.

وكره السيوطي في "جمع الجوامع"، ونسبه إلى أحمد والدارقطني. وسيتكرر برقم (7048)." اهـ

 

من فوائد الحديث:

 

قال الحكيم الترمذي _رحمه الله_ في "نوادر الأصول في أحاديث الرسول" (2/ 116):

"وَقَوله _صلى الله عَلَيْهِ وَسلم_: (إِن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ لتتلاقى)،

أَرَادَ بذلك الْمُؤمن المستكمل لحقائقه الَّذِي قد شرح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ، فَهُوَ على نور من ربه. لَيْسَ الموحد الَّذِي أقبل على شهواته، وتشاغل عَن عبودته حَتَّى خلط على نَفسه الْأُمُور، قلبه مأسور، وروحه مَشْغُول، وَنَفسه مَفْتُونَة، فَكيف يبصر أَو يعقل." اهـ

 

وقال أبو العون محمد بن أحمد السفاريني الحنبلي (المتوفى: 1188 هـ) _رحمه الله_ في "لوامع الأنوار البهية" (2/ 58)

فَلَمَّا تَوَاطَأَتْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِينَ عَلَى تَلَاقِي الْأَرْوَاحِ وَتَعَارُفِهَا، كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ وَيَصْلُحُ لِلِاسْتِشْهَادِ بِهِ، عَلَى أَنَّا لَمْ نُثْبِتْ بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَا، بَلْ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَخْبَارِ عَنِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ مِنْ تَلَاقِي أَرْوَاحِ الْمَوْتَى بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَتَلَاقِي أَرْوَاحِ الْأَحْيَاءِ لِأَرْوَاحِ الْمَوْتَى أَيْضًا.

ثُمَّ إِنَّ الْحِسَّ وَالْوَاقِعَ مِنْ أَعْدَلِ الشُّهُودِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الزمر: 42]

رَوَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَرْوَاحَ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ تَلْتَقِي فِي الْمَنَامِ، فَيَتَسَاءَلُونَ بَيْنَهُمْ فَيُمْسِكُ اللَّهُ أَرْوَاحَ الْمَوْتَى، وَيُرْسِلُ أَرْوَاحَ الْأَحْيَاءِ إِلَى أَجْسَادِهَا." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

هذا الحديث من جوامع كلم النبي ﷺ، وقد اشتمل على فوائد إيمانية وتربوية عظيمة، ومن تأمله جيّدًا، استخرج منه فوائد كثيرة، منها:

1 -  إثبات وجود الأرواح،

ففي الحديث إثبات أن للإنسان روحًا قائمةً به، وهي مخلوقة لله تعالى، بها تكون حياته، وهي باقية بعد مفارقة الجسد على الوجه الذي شاءه الله سبحانه.

2 - أن للأرواح خصائص لا تُدرك بالحواس،

فإن النبي ﷺ أخبر عن أمر غيبي يتعلق بالأرواح، وهو تلاقيها وائتلافها، وذلك مما لا يُعلم إلا بخبر الصادق المصدوق ﷺ.

3 - أن الإيمان أعظم أسباب الألفة،

فإنه خصَّ روح المؤمنين بالذكر، فدل على أن رابطة الإيمان هي أقوى الروابط، وأنها سبب اجتماع القلوب وائتلاف الأرواح.

4 - أن الأرواح تتجاذب بحسب ما فيها من الخير،

فكلما تشابهت الأرواح في الإيمان والإخلاص والاستقامة، كان ائتلافها أعظم، ومحبتها أشد، وإن لم تتعارف الأجساد.

5 - أن المحبة الصادقة قد تسبق المعرفة،

فقد يجد المؤمن في قلبه ميلًا إلى أخيه قبل أن يراه أو يجالسه، وذلك من آثار توافق الأرواح وتعارفها.

6 - أن الألفة الحقيقية ليست مبنية على المصالح،

فإن المصالح الدنيوية قد تجمع الأجساد، أما اجتماع الأرواح فلا يكون إلا على قدر ما فيها من الإيمان والصدق.

7 - أن صلاح الباطن أصل صلاح الظاهر،

فإذا صلحت الأرواح وائتلفت، ظهرت آثار ذلك على الأقوال والأفعال، وحسن المعاشرة، وصدق الأخوة.

8 - فضل الأخوة الإيمانية،

فالحديث يدل على أن أخوة الإيمان أمر يتجاوز حدود المكان والزمان، إذ تتآلف الأرواح وإن لم يحصل اللقاء.

9 - أن المؤمن يحرص على إصلاح قلبه، لأن القلب إذا صلح صلحت الروح، وإذا صلحت الروح مالت إلى أهل الإيمان، ونفرت من أهل الفساد.

10 - أن النفرة بين المؤمنين قد تكون بسبب خلل في الباطن،

فإذا وجد المؤمن في نفسه وحشة من أهل الخير، فليتَّهِمْ نفْسَه، ولْيُفَتِّشْ عن عيوب قلبه، فإن الأرواح الطيبة تألف أشباهها.

11 - أن الشريعة تعتني بأعمال القلوب،

إذ أخبر النبي ﷺ عن أمر يتعلق بمحبة القلوب وائتلاف الأرواح، وفي ذلك تنبيه إلى عظم شأن إصلاح السرائر.

12 - إثبات الأمور الغيبية كما جاءت

فالواجب الإيمان بما أخبر به النبي ﷺ من أحوال الأرواح من غير تكلف ولا خوض فيما لم يأت به الدليل.

13 - أن خبر النبي ﷺ حقٌّ، لا مرية فيه! فقد صدَّر الحديث بـ «إنَّ» ولام التوكيد، تأكيدًا لثبوت هذا الخبر، وأنه من أمور الغيب التي يجب التصديق بها.

14 - أن المؤمنين وإن تباعدت أجسادهم، فقلوبهم مجتمعة

فقد تحول المسافات دون لقاء الأبدان، ولا تحول دون اجتماع الأرواح إذا قامت على الإيمان والتقوى.

15 - أن من علامات الإيمان محبةَ الصالحين،

فميل القلب إلى أهل الاستقامة، وإن لم تحصل معرفة سابقة، من آثار حياة القلب وسلامة الفطرة.

16 - التحذير من صحبة أهل الفساد،

فإن الأرواح الخبيثة تميل إلى نظائرها، كما أن الأرواح الطيبة تميل إلى أمثالها، فليختر العبد لنفسه من يألفه في الله.

17 - أن اجتماع الأرواح نعمة من الله،

فليس كل توافق بين الناس ناشئًا عن الأسباب الظاهرة، بل قد يكون من توفيق الله، إذ يؤلف بين القلوب كما قال تعالى: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} [الأنفال: 63]

18 - أن المؤمن لا يغتر بالمظاهر،

فقد يجتمع الناس في مجلس واحد وتتباعد قلوبهم، وقد يفترقون في الأقطار وتتآلف أرواحهم، والعبرة بما في القلوب لا بما تراه الأبصار.

19 - أن هذا الحديث شاهد لحديث «الأرواح جنود مجندة»،

فكلاهما يدل على أن الأرواح يقع بينها التعارف والائتلاف أو التناكر والاختلاف بحسب ما أودع الله فيها من أسباب الخير والشر.

20 - الحث على تحقيق أسباب الألفة الشرعية

ومن أعظمها: الإخلاص لله، واتباع السنة، وسلامة الصدر، وحب المؤمنين، واجتناب الحسد والبغضاء؛ فإن هذه الأخلاق تورث اجتماع الأرواح قبل اجتماع الأبدان.

21 - أن الاجتماع على الإيمان باقٍ وإن انقطعت الأسباب الدنيوية

فالأموال، والمناصب، والأنساب قد تزول، أما الأخوة المبنية على الإيمان فإنها أوثق عرى المحبة، وأبقى أسباب الوصلة في الدنيا والآخرة.

22 - كمال بلاغة النبي ﷺ،

فقد عبَّر بألفاظ يسيرة، اشتملت على معانٍ عظيمة في باب الإيمان، وأحوال القلوب، والألفة، والاجتماع، وذلك من جوامع كلمه ﷺ.

 

 



[1] قال المزي _رحمه الله_ في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (1/ 363):

"رَوَى عَنه: البخاري فِي (آخر باب رفع الأمانة من كتاب الرقائق، وفي كتاب"الأدب"، وعبد الله بْن مُحَمَّد الجوزجاني." اهـ

وقال بشار عواد معروف في تعليقه على "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (1/ 363):

"أضاف المزي ما بين الحاصرتين بأخرة. وهذه الرواية التي أشار إليها في آخر كتاب الرقائق لا توجد في النسخ المطبوعة حيث نجد فيها أربعة أحاديث في باب"رفع الامانة". وَقَال ابن حجر في التهذيب: روى عنه البخاري في كتاب الرقائق حديثًا هو في رواية المستملي عن الفربري"، والظاهر ان المزي انتبه إلى هذه الرواية بأخرة فأضافها." اهـ

قال ابن حجر_رحمه الله_ في "فتح الباري" (1/ 386):

"أَحْمد بن عَاصِم الْبَلْخِي مَعْرُوف بالزهد وَالْعِبَادَة لَهُ تَرْجَمَة فِي حلية الْأَوْلِيَاء وَقد ذكره بن حبَان فِي الثِّقَات فَقَالَ روى عَنهُ أهل بَلَده وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ مَجْهُول قلت روى عَنهُ البُخَارِيّ حَدِيثا وَاحِدًا فِي كتاب الرقَاق وَهُوَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده اهـ

[2] قال المزي _رحمه الله_ في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (8/ 480):

"وَقَال أَبُو أَحْمَد بْن عَدِيّ...: (وسائر أخبار دراج غير ما ذكرت من هذه الأحاديث يتابعه الناس عليها، وأرجو إذا أخرجت دراجا وبرأته من هذه الأحاديث التي أنكرت عليه أن سائر أحاديثه لا بأس بها وتقرب صورته مما قال فيه يَحْيَى بْن مَعِين).

وَقَال عَبد اللَّهِ بْن لَهِيعَة: كان كريما، وكان إذا أتاه من يطلب العلم لم يحدثه حَتَّى يطعم عنده." اهـ

[3] (إنَّ رُوْحَ المؤْمِنَيْنَ)، الروح: هي اللطيفة التي بها حياة الإنسان، وهي من أمر الله _تعالى_، كما قال _سبحانه_: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85].

والمراد هنا: أرواح المؤمنين، أي الأرواح التي عمرها الإيمان والتقوى. (لَيَلْتَقِيَانِ)، اللام لام التوكيد، ويلتقيان: يجتمعان ويتآلفان ويتقاربان. وليس المراد بالضرورة اجتماع الأبدان، وإنما المراد التقاء الأرواح بالمودة والموافقة والائتلاف، أو تعارفها وتقاربها الذي يجعله الله بينها. (في مسيرة يوم)، أي: في مقدار مسافة يقطعها المسافر في يوم واحد. وهذا التعبير عند العرب يُراد به بيان سرعة وقوع الشيء أو قربه، وقيل: ليس المقصود تحديد مسافة معينة في هذا الحديث، وإنما المقصود أن الأرواح تتلاقى وتتآلف بسرعة، ولو كان بين أصحابها بعدٌ في المكان. لكن يحتمل أنهما يلتقيان حقيقة على ما شاء الله _تعالى_ كالتقائهما في المنام، والله أعلم.

[4] (وما رأى أحدهما صاحبه)، أي: مع أن أحد المؤمنين لم ير الآخر بعينه، ولم تحصل بينهما معرفة سابقة أو صحبة ظاهرة. فالمعنى: قد توجد المحبة والألفة بين شخصين قبل التعارف الحسي. (صاحبه)، أي: المؤمن الآخر الذي وافقه في الإيمان والصلاح، وسُمِّي صاحبًا هنا بمعنى القرين أو النظير، لا بمعنى المصاحب الملازم.

تنبيه: ليس المراد أن الأرواح تخرج من الأجساد في اليقظة، فتجتمع، وإنما المراد ما يجعل الله بينها من التوافق، والتعارف، والميل، والمحبة، والانسجام، أو ما يقع لها في حال النوم على قول بعض أهل العلم، وكل ذلك داخل في قدرة الله تعالى.

[5] أخرجه أحمد في "مسنده" (36/ 201) (رقم: 21878)، والنسائي في "السنن الكبرى" (7/ 106) (رقم: 7584)، وابن أبي شيبة في "مسنده" (1/ 37) (رقم: 18)، في "مصنفه" (6/ 182) (رقم: 30515)، وعبد بن حميد في "المنتخب" – ت. صبحي السامرائي (ص: 102) (رقم: 216)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (2/ 916) (رقم: 2363). صححه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (7/ 780) (رقم: 3262).

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام

شرح الحديث 36 (بَابُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا) من الأدب