شرح الآية الثانية (الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها) من رياض الصالحين

 

ثم قال المؤلف _رحمه الله_ في (باب الأمر بالمحافظة عَلَى السُّنَّة وآدابِها):

وَقالَ _تَعَالَى_:

{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:4،3]

 

لما عقد الإمام يحيى بن شرف النووي باب «الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها»، أراد أن يبين وجوب التمسك بسنة النبي _صلى الله عليه وسلم_، والمحافظة عليها اعتقادًا وقولًا وعملًا، وأنها المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله تعالى، وأن المؤمن لا يسعه الإعراض عنها أو التهاون بشأنها.

 

ولهذا استشهد بقوله _تعالى_:

{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: 3، 4]

 

فبيَّن الله سبحانه في هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يتكلم في أمر الدين والشرع من تلقاء نفسه، ولا يتبع في ذلك هوى النفس أو مجرد الرأي البشري،

فما بلّغه عن ربه من الأوامر والنواهي والأخبار، فإنما هو وحي من الله _تعالى_ أوحاه إليه.

 

وإذا كان كلامه _صلى الله عليه وسلم_ في الدين وحيًا من عند الله، وجب على الأمة قبوله والانقياد له، كما يجب عليها قبول القرآن والانقياد لأحكامه؛ لأن الجميع صادر عن الوحي الإلهي، وإن اختلفت كيفية نزوله.

 

وفي الآية أيضًا تعظيم لشأن السنة النبوية، وبيان أنها ليست كلامًا بشريًا مجردًا، بل هي هدى ونور ووحي من الله،

ولذلك كانت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من طاعة الله، ومخالفة سنته من أسباب الضلال والانحراف.

 

فالإمام النووي _رحمه الله_ ساق هذه الآيةَ ليستدل بها على وجوب المحافظة على سنة النبي صلى الله عليه وسلم وآدابها، لأن النبي _صلى الله عليه وسلم_، لا يتكلم في أمور الدين عن هوى أو رأي مجرد، وإنما يتكلم بوحي من الله تعالى، فكانت سنته حجة واجبة الاتباع، وكان التمسك بها من أعظم أسباب الهداية والاستقامة والنجاة.

 

تفسير الآية :

 

وقال أبوْ الْفَرَجِ عبد الرحمن بن علي الدمشقي، المعروف بـ"ابن الجوزيِّ" (المتوفى: 597 هـ) _رحمه الله_ في "زاد المسير في علم التفسير" (5 / 437):

"{وما يَنْطِقُ عن الهَوى}، أي: ما يتكلَّم بالباطل. وقال أبو عبيدة: «عن» بمعنى الباء. وذلك أنهم قالوا: إنه يقول القرآن من تلقاء نفسه. {إنْ هُوَ}، أي: ما القرآنُ {إلاّ وَحْيٌ} من الله {يُوحَى} وهذا ممّا يحتجُّ به من لا يُجيز للنبيّ أن يجتهد، وليس كما ظنُّوا، لأن اجتهاد الرأي إذا صدر عن الوحي، جاز أن يُنْسَبَ إلى الوحي." اهـ

 

وقال ابن عاشور في "التحرير والتنوير" (27 / 93):

"وَنَفْيُ النُّطْقِ عَنْ هَوًى يَقْتَضِي نَفْيَ جِنْسِ مَا يَنْطِقُ بِهِ عَنِ الِاتِّصَافِ بِالصُّدُورِ عَنْ هَوًى سَوَاءٌ كَانَ الْقُرْآنُ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الْإِرْشَادِ النَّبَوِيِّ بِالتَّعْلِيمِ وَالْخَطَابَةِ وَالْمَوْعِظَةِ وَالْحِكْمَةِ، وَلَكِنَّ الْقُرْآنَ هُوَ الْمَقْصُودُ لِأَنَّهُ سَبَبُ هَذَا الرَّدِّ عَلَيْهِمْ.

وَاعْلَمْ أَنَّ تَنْزِيهَهُ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ عَنِ النُّطْقِ عَنْ هَوًى يَقْتَضِي التَّنْزِيهَ عَنْ أَنْ يَفْعَلَ أَوْ يَحْكُمَ عَنْ هَوًى لِأَنَّ التَّنَزُّهَ عَنِ النُّطْقِ عَنْ هَوًى أَعْظَمُ مَرَاتِبِ الْحِكْمَةِ.

وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي صِفَةِ النَّبِيّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: «أَنَّهُ يَمْزَحُ وَلَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا»[1]." اهـ

 

قال السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص: 818):

"ودل هذا على أن السنة وحي من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [النساء: 113]، وأنه معصوم فيما يخبر به عن الله تعالى وعن شرعه، لأن كلامه لا يصدر عن هوى، وإنما يصدر عن وحي يوحى.

 

ملحق الفوائد:

 

هذه الآية الكريمة من أصول الدين العظام، وهي من أقوى الأدلة على حجية السنة النبوية ووجوب الانقياد لرسول الله _صلى الله عليه وسلم_،

وقد أوردها الإمام النووي رحمه الله في باب المحافظة على السنة؛ لما اشتملت عليه من الفوائد الجليلة والقواعد العظيمة، منها:

١- فيه: إثبات عصمة النبي _صلى الله عليه وسلم_ في التبليغ،

فإن الله _تعالى_ نفى أن يكون نطقه في أمر الدين صادرًا عن هوى أو ميل نفس، فقال: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى).

فدل ذلك على أن ما يبلغه عن ربه محفوظ من الخطأ والزلل، إذ لو جاز عليه الخطأ في التبليغ لبطل مقصود الرسالة، وتعذر حصول الثقة بالشرع.

ولهذا اتفقت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن الله تعالى.

٢- فيه: أن السنة وحي من الله _تعالى_،

فإن الله _سبحانه_ قال: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى).

فأثبت أن ما ينطق به الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر الدين وحي منزل من عند الله. ولهذا كان السلف يسمون السنة: الوحي الثاني. فالقرآن والسنة وحي

٣- فيه: وجوب اتباع السنة،

فإذا ثبت أن السنة وحي من الله _تعالى_، وجب على المؤمن قبولُها والانقيادُ لها، إذ لا فرق في وجوب الامتثال بين ما ثبت في القرآن، وما ثبت في السنة الصحيحة. ولهذا كان السلف يعدون رد السنة ردًّا على الله ورسوله.

٤- فيه: بطلان قول من يكتفي بالقرآن دون السنة،

فإن الآية نص صريح في أن ما جاء به الرسول _صلى الله عليه وسلم_ وحْيٌ. فمن زعم أنه يأخذ بالقرآن وحده، ويترك السنة، فقد خالف القرآن نفسه؛ لأن القرآن هو الذي أمر باتباع الرسول _صلى الله عليه وسلم_.

٥- فيه: بيان علو منزلة السنة في الشريعة، فإن الله _تعالى_ نسبها إلى الوحي.

ولا منزلة أعلى في الدين من أن يكون الشيء وحيًا منزلًا من عند رب العالمين. ولهذا كانت السنة مبينة للقرآن وشارحة له ومفسرة لأحكامه.

٦- فيه: شرف النبي _صلى الله عليه وسلم_ وعُلُوُّ مكانته،

إذ جعله الله محل وحيه، وأمينه على شرعه، والواسطة بينه وبين عباده. وهذه أعظم منقبة وأشرف منزلة ينالها بشر.

٧- فيه: تنزيه الرسول _صلى الله عليه وسلم_ عن اتباع الأهواء،

فإن أهل الضلال إنما وقعوا فيما وقعوا فيه بسبب اتباع الهوى. أما الرسول _صلى الله عليه وسلم_، فقد نزهه الله _تعالى_ عن ذلك. فكان قوله حقًا، وحكمه عدلًا، وهديه مستقيمًا.

٨- فيه: أن الهوى من أعظم أسباب الضلال، لأن الله _تعالى_ نفى عن نبيه أن ينطق عن الهوى. ومفهوم ذلك أن من اتبع الهوى، فقد فارق سبيل الهدى. ولهذا كان السلف يسمون أهل البدع: أهل الأهواء.

٩- فيه: وجوب التسليم للنصوص الشرعية،

فإذا علم العبد أن ما جاء عن الرسول _صلى الله عليه وسلم_ وحي من الله، وجب عليه التسليم والانقياد، وإن خفيت عليه الحكمة أو قصر فهمه عن إدراك المعنى. فالمؤمن يقدم النص على رأيه وهواه.

١٠- فيه: أن العقل تابع للوحي لا حاكم عليه، لأن الوحي صادر عن علم الله الكامل. أما العقل البشري فمحدود قاصر.

فإذا تعارض في ظن الإنسان عقله مع النص، علم أن الخلل في فهمه لا في الوحي.

١١- فيه: وجوب تعظيم أحاديث النبي _صلى الله عليه وسلم_،

فإنها ليست مجرد أقوال رجل صالح أو حكيم مصلح، بل هي وحي منزل. ولهذا كان السلف إذا سمعوا الحديث تلقوه بالإجلال والتوقير والتسليم.

١٢- فيه: أن الدين مبناه على الوحي، لا على الأذواق، فإن الله لم يقل: وما ينطق عن الرأي، بل قال: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى). وفيه رد على من يجعل الدين تابعًا للأذواق والمشاعر والانطباعات الشخصية.

١٣- فيه: أن السنة أصل في معرفة الأحكام، فإن كثيرًا من تفاصيل العبادات والمعاملات، لم تُعرف، إلا من طريق السنة.

فالصلاة والزكاة والحج وسائر الأحكام إنما عرفت كيفياتها من بيان الرسول _صلى الله عليه وسلم_.

١٤- فيه: أن حفظ السنة من حفظ الدين، لأن السنة وحي، وحفظ الوحي حفظ للدين.

ولهذا قيض الله للأمة أئمة الحديث الذين حفظوا السنة ونقحوها وميزوا صحيحها من سقيمها.

١٥- فيه: إيماء إلى فضيلة أهل الحديث وحملة السنة، فإنهم خدام الوحي وحراسه بعد الأنبياء.

وبهم بقيت آثار النبوة محفوظة بين الأمة. وكان السلف يعدون الاشتغال بالسنة من أشرف العلوم وأجلها.

١٦- فيه: أن النجاة في اتباع الرسول _صلى الله عليه وسلم_،

فكلما كان العبد أعظم تمسكًا بالسنة، كان أقرب إلى الهدى وأبعد عن الضلالة. وكل انحراف إنما دخل على الناس من جهة الإعراض عن السنة أو تقديم غيرها عليها.

١٧- فيه: أن البدع تنشأ من تقديم الهوى على الوحي، فالآية جمعت بين الوحي والهوى. والوحي ضد الهوى.

ولهذا كان أصل كل بدعة اتباع الرأي المجرد أو الذوق أو التقليد الأعمى مع ترك النصوص.

١٨- فيه: أن كمال العبودية يكون بالاستسلام للوحي،

فإن العبد لا يحقق عبوديته حقًا حتى يجعل الوحي قائدًا له في اعتقاده وقوله وعمله. فلا يختار مع حكم الله ورسوله رأيًا ولا هوى.

١٩- فيه: أن السنة مصدر للهداية واليقين، لأنها وحي من رب العالمين. والوحي نور يهدي الله به عباده إلى الصراط المستقيم. فكلما ازداد المرء علمًا بالسنة واتباعًا لها ازداد هدى وبصيرة.

٢٠- فيه: أن المحافظة على السنة من أعظم شعائر أهل الإيمان، ولهذا صدر الإمام النووي هذا الباب بهذه الآية. إذ لا يمكن أن يحافظ العبد على السنة حق المحافظة حتى يعتقد أولًا أنها وحي من الله يجب تعظيمه والانقياد له.

 

فدلتْ هذه الآية العظيمة على أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم في تبليغ الدين، وأن سنته وحي من عند الله تعالى، وأن الواجب على الأمة قبولها وتعظيمها والعمل بها، وأن كل هدى في اتباعها، وكل ضلال في الإعراض عنها أو تقديم الهوى والرأي عليها،

ولذلك كانت هذه الآية أصلًا عظيمًا في وجوب المحافظة على السنة وآدابها، كما أراد الإمام النووي رحمه الله أن يبينه في هذا الباب.



[1] «إني لأمزح ولا أقول إلا حقا» صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الجامع الصغير وزيادته" (1/ 489) (رقم: 2494) من رواية الطبراني في الكبير.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة