شرح الحديث (الترغيب في تخليل الأصابع، والترهيب من تركه وترك الإسباغ إذا أخلَّ بشيء من القدر الواجب) من صحيح الترغيب
|
11 -
(الترغيب في تخليل الأصابع (1)، والترهيب من
تركه وترك الإسباغ إذا أخلَّ بشيء من القدر الواجب)[1] 216 - (1)
[حسن لغيره] عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه_، قال. . . رسول الله - صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "حَبَّذا
المُتَخَلِّلُون من أمَّتي. . .".[2] رواه الطبراني
في "الكبير"، ورواه أيضاً هو والإمام أحمد؛ كلاهما مختصراً عن أبي أيوب وعطاء قالا: قال رسول الله
- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (فذكره). __________ (1) قال في
النهاية: "(التخليل): هو استعمال الخِلاَل لإخرج ما بين الأسنان من الطعام.
و(التخلّل) أيضاً و(التخليل): تفريق شعر اللحية وأصابعَ اليدين والرجلين في
الوضوء، وأصله من إدخال الشيء في خلال الشيء،
وهو وسطه". |
وفي "الطب النبوي" لأبي نعيم
الأصفهاني (1/ 387):
عَن عمه أبي أيوب، عَن رسول الله صَلَّى الله عَليْهِ وَسلَّم قال:
"حبذا المتخللون من أمتي قالوا: يا رسول
الله ما المتخللون؟ قال: التخلل من الطعام فإنه ليس من شيء أشد على الملك الذي على
العبد أن يجد من أحدكم ريح الطعام."[3]
قال خير الدين الزِّرِكْلِيُّ _رحمه الله_ في "الأعلام" (2/ 295):
"أَبُو أَيُّوب الأَنصاري (000 - 52 هـ = 000 - 672 م):
خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة، أَبو أَيُّوب الأَنصاري، من بني النجار: صحابي، شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد.
وكان شجاعا صابرا تقيا محبا للغزو والجهاد.
عاش إلى أيام بني أمية وكان يسكن المدينة، فرحل إلى الشام. ولما غزا يزيد القسطنطينية في خلافة أبيه معاوية، صحبه أبو أيوب غازيا، فحضر الوقائع ومرض فأوصى أن يوغل به في أرض العدوّ، فلما توفي، دفن في أصل حصن القسطنطينية. له 155 حديثا ولعبد الحفيظ
المعنى الإجمالي
لهذا الحديث:
عقد الإمام الحافظ المنذري _رحمه
الله_ هذا البابَ لبيان فضيلة تخليل الأصابع في الوضوء، وبيانِ خَطَرِ التفْرِيْطِ
في إسباغ الوضوءِ وإتمامِه على الوجه المشروع.
ثم أورد حديث أبي أيوب
الأنصاري _رضي الله عنه_ أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال: «حبذا المتخللون من
أمتي».
والحديث ثناءٌ على من يعتني
بالطهارة الكاملة، ومن ذلك تخليل أعضاء الوضوء التي قد لا يصل إليها الماء إلا
بالعناية والاجتهاد.
ونقل الشيخ الألباني _رحمه
الله_ معنى التخليل عن ابن ابن الأثير _رحمه الله_ في "النهاية"، وأنه
في أصل اللغة: إدخال شيء في خلال شيء، أي: في وسطه
وما بين أجزائه. ومنه:
* تخليل
الأسنان لإخراج ما علق بينها من الطعام.
* وتخليل
اللحية بإدخال الأصابع بين شعرها ليصل الماء إلى ما تحته.
* وتخليل أصابع
اليدين والرجلين في الوضوء حتى يعمها الماء.
ومقصود الباب: الترغيب في
إكمال الطهارة وإحسان الوضوء وعدم الاقتصار على مجرد غسل ظاهر الأعضاء مع ترك
المواضع التي قد يحول بعضها دون وصول الماء إليها،
واشتمل – أيضا - عنوان الباب
على الترهيب من ترك التخليل أو ترك الإسباغ إذا أدى ذلك إلى بقاء جزء من العُضْوِ
الواجبِ غَسْلُهُ بلا ماءٍ؛ لأن صحة الوضوء متوقفة على تعميم الأعضاء الواجبة
بالغسل.
فالشريعة حثت على العناية
بالوضوء وإتمامه وإيصال الماء إلى جميع المواضع التي أمر الله بغسلها، ومن ذلك
تخليل الأصابع واللحية، وأن التفريط في ذلك قد يوقع صاحبه في النقص أو الإخلال
بالطهارة الواجبة.
وهذا الباب يرغب المسلم في
إكمال الطهارة وإحسان الوضوء بتخليل الأصابع والمواضع التي قد لا يصل إليها الماء
بسهولة، ويُحذِّر من التساهل في ذلك إذا ترتب عليه ترك جزء من العضو الواجب غسله،
فإن الطهارة من أعظم شروط صحة العبادة وأجلِّ شعائر الإسلام.
تخريج الحديث:
أخرجه الطبراني في "المعجم
الأوسط" (2/ 159) (رقم: 1573)، وأبو يعلى الموصلي في "معجمه" (ص:
76) (رقم: 59)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (2/ 267) (رقم: 1333)، وأبو
نعيم الأصفهاني في "الطب النبوي" (1/ 386) (رقم: 330).
والحديث حسنٌ: حسنه _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة"
(6/ 140) (رقم: 2567)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (1/ 599) (رقم: 3125).
تنبيه: وأخرجه أحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (5/
416) (رقم: 23527) عن أبي أيوب وعطاء.
أخرجه الدارقطني في "العلل
الواردة في الأحاديث النبوية" (12/ 82) (رقم: 2448)، الخظابي _رحمه الله_ في
"المتفق والمفترق" (3/ 1891) (رقم: 1490)، وابن عساكر في "تاريخ
دمشق" (53/ 375) عن أنس بن مالك _رضي الله عنه_.
من فوائد الحديث:
قال ابن حجر _رحمه الله_ في
"الزواجر عن اقتراف الكبائر" (1/ 210):
"أَمَّا
تَخْلِيلُ الْوُضُوءِ: فَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَبَيْنَ الْأَصَابِعِ.
وَأَمَّا تَخْلِيلُ الطَّعَامِ: فَمِنْ الطَّعَامِ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَشَدَّ
عَلَى الْمَلَكَيْنِ مِنْ أَنْ يَرَيَا بَيْنَ أَسْنَانِ صَاحِبِهِمَا طَعَامًا
وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي." اهـ
ملحق الفوائد:
وهذا الحديث وإن كان وجيز
اللفظ، فإنه عظيم المعنى، مشتمل على فوائد جليلة وآداب شرعية كثيرة:
١- فيه: فضيلة
العناية بالطهارة،
فإن النبي _صلى الله عليه
وسلم_ أثنى على المتخللين، والثناء النبوي لا يكون إلا على عمل محبوب إلى الله _تعالى_.
ففي هذا دليل على أن الشريعة جاءت بإكمال الطهارة وإحسانها، وأن المؤمن كلما ازداد
عناية بطهارته كان أقرب إلى مرضاة ربه.
ولما كانت الصلاة أعظم أركان
الإسلام بعد الشهادتين، وكانت الطهارة مفتاحها، عظمت عناية الشرع بها أيما عناية.
٢- فيه: استحباب
تخليل الأصابع في الوضوء، فإن ظاهر الحديث يدل على مدح من اعتنى بهذا الأمر. وذلك
لأن الأصابع قد تتلاصق، ولا سيما أصابع القدمين، فربما لم يصل الماء إلى جميع ما
بينها إلا بالتخليل. فكان التخليل من أسباب إحكام الطهارة وإتمامها.
٣- فيه: أن
الشريعة جاءت بإكمال الأعمال، لا بمجرد صورها، فإن المقصود من الوضوء ليس مجرد
جريان الماء على ظاهر الأعضاء، بل المقصود استيعاب المواضع المأمور بغسلها. ولهذا
شرع التخليل حتى لا يبقى موضع خفي لم يصبه الماء. وفي هذا تعليم للمؤمن أن يعتني
بحقائق الأعمال وكمالاتها، لا بمجرد ظواهرها.
٤- فيه: أن
الإسلام دين النظافة والطهارة، فإن التخليل يدخل فيه تخليل الأسنان وإزالة ما علق
بينها من الطعام، كما يدخل فيه تخليل الأصابع. وفي ذلك دلالة على ما جاءت به
الشريعة من المحافظة على النظافة الظاهرة التي هي عنوان كمال الإنسان وجمال هيئته.
٥- فيه: فضل
الأعمال الخفية التي قد يغفل عنها الناس، فإن كثيرًا من الناس يعتني بكبار الأعمال
ويغفل عن دقائق السنن وآداب الطهارة.
فجاء هذا الحديث لبيان أن
هذه الأعمال اليسيرة قد تبلغ بصاحبها منزلة الثناء والمدح عند رسول الله صلى الله
عليه وسلم. ففي ذلك حث على عدم احتقار شيء من أعمال البر.
٦- فيه: أن
المؤمن يحرص على الاحتياط لعبادته، فإن التخليل من باب الاحتياط للوضوء وإكماله. ومن
شأن المؤمن الكامل أن يحتاط لعبادته ما استطاع، حتى يخرج منها على وجه يغلب على
ظنه براءة ذمته. أما المتهاون فإنه يكتفي بأدنى ما يظنه مجزئًا.
٧- فيه: استحباب
إسباغ الوضوء، فإن التخليل من جملة وسائل الإسباغ. وقد جاءت الأحاديث الكثيرة
بالأمر بإسباغ الوضوء. والإسباغ سبب لمحبة الله تعالى ورفعة الدرجات وتكفير
السيئات.
٨- فيه: أن
محبة النبي _صلى الله عليه وسلم_ تتعلق بأهل السنن، فإن قوله: "حبذا
المتخللون" يتضمن الثناء والمحبة. وفيه أن أهل العناية بسنته وآدابه لهم نصيب
من محبته صلى الله عليه وسلم. وما أعظمها من منزلة.
٩- فيه: أن
كمال الطهارة من كمال الإيمان، لأن الطهارة مفتاح الصلاة، والصلاة عماد الدين. فكل
ما كان معينًا على إحكام الطهارة كان معينًا على إحكام الدين. ولهذا كانت الطهارة
شعار المؤمنين وعلامة أهل الإسلام.
١٠- فيه: أن
الشريعة راعت المواضع التي قد يخفى وصول الماء إليها، فإن الأمر بالتخليل إنما شرع
لأن بعض المواضع قد يحجب بعضها بعضًا عن وصول الماء. وفي ذلك كمال هذه الشريعة
وعظيم عنايتها بتحقيق الطهارة على الوجه الأكمل.
١١- فيه: الحث
على اتباع السنن الدقيقة، فإن كثيرًا من الناس لا يهتم إلا بالفرائض الظاهرة. أما
أهل الفقه في الدين فإنهم يتتبعون السنن والهيئات الواردة عن النبي صلى الله عليه
وسلم. ولهذا أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على المتخللين.
١٢- فيه: أن
الأعمال الصالحة تتفاضل بكمالها، فقد يتوضأ رجلان، ويكون وضوء أحدهما أكمل من
الآخر بسبب محافظته على السنن والآداب. وفي هذا تنبيه إلى أن الفضائل لا تنال
بمجرد أصل العمل، بل بكماله وإتقانه.
١٣- فيه: أن
اليسير من السنن قد يكون سببًا لعظيم الأجر، فالتخليل عمل يسير لا يستغرق إلا
لحظات. ومع ذلك استحق صاحبه المدح والثناء. وهكذا شأن كثير من السنن التي يغفل
عنها الناس.
١٤- فيه: فضل
التزين للعبادة، فإن التخليل يحقق النظافة وكمال الطهارة. والمؤمن مأمور أن يقف
بين يدي ربه على أكمل هيئة وأحسن حال. ولهذا شرعت الطهارة والسواك والتنظف والتجمل
للصلاة.
١٥- فيه: أن
الدين مبني على الإحسان والإتقان، فإن التخليل صورة من صور الإتقان في العبادة. وقد
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء». فالمؤمن يسعى
إلى إكمال عبادته وإحسانها كما يسعى إلى أصل أدائها.
١٦- فيه: التحذير
من الغفلة عن دقائق الواجبات، فإن من لم يعتن بتخليل أصابعه ربما بقي شيء من العضو
لم يصبه الماء. فإذا كان الموضع مما يجب غسله لم يصح الوضوء إلا بوصول الماء إليه.
وفي هذا تحذير من التساهل في الطهارة.
١٧- فيه: أن
المؤمن يجمع بين الطهارة الحسية والمعنوية، فالتخليل طهارة للبدن. والعناية به تدل
على حياة القلب وتعظيم أوامر الشرع. فاجتمعت فيه طهارة الظاهر وطهارة الباطن.
[1] (الترغيب)،
الترغيب في لغة العرب: الحث على الشيء والتشويق إليه. يقال: "رغّبه في الأمر"،
إذا حبّبه إليه وشوّقه إليه. والمقصود هنا: الحث على تخليل الأصابع وبيان فضله
وثوابه. (تخليل الأصابع)، التخليل مأخوذ من: الخَلَل. وهو ما بين الشيئين. فيقال:
"تخللتُ الشيء"، إذا أدخلتَ شيئًا بين أجزائه. ومعنى تخليل الأصابع: إدخال
بعض الأصابع بين بعض حتى يصل الماء إلى ما بينها. وذلك في أصابع اليدين والرجلين
عند الوضوء. (الترهيب)، الترهيب ضد الترغيب، وهو التخويف والتحذير. والمقصود: التحذير
من ترك تخليل الأصابع إذا أدى ذلك إلى عدم وصول الماء إلى بعض المواضع الواجب
غسلها. (ترك الإسباغ)، الإسباغ في اللغة: الإتمام والإكمال. ويقال: "أسبغ
الشيء"، إذا أكمله وأتمه. وفي الشرع: "إكمال الوضوء وإيصال الماء إلى
جميع الأعضاء المأمور بغَسْلِهَا. ومن ذلك قوله _صلى الله عليه وسلم_: «أسبغوا
الوضوء»، أي: أتموه وأحسنوه. (إذا أخلَّ بشيء من القدر الواجب)، أخلَّ: أي قصّر
وفرّط وترك. القدر الواجب: هو المقدار الذي أوجبه الشرع. والمعنى: أن ترك التخليل
يكون مذمومًا إذا ترتب عليه بقاء جزء من العضو بلا غَسْل. أما إذا وصل الماء إلى
جميع المواضع من غير تخليل، فلا يكون التخليل واجبًا في نفسه عند كثير من أهل
العلم، وإنما يكون مستحبًا.
[2] (حَبَّذا)،
هذه كلمة مدح عند العرب. وأصلها مركبة من: "حبَّ" و "ذا." ومعناها:
ما أحسن هذا الشيء وما أفضله. فإذا قيل: "حبذا فلان"، أي: نِعْمَ الرجل
فلان. (المتخللون)، أي: الذين يعتنون بالتخليل. والمراد في هذا الباب: الذين
يخللون أصابعهم وأعضاء وضوئهم ليصل الماء إلى جميع المواضع. وقيل: يدخل فيه أيضًا
تخليل الأسنان من بقايا الطعام. واللفظ يحتمل الأمرين. (من أمتي)، أي: من أتباعي،
وأهل الاستجابة لدعوتي. ففيه: تشريف لأهل هذه الخصلة الحميدة.
[3] ضعيف:
ضعفه الألباني _رحمه الله_ في "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل"
(7/ 34) (رقم: 1975).
Komentar
Posting Komentar