شرح الحديث 257 () من الأدب المفرد
|
257 - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ قَالَ:
أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
دِينَارٍ قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «وَشَاوِرْهُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ» [قال الشيخ
الألباني: صحيح] |
رواة
الحديث:
حَدَّثَنَا
صَدَقَةُ (ثقة: ت. 223 أو 226 هـ):
صدقة بن الفضل،
أبو الفضل المروزي (وإليه تنسب سكة صدقة بمرو)، من
كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خ
* قَالَ:
أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ (ثقة حافظ فقيه إمام حجة: ت. 198
هـ بـ مكة):
سفيان بن عيينة
بن أبى عمران ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي، المكي (مولى محمد بن مزاحم، أخي
الضحاك بن مزاحم)، المولود: سنة 107 هـ، من الوسطى من أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق
*
عَنْ عُمَرَ بْنِ حَبِيبٍ (ثقة حافظ):
عمر بن حبيب
المكيي القاضي (نزيل اليمن)، من كبار أتباع التابعين، روى
له: بخ
*
عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ (ثقة ثبت: ت. 126 هـ):
عمرو بن دينار
المكي، أبو محمد الأثرم، الجمحي (مولى موسى بن باذم)، من طبقة تلى الوسطى من
التابعين، روى له: خ م د ت س ق
* قَالَ:
قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ (68 هـ بـ الطائف):
عبد الله بن
عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي أبو العباس المدني (ابن عم
رسول الله صلى الله عليه)، المولود: بـ
الشعب، روى له: خ م د ت س ق
نص
الحديث وشرحه:
قَالَ: قَرَأَ
ابْنُ عَبَّاسٍ: «وَشَاوِرْهُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ»
قال الله
_تعالى_: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا
غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ
لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا
عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل
عمران: 159]
التفسير البسيط
(6/ 122)
قال أصحاب
المعاني[1]:
هذه عامَّةٌ في اللفظ، خاصَّةٌ في المعنى؛ لأن المعنى: وشاورهم فيما ليس عندك فيه
من الله أَمْرٌ وَوَحْيٌ وعَهْد. يدل عليه: قراءةُ ابن عباس: (وشاورهم في بعض
الأمر)
المعنى
الإجمالي للأثر
روى الإمام عبد
الله بن عباس أنه كان يقرأ قوله تعالى:
﴿وَشَاوِرْهُمْ
فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾
بدل القراءة
المشهورة:
﴿وَشَاوِرْهُمْ
فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159].
وهذه القراءة
ليست من القراءات المتواترة التي يُقرأ بها القرآن، وإنما هي من قبيل التفسير
بالمعنى والبيان للمقصود، كما كان بعض الصحابة يفسرون الآية أثناء قراءتها لبيان
المراد منها.
ومراد ابن عباس
رضي الله عنهما أن الله تعالى لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور الناس في
كل شيء، وإنما في بعض الأمور التي تقبل المشاورة
والاجتهاد، وأما ما كان من الوحي المنزل، والأحكام الشرعية التي نزل بها
جبريل عليه السلام، فلا مدخل للمشاورة فيها؛ لأن الحق فيها قد تبين بوحي الله
تعالى.
فكأن ابن عباس
أراد أن يبين أن قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
ليس على عمومه
في جميع الأمور، وإنما المراد: الأمور الدنيوية أو الحربية أو السياسية أو ما كان
من المصالح التي لم يرد فيها نص قاطع من الله تعالى.
ولهذا كان النبي
صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في مواقع القتال، وتدبير الجيوش، ومصالح
المسلمين، كما شاورهم يوم بدر، ويوم أحد، ويوم الخندق، أما ما كان وحيًا من الله
تعالى فلم يكن لأحد أن يعارضه فيه أو يشاور بشأن قبوله أو رده.
خلاصة المعنى: أن
ابن عباس رضي الله عنهما فسر قوله تعالى:
﴿وَشَاوِرْهُمْ
فِي الْأَمْرِ﴾
بأن المراد بعض
الأمور لا جميعها، أي الأمور الاجتهادية التي تحتمل الرأي والنظر، أما أمور الوحي
والشرع المنزل فلا مجال للمشاورة فيها، لأن الحكم فيها لله ورسوله صلى الله عليه
وسلم. وهذا من فقه ابن عباس ودقته في فهم كتاب الله تعالى، وبيانه للمراد من الآية
الكريمة.
تخريج
الحديث:
أخرجه البخاري
في "الأدب المفرد" (ص: 99) (رقم: 257)، وسعيد بن منصور في "التفسير
من سننه" (3/ 1100) (رقم: 535)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (3/
802)
4421)، وابن أبي
داود في "المصاحف" (ص: 192).
والحديث
صحيح: صححه
الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الأدب المفرد" (ص: 114) (رقم: 194).
من
فوائد الحديث:
قال ابن الجوزي
_رحمه الله_ في "زاد المسير في علم التفسير" (1/ 340):
"وفي الذي
أُمر بمشاورتهم، فيه قولان، حكاهما القاضي أبو يعلى:
* أحدهما: أنه
أمر الدنيا خاصة.
* والثاني: أمر
الدين والدنيا، وهو أصح." اهـ
قال ابْنُ جُزَيٍّ
في "التسهيل لعلوم التنزيل" (1/ 169):
"وإنما
يشاور النبيُّ _صلّى الله تعالى عليه واله وسلّم_ الناسَ في الرأي في الحروب
وغيرها، لا في الأحكام الشرعية، وقال ابن عباس: (وشاورهم في بعض الأمر)." اهـ[2]
قال ابن الجوزي
_رحمه الله_ في "زاد المسير في علم التفسير" (1/ 340):
واختلف العلماء لأي معنى أمر الله نبيه بمشاورة أصحابه مع كونه كامل الرأي، تام
التدبير، على ثلاثة أقوال:
أحدها:
ليستن
به من بعده، وهذا قول الحسن، وسفيان بن عيينة.
والثاني:
لتطيب
قلوبهم، وهو قول قتادة، والربيع، وابن إسحاق، ومقاتل. قال الشّافعيّ رضي الله عنه:
نظير هذا قوله عليه السلام: «البكر تُستأمر في نفسها» [خ م]،
إنما أراد
استطابة نفسها، فإنها لو كرهت، كان للأب أن يزوجها، وكذلك مشاورة إبراهيم عليه
السلام لابنه حين أُمر بذبحه.
والثالث:
للإعلام
ببركة المشاورة، وهو قول الضحاك.
ومن
فوائد المشاورة: أن المشاور إذا لم ينجح أمره، علم أن
امتناع النجاح محض قدر، فلم يلم نفسه،
ومنها:
أنه
قد يعزم على أمر، فيبين له الصواب في قول غيره، فيعلم عجز نفسه عن الإحاطة بفنون
المصالح.
قال علي عليه
السلام:
(الاستشارة عين
الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه، والتدبير قبل العمل يؤمنك من الندم).
وقال بعض
الحكماء: ما استُنْبِطَ الصواب بمثل المشاورة، ولا حُصِّنتِ النعم بمثل المواساة،
ولا اكتسب البغضاء بمثل الكبر).
واعلم أنه إنما
أُمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بمشاورة أصحابه فيما لم يأته فيه وحي، وعمهم
بالذكر، والمقصود: أرباب الفضل والتجارِب منهم." اهـ
ملحق
الفوائد:
فوائد هذا الأثر
مع بسط القول فيها على طريقة أهل العلم
هذا الأثر
المروي عن ابن عباس رضي الله عنهما من الآثار النفيسة في باب فهم القرآن وتفسيره،
وقد اشتمل على فوائد جليلة ومسائل عظيمة، منها:
الفائدة
الأولى: فضل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في فهم كتاب
الله
فإن هذا الأثر
يدل على سعة علم ابن عباس، ودقة فهمه لمعاني القرآن، حتى كان يستخرج من الآية ما
قد يخفى على غيره. وقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:
«اللَّهُمَّ
فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ».
فصار حبر الأمة
وترجمان القرآن، يرجع الناس إلى تفسيره ويعتمدون على فهمه.
وفي هذا حثٌّ
لطالب العلم على الاعتناء بأقوال الصحابة في التفسير؛ فإنهم أعلم الأمة بمراد الله
تعالى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الفائدة
الثانية: أن القرآن يفسر بعضه بعضًا، ويُبيَّن بالسنة وأقوال
الصحابة
فإن ابن عباس لم
يأت بحكم جديد، وإنما بيَّن المراد من الآية، وكشف عن معناها.
وهذا يدل على أن
تفسير القرآن ليس مقصورًا على ظاهر الألفاظ المجردة، بل يُرجع فيه إلى فهم السلف
الذين شهدوا التنزيل وعرفوا أسباب النزول ولسان العرب.
الفائدة
الثالثة: أن المشاورة ليست في جميع الأمور
فإن قوله:
«في بعض الأمر»
يفيد أن
المشاورة إنما تكون في الأمور التي تقبل الاجتهاد والنظر.
أما ما كان
ثابتًا بوحي الله تعالى فلا مدخل للمشاورة فيه.
فلا يُقال: هل
نصلي خمس صلوات أو أربعًا؟ وهل الربا حرام أو مباح؟ وهل الحجاب مشروع أو غير
مشروع؟
لأن هذه الأحكام
قد فصلها الوحي، وانقطع فيها مجال الرأي.
الفائدة
الرابعة: أن النص الشرعي مقدم على آراء الرجال
فإن ابن عباس
رضي الله عنهما نبه بهذا التفسير إلى أصل عظيم من أصول الدين، وهو أن الوحي حاكم
على العقول، لا أن العقول حاكمة على الوحي.
فإذا ورد النص الصحيح
بطل كل رأي يخالفه، وسقط كل اجتهاد يعارضه.
وقد كان السلف
يقولون:
إذا جاء الأثر
بطل النظر.
أي: إذا ثبت
النص لم يبق للاجتهاد المعارض محل.
الفائدة
الخامسة: إثبات مشروعية الشورى في الإسلام
فإن الله تعالى
أمر بها نبيه صلى الله عليه وسلم مع كمال عقله، وسداد رأيه، وتأييده بالوحي.
فإذا كان هذا في
حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن دونه أولى بالحاجة إلى المشاورة.
وفي هذا رد على
أهل الاستبداد بالرأي والإعجاب بالنفس.
الفائدة
السادسة: أن الشورى من أسباب إصابة الحق
فإن العقول إذا
اجتمعت وتعاونت على النظر، كان ذلك أقرب إلى الصواب من انفراد الواحد برأيه.
ولهذا قيل:
ما خاب من
استخار، ولا ندم من استشار.
لأن المستشير
يستفيد من تجارب غيره وعقولهم وآرائهم.
الفائدة
السابعة: أن الحاكم والعالم والداعية بحاجة إلى المشاورة
فإن النبي صلى
الله عليه وسلم كان يشاور أصحابه في مواطن كثيرة؛ في بدر، وأحد، والخندق، وغيرها.
وفي ذلك تعليم
للأمة أن من ظن نفسه مستغنيًا عن مشورة العقلاء فقد اغتر بنفسه.
الفائدة
الثامنة: التواضع وترك الكبر
فإن من لوازم
الشورى الاعتراف بأن الإنسان قد يخفى عليه ما يظهر لغيره.
ولهذا كان أهل
الكبر يأنفون من المشاورة، وأما أهل التواضع فيطلبون الرأي من أهله.
الفائدة
التاسعة: أن الشريعة جمعت بين الوحي والاجتهاد
فالأمور
نوعان:
الأول: أمور
توقيفية. وهذه مردها إلى النصوص.
الثاني: أمور
اجتهادية.
وهذه يشرع فيها
النظر والمشاورة. فجاء الإسلام بمنهج متوازن لا إفراط فيه ولا تفريط.
الفائدة
العاشرة: أن أهل الرأي لا يُستشارون إلا فيما يحسنون
فإن المشاورة
إنما تكون مع أهل الخبرة والبصيرة. أما الجاهل فلا يُرجع إلى رأيه.
ولهذا قال بعض
السلف: لا تُدخلن في مشورتك بخيلًا ولا جبانًا ولا حريصًا.
لأن كل واحد
منهم يفسد الرأي بحسب ما غلب عليه.
الفائدة
الحادية عشرة: أن من فقه القرآن معرفة العموم والخصوص
فإن ظاهر الآية:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
قد يُفهم منه
العموم. فبيّن ابن عباس أن المراد ليس جميع الأمور، وإنما بعضها.
وفي هذا دليل
على أن من أهم أدوات الفقيه معرفة ما يراد من العموم وما يراد من الخصوص.
الفائدة
الثانية عشرة: أن الصحابة كانوا يفسرون القرآن بالمعنى
فإن ابن عباس
ذكر لفظًا يوضح المقصود من الآية.
وهذا من
التفسير، لا من تغيير القرآن. وفيه بيان لطريقة السلف في التعليم والإيضاح.
الفائدة
الثالثة عشرة: خطر إدخال الرأي في مواضع النصوص
فإن بعض الناس
يجعل العقائد والأحكام الشرعية محل تصويت أو استفتاء أو أهواء.
وهذا خلاف مقتضى
هذا الأثر.
فما حكم الله
فيه ورسوله فلا خيار لأحد بعد ذلك.
قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ
لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ
يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾.
الفائدة
الرابعة عشرة: أن الشورى سبب لاجتماع القلوب
فإن النفوس
مجبولة على محبة من يقدرها ويستمع إلى رأيها.
وكان النبي صلى
الله عليه وسلم يشاور أصحابه مع غناه عن آرائهم بالوحي؛ تأليفًا لقلوبهم، وتعليمًا
للأمة.
الفائدة
الخامسة عشرة: كمال الشريعة وحكمتها
فإنها لم تأمر
بالاستبداد المطلق، ولم تجعل كل شيء خاضعًا لآراء الناس، بل وضعت لكل باب حكمه.
فالوحي يُتَّبع،
والرأي يُستعمل في موضعه، والشورى تُطلب في محلها.
وهذا من أعظم
دلائل حكمة الشريعة وكمالها.
الفائدة
السادسة عشرة: أن أعظم أسباب الضلال تقديم الرأي على
النص
فإن الأمم
السابقة إنما ضلت حين عارضت الوحي بعقولها وأهوائها.
وأما أهل السنة
فإنهم يجعلون النص أصلًا، والعقل تابعًا له.
ولهذا كان ابن
عباس رضي الله عنهما يحرص على بيان حدود الاجتهاد ومواضع الشورى حتى لا يتجاوز
الناس ما أذن الله فيه.
الفائدة
السابعة عشرة: أن هذا الأثر أصل في السياسة الشرعية
فإنه يدل على أن
شؤون الأمة ومصالحها العامة مما يشرع فيه التشاور بين أهل العلم والرأي والخبرة. وأما
الأحكام الثابتة بالنصوص فلا يملك أحد تغييرها أو تعطيلها بحجة المصلحة أو رأي
الأكثرية.
الفائدة
الثامنة عشرة: وجوب التسليم للوحي
وهي أجل فوائد
هذا الأثر وأعظمها. فإن ابن عباس رضي الله عنهما أراد أن يقرر أن هنالك أمورًا لا
مدخل للرأي فيها أصلًا، وإنما الواجب فيها السمع والطاعة والانقياد.
فمتى ثبت حكم
الله ورسوله، وجب على العبد أن يخضع له بقلبه ولسانه وجوارحه، وأن يعلم أن الخير
كله فيما شرعه الله، وأن الرشد كل الرشد في اتباع الوحي، كما أن الغواية كل
الغواية في معارضته بالرأي والهوى.
وبذلك تتحقق
العبودية الكاملة لله رب العالمين.
فوائد
المشاورة
المشاورة من
الأخلاق العظيمة والآداب الجليلة التي حثَّ عليها الشرع، وأمر الله بها نبيه صلى
الله عليه وسلم بقوله:
﴿وَشَاوِرْهُمْ
فِي الْأَمْرِ﴾.
وقد كانت سنة
الأنبياء والصالحين، وطريقة العقلاء والحكماء، وفيها من المصالح والفوائد ما لا
يكاد يُحصى، ومن أهمها:
1- امتثال أمر
الله تعالى
فإن المشاورة
عبادة يتقرب بها العبد إلى الله إذا قصد بها امتثال أمره سبحانه.
وما كان مأمورًا
به شرعًا فهو خير وبركة.
ولهذا مدح الله
المؤمنين بقوله:
﴿وَأَمْرُهُمْ
شُورَى بَيْنَهُمْ﴾.
2- الاقتداء
برسول الله صلى الله عليه وسلم
فإن النبي صلى
الله عليه وسلم كان أكثر الناس مشاورة لأصحابه، مع كمال عقله، ورجاحة رأيه، ونزول
الوحي عليه.
فإذا كان هذا
شأنه صلى الله عليه وسلم، فغيره أولى بالحاجة إلى المشاورة.
3- إصابة الحق
أقرب
فإن الرأي
الواحد قد يخطئ، أما إذا اجتمعت العقول وتعاونت على النظر، كان الوصول إلى الصواب
أقرب.
ولهذا قيل:
"رأي
الواحد قد يزل، ورأي الجماعة أقرب إلى السداد."
4- السلامة من
الندم
فإن المستبد
برأيه كثيرًا ما يندم إذا ظهر خطؤه.
أما المستشير
فقد بذل السبب المشروع.
ولذلك قال بعض
الحكماء:
"من استشار
الرجال شاركها في عقولها."
5- كشف ما قد
يخفى على الإنسان
فالإنسان مهما
بلغ من الذكاء والعلم لا يحيط بكل شيء.
وقد يرى غيره من
وجوه المصلحة أو المفسدة ما لم يخطر له على بال.
ولهذا كانت
المشاورة سببًا لتكميل الرأي.
6- معالجة العجب
بالنفس
فإن من أعظم
آفات العقول الإعجاب بالرأي.
والمشاورة تكسر
هذا الداء، وتعود صاحبها التواضع وقبول الحق.
7- تأليف القلوب
وجمع الكلمة
فإن من شاور
الناس أشعرهم بقيمتهم واحترامه لهم.
فتطمئن نفوسهم،
وتجتمع قلوبهم عليه، ويزداد حبهم له.
ولهذا كان النبي
صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه تأليفًا لقلوبهم وتعليمًا للأمة.
8- تنمية
الخبرات والمعارف
فإن المشاورة
تفتح للإنسان أبوابًا من العلم والتجارب لم يكن يعرفها.
فالمرء قد
يستفيد من تجارب غيره في ساعة ما لا يدركه بنفسه في سنوات.
9- تحمُّل
المسؤولية بصورة أكمل
فإن الأمر إذا
بُني على مشاورة أهل الرأي والخبرة كان أبعد عن التهور وأقرب إلى الحكمة.
10- سبب للتوفيق
والبركة
وقد جرت سنة
الله أن من أخذ بالأسباب المشروعة وفَّقه الله وأعانه.
والمشاورة من
أعظم الأسباب الموصلة إلى حسن التدبير.
11- حماية
الإنسان من الاستبداد
فإن الاستبداد
بالرأي من أسباب الهلاك.
وقد قيل:
"ما هلك
امرؤٌ عن مشورة، ولا سعد مستغنٍ برأيه."
فالمشورة تحجز
صاحبها عن التسرع والانفراد بالقرار.
12- إظهار مكانة
أهل العلم والخبرة
فإن المشاورة
تقتضي الرجوع إلى أهل الاختصاص.
وفي ذلك إحياء
لمبدأ إنزال الناس منازلهم، ورد الأمور إلى أهلها.
13- تربية النفس
على الإنصاف
فإن المستشير قد
يسمع رأيًا يخالف ما يميل إليه، فيتدرب على قبول الحق ولو جاء على خلاف هواه.
وهذه من أعظم
خصال أهل الإيمان.
14- اكتساب محبة
الناس وثقتهم
فالناس يميلون
إلى من يستمع إليهم ويقدر آراءهم.
أما المتكبر
المستبد فإن النفوس تنفر منه ولو كان مصيبًا.
15- أنها سبب
لسلامة العواقب
فإن كثيرًا من
القرارات الخاطئة تنشأ من العجلة والانفراد بالرأي.
أما المشاورة
فإنها تكشف وجوه المصالح والمفاسد قبل الوقوع في الخطأ.
16- أنها من
دلائل كمال العقل
فإن العاقل يعلم
أن عقله محدود، وأنه محتاج إلى غيره.
أما الجاهل فيظن
أنه مستغنٍ عن الناس.
ولذلك كان
الحكماء يعدون كثرة المشاورة من علامات رجاحة العقل.
17- أنها سبيل
إلى وحدة الصف
فكثير من
النزاعات والخلافات تزول إذا بُنيت الأمور على الشورى والتفاهم والتناصح.
ولهذا كانت
الشورى من أسس المجتمع الإسلامي.
18- أنها من
أخلاق الأنبياء والحكماء
فقد شاور النبي
صلى الله عليه وسلم أصحابه في بدر وأحد والخندق وغيرها، وسار على ذلك الخلفاء
الراشدون ومن تبعهم بإحسان.
فمن أحب
الاقتداء بالأنبياء وأهل الحكمة فليلزم المشاورة.
خلاصة الأمر
المشاورة ليست
مجرد وسيلة إدارية أو عادة اجتماعية، بل هي خلق شرعي عظيم، تجمع بين التواضع، وطلب
الحق، والاستفادة من عقول الناس، وتأليف القلوب، وإصابة الصواب، والسلامة من
الزلل. ولذلك كان السلف يعدون الاستبداد بالرأي من أمارات النقص، ويعدون المشاورة
من دلائل الحكمة وكمال العقل وحسن التدبير.
[1] انظر:
"معاني القرآن" للزجاج (1/ 483). ومن قوله: (قال أصحاب المعاني ..) إلى
نهاية تفسير هذا المقطع: موجود في "تفسير الثعلبي" (3/ 191). نقله عنه
بالمعنى.
[2] قال أبو
السعود العمادي _رحمه الله_ في "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم"
(2/ 105):
"{وَشَاوِرْهُمْ فِى الامر} أي في أمر الحربِ إذ
هو المعهودُ أو فيه وفي أمثاله مما تجري فيه المشاورةُ عادةً استظهاراً بآرائهم
وتطييباً لقلوبهم وتمهيداً لسُنّة المشاورةِ للأمة." اهـ
Komentar
Posting Komentar