شرح الحديث 108 (باب المجاهدة) رياض الإحسان
[108] الرابع عشر: عن أَبي صَفوان عبد الله بنِ بُسْرٍ الأسلمي _رضي الله عنه_، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خَيرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ» . رواه الترمذي، وَقالَ: «حديث حسن» . «بُسْر» بضم الباء وبالسين المهملة. |
ترجمة عَبْدِ اللهِ بنِ بُسْرِ أَبُي صَفْوَانَ المَازِنِيِّ _رضي الله عنه_:
قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (3/ 430):
"عَبْدُ اللهِ بنُ بُسْرِ بنِ أَبِي بُسْرٍ أَبُو صَفْوَانَ المَازِنِيُّ * (ع) الصَّحَابِيُّ، المُعَمَّرُ، بَرَكَةُ الشَّامِ، أَبُو صَفْوَانَ المَازِنِيُّ، نَزِيْلُ حِمْصَ." اهـ
وفي "إكمال تهذيب الكمال" (7/ 259):
"وفي كتاب "الصحابة" لأبي القاسم عبد الصمد بن سعيد الحمصي: (هو أخو عطية، وأخته الصماء، اسمها بهية)." اهـ
وفي "مشاهير علماء الأمصار" (ص: 92) لابن حبان:
"عبد الله بن بسر السلمي من بنى مازن بن النجار، كنيته: أبو صفوان. قدم هو وأبوه الشام، ولهما صحبة، ومات عبد الله، وهو يتوضأ فجأة سنة ثمان وثمانين، وهو آخر من مات من أصحاب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ بالشام."
و"في إكمال تهذيب الكمال" (7/ 260) لمغلطاي الحنفي:
"وقال الواقدي وغيره : "توفي سنة اثنتين وثمانين، وقال أبو زرعة: قبل سنة مائة، وقيل: توفي سنة تسع وثمانين.
وفي "كتاب الطبري"، وذكره في فصل من مات سنة سبع وثمانين، وذكره أبو زكريا بن منده في كتاب الصحابة فقال: هو آخر الصحابة موتا بحمص." اهـ
وقال الزِّرِكْلِيُّ في "الأعلام" (4/ 74):
"عَبْد الله بن بُسْر (000 - 88 هـ = 000 - 707 م):
عبد الله بن بسر المازني، أبو صفوان، ويقال: أبو بسر، من بني مازن بن منصور: صحابيّ. كان ممن صلى إلى القبلتين. توفي بحمص، عن 95 عاما. وهو آخر الصحابة موتا بالشام. له 50 حديثا." اهـ
وفي الإصابة في تمييز الصحابة (4/ 21) :
"وقال البخاريّ: أبو صفوان السلمي المازني، من مازن بن منصور أخو بني سليم. وقيل : "من مازن الأنصار، وهو قول ابن حبان، وهو مقتضى صنيع ابن مندة، فإنه قال فيه: السّلمي المازني." اهـ
نص الحديث وشرحه:
الرابع عشر: عن أَبي صَفوان عبد الله بنِ بُسْرٍ الأسلمي _رضي الله عنه_، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خَيرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ» . رواه الترمذي، وَقالَ: «حديث حسن» .
«بُسْر» بضم الباء وبالسين المهملة.
المعنى الإجمالي للحديث:
بين النبي ﷺ في هذا الحديث ميزانًا عظيمًا من موازين التفاضل بين الناس، وأن الخير الحقيقي ليس بطول العمر وحده، ولا بكثرة السنين في ذاتها،
وإنما بطول العمر إذا اقترن بحسن العمل. فكم من إنسان طال عمره، فازداد قربًا من الله، وكثرت حسناته، وارتفعت درجاته، ونفع الله به عباده، فكان طول عمره نعمةً عظيمة ومنحةً جليلة.
فمعنى قوله ﷺ: «خير الناس» أي: أفضلهم وأعظمهم خيرًا عند الله، وأكملهم فلاحًا في الدنيا والآخرة.
وقوله ﷺ: «من طال عمره» أي: من أمد الله في حياته، وأبقاه في الدنيا سنوات طويلة، ولم يكن طول العمر مقصودًا لذاته، بل لأنه يتيح للمؤمن فرصةً لزيادة الطاعات، والتوبة من الزلات، واستدراك ما فاته من الخيرات، كما قال تعالى: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ [الحجر: 99].
وقوله ﷺ: «وحسن عمله» أي: كان ملازمًا لطاعة الله، مستقيمًا على أوامره، مجتنبًا لنواهيه، مخلصًا في عبادته، متبعًا لسنة نبيه ﷺ، محسنًا إلى الخلق، عامرًا أوقاته بما يقربه إلى ربه. فليس المراد مجرد كثرة الأعمال، وإنما أن تكون صالحة خالصة، موافقة للكتاب والسنة.
وفي هذا الحديث إشارة إلى أن طول العمر نعمة إذا استعمل في الطاعة، ونقمة إذا استعمل في المعصية؛ فإن السنين لا تزيد المؤمن إلا رفعة إذا عمرها بالخير، ولا تزيد المسيء إلا إثمًا إذا أمضاها في الغفلة والعصيان.
كما يدل الحديث على أن المؤمن ينبغي أن يغتنم كل يوم يعيشه، وكل ساعة يمهل فيها، فيجعلها مزرعةً للآخرة، فإن الأيام رأس ماله، وكل يوم يمضي لا يعود أبدًا، والسعيد من جعل زيادة عمره زيادةً في حسناته، والشقي من كانت زيادة عمره زيادةً في سيئاته.
فأفضل الناس عند الله هو من جمع بين نعمة طول العمر ونعمة حسن العمل، فاستثمر أيام حياته في عبادة الله، والإحسان إلى خلقه، والثبات على الطاعة، حتى لقي ربه وهو مملوء الصحيفة بالحسنات، عظيم الزاد للدار الآخرة. ولذلك كان السلف يفرحون إذا طال عمرهم مع حسن الاستقامة، لأن كل يوم يزداد فيه المؤمن طاعةً هو زيادة في ربحه عند الله.
تخريج الحديث:
أخرجه الترمذي في "سننه" (4/ 565) (رقم : 2329)، وابن الجعد في "مسنده" (ص: 492) (رقم : 3431)، وأحمد في "مسنده" (رقم : 17680 و 17698)، وعبد بن حميد في "المنتخب" – ت. صبحي السامرائي (ص: 182) (رقم : 509)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (2/ 118) (رقم : 1441)، وغيرهم.
والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (2/ 702) (رقم : 2270)، وفي "صحيح الترغيب والترهيب" (3/ 313) (رقم : 3364)
من فوائد الحديث :
1/ فيه: فضلُ طول العمر إذا أُحسن فيه العمل
وقال فيصل بن عبد العزيز الحريملي _رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 94):
"في هذا الحديث: فضلُ طول العمر إذا أُحسن فيه العمل.
وفي بعض الروايات: «وشركم: من طال عمره وساء عمله».
وفي الذريعة الى مكارم الشريعة (ص: 258) للراغب الأصفهاني :
"من حببه اللَّه إلى الناس فقد أنعم عليه نعمة وسيعة كما أن من بغَّضه إليهم فقد جعل له نقمة فظيعة، والسبب فيمن يكون محببًا أن من رعاه اللَّه تعالى فصفى جوهره، وأطاب روحه، وحسن عمله حصل له نور يسري في مشاعر من يراه فيحبه، وإياه قصد تعالى بقوله لموسى - صلى الله عليه وسلم -: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي)." اهـ
ففي سنن الترمذي (4/ 566) (رقم : 2330):
عن أَبِي بَكْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟" قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ»، قَالَ: "فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟" قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَسَاءَ عَمَلُهُ»
والحديث صحيح لغيره: صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الترغيب والترهيب" (3/ 313) (رقم: 3363)، وحسنه الأرنؤوط _رحمه الله_ في "تخريج مسند أحمد" – ط. الرسالة (34/ 58) (رقم: 20415).
2/ من كانت أنفاسه في طاعة، فثمرة شجرته طيبة
يقول ابن القيم - رحمه الله – في "الفوائد" (ص: 164):
"السَّنَةُ شجرة، والشُّهورُ فروعُها، والأيامُ أغصانُها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمرها، فمن كانت أنفاسه في طاعة، فثمرة شجرته طيبة،
ومن كانت في معصية، فثمرته حَنْظَلٌ، وإنما يكون الجدادُ يوم المعاد، فعند الجداد يتبين حلو الثمار من مرها،
والإخلاص والتوحيد شجرة في القلب فروعها الأعمال وثمرها طيب الحياة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة، وكما أن ثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة، فثمرة التوحيد والإخلاص في الدنيا كذلك." اهـ
3/ الأعمال مقتضى الإيمان
وقال محمد بن علي بن عطية الحارثي، أبو طالب المكي (المتوفى: 386 هـ) في "قوت القلوب" (2/ 73):
"الأعمال مقتضى الإيمان، إذ حقيقة الإيمان إنما هو قول وعمل، وليس بعد هؤلاء مقامٌ يفرح به، ولا يُغْبَطُ صاحِبُه عليه، ولا يُوْصَفُ بمدح، إنما هو حب البقاء لمتعة النفس وموافقة الهوى." اهـ
4/ مثل الإنسان كالتاجر
وقال الطيبي _رحمه الله_ في "الكاشف عن حقائق السنن" (5/ 1734):
"وإنما كان خير الناس من طال عمره، وحسن عمله؛ لأن مثل الإنسان في الدار الدنيا مع عمله الصالح، كمثل تَاجِرٌ سَافَرَ من مقره إلي فُرْضَةٍ[1] ليتجر فيها ويربح، فيرجع إلي وطنه سالما غانما، فيصيب خيرا،
فرأس مال الإنسان عُمْرُهُ، ونقْده أنفاسه ومزاولة جوارحه، وربحه الأعمال الصالحة،
فكلما زاد رأس المال، زاد الربح، ومقره ومستقره الدار الآخرة،
فمتى استقر فيها، وجد ثواب ما ربح مُوَفًّى:
{إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [فاطر: 29، 30]
ومن لم ينتبه لذلك، وأضاع رأس ماله، فلم يوفق للعمل، {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } [البقرة: 16]." اهـ
5/ إن الْأَوْقَاتَ وَالسَّاعَاتِ كَرَأْسِ الْمَالِ
وقال الطيبي في "شرح المشكاة" = "الكاشف عن حقائق السنن" (10/ 3328):
"إن الْأَوْقَاتَ وَالسَّاعَاتِ كَرَأْسِ الْمَالِ لِلتَّاجِرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتْجُرَ فِيمَا يَرْبَحُ فِيهِ، وَكُلَّمَا كَانَ رَأْسُ مَالِهِ كَثِيرًا كَانَ الرِّبْحُ أَكْثَرَ، فَمَنْ مَضَى لِطَيِّبِهِ فَازَ وَأَفْلَحَ، وَمَنْ أَضَاعَ رَأْسَ مَالِهِ لَمْ يَرْبَحْ وَخَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا." اهـ
وقال المباركفوري _رحمه الله_ في "تحفة الأحوذي" (6/ 512) :
"إِنَّ الْأَوْقَاتِ وَالسَّاعَاتِ كَرَأْسِ الْمَالِ لِلتَّاجِرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَّجِرَ فِيمَا يَرْبَحُ فِيهِ. وَكُلَّمَا كَانَ رَأْسُ مَالِهِ كَثِيرًا، كَانَ الرِّبْحُ أَكْثَرَ. فَمَنِ انْتَفَعَ مِنْ عُمُرِهِ بِأَنْ حَسُنَ عَمَلُهُ، فَقَدْ فَازَ وَأَفْلَحَ. وَمَنْ أَضَاعَ رَأْسَ مَالِهِ، لَمْ يَرْبَحْ وَخَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا." اهـ
وقال البيضاوي _رحمه الله_ في "تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة" (2/ 18):
"لما كان السؤال عما هو غيب لا يعلمه، إلا الله _تعالى_ عدَل عن الجواب إلى كلام مُبْتدأ يُشْعِرُ بأمارات تدل على المسؤول عنه، وهو: طول العمر مع حسن العمل، فإنه يدل على سعادة الدارين والفوز بالحسنين." اهـ
5/ شأن الإنسان في الدنيا
وقال القسطلاني في "إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري" (8/ 356):
"من شأنه: الازدياد والترقي من حال إلى حال، ومن مقام إلى مقام حتى ينتهي إلى مقام القرب." اهـ
وفي "الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني" (7/ 50) للساعاتي:
" كلما طال عمره، كلما ازداد من أعمال الخير والبر فتكثر حسناته، وكثرة الحسنات تمحو السيئات فيكون مقبولا عند الله _عز وجل_، وبعكس ذلك: من طال عمره وساء عمله، نعوذ بالله من ذلك." اهـ
6/ الاغتنام بالعمر في الطاعة الْمُوجبَة للسعادة الأبدية
التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 524) للمناوي:
"كلما طَال عمره وَحسن عمله يغتنم من الطَّاعَة الْمُوجبَة للسعادة الأبدية." اهـ
وفي فيض القدير (3/ 467) للمناوي: "المرء كلما طال عمره وحسن عمله يغتنم من الطاعات ويراعي الأوقات، فيتزود منها للآخرة، ويكثر من الأعمال الموجبة للسعادة الأبدية." اهـ
7/ من كثر خيره كلما امتد عمره كثر أجره وضوعفت درجاته
فيض القدير (3/ 480) للمناوي :
"من كثر خيره كلما امتد عمره كثر أجره وضوعفت درجاته ففي الحياة زيادة الأجور بزيادة الأعمال ولو لم يكن إلا الاستمرار على الإيمان فأي شيء أعظم منه وليس لك أن تقول قد يسلب الإيمان لأنا نقول إن سبق له في علم الله خاتمة السوء فلا بد من وقوع ذلك طال عمره أم قصر فزيادة عمره زيادة في حسناته ورفع في درجاته كثرت أو قلتْ." اهـ
8/ أقسام الإسان في الدنيا
التنوير شرح الجامع الصغير (5/ 564)
"قال المناوي : هذان قسمان من أربعة : طرفان بينهما واسطة بينته إما طويل العمر أو قصيره ثم هو حسن العمل أو سيئه.
* فطويل العمر حسن العمل
* وطويل العمر سيء العمل،
طرفان شرهما الثاني،
* وقصير العمر حسن العمل،
* وقصير العمر سيء العمل،
واسطتان خيرهما الأول." اهـ
9/ أن موت الإنسان بعد أن كبر وعرف ربه خيرٌ من موته طفلاً بلا حساب في الآخرة
وقال الأمير الصنعاني في "التنوير شرح الجامع الصغير" (7/ 159):
لا تمر به ساعة إلا في طاعة، وكل طاعة إصابة خير وفوز بكل حظ ديني ودنيوي،
ومنه يؤخذ: أن موت الإنسان بعد أن كبر وعرف ربه خيرٌ من موته طفلاً بلا حساب في الآخرة[2]
10/ الممدوح ليس هو طول العمر
وقال الكشميري في "العرف الشذي شرح سنن الترمذي" (4/ 29):
"الممدوح ليس هو طول العمر بل الممدوح ذهاب الإنسان من الدنيا وهو خال من الأوزار الهالكة له مع طول عمره[3]." اهـ
وقال العثيمين _رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 107_108) :
"وفي هذا: دليل على أن مجرد طول العمر ليس خيراً للإنسان إلا إذا أحسن عمله؛ لأنه أحياناً يكون طول العمر شراً للإنسان وضرراً عليه، كما قال الله _تبارك وتعالى_:
{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران: 178]،
فهؤلاء الكفار يملى الله لهم، أيْ: يمدهم بالرزق والعافية وطول العمر والبنين والزوجات، لا لخير لهم ولكنه شر لهم _والعياذ بالله_، لأنهم سوف يزدادون بذلك إثماً.___
ومن ثم كره بعض العلماء أن يدعى للإنسان بطول البقاء، قال:
"لا تقل: (أطال الله بقاءك)، إلا مقيداً؛ قل: (أطال الله بقاءَك على طاعته)؛ لأن طول البقاء قد يكون شراً للإنسان. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن طال عمره وحسن عمله، وحسنت خاتمته وعافيته، إنه جواد كريم." اهـ
11/ طول العمر في الطاعة زيادة القرب من الله _تعالى_.
وقال العثيمين _رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 106):
"الإنسان كلما طال عمره في طاعة الله، زاد قرباً إلى الله وزاد رفعة في الآخرة؛ لأن كل عمل يعمله فيما زاد فيه عمره، فهو يقربه إلى ربه _عز وجل_. فخير الناس مَنْ وُفِّقَ لهذين الأمرين." اهـ
وقال العثيمين _رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 107):
"فإذا كان خير الناس من طال عمره وحسن عمله؛ فإنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله دائماً أن يجعله ممن طال عمره وحسن عمله، من أجل أن يكون من خير الناس." اهـ
وقال ابن القيم _رحمه الله_ في "الفوائد" (ص: 189):
"فَمن لم يورثه التَّعْمِيرُ وَطولُ الْبَقَاء إصْلَاحَ معائبِهِ وتداركَ فَارِطِهِ، واغتنامَ بقيّة أنفاسه، فَيعْمل على حَيَاة قلبه وَحُصُول النَّعيم الْمُقِيم، وَإِلَّا فَلَا خير لَهُ فِي حَيَاته.
فَإِن العَبْد على جنَاح سفر: إِمَّا إِلَى الْجنَّة، وَإِمَّا إِلَى النَّار.
فَإِذا طَال عمره وَحسن عمله كَانَ طول سَفَره زِيَادَةً لَهُ فِي حُصُول النَّعيم واللذة، فَإِنَّهُ كلما طَال السّفر أَيهَا كَانَت الصبابة أجلّ وَأفضل،
وَإِذا طَال عمره وساء عمله كَانَ طول سَفَره زِيَادَة فِي ألمه وعذابه ونزولا لَهُ إِلَى أَسْفَل فالمسافر إِمَّا صاعد وَإِمَّا نَازل." اهـ
12/ الصحة والقوة وطول العمر ونحوها نِعَمٌ
وقال ابن قدامة المقدسي _رحمه الله_ في "مختصر منهاج القاصدين" (ص: 283):
"وأما الصحة والقوة وطول العمر ونحوها، فهي نِعَمٌ، إذ لا يَتِمُّ عِلْمٌ، ولا عَمَلٌ إلا بذلك." اهـ
وقال ابن قدامة المقدسي _رحمه الله_ في "مختصر منهاج القاصدين" (ص: 344):
المعرفة إنما تكمل وتكثر وتتسع في العمر الطويل بمداومة الفكر والذكر، والمواظبة على المجاهدة، والانقطاع عن علائق الدنيا، والتجرد للطلب." اهـ
وقال ابن رجب _رحمه الله_ في "لطائف المعارف" (ص: 300):
"فالمؤمن القائم بشروط الإيمان لا يزداد بطول عمره إلا خيرا ومن كان كذلك فالحياة خير له من الموت."
وقال عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ السلمانُ _رحمه الله_ في "مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار" (1/ 81_82):
"اعلم أن طول العمر محبوب ومطلوب إذا كان في طاعة الله، وكلما كان العمر أطول في طاعة الله، كانت الحسناتُ أكثرَ والدرجاتُ أرفعَ.
وأما طوله في غير طاعة، أو في المعاصي، فهو شر وبلاء، تكثر السيئات، وتضاعف الخطيئات.
ومن زعم أنه يحب طول البقاء في الدنيا ليستكثر من الأعمال الصالحة المقربة إلى الله _تعالى_، فإن كان مع ذلك حريصًا عليها ومشمرًا فيها ومجانبًا لما يشغل عنها من أمور الدنيا، فهو بالصادقين أشبه.___
وإن كان متكاسلاً عنها ومسوفًا فيها - أي الأعمال الصالحة -، فهو من الكاذبين المتعللين بما لا يغني عنه.
لأن من أحب أن يبقى لأجل شيء، وجدْتَهُ في غاية الحرص عليه مخافة أن يفوته وَيُحَالَ بينه وبينه.
ولا سيما والعمل الصالح محله الدنيا، ولا يمكن في غيرها، لأن الآخرة دار جزاء وليست بدار عمل.
فتفكر - يا أخي - في ذلك عسى الله أن ينفعنا وإياك، واستعن بالله واصبر، واجتهد وشمر، وبادر بالأعمال الصالحة قبل أن يحال بينك وبينها، فلا تجد إليها سبيلا.
وكُنْ حَذِرًا من مفاجأةِ الأجَلِ، فإنك غَرَضٌ للآفات، وهَدَفٌ منصوبٌ لسهام المنايا.
وإنما رأس مالك (الذي يمكنك إن وفقك الله أن تشتري به سعادة الأبد) هذا العُمْرُ." اهـ
ملحق الفوائد:
فهذا الحديث أصلٌ عظيمٌ في بيان حقيقة الخيرية بين الناس، فقد اشتمل على فوائد كثيرة، منها:
الفائدة الأولى: أن الخيرية الحقيقية إنما تكون بحسن الخاتمة في العمل.
فإن النبي ﷺ لم يمدح طول العمر مجردًا، وإنما مدحه إذا اقترن بحسن العمل، فدل على أن الأعمار لا تتفاضل بطولها، وإنما تتفاضل بما يقع فيها من الطاعات، فرب ساعة بورك فيها خير من سنين طويلة أُهدرت في الغفلة.
الفائدة الثانية: أن طول العمر نعمة إذا استُعمل في الطاعة.
فكل يوم يعيشه المؤمن وهو مقيم على عبادة ربه زيادةٌ في رصيده من الحسنات، ورفعةٌ في درجاته، وتكفيرٌ لسيئاته، ولذلك كان السلف يفرحون بالبقاء إذا كان مقرونًا بالاستقامة.
الفائدة الثالثة: أن العمل الصالح هو ميزان التفاضل بين الخلق.
فليس الشريف من طال عمره، ولا من كثرت أمواله، ولا من علا نسبه، وإنما الشريف من أحسن عبادة ربه، وأخلص له، واتبع سنة نبيه ﷺ، فإن الله إنما ينظر إلى الأعمال لا إلى الصور والأموال.
الفائدة الرابعة: أن المؤمن يغتنم زيادة العمر.
فكلما ازداد عمره ازداد اجتهادًا في الطاعة، لأن الأيام الباقية أقل من الأيام الماضية، والعاقل يجعل آخر عمره خيرًا من أوله، فإن العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات.
الفائدة الخامسة: أن حسن العمل يشمل الظاهر والباطن.
فهو اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأفعال، والاعتقادات، والأخلاق، فلا يقتصر على كثرة العبادات، بل يدخل فيه الإخلاص، وصدق النية، وحسن الخلق، والإحسان إلى الخلق.
الفائدة السادسة: أن المؤمن يحرص على دوام العمل.
لأن طول العمر لا ينفع إلا مع استمرار الطاعة، أما الانقطاع عنها، أو التذبذب فيها، فإنه يحرم صاحبه كمال الخيرية، ولذلك كان أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.
الفائدة السابعة: أن كل يوم يمضي من عمر المؤمن فهو غنيمة.
فإذا أصبح العبد فقد فُتح له باب جديد من أبواب التجارة مع الله، فإن ملأه بالطاعة ربح، وإن ملأه بالغفلة خسر، وإن ملأه بالمعصية جمع بين ضياع الزمن وإثم الذنب.
الفائدة الثامنة: أن قصر العمر ليس نقصًا إذا عمر بالطاعة.
فقد يقصر عمر رجل، ويبلغ في منازل الصالحين ما لا يبلغه غيره في أعمار طويلة، لأن البركة في الأعمار إنما تكون بحسن العمل، لا بمجرد عدد السنين.
الفائدة التاسعة: أن الدعاء بطول العمر إنما يحمد إذا قُيِّد بالصلاح.
فإن المؤمن لا يطلب البقاء لمجرد البقاء، وإنما يسأل ربه أن يمد في عمره ما دام بقاؤه زيادةً في الخير، فإذا كان بقاؤه سببًا للفتنة، كانت الوفاة خيرًا له.
الفائدة العاشرة: أن هذا الحديث يحث على محاسبة النفس.
فإن العاقل يسأل نفسه عند انقضاء كل يوم: ماذا قدمت في هذا اليوم؟ وهل زادت حسناتي أم نقصت؟ لأن الأيام خزائن الأعمال، فإذا طويت لم تفتح إلى يوم القيامة.
الفائدة الحادية عشرة: أن العمر رأس مال العبد.
فإذا ضاع رأس المال، لم يبق ما يتجر به، ولذلك كان السلف يعدون تضييع الساعات أشد من تضييع الأموال، لأن المال يمكن تعويضه، أما الزمن فإذا مضى فلا يعود.
الفائدة الثانية عشرة: أن من علامات محبة الله لعبده أن يوفقه لحسن العمل مع طول العمر.
فليس كل من طال عمره خيرًا، وإنما الخير أن يوفقه الله للثبات على الاستقامة، وأن يختم له بالصالحات، فتكون آخر أيامه خيرًا من أولها.
الفائدة الثالثة عشرة: أن الحديث دليل على فضل الاستقامة.
فإن حسن العمل لا يكون إلا بالمداومة على طاعة الله، ولزوم الصراط المستقيم، والثبات على السنة، والبعد عن البدع والمعاصي، فكل ذلك داخل في قوله ﷺ: «وحسن عمله».
الفائدة الرابعة عشرة: أن المؤمن يزداد تواضعًا كلما طال عمره.
لأنه يرى كثرة تقصيره، وقرب انتقاله إلى ربه، فيكثر من التوبة والاستغفار، ويستدرك ما فاته، ولا يغتر بما قدم من الأعمال.
الفائدة الخامسة عشرة: أن من أعظم الخسران طول العمر مع سوء العمل.
فإن مفهوم الحديث يدل على أن من طال عمره وساء عمله فهو من شر الناس؛ لأن الحجة قامت عليه، والفرصة امتدت له، ثم لم يزدد إلا بعدًا من الله، فكان طول عمره زيادةً في إثمه، لا في حسناته.
الفائدة السادسة عشرة: أن حسن العمل ثمرة العلم النافع.
فالعلم إذا أورث صاحبه عملًا صالحًا كان نعمة، وإن لم يثمر عملًا كان حجةً عليه، ولذلك جمع النبي ﷺ بين بقاء العمر وإحسان العمل، لأن العلم إنما يراد للعمل به.
الفائدة السابعة عشرة: أن خيرية العبد تتجدد بتجدد أعماله.
فكلما ازداد من الطاعات، والذكر، والبر، والإحسان، ارتفعت منزلته عند الله، فليست الخيرية رتبةً جامدة، بل هي درجات يترقى فيها العبد بحسب اجتهاده.
الفائدة الثامنة عشرة: أن هذا الحديث يدعو إلى اغتنام ما بقي من العمر.
فإن العاقل لا يلتفت إلى ما مضى من أيامه إلا ليعتبر، ولا إلى ما بقي إلا ليعمره بالطاعة، فإن الأنفاس معدودة، والأيام محدودة، والسعيد من ختم الله له بخير، فكان طول عمره شاهدًا له لا عليه، وزادًا يبلغه رضوان الله وجنته.
[1] وقال الجوهري في "الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (3/ 1097): "وفُرْضَةُ البحر: محطُّ السفن." اهـ
[2] وفي فيض القدير (4/ 281) : "قال علي : "موت الإنسان بعد أن كبر وعرف ربه خير من موته طفلا بلا حساب في الآخرة." اهـ
[3] لو قال: (مع طول عمره وحسن عمله) كما هو ظاهر الحديث، لاستقام كلامه. فإنه لو مات أحدٌ خاليا من الذنوب قليل الزاد، فلا يكون خير الناس. فلا بد للعبد من العمل الصالح وخلوه من الآثام.
Komentar
Posting Komentar