شرح الحديث 125 (باب الحيض) من بلوغ المرام

  

125 - وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ:

لَمَّا جِئْنَا سَرِفَ، حِضْتُ.

فَقَالَ النَّبِيُّ _صلى الله عليه وسلم_:

"افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي." مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيْثٍ طَوِيْلٍ.

 

صحيح البخاري (1/ 68)

عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ نَذْكُرُ إِلَّا الحَجَّ، فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طَمِثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ؟» قُلْتُ: لَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنِّي لَمْ أَحُجَّ العَامَ، قَالَ: «لَعَلَّكِ نُفِسْتِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَإِنَّ ذَلِكِ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي»

 

وفي صحيح البخاري (7/ 99)

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا، وَحَاضَتْ بِسَرِفَ، قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ مَكَّةَ، وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَ: «مَا لَكِ أَنَفِسْتِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ،

قَالَ: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ»

فَلَمَّا كُنَّا بِمِنًى، أُتِيتُ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: "مَا هَذَا؟" قَالُوا: "ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَزْوَاجِهِ بِالْبَقَرِ."

 

سَرِف: بفتحِ السين المهملة، ثمَّ راء مهملة مكسورة، ثمَّ فاء موحَّدة: اسمٌ لا ينصرف للعَلمِيَّة والتأنيث.

وهو وادٍ يبعد عن حد الحرم من جهة التنعيم بنحو عشر كيلو مترات، وعن مكَّة المسجد الحرام بثمانية عشر كيلو متر، يمر به طريق مكة - المدينة، فهو بين مكَّة وبين واد الجموم (مر الظهران)، وهو ما يعرف الآن بالنوَّارية. – انظر: توضيح الأحكام من بلوغ المرام (1/ 462)

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في "صحيحه" (1/ 66 و 1/ 68 و 2/ 159 و 7/ 99 و 7/ 101) (رقم: 294 و 305 و 1650 و 5548 و 5559)، ومسلم في "صحيحه" (2/ 873/ 120) (رقم: 1211)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (6/ 273) (رقم: 26344)

 

توضيح الأحكام من بلوغ المرام (1/ 462)

* ما يؤخذ من الحديث:

1 - كانت عائشة مُحْرِمةً بالعمرة متمتِّعة بها إلى الحج، وذلك في حجة الوداع،___فأصابها الحيض بِسَرِف، وادٍ يبعد عن المسجد الحرام بثمانية عشر كيلو متر طريق المدينة - مكة.

2 - فأدخلَتْ حجَّها على عمرتها، وصارتْ قارنةً؛ لأنَّها لم تتمكَّن من طواف العمرة والتحلُّل منها؛ من أجل حيضتها.

3 - جوازُ إتيان الحائض بجميع شعائر الحج، من الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والمبيت بمنى، والسعي بين الصفا والمروة، لو سبق أنْ طَافَتْ قبل الحيض، وصحةُ ذلك منها، حيث لا يشترطُ لها الطهارة، وهو إجماعٌ.

4 - تحريمُ الطواف على الحائض، وعدم صحَّته منها.

5 - احترامُ البيت وتعظيمُهُ، وأنْ لا يأتيه المسلم إلاَّ على أحسَنِ هيئة، وأتمِّ طهارة؛ {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31]. وكانت العرب -حتَّى في جاهليَّتها- تعظِّمه ولا تطوف به في ثيابها التي عصت الله فيها، وإنَّما يستعيرون ثيابَ قريشٍ يطوفون بها، فإِذا لم يجدوا، طافوا عراة." اهـ

 

كشف المشكل من حديث الصحيحين (4/ 250)

وَقَوله: " غير أَن لَا تطوفي بِالْبَيْتِ " دَلِيل على أَن طواف الْمُحدث لَا يُجزئ، وَلَو كَانَ ذَلِك لأجل الْمَسْجِد لقَالَ: لَا تدخلي الْمَسْجِد:

 

فتح الباري لابن رجب (2/ 14):

"ولفظ: ((الكتابة)) يدل على اللزوم والثبوت، إمَّا شرعاً كقوله تعالى:

{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة:183] ، أو قدراً كقوله: {كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [المجادلة: 21]. وهذا الحديث مِن هَذا القبيل." اهـ

 

فتح الباري لابن رجب (2/ 42_43):

مقصود البخاري بهذا الباب: أن الحيض لا يمنع شيئاً مِن مناسك الحج غير الطواف بالبيت والصلاة عقيبه وأن ما عدا ذَلِكَ مِن المواقف والذكر والدعاء لا يمنع الحيض شيئاً منهُ، فتفعله الحائض كله، فدخل في ذَلِكَ الوقوف بعرفة، والمزدلفة، ورمي الجمار، وذكر الله عز وجل ودعاؤه في هَذهِ المواطن، وكل هَذا متفق على جوازه.

ولم يدخل في ذَلِكَ السعي بين الصفا والمروة؛ لأنه تابع للطواف لا يفعل إلا بعده،___ولم تكن عائشة طافت قبل حيضها، فلوا كانت قَد طافت فبل حيضها لدخل فيهِ السعي - أيضاً.

وهذا كله متفق عليهِ بيِن العلماء إلا خلافاً شاذاً في الذكر، وقد ذكرناه فيما سبق في ((أبواب الوضوء)) ، وإلا السعي بين الصفا والمروة؛ فإن للعلماء فيهِ اختلافاً: هل يفعل معَ الحيض، أم لا؟

والجمهور: على جوازه معَ الحيض، ومنع منهُ طائفة من السلف؛ لكن مِنهُم مِن علل ذَلِكَ بمنع تقدم السعي للطواف، فلو كانت طافت ثُمَّ حاضت لزال المنع حينئذ على هَذا التعليل، وحكي المنع رواية عَن أحمد، وحكي عَن ابن عمر.

ومنع إسحاق الجنب مِن السعي دونَ الحائض؛ لأن الجنب لا عذر لَهُ في تأخير الغسل؛ بخلاف الحائض.

وقد روى يحيى بنِ يحيى الأندلسي حديث عائشة الذِي خرجه البخاري هاهنا: عَن مالك، عَن عبد الرحمن بنِ القاسم، وقال فيهِ: ((غير أن لا تطوفي بالبيت، ولا بالصفا والمروة، حتى تطهري)) .

وزيادة ((الصفا والمروة)) وهم على مالك، لَم يذكره عَنهُ أحد غير يحيى -: قاله ابن عبد البر." اهـ

 

فتح الباري لابن رجب (2/ 45)

وفيه: دليل على أن الذكر لا يمنع منهُ حدث ولا جنابة، وليس فيهِ دليل على جواز قراءة القرآن للجنب؛ لأن ذكر الله إذا أطلق لا يراد بهِ القرآن.

واستدلاله بقوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ} فَهوَ دليل على جواز التسمية للحائض والجنب؛ فإنهما غير ممنوعين مِن التذكية.

قالَ ابن المنذر: لا أعلم أحداً منع مِن ذَلِكَ. قالَ: وأجمع أهل العلم على أن لهما أن يذكرا الله ويسبحانه.

فلم يبق مما ذكره البخاري في هَذا الباب سوى قراءة القرآن، وظاهر كلامه أن الحائض لا تمنع مِن القراءة.

واستدل [بكتابة] النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - البسملة معَ آية مِن القرآن إلى هرقل.

وذكر عن النخعي، أن الحائض تقرأ الآية، وعن ابن عباس أنه لم ير بالقرآن للجنب بأساً.

أما ابن عباس، فقد حكى عنه جواز القرآن للجنب غير واحد." اهـ

 

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (22/ 461)

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 - (فمنها): بيان أن المرأة المعتمرة إذا حاضت، وخافت فوت الحج

أدخلت الحج على عمرتها، فصارت قارنة.

2 - (ومنها): مشروعية حج الرجل مع زوجته.

3 - (ومنها): أن من ساق الهدي لا يتحلل حتى يبلغ الهدي محله.

4 - (ومنها): أن الحائض تنقض ضفر رأسها، وتمتشط، وتغتسل للإهلال

بالحجّ.

5 - (ومنها): أن فيه جواز الخلوةَ بالمحارم، والركوب معهم، وسيأتي

في رواية أخرى: أنه أردفها وراءه.

آ- (ومنها): أنه -صلى الله عليه وسلم- إنما أمره بإخراجها في العمرة إلى التنعيم؛ لأنه

أدنى الحل، ومن كان، بمكة وأراد الإحرام بعمرة فميقاته لها أدنى الحل، ولا

يجوز أن يحرم بها في الحرم، والمعنى في ذلك الجمع في نسك العمرة بين

الحل والحرم، كما أن الحاج يجمع بينهما، فإنه يقف بعرفاث، وهي من

الحلّ، ثم يدخل مكة للطواف وغيره، فلو خالف وأحرم بها في الحرم، ثم

خرج إلى الحل قبل الطواف أجزأه، ولا دم عليه، وإن لم يخرج وطاف وسعى

وحلق ففيه قولان للشافعئ:

أحدهما: لا تصح عمرته حتى يخرج إلى الحلّ، ثم يطوف ويسعى

ويحلق.

والثاني: تصحّ، وعليه دم؛ لتركه الميقات، وهذا الثاني هو الأصح عند

أصحابنا، وبه قال جمهور العلماء، وقال مالك: لا يجزئه حتى يخرج إلى

الحل، وقال عطاء بن أبي رباح: لا شيء عليه، ذكره وليّ الدين رحمه الله ["طرح الممريب" 5/ 34]___

قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله مالك رحمه الله أرجح؛ لتوقيت النبيّ -صلى الله عليه وسلم- ميقات المكيّ بالحلّ، فلا يُجزىء غيره، فتأمل، والله تعالى أعلم.

7 - (ومنها): أنه استُدِل به على أن أفضل جهات الحل للإحرام بالعمرة منها: التنعيم، وبه قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية، والأصح عندهم أن الأفضل الإحرام بها من الجعرانة؛ لكونه -صلى الله عليه وسلم- فعله، ثم من التنعيم؛ لكونه أمر به، ثم من الحديبية؛ لكونه هَمّ به، وقالوا: إنما أمر عبد الرحمن بالتنعيم؛ لتيسّره فإنه أقرب الجهات كما تقدم.

قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الشيرازيّ رحمه الله أقرب، فتامل، والله تعالى أعلم.

قال وليّ الدين: زاد بعضهم على هذا، فقال: إنه يتعين التنعيم للإحرام بالعمرة منه، وحكاه القاضي عياض عن مالك، وإنه ميقات المعتمرين من مكة،

قال النوويّ: وهذا شاذ مردود، والذي عليه الجماهير أن جميع جهات الحلّ سواء، ولا يختص بالتنعيم، والله تعالى أعلم ["طرح التثريب"5/ 34 - 35].

8 - (ومنها): جواز تكرار العمرة؛ لأن عائشة -رضي الله عنها- اعتمرت في شهر واحد عمرتين بأمر النبيّ -صلى الله عليه وسلم-،

وقال ابن القيم: إنه لم ينقل أنه _صلى الله عليه وسلم_ اعتَمَر مدّة إقامته بمكة قبل الهجرة، ولا اعتمر بعد الهجرة، إلا داخلًا إلى مكة، ولم يعتمر قطّ خارجًا من مكة إلى الحلّ، ثم يدخل مكة بعمرة، كما يفعل الناس اليوم، ولا ثبتٌ عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك في حياته، إلا عائشة وحدها. انتهى.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن القيّم رحمه الله، فيه نظر لا يخفى، فإن عائشة -رضي الله عنها- اعتمرت مرتين في شهرٍ بأمره _صلى الله عليه وسلم_، فدلّ على مشروعيته، فهل يُطلب دليلٌ أكثر من هذا؟ وأما الاستدلال بترك النبيّ -صلى الله عليه وسلم- ___ذلك، فليس بشيء؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- يترك الشيء خشية المشقّة على أمته أَبُو فعله، كما ندم على دخوله الكعبة لذلك، وأيضًا أنه لم يُنقل عنه أنه تردّد للطواف بالبيت بعد طوافه الأول للقدوم، ثم للإفاضة، ثم للوداع، فلم يثبت أنه كان يكثر الطوف غير هذا، فهل يكون هذا دليلًا على عدم تكرار الطواف بالبيت كلّ وقت؛ هذا مما لا يقوله أحد.

والحاصل: أن الاعتمار بعد الحج مشروع للحجاج، كما فعلته عائشة -صلى الله عليه وسلم-، فإنها اعتمرت في شهر مرّتين، وكانت إذا جاءت للحج بعده -صلى الله عليه وسلم- فعلت مثل ذلك، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى وليّ التوفيق.

قال في "الفتح": واختَلَف السلف في جواز الاعتمار في السنة أكثر من مرة، فكرهه مالك، وخالفه مُطَرّف، وطائفة من أتباعه، وهو قول الجمهور، واستثنى أبو حنيفة يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، ووافقه

أبو يوسف، إلا في يوم عرفة، واستثنى الشافعيّ البائت بمنى لرمي أيام التشريق، وفيه وجه اختاره بعض الشافعية فقال بالجواز مطلقًا، كقول الجمهور. انتهى ["الفتح " 5/ 19].

قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت آنفًا أن ما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

9 - (ومنها): أن المتمتّع لا بد له من طوافين، وسعيين.

10 - (ومنها): أن القارن يطوف طوافًا واحدًا، وسعيًا واحدًا.

قال وليّ الدين رحمه الله: قولها: "وأما الذين كانوا جمعوا بين الحج والعمرة فافما طافوا طوافًا واحدًا"، فيه دليل على أن القارن يكفيه طواف واحد عن طواف الركن، وأنه يقتصر على أفعال الحجّ، وتندرج أفعال العمرة كلها في أفعال الحجّ، وبهذا قال الشافعيّ رءإدئهُ، وهو محكيّ عن ابن عمر، وجابر، وعائشة، والحسن البصريّ، وسالم بن عبد الله بن عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والزهريّ، وأبي جعفر، وعطاء، وطاوس، وكان يحلف بالله أنه لم___يطف أحد من الصحابة للحج والعمرة إلا طوافًا واحدًا، رواها ابن أبي شيبة، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وداود، وقال أبو حنيفة: يلزمه طوافان

وسعيان، وهو محكيّ عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، والحسن بن عليّ، والشعبيّ، والأسود، والحكم بن عتيبة، وإبراهيم النخعيّ، وأبي جعفر، وحماد بن أبي سليمان، رواه عنهم ابن أبي شيبة. انتهى ["طرح التثريب " 5/ 35]، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة السادسة- إن شاء الله تعالى-.

11 - (ومنها): أن الحجّ ليس خاصًّا بالرجال، بل يعمّ النساء أيضًا.

12 - (ومنها): أَمْرُ من لم يسق الهدي بفسخ الحجّ بعمل العمرة، وعليه المحقّقون من أهل الحديث والفقه كما سيأتي تحقيقه- إن شاء الله تعالى-.

13 - (ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله: (اعلم) أن أحاديث الباب متظاهرة على جواز إفراد الحج عن العمرة، وجواز التمتع، والقران، وقد أجمع العلماء على جواز الأنواع الثلاثة، وأما النهي الوارد عن عمر وعثمان -رضي الله عنهما-، فسنوضح معناه في موضعه بعد هذا - إن شاء الله تعالى-.

والإفراد أن يُحْرِم بالحج في أشهره، ويَفرُغ منه، ثم يعتمر، والتمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحج من عامه، والقران: أن يحرم بهما جميعًا، وكذا أَبُو أحرم بالعمرة، وأحرم بالحج قبل طوافها صحّ، وصار قارنًا، فلو أحرم بالحجّ ثم أحرم بالعمرة فقولان للشافعيّ: أصحهما لا يصح إحرامه بالعمرة، والثاني يصحّ، ويصير قارنًا بشرط أن يكون قبل الشروع في أسباب التحلل من الحجّ، وقيل: قبل الوقوف بعرفات، وقيل: قبل فعل فرض، وقيل: قبل طواف القدوم أو غيوه. انتهى ["شرح النوويّ " 8/ 134]، والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

 

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (1/ 400)

فيستفاد من هذا الحديث فوائد: أولًا: جاء به المؤلف في كتاب الحيض ليبين أن الحائض لا تطوف بالبيت, وهذا أمر مجمع عليه.

ويستفاد من هذا الحديث فوائد منها: جواز إدخال الحج على العمرة عند تعذر إتمامها؛ لأن عائشة أرشدها النبي صلى الله عليه وسلم إلى جواز إدخال الحج على العمرة؛ لأنه قال لها - عليه الصلاة والسلام -: «اجعليها عمرة».

ولكن إذا لم يكن هناك حاجة فهل يجوز أو لا يجوز؟

من العلماء من قال: أنه لا يجوز؛ لأن الله تعالى قال: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196]. وهذا لم يتم العمرة؛ ولأنه لم ينتقل إلى نسك أفضل بل إلى نسك مفضول؛ لأن الإنسان سينتقل من التمتع إلى القران, والتمتع أفضل, وليس كالذي يحول الإفراد أو الإقران إلى تمتع؛ لأن هذا___

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (1/ 401)

ثبتت به السنة, لكن هذا قد تحول من نسك مفضول إلى نسك أفضل ولا إشكال فيه؛ لأن تحول القارن إلى متمتع أو المفرد إلى متمع لا إشكال فيه, وهذا هو الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من لم يسق الهدي.

لكن الإشكال أن ينتقل من تمتع إلى قران, فنقول: عند الضرورة لا شك في جوازه, وذلك فيما إذا حاضت المرأة وتعرف أنها لن تطهر قبل الوقوف بعرفة, ومن ذلك لو خاف الإنسان فوت الوقوف بأن جاء متأخرًا وأحرم بالعمرة ثم خاف أن يفوته الحج فإنه هنا يدخل الحج على العمرة, فيكون قارنًا.

لكن السؤال هل يجوز ذلك في حال السعة؛ بمعنى: أن الإنسان يدخل الحج على العمرة مع سعة الوقت؟ هذا محل نظر, ولولا أن بعضهم حكى الإجماع في الجواز لقلنا بعدم الجواز, فإن كان أحد من العلماء يقول بأنه لا يجوز إدخال الحج على العمرة إلا عند الضرورة الشرعية أو الحسية؛ فهذا القول أقرب للصواب بلا شك, ووجه ذلك: أنه انتقال من فاضل إلى مفضول, والأعمال الشرعية إذا كانت واجبة لا يمكن أن ينتقل من فاضل إلى مفضول أبدًا, بخلاف الانتقال من المفضول إلى الفاضل.

ومن فوائد الحديث: أن القارن فعله كفعله المفرد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرها أن تطوف مرتين, وأن تسعى مرتين, بل قال: «افعلي ما يفعل الحاج» , وهذا القول هو الراجح, بمعنى: أن القارن كالمفرد سواء في أفعال الحج, فلا يلزمه طوافان وسعيان, لماذا؟ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «دخلت العمرة في الحج» , ولقوله لعائشة: «طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك» أي: يكفيك لحجك وعمرتك. فالقارن والمفرد سواء في الأفعال, لكنهما يختلفان من جهة أن القارن يحصل له نسكان, والمفرد لا يحصل له إلا نسك, وأن القارن عليه هدي, والمفرد ليس عليه هدي.

وهل يجوز إدخال العمرة على الحج ليصير قارنًا بمعنى: أن الرجل أحرم بالرجل, ثم أدخل العمرة عليه؟ هذا فيه خلاف, فمن العلماء من يقول: لا بأس بإدخال العمرة على الحج, ومنهم من قال: لا يجوز. والصحيح جوازه؛ لأن هذا هو ظاهر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث أحرم بالحج أولًا, ولقول عائشة رضي الله عنها وهي تقسم الناس لإحرامهم وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج, ثم قيل له: قل عمرة في حجة. وهذا يعني: أنه أدخل العمرة على الحج, وهو من ناحية القياس أن يقال: أي فرق بين أن تدخل الحج على العمرة, أو العمرة على الحج.___

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (1/ 402)

وأما من قال: لا يستفيد بإدخال العمرة على الحج لأنه لن يزيد على أفعاله. فنقول: وكذلك إدخال الحج على العمرة لا يزيد على أفعاله, ثم نقول: القول بأنه لم يستفد ممنوع؛ لأنه استفاد نسكين فهو مستفيد.

عرفنا أن عائشة رضي الله عنها أدخلت الحج على العمرة قبل أن تطوف لا شك فهل يجوز إدخال الحج على العمرة بعد الطواف؟ يرى بعض العلماء أنه لا بأس به, حتى بعد السعي ما دامت العمرة لم تتم فله إدخال الحج على العمرة ويصير قارنًا, أما مذهبنا فإنه لا يصح أن يدخل الحج على العمرة بعد الشروع في الطواف, وهذا فيه شيء من الإشكال فيما لو أن المحرم طاف وسعى ولم يقصر إما ناسيًا أو جاهلًا, ثم أدخل الحج على العمرة؛ فعلى المذهب - مذهبنا - يكون حجه فاسدًا لا يصح؛ لأنه أدخل على العمرة بعد الطواف وهذا لا يصح, والإفتاء بهذا فيه صعوبة أن يأتي الإنسان من مسافة بعيدة وينفق كل ما جمعه من مال, ثم يقال له: رجعت بلا حج, وليس هناك دليل واضح في هذه المسألة إلا أن يقال: إذا لم يبق إلا الحلق أو التقصير فقد تم النسك فكيف يصح إدخال الحج عليه؟ في مثل هذا نحن نفتي بأن يفدي الإنسان عن ترك الحلق ونجعله كأنه تركه ولما تحلل من العمرة ثم شرع في النسك, فشروعه في نسك الحج صحيح, وعليه فدية بناء على القول بأن تارك الواجب تلزمه فدية, وأما أن نقول: لا يصح, ففيه نظر؛ المذهب يصح إدخال الحج على العمرة فيما إذا ساق الهدي وإلا فلا, لكن الصواب أنه لا فرق بين من ساق الهدي ومن لم يسق الهدي.

ومن فوائد هذا الحديث: أن جميع المناسك لا تشترط لها الطهارة السعي, الوقوف, المبيت, الرمي, لكن الأفضل أن يفعلها على طهارة.

فإن قال قائل: كيف تقولون السعي, وقد قال النبي - عليه الصلاة والسلام -: «ولا بين الصفا والمروة»؟

قلنا: إن العلة في عدم صحة السعي هي أنه لم يسبقه طواف؛ ولذلك أنبه هنا على مسألة يفعلها بعض أهل مكة, وهي أنهم يحرمون بالحج من بيوتهم ثم يذهبون إلى البيت ويطوفون, ثم يسعون سعي الحج, وهذا لا يصح, يعني: السعي: هنا لا يصح؛ لأنه وقع بعد طواف وليس بنسك فإن السعي إنما يكون بعد طواف النسك, إما طواف الإفاضة, وإما طواف القدوم, وهؤلاء ما قدموا, هؤلاء هم أهل مكة, وهؤلاء يقال لهم: أعيدوا السعي؛ لأن سعيكم الأول لم يصح.

فإن قال قائل: في أن الحائض لا تطوف بالبيت؟___

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (1/ 403)

فالجواب: أن العلماء اختلفوا في ذلك, فمنهم من قال: إنه لا يصح طواف الحائض؛ لأن من شرط الطواف الطهارة, وهذه لم تكن طاهرة, فلا يصح طوافها, وعلى هذا القول لا يصح طوافها بأي حال من الأحوال حتى عند الضرورة لا يصح أن تطوف؛ لأن من شرط الطواف الطهارة, وهذه يمكنها أن تأتي بالشرط إذا طهرت.

وبناء على هذا القول لو حاضت امرأة قبل طواف الإفاضة وكان رفقتها لا يمكن أن ينتظروها ولا محرمها, وإذا عادت إلى بلدها لا يمكنها أن ترجع إما لمنع الحكومات, وإما لمشقة الرجوع لئلا تجد محرمًا, وإما لمشقة الرجوع بألا تجد مالًا حكم هذه بين أمرين: إما أن تبقى على إحرامها دائمًا وهو المذهب؛ بمعنى: أنها تبقى على ما بقي من إحرامها, وهو التحلل الثاني تبقى إن كانت ذات زوج فهي حرام على زوجها, وإن لم تكن ذات زوج فحرام عليها أن تتزوج, بناء على أن عقد النكاح بعد التحلل الأول حرام, وإن كان في هذا خلاف وفيه نظر, لكن الكلام على المعروف ولا يمكنها أن تتحلل بالحصر؛ لأن الحصر عندهم خاص بحصر العدو, وتبقى المسألة مشكلة - حرج لا نظير له - أو يقال على قول آخر على القول بأن الحصر يكون حصر عدو, وحصر مرض, وحصر ضياع نفقة, أو حصر كسر, المهم الحصر يكون لكل عذر يمتنع معه إتمام النسك, على هذا القول يقولون: تكون محصرة, وكيف تعمل؟ تذبح هديًا في مكان الإحصار بمكة وتتحلل, لكنها لم تؤد الحج, لماذا؟ لأنه فاتها منه ركن فيكون الحج غير تام, فتبقى المسكينة خصوصًا إذا كان حجها فريضة فتبقى لم تؤد الفريضة, لكن شيخ الإسلام رحمه الله قال: ليست العلة اشتراط الطهارة؛ لأن اشتراط الطهارة في الطواف ضعيف؛ إذ إن هذا مستنده ما روي عن ابن عباس رضي الله عنها: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام».

وهذا الحديث لا يمكن أن يصح مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يصح - معناه غير صحيح - إذا قلنا: الطواف بالبيت صلاة إلا الكلام؛ فيقال: هذا غير صحيح, هناك أشياء كثيرة مستثناة مثل التكبير في أوله قراءة الفاتحة, عدم الاتجاه للقبلة, الحركة الكثيرة, وأشياء كثيرة مستثناة, فالحديث لا يصح عن الرسول - عليه الصلاة والسالم -, ثم إن قوله: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام» يمكن أن يحمل على أنه بمثابة الصلاة في الأجر وأخص منها؛ لأنه خاص بالكعبة.___

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (1/ 404)

فعلى كل حال: القول بأن الطهارة في الطواف شرط لا يصح؛ لأن هذا يحتاج إلى دليل واضح تبطل به عبادات خلق الله, لكن لا شك أن الطهارة في الطواف أفضل وأولى:

أولًا: لأنه سيأتي بعد الطواف مباشرة صلاة ركعتين, وهذه يشترط لها الطهارة بالاتفاق.

وثانيًا: احتياطًا لأن أكثر العلماء على وجوب الطهارة, فيقول شيخ الإسلام: لا دليل على اشتراط الطهارة في الطواف, وذكر له أدلة كثيرة في كتاب المناسك من أحب أن يراجعها فليفعل, لكنه قال: إن العلة هو مكثها في المسجد؛ لأن مكثها في المسجد حرام, وإذا كانت العلة هي مكثها في المسجد واضطرت المرأة للمكث في المسجد صار مكثها حلالًا, كما لو خافت على نفسها لو بقيت خارج المسجد ودخلت احتماءً بالمسجد هذا جائز ولا إشكال فيه, لكن يلزمها أن تستنثر بثوب؛ يعني: تحتشي به وتتحفظ لئلا يسيل دمها مع الحركة فيلوث المسجد, ودم الحيض نجس قليله وكثيره, وما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله هو الأولى.

وبناء على رأيه رحمه الله نقول: المرأة التي حاضت قبل طواف الإفاضة ولا يمكنها أن ترجع, نقول: استفثري بثوب وطوفي, فإن أتاها الحيض بعد الطواف وقبل السعي هل فيه إشكال؟ لا, حتى مع البنايات الأخيرة الآن واتصال المسعى بالمسجد فإنه لا حرج عليها؛ لأن المسعى الآن ليس من المسجد, يعني: لم يدخل في المسجد أولًا من حيث شكل البناء, الطابق الأعلى تميزه بين؛ لأنه محجوز بشباك ولا تدخل إلا من درج معينة أسفل أيضًا محجوز, ففيه العتبة الكبيرة التي بين المسجد وبين المسعى, ثم على فرض أنه أدخل هل يسوغ أن يدخل في المسجد ويجعله له أحكامه وهومشعر مستقل لقوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158]؟ وإذا أدخلناه المسجد لزم من ذلك أن تمنع الحائض منه, أن تمنع الحائض من السعي, وأن يصح الاعتكاف فيه, وأن يترتب عليه جميع أحكام المسجد فكيف نضمه إلى مسجد؟

وعلى كل حال: المجمع الفقهي حسب ما سمعنا عنهم إنهم أجمعوا إلا اثنين على أنه ليس من المسجد, وعلى هذا يجوز للحائض إذا حاضت بعد الطواف أن تسعى؛ ويحرم على المعتكف أن يخرج إلى المسعى, اللهم إلا إذا كان على وجه المرور لقضاء الحاجة أو ما أشبه ذلك؛ لأنه كالشارع تمامًا بالنسبة للمسجد.

ومن فوائد هذا الحديث: فيما أشرنا إليه من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم».

ومن فوائده: أنه ينبغي للإنسان أن يسلي المصاب بذكر ما كان مثل مصيبته أو أشد؛ لأن هذا لا شك أن يسلي, فلو أصيب شخص في حادث وحزن له أخوه وكان قد أصيب مثله في___

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (1/ 405)

حادث آخر مثل هذا الحادث أو أشد؛ فهنا يحسن أن نقول: ولقد جرى مثل هذا أو أشد قبل أيام أو ما أشبه ذلك على شخص صار له كذا وكذا؛ لأن هذا يبرد حرارة المصيبة ويهونها على الإنسان, والإنسان بشر والطبيعة واحدة, نأخذه من قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعائشة: «إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم».

ويستفاد أيضًا من هذه الجملة: أن هذا الحيض دم طبيعة وليس دم عقوبة كما قال بعض العلماء أنه عوقبت به نساء بني إسرائيل, فإن هذا الحديث يدل على أنه دم طبيعة مكتوب على بنات آدم كلهن.

خلاصة ما سبق: سبق لنا أن العلماء - رحمهم الله - اختلفوا في اشتراط الطهارة للطواف, وأن منهم من قال: إنها شرط في صحته, ومنهم من قال: إنها ليست بشرط في صحته, والقول الراجح: أنها ليست بشرط, وأنه يجوز للإنسان أن يطوف وهي على حدث أصغر, وذكرنا دليل من قال بالوجوب, والاشتراط؛ وأجبنا عنه؛ لأنه لا يمكن أن يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم لا طردًا ولا عكسًا, لا طردًا يجب فيه ما يجب في الصلاة من التكبير, والقراءة, واستقبال القبلة وغير ذلك؛ ولا عكسًا لأنه يجوز فيه ما لا يجوز في الصلاة من التكبير, والقراءة, واستقبال القبلة وغير ذلك؛ ولا عكسًا لأنه يجوز فيه ما لا يجوز في الصلاة من غير الكلام, فيجوز فيه الأكل والشرب ولا يبطله الضحك, وجميع مكروهات الصلاة لا تكره فيه, فالصواب: أنه لا يشترط فيه - أي: في الطواف - الطهارة, ولكن لا شك أن الأولى ألا يطوف الإنسان إلا على طهارة, [وذلك للآتي]:

أولًا: مراعاة لأكثر العلماء.

ثانيًا: أنه بعد الطواف سيصلي ركعتين, لابد أن يكون طاهرًا إذا صلى ركعتين.

ومن فوائد الحديث: وقد سبق في الحديث الذي قبله أن الإيمان يزيد وينقص, وأظن أننا لم نتكلم عليه كثيرًا, والقول الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص, وأنه يزيد من وجوه ثلاثة: من جهة اليقين, ومن جهة القول, ومن جهة الفعل:

من جهة اليقين: فإن الإنسان يزداد يقينه كلما قويت عنده الأدلة؛ ولهذا قال إبراهيم - عليه الصلاة والسلام -: {رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260]. ولأن الإنسان نفسه أحيانًا يكون عنده من اليقين ما يجعله كأنما يشاهد يوم القيامة, وأحيانًا تستولي عليه الغفلة ولا يكون عنده مثل هذا اليقين, والصحابة - رضي الله عنهم - أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم أنهم إذا كانوا عنده كأنما يرون الشيء عينًا, وإذا عاسفوا الأهل والأولاد لم يكونوا على هذه الحال, فأخبرهم بأنهم لو كانوا مثل ما كانوا عنده لصافحتهم الملائكة في الأسواق.____

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (1/ 406)

يزيد أيضًا من جهة القول: فمن يسبح الله مائة مرة أزيد إيمانًا ممن لا يسبحه إلا خمسين مرة.

ويزيد أيضًا بالفعل: فكلما كثرت الخطا إلى المسجد كان أعظم أجرًا وهكذا الزيادة, فالمهم أن أهل السنة والجماعة يرون أن الإيمان يزيد وينقص من وجوه ثلاثة: اليقين, والقول, والفعل, وخالفهم في هذا طائفتان: المرجئة, والوعيدية.

المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص, لا يزيد بالطاعة, ولا ينقص بالمعصية, وأن أفسق الناس وأقوم الناس على حد سواء في الإيمان, وغالى بعضهم وقال: إن الإيمان مجرد المعرفة كما هو مذهب الجهمية مجرد أن يعرف الإنسان ربه فهو مؤمن ولا شك أن هذا قول باطل, فإنه ينتقض عليهم بإبليس, فإنه كان يعرف ربه ويدعو ربه, ومع ذلك فهو كافر ليس عنده إيمان.

والطائفة الثانية: الوعيدية من المعتزلة والخوارج قالوا: لا يمكن أن يزيد وينقص, فمن فعل معصية من الكبائر فهو كافر, ومن فعل دون الكبائر فهو مؤمن كامل الإيمان, لا ينقص إيمانه, فجعلوا الإيمان إما كاملًا مطلقًا, وإما كفرًا, ففاعل الكبيرة عندهم غير مؤمن, لكن الخوارج أشجع من المعتزلة, الخوارج قالوا: كافر ولا يبالون.

والمعتزلة قالوا: بمنزلة بين منزلتين, أما أهل السنة والجماعة فأخذوا بالأدلة كلها من جميع الجوانب وقالوا: الإيمان يزيد وينقص؛ لكن نقص الإيمان - كما سبق - ينقسم إلى قسمين: قسم يلام عليه العبد, وقسم لا يلام عليه, فما كان بغير إرادة أو كان غير واجب فإنه لا يلام عليه, وما كان واجبًا ونقصه بإرادته واختياره فإنه يلام عليه,

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث 266-267

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام