شرح الحديث 214 (باب الترغيب في السواك وجاء في فضله) من صحيح الترغيب
|
214 - (10)
[حسن لغيره] ورواه [يعني حديث عائشة الذي في "الضعيف"] البزّار من
حديث أنس، ولفظه: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لقد
أُمِرْتُ بالسواك حتى خشيتُ أَن أَدْرَدَ". (الدَّرَد):
سقوط الأسنان. |
مسند البزار = البحر الزخار
(13/ 335)
عَن أَنَسٍ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم: "أُمِرْتُ بِالسِّوَاكِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ
أَدْرَدَ، أَوْ حَتَّى خَشِيتُ عَلَى لِثَتِي وَأَسْنَانِي."
المعنى الإجمالي
لهذا الحديث:
بيّن النبي _صلى الله عليه
وسلم_ في هذا الحديث عظيمَ عناية الشريعة بالسواك، وكثرةَ ما ورد عليه من الأمر به
والحثِّ عليه، حتى إنه _صلى الله عليه وسلم_ عبَّر عن ذلك بأسلوب المبالغة في
الترغيب،
فقال: «لقد أُمِرتُ بالسواك
حتى خشيتُ أن أَدْرَدَ».
أي: لقد تكرر الأمر بالسواك
والتأكيد عليه تكرارًا كثيرًا، حتى كأنِّي خشيتُ - على سبيل المبالغة في بيان كثرة
استعماله - أن يؤدي ذلك إلى سقوط أسناني من كثرة الدَّلْك والاستعمال.
وليس المراد أن السواك يسبب
حقيقةً سقوط الأسنان، وإنما المقصود: بيان شدة
التأكيد على هذه السنة العظيمة، وكثرة ما ورد فيها من الترغيب والحث.
فالسواك من السنن المؤكدة
التي اعتنى بها الإسلام عنايةً بالغة؛ لما يترتب عليه من المصالح الدينية
والدنيوية، من تطهير الفم، وإزالة الروائح الكريهة، والاستعداد لذكر الله وقراءة
القرآن والصلاة، وتحصيل مرضاة الله تعالى.
وفي هذا الحديث إشارة إلى
أنَّ الشريعة جاءت بالعناية بالنظافة والطهارة، وأنها من محاسن هذا الدين وكماله،
وأن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان يحرص على إبلاغ أمته السننَ العظيمةَ التي تُقَرِّبُهُمْ
إلى الله _تعالى_ وتُكْمِلُ أحوالهم الظاهرة والباطنة.
تخريج الحديث:
أخرجه البزار في
"مسنده" = "البحر الزخار" (13/ 335) (رقم: 6952)[1].
والحديث حسن
لغيره: صرح بذلك الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث
الصحيحة" (4/ 77) (رقم: 1556)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (1/
293) (رقم: 1375)، و"صحيح الترغيب والترهيب" (1/ 204) (رقم: 214).
من فوائد الحديث:
من الفوائد الجليلة، والآداب
الرفيعة، والمعاني النفيسة التي يؤخذ من هذا الحديث، ما يأتي:
1- فيه: عِظَمُ
شأنِ السواك في الشريعة،
فإنَّ النبي _صلى الله عليه
وسلم_ أخبر عن كثرةِ ما ورد عليه من الأمر بالسواك، حتى عبَّر بهذا الأسلوب البليغ
الدالِّ على شدة التأكيد،
وذلك يدل على أن السواك من
السنن العظيمة التي اعتنى بها الشرع عناية ظاهرة، ولم يكن من الأمور اليسيرة التي
لا يُلتفت إليها.
2- فيه: محبةُ
الله _تعالى_ للطهارة والنظافة، فإنَّ الأمر بالسواك راجعٌ إلى تنظيف الفم
وتطييبه، ففي ذلك دليل على أن هذا الدين مبني على الطهارة الظاهرة والباطنة، وأن
الله تعالى يحب من عباده أن يكونوا على أكمل الأحوال في نظافتهم وهيئاتهم.
3- فيه: أنَّ
الشريعة جاءت بمصالح العباد، فإنَّ السواك يجمع بين مصلحة الدين ومصلحة البدن؛ فهو
سبب لنظافة الفم، وحسن الرائحة، وسلامة الأسنان، كما أنه سبب لتحصيل رضا الله
تعالى، فاجتمع فيه نفع الدنيا والآخرة.
4- فيه: كمالُ
نصح النبي _صلى الله عليه وسلم_ لأمته، فإنه لم يكتم شيئًا مما ينفع أمته، بل
بلغهم كل ما فيه خير لهم، حتى السنن المتعلقة بالنظافة وآداب الحياة اليومية،
تحقيقًا لقوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ
عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}
[التوبة: 128].
5- فيه: استحبابُ
المحافظة على السنن الظاهرة، فإن كثيرًا من الناس قد يتهاون بما يسمى السنن
والآداب، بينما تدل هذه النصوص على أن الشرع اعتنى بها عناية عظيمة، وأن المحافظة
عليها من علامات كمال الاتباع وحسن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
6- فيه: أنَّ
المبالغة في الترغيب من أساليب التعليم النبوي، فإن قوله: «حتى خشيت أن أدرد» ليس
على ظاهره، وإنما هو من أساليب المبالغة العربية التي يقصد بها إظهار عظيم
الاهتمام بالشيء، وفي ذلك بيان لفصاحته صلى الله عليه وسلم وحسن بيانه.
7- فيه: فضلُ
الاقتداء بالنبي _صلى الله عليه وسلم_ في هيئته الظاهرة، فإن السواك من سننه
المتكررة، وكان يحافظ عليه في أحوال كثيرة، فكان الاقتداء به فيه من علامات محبته
واتباعه.
8- فيه: أنَّ
الشرع يدعو إلى إزالة ما يستقذر، فالفم محل الذكر والقراءة ومناجاة الله تعالى،
فشُرع تنظيفه وإزالة ما قد يكون فيه من الروائح الكريهة أو الفضلات المؤذية.
9- فيه: شرفُ
الفم وعظيم منزلته، فإن الفم هو مخرج القرآن والذكر والدعاء والعلم النافع، فلذلك
اعتنى الشرع بتطهيره أكثر من غيره، وأمر بتنظيفه عند الصلاة والقراءة وغير ذلك.
10- فيه: أنَّ
الأعمال الصغيرة قد تعظم عند الله _تعالى_، فالسواك عمل يسير لا يكلف الإنسان مشقة
كبيرة، ومع ذلك ورد فيه من الفضائل والترغيب ما يدل على عظيم أجره عند الله تعالى،
وفي هذا حث على عدم احتقار شيء من أعمال البر.
11- فيه: أنَّ
المؤمن يجمع بين العبادة وحسن الهيئة،
فإن الإسلام لم يقتصر على
إصلاح الباطن فقط، بل دعا إلى إصلاح الظاهر أيضًا، ليكون المسلم كامل الهيئة، حسن
الرائحة، نظيف المظهر.
12- فيه: أهمية
العناية بالأسباب،
فإن نظافة الفم لا تحصل
غالبًا إلا بأسبابها، ومن أعظم أسبابها السواك، وفي ذلك تعليم للأمة أن تأخذ
بالأسباب المشروعة في جميع شؤونها.
13- فيه: أنَّ
السنن المتكررة أحب إلى الله من الأعمال المنقطعة،
فالسواك من السنن التي تتكرر
في اليوم والليلة مرات عديدة، مما يدل على أن دوام الطاعة واستمرارها من أحب
الأعمال إلى الله تعالى.
14- فيه: فضلُ
استعمال السواك عند العبادات،
فإن النصوص الكثيرة دلت على
استحبابه عند الصلاة والوضوء وقراءة القرآن والقيام من النوم، وفي ذلك تهيئة العبد
لمناجاة ربه على أكمل حال.
15- فيه: أنَّ
المؤمن ينبغي أن يعتني بما يحبه الله _تعالى_،
فإذا كان الله تعالى قد أكثر
من الأمر بالسواك على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، كان من مقتضى المحبة الصادقة
لله ورسوله أن يحرص العبد عليه ويعتني به.
16- فيه: أنَّ
الإسلام دين الكمال والجمال،
فإنه لم يترك أمرًا فيه صلاح
الإنسان وجماله ونظافته إلا أرشد إليه، حتى ما يتعلق بتنظيف الأسنان والفم، وهذا
من دلائل كمال هذه الشريعة.
17- فيه: أنَّ
العبد كلما ازداد اتباعًا للنبي _صلى الله عليه وسلم_ ازداد كمالًا،
فإن السنن الظاهرة والباطنة
إنما شُرعت لتكميل العبد، فمن حافظ عليها، نال من الكمال بقدر محافظته عليها.
18- فيه: أنَّ
من علامات تعظيم السنة الحرص على السنن المهجورة،
فإن السواك من السنن التي
قلَّ العمل بها عند كثير من الناس، وإحياؤها من محبة السنة وتعظيم شعائر النبي صلى
الله عليه وسلم.
19- فيه: أنَّ
المؤمن يحرص على كمال الطهارة عند لقاء الناس وعند مناجاة الله
فكما يحب أن يكون حسن
الرائحة بين الخلق، فهو أولى أن يكون كذلك عند الوقوف بين يدي رب العالمين في
الصلاة والذكر وتلاوة القرآن.
20- فيه: أنَّ
الهدي النبوي يجمع بين مصالح القلوب والأبدان،
فالسواك يحقق مصلحة بدنية
ظاهرة، ويحقق كذلك مصلحة شرعية إيمانية، وهذا من خصائص الشريعة الكاملة التي جاءت
بخير الدنيا والآخرة.
|
215 - (11) [حسن صحيح] وعن
علي _رضي الله عنه_ أنه أمرَ بالسواك، وقال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إن
العبدَ إذا تَسَوَّك ثم قامَ يُصلي، قام الملَكُ خَلفه، فَيَستَمعُ لقراءتِه،
فيدنو منه -أو كلمة نحوها- حتى يضعَ فاه على فِيه، فما يخرجُ من فيه شيءٌ من
القرآنِ إلا صارَ في جوفِ الملَكِ، فَطَهَّروُا أفواهكم للقرآن". رواه البزار بإسناد جيد لا بأس به، وروى
ابن ماجه بعضه موقوفاً، ولعله أشبه (2). __________ (2) قلت:
كلا؛ فإنَّ في إسناد ابن ماجهْ انقطاعاً ومتروكاً. انظر "الصحيحة"
(1213). |
المعنى الإجمالي
لهذا الحديث:
بيّن هذا الحديث عظيمَ فضل
السواك، ولا سيما عند إرادة الصلاة وقراءة القرآن، وأنَّ السواك ليس مجرد وسيلةٍ
لتنظيف الفم، بل هو من الآداب الشرعية التي تُهيِّئ العبد لمناجاة ربه وتلاوة
كلامه.
فقد أخبر النبي _صلى الله
عليه وسلم_ أنَّ العبد إذا استاك فطهَّر فمه، ثم قام يصلي ويقرأ القرآن، فإنَّ
الملَك يقترب منه ويستمع إلى قراءته إعظامًا لكلام الله تعالى ومحبةً لسماعه، حتى
يدنو منه دنوًّا عظيمًا، وفي بعض ألفاظ الحديث: يضع فاه على فيه، أي يكون قريبًا
منه غاية القرب.
ثم بيَّن صلى الله عليه وسلم
أنَّ ما يخرج من فم القارئ من آيات القرآن يتلقاه هذا الملَك ويستمع إليه، مما يدل
على شرف القرآن وعظيم منزلته عند الملائكة الكرام.
ولهذا ختم الحديث بقوله:
«فطهِّروا أفواهكم للقرآن»، أي: نظِّفوها بالسواك وغيره من أسباب التنظيف؛ لأن
الفم طريق تلاوة القرآن وذكر الله تعالى، فكان من الأدب مع كلام الله أن يكون موضع
خروجه طيبًا نظيفًا.
فالحديث في جملته يرشد إلى
تعظيم القرآن، وتعظيم آداب تلاوته، والعناية بالسواك وتنظيف الفم عند الصلاة
والقراءة، ويُشعر المؤمن بأن تلاوته للقرآن تحضرها الملائكة وتستمع إليها، مما
يدعوه إلى تحسين قراءته، وإخلاص نيته، واستشعار جلال ما يتلوه من كلام رب
العالمين.
تخريج الحديث:
أخرجه مرفوعا: البزار في "مسنده" = "البحر
الزخار" (2/ 214) (رقم: 603)[2]،
وابن المبارك في "الزهد والرقائق" (1/ 435) (رقم: 1224_1225)، وقوام
السنة أبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (2/ 269) (رقم: 1564).
وأخرجه موقوفا: ابن المبارك في "الزهد والرقائق" (1/
435) (رقم: 1224)، وعبد الرزاق الصنعاني في "مصنفه" (2/ 487) (رقم: 4184)،
وابن أبي شيبة في "مصنفه" (1/ 156) (رقم: 1799)، الحميري في "جزء علي
بن محمد" (ص: 70) (رقم: 22)، والآجري في "أخلاق أهل القرآن" (ص:
146) (رقم: 70)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 62) (رقم: 162)، وفي
"شعب الإيمان" (3/ 448) (رقم: 1937).
والحديث حسن صحيح: صرح بذلك
الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (3/ 214) (رقم: 1213)
من فوائد الحديث:
قال النووي _رحمه الله_ في
"الأذكار" – ت. الأرنؤوط (ص: 106):
"وينبغي
إذا أراد القراءة أن ينظّفَ فَمَهُ بالسِّواك وغيره، والاختيار في السواك أن يكونَ
بعود الأراك، ويجوز بغيره من العيدان، وبالسعْدِ والأُشْنَانِ، والْخِرْقَةِ الخَشِنَةِ،
وغيرِ ذلك مما ينظف." اهـ
قال الأمير الصنعاني _رحمه
الله_ في "التنوير شرح الجامع الصغير" (7/ 39):
"قال
ابن عبد البر: (فضل السواك مجمع عليه والصلاة بعد السواك أفضل منها قبله بلا خلاف)."
اهـ
قال ابن دقيق العيد القشيري
_رحمه الله_ في "شرح الإلمام بأحاديث الأحكام" (3/ 105):
"علة
هذا الأمر بتطييب الأفواه لقراءة القرآن والمناجاة في الصلاة، وقد ورد ما يقتضي أن
ذلك لأجل المَلَك." اهـ
قال الأمير الصنعاني _رحمه
الله_ في "التنوير شرح الجامع الصغير" (7/ 39):
"قال ابن
دقيق العيد: سر ندب السواك لها أنا مأمورون أن نكون في حالة التقرب إلى الله تعالى
في حال كمال ونظافة إظهارا لشرف العبادة، قال: وقيل: إن الأمر يتعلق بالملك وهو
أنه يضع فاه على فم القارئ فيتأذى بالريح الكريهة فيتأكد السواك لها لذلك
ملحق الفوائد:
من الفوائد الجليلة، والآداب
الرفيعة، والمعاني الإيمانية العظيمة التي تضمنها هذا الحديث، ما يأتي:
1- فيه: عِظَمُ
فضلِ السواك ومكانته في الشريعة،
فإنَّ النبي _صلى الله عليه
وسلم_ رتَّب عليه هذا الفضل العظيم، وهو قُرْبُ الملَك من العبد عند تلاوته
للقرآن،
وذلك يدل على أن السواك ليس
مجرد عادة من العادات، بل هو عبادةٌ وقربةٌ يتقرب بها العبد إلى ربه، ويتهيأ بها
لمناجاته.
2- فيه: تعظيمُ
شأنِ القرآن الكريم،
فإنَّ الملائكة الكرام
تتلقَّى القرآن بالإصغاء والاستماع، وتدنو من قارئه لأجله، ففي هذا أعظم دليل على
شرف كلام الله _تعالى_، وأنه أشرف الكلام وأجلُّه وأعظمه.
3- فيه: أنَّ
الملائكة تُحبُّ سماع القرآن،
فإنَّ الملك إنما يدنو من
القارئ ليستمع إلى تلاوته، ففي هذا بيان محبة الملائكة لكلام الله تعالى، وتعظيمهم
له، وحرصهم على سماعه.
4- فيه: فضلُ
قراءة القرآن في الصلاة،
فإنَّ الحديث جعل هذا الفضل
مترتبًا على من تسوَّك، ثم قام يصلي، ويقرأ القرآن، ففي ذلك إشارة إلى أنَّ
القراءة في الصلاة من أشرف أنواع التلاوة وأكملها.
5- فيه: استحبابُ
تطييب الفم عند قراءة القرآن،
فإنَّ النبي صلى الله عليه
وسلم قال: «فطهِّروا أفواهكم للقرآن»، وهذا يدل على استحباب تنظيف الفم قبل
التلاوة؛ تعظيمًا لكلام الله تعالى.
6- فيه: أنَّ
تعظيمَ الشعائر من علامات الإيمان،
فإنَّ العبد إذا اعتنى
بتطهير فمه لأجل القرآن، كان ذلك من تعظيمه لشعائر الله، وقد قال تعالى: {ذَلِكَ
وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:
32]
7- فيه: أنَّ
الأعمال الظاهرة تؤثر في الأعمال الباطنة،
فإنَّ تطهير الفم أمرٌ حسيٌّ
ظاهر، لكنه يعين على حضور القلب وتعظيم القرآن، فاجتمع في السواك صلاح الظاهر
والباطن.
8- فيه: شرفُ
الفم إذا استُعمل في طاعة الله،
فإنَّ الفم الذي يخرج منه
القرآن والذكر والدعاء ليس كغيره من الجوارح، ولذلك أُمر بتنظيفه وإكرامه.
9- فيه: فضلُ
الملائكة وقربهم من أهل الطاعة،
فالحديث يدل على أن الملائكة
تحضر مواطن الخير، وتأنس بأهل الذكر والقرآن، وتدنو منهم بحسب ما معهم من الطاعة
والإخلاص.
10- فيه: أنَّ
المؤمن ينبغي أن يستشعر مراقبة الملائكة،
فإذا علم القارئ أن الملائكة
تستمع إلى تلاوته وتدنو منه، حمله ذلك على تحسين قراءته، وإخلاص نيته، والبعد عن
الغفلة والعبث.
11- فيه: الحثُّ
على إكرام القرآن ظاهراً وباطناً،
فمن إكرامه تطهير الفم،
وتحسين الصوت به، واستحضار القلب عند تلاوته، والعمل بأوامره والانتهاء عن نواهيه.
12- فيه: أنَّ
الشريعة جاءت بمحاسن الأخلاق والهيئات،
فإنها لم تكتف بالأمر بقراءة
القرآن، بل أمرت كذلك بما يليق به من الطهارة والنظافة وحسن الهيئة.
13- فيه: أنَّ
السلف كانوا يعظمون آداب التلاوة،
فإنَّ مثل هذه النصوص هي
التي حملت السلف رحمهم الله على العناية بالسواك عند القراءة، واستقبال القبلة،
وتحسين الهيئة عند التلاوة.
14- فيه: أنَّ
الطهارة مطلوبة لكل عبادة عظيمة،
فكما شُرعت الطهارة للصلاة،
شُرع تنظيف الفم للقرآن، وفي ذلك دلالة على أن العبادات العظيمة تزداد كمالاً
بالطهارة الحسية والمعنوية.
15- فيه: فضلُ
العناية بالسنن التي قد يزهد فيها الناس،
فإنَّ السواك من السنن التي
يتهاون بها كثير من الناس، مع أن النصوص قد وردت بفضائل عظيمة فيها، وهذا من مداخل
الشيطان؛ إذ يزهِّد الناس في الأعمال اليسيرة كثيرة الأجر.
16- فيه: أنَّ
القرآن سببٌ لشرف صاحبه في الدنيا والآخرة،
فإذا كانت الملائكة تدنو من
قارئه وتستمع إليه، فكيف بما أعدَّ الله لأهل القرآن من الكرامة يوم القيامة؟
17- فيه: أنَّ
المؤمن مأمورٌ بتحسين ما يخرج من فمه،
فإذا كان الفم مخرج القرآن،
وجب أن يُصان كذلك عن الكذب والغيبة والنميمة والفحش واللغو، حتى يكون طاهرًا
حسًّا ومعنى.
18- فيه: أنَّ
قرب الملائكة من العبد نعمة عظيمة،
فإنَّ الملائكة عبادٌ
مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم، وَقُرْبُهُمْ من العبد علامةُ خيْرٍ وبركة ورحمة.
19- فيه: أنَّ
العبادات تتفاضل بحسب ما يصاحبها من الآداب،
فقد يقرأ اثنان القرآن،
ويكون أحدهما أكمل أجرًا بسبب محافظته على آداب التلاوة وتعظيمه لشعائر الله.
20- فيه: أنَّ
الإسلام دينُ الجمال والكمال،
فإنه يجمع بين طهارة القلب
بالإيمان، وطهارة اللسان بالذكر، وطهارة الفم بالسواك، وطهارة الجوارح بالطاعة،
فلا يترك جانبًا من جوانب الكمال إلا دعا إليه.
21- فيه: أنَّ
تعظيم القرآن يبدأ من تعظيم وسائله،
فمن عظَّم القرآن عظَّم
المصحف، وعظَّم مجالس التلاوة، وعظَّم آداب القراءة، ومن ذلك تنظيف الفم قبل
تلاوته.
22- فيه: أنَّ
الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم،
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة
أن الملائكة تتأذى من الروائح الكريهة، فكان من المناسب أن يُؤمر القارئ بتنظيف
فمه عند تلاوة القرآن وحضور الملائكة.
23- فيه: أنَّ
العبد كلما ازداد تعظيمًا للقرآن، ازداد رفعةً عند الله
فإنَّ الأعمال الظاهرة التي
تدل على إجلال كلام الله من أسباب زيادة الإيمان ورفعة الدرجات، ومن ذلك السواك
والطهارة وحسن الأدب عند التلاوة.
24- فيه: أنَّ
من فقه العبد أن يجمع بين الظاهر والباطن،
فلا يكتفي بنظافة الفم مع
غفلة القلب، ولا بإخلاص القلب مع إهمال الآداب الظاهرة، بل يجمع بين طهارة الظاهر
والباطن، وذلك أكمل الأحوال وأحبها إلى الله تعالى.
25- فيه: أنَّ
القرآن يستحق من التعظيم ما لا يستحقه غيره،
إذ هو كلام رب العالمين، ومن
ثمَّ شُرعت له آداب خاصة، وأحكام خاصة، وتعظيم خاص، ومن أعظم ذلك أن يتهيأ العبد
له بأحسن هيئة وأكمل طهارة، تعظيمًا لحق الله سبحانه وتعالى وإجلالًا لكلامه
العزيز.
[1] انظر:
"كشف الأستار عن زوائد البزار" (1/ 242) (رقم: 497)
للهيثمي. وقال مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (2/ 99): "رَوَاهُ الْبَزَّارُ،
وَفِيهِ: عِمْرَانُ بْنُ خَالِدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ." اهـ
قلت: لكن له شواهد أوردها الألباني _رحمه الله_ في
"الصحيحة"، ولله الحمد والمنة.
[2] انظر:
كشف الأستار عن زوائد البزار (1/ 242) (رقم: 496)،
وقال الهيثمي _رحمه الله_ في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (2/ 99): "رَوَاهُ
الْبَزَّارُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. قُلْتُ: رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بَعْضَهُ إِلَّا
أَنَّهُ مَوْقُوفٌ وَهَذَا مَرْفُوعٌ." اهـ
قال عبد الله الدويش (ت. 1409 هـ) _رحمه الله_ في
"تنبيه القارئ" (1/ 175) (رقم: 271):
"«إن أفواهكم طرق للقرآن فطيبوها بالسواك» . أبو
نعيم في كتاب السواك والسجزي في الإبانة عن علي، ضعيف جدًا ... الأحاديث الضعيفة
(2274)، انتهى من ضعيف الجامع (2/33) رقم (1401)، وقال في الحاشية: وقد جاء بلفظ
آخر دون التطييب وهو في الأحاديث الصحيحة (1213). أقول: قد صححه في السلسلة
الصحيحة رقم (1213) الجزء الثالث ص (215) بلفظ: «فطهروا أفواهكم للقرآن» .
ومعناهما واحد طيبوا بمعنى طهروا، والله أعلم." اهـ
Komentar
Posting Komentar