شرح الحديث (الترغيب في تخليل الأصابع، والترهيب من تركه وترك الإسباغ إذا أخلَّ بشيء من القدر الواجب) من صحيح الترغيب

 

218 - (3) [حسن صحيح] وعن عبد الله بن مسعود _رضي الله عنه_، قال:

قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

"لتَنْهَكُنَّ (3) الأصابعَ بالطّهورِ، أو لتَنْهَكنّها (3) النارُ".

[صحيح موقوف] رواه الطبراني في "الأوسط" مرفوعاً، ووقفه في "الكبير" على ابن مسعود بإسناد، والله أعلم.

[صحيح لغيره موقوف] وفي رواية له في "الكبير" موقوفة قال:

خللوا الأصابعَ الخمسَ؛ لا يحشوها الله ناراً.

قوله: (لتنهكنَّها) أي: لتبالغنّ في غسلها، أو لتبالغنّ النار في إحراقها.

و (النَّهكَ): المبالغة في كل شيء.

__________

(3) الأصل: (لتَنْتَهِكُنَّ)، وأيضاً (لتَنْتَهكَنَّها)، وهو تصحيف كما حققه الشيخ الناجي في "عجالة الإملاء"، وعلى الصواب وقع في "مجمع البحرين" تحقيق عبد القدوس نذير، ونسخة (ب) من مخطوطة "الترغيب" كما في هامشِ الطبعة الجديدة منه تعليق الثلاثة، ولكنهم لجهلهم أثبتوا التصحيف! والتفصيل في "الصحيحة" (3489). وانظر التعليق الآتى (12 - الجهاد/ 14 - باب/ 26 - حديث).

 

ترجمة عبد الله بن مسعود _رضي الله عنه_:


قال الزركلي _رحمه الله_ في "الأعلام" (4/ 137)

ابن مَسْعُود

(000 - 32 هـ = 000 - 653 م)

عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن: صحابي. من أكابرهم، فضلا وعقلا، وقربا من رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو من أهل مكة، ومن السابقين إلى الإسلام، وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة. وكان خادم رسول الله الامين، وصاحب سره، ورفيقه في حله وترحاله وغزواته، يدخل عليه كل وقت ويمشي معه. نظر إليه عمر يوما وقال: وعاء ملئ علما. وولي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بيت مال الكوفة.

ثم قدم المدينة في خلافة عثمان، فتوفي فيها عن نحو ستين عاما. وكان قصيرا جدا، يكاد الجلوس يوارونه. وكان يحب الإكثار من التطيب. فإذا خرج من بيته عرف جيران الطريق أنه مر، من طيب رائحته. له 848 حديثا.


نص الحديث وشرحه:

 

وعن عبد الله بن مسعود _رضي الله عنه_، قال:

قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

"لتَنْهَكُنَّ الأصابعَ بالطّهورِ، أو لتَنْهَكنّها النارُ".[1]

 

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَتُنْتَهَكَنَّ الْأَصَابِعُ بِالطَّهُورِ، أَوْ لَتَنْتَهِكَنَّهَا النَّارُ»

 

وفي "مصنف عبد الرزاق الصنعاني" (1/ 22):

"عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «لَيَنْتَهِكَنَّ رَجُلٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فِي الْوُضُوءِ - أَوْ لَيَنْتَهِكَنَّهُ النَّارُ -»

 

وفي "الطُّهُوْرِ" للقاسم بن سلام (ص: 386):

عَنْ هُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «لَيُنْهِكُنَّ مَا بَيْنَ أَصَابِعِهِمْ بِالطَّهُورِ، أَوْ لَيُنْهِكَنَّهَا النَّار»

 

قال الهيتمي _رحمه الله_ في "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (1/ 209):

"وَفِي الْكَبِيرِ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ___حَسَنٍ بِلَفْظِ: «لَتَنْهَكُنَّ الْأَصَابِعَ بِالطَّهُورِ أَوْ لَتَنْهَكُنَّهَا النَّارُ»

النَّهْكُ: الْمُبَالَغَةُ: أَيْ لَتُبَالِغُنَّ فِي غَسْلِهَا أَوْ لَتُبَالِغَنَّ النَّارُ فِي إحْرَاقِهَا، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ فِي الْكَبِيرِ مَوْقُوفًا: «خَلِّلُوا الْأَصَابِعَ الْخَمْسَ لَا يَحْشُوهَا اللَّهُ نَارًا» .

وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:

أَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا لَمْ يَغْسِلْ عَقِبَيْهِ فَقَالَ: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» ،

وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يَتَوَضَّئُونَ مِنْ الْمِطْهَرَةِ فَقَالَ: أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ فَإِنِّي سَمِعْت أَبَا الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ، أَوْ وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنْ النَّارِ»." اهـ

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

بيّن هذا الحديثُ عظيم العناية بإسباغ الوضوء وإيصال الماء إلى جميع أعضاء الطهارة، ومن ذلك: تخليل أصابع اليدين والرجلين حتى يصل الماء إلى ما بينها، فإن كثيرًا من الناس قد يغفل عن ذلك، فلا يعم الماء جميع المواضع الواجبِ غَسْلُها.

 

فقوله: «لتنهكنَّ الأصابع بالطهور» معناه: لتبالغنَّ في غسل الأصابع وتخليلها وإيصال الماء إلى ما بينها مبالغةً تامة، حتى لا يبقى منها موضع لم يصبه الماء.

 

وقوله: «أو لتنهكنها النار» وعيد شديد لمن فرَّط في الطهارة الواجبة، فأهمل غَسْلَ ما يجب غَسْلُهُ، فإنّ مَنْ ترَكَ واجبًا من واجبات الوضوء، استحق الوعيد، وهذا من باب الزجر والتخويف من التقصير في الطهارة.

 

وجاء في الرواية الأخرى: «خللوا الأصابع الخمس؛ لا يحشوها الله نارًا»، أي: داوموا على تخليل أصابعكم وإسباغ الوضوء؛ رجاء السلامة من عذاب الله، فإن الطهارة الكاملة سببٌ للنجاة، والتفريط فيها سببٌ للعقوبة.

 

فالحاصل: أن هذا الحديث يحث على إسباغ الوضوء، وإحكام غسل الأصابع وتخليلها، وعدم التساهل في شيء من أعضاء الطهارة، لأن الوضوء شرط لصحة الصلاة، ولا يتم إلا بإيصال الماء إلى جميع المواضع التي أمر الله بغسلها.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (3/ 122) (رقم: 2674):

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ: نا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ قَالَ: نا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي مِسْكِينٍ، عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَتُنْتَهَكَنَّ الْأَصَابِعُ بِالطَّهُورِ، أَوْ لَتَنْتَهِكَنَّهَا النَّارُ»

لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ إِلَّا شَيْبَانُ

 

وأخرجه موقوفا: مصنف عبد الرزاق الصنعاني (1/ 22) (رقم: 68)، الطهور للقاسم بن سلام (ص: 386) (رقم: 385)، مصنف ابن أبي شيبة (1/ 19) (رقم: 86)، المعجم الكبير للطبراني (9/ 246) (رقم: 9211_9212)

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (7/ 1430) (رقم: 3489)

 

من فوائد الحديث:

 

وقال عبد الرؤوف بن تاج العارفين الحدادي القاهري، الشهير بـ"الْمُنَاوِيّ" (المتوفى: 1031 هـ) _رحمه الله_ في "فيض القدير" (5/ 263):

"وهذا وعيد شديد على عدم إيصال الماء لما بين الأصابع." اهـ

 

قال أحمد بن محمد بن علي بن حجر السعدي الأنصاري، المعروف بـ"الهيتمي" (المتوفى: 974 هـ) _رحمه الله_ في "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (1/ 209):

"بَابُ الْوُضُوءِ (الْكَبِيرَةُ الثَّانِيَةُ وَالسَّبْعُونَ: تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الْوُضُوءِ)." اهـ

 

وقال أحمد بن محمد بن علي بن حجر السعدي الأنصاري، المعروف بـ"الهيتمي" (المتوفى: 974 هـ) _رحمه الله_ في "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (1/ 211):

"تَنْبِيهٌ: اُسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ التَّوَعُّدُ الشَّدِيدُ عَلَى مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ وَاجِبِ غَسْلِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ، وَيُقَاسُ بِهِ بَقِيَّةُ وَاجِبَاتِ الْوُضُوءِ،

فَيَدْخُلُ ذَلِكَ فِي حَدِّ الْكَبِيرَةِ السَّابِقِ بِأَنَّهُ مَا تَوَعَّدَ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ عَدَدْتُ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِرِ وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ سَبَقَنِي لِذَلِكَ، لِأَنَّ أَحَدَهُمْ شَامِلٌ لَهُ عَلَى أَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ - أَعْنِي الْوَاجِبَ إجْمَاعًا أَوْ بِالنِّسْبَةِ لِاعْتِقَادِ التَّارِكِ - يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الصَّلَاةِ، فَيَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِمْ الْآتِي: إنَّ تَرْكَهَا كَبِيرَةٌ." اهـ

 

وقال محمد بن إسماعيل الحسني، الكحلاني، المعروف بـ"الأمير الصنعاني" (المتوفى: 1182 هـ) _رحمه الله_ في "التنوير شرح الجامع الصغير" (9/ 32):

"وهو إعلام بإيجاب تنظيف الأصابع، وخَصَّها وإن كان غَسْلُ أعضاءِ الوضوءِ كلِّها واجبا، لأنه قد يتساهل في تخليلها." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

في هذا الحديث فوائد جليلة، ومن تأمله، ظهر له ما اشتمل عليه من تعظيم أمر الطهارة، وفيما يأتي جملة من فوائده:

1 – فيه: وجوب العناية بإسباغ الوضوء،

فإن الشرع قد أمر بإتمام الطهارة، وإحكام غسل الأعضاء، إذ لا تصح العبادة إلا باستيفاء ما أوجبه الله _تعالى_.

2 – فيه: مشروعية تخليل الأصابع، بل قد يتعين إذا لم يصل الماء إلى ما بينها، إلا به، لأن ما لا يتم الواجب، إلا به، فهو واجب.

3 – فيه: أن الشريعة جاءت بسد ذرائع التقصير،

فإن الأمر بتخليل الأصابع إنما هو احتياط لإيصال الماء إلى جميع المحل، لئلا يبقى منه شيء لم تصبه الطهارة.

4 – فيه: أن الوعيد يدل على عظم الذنب،

فإن اقتران ترك تخليل الأصابع بالوعيد بالنار يدل على أن التفريط في الطهارة ليس بالأمر الهيّن إذا ترتب عليه ترك واجب.

 

5 – فيه: أن الأعمال الظاهرة لها أثر في النجاة والعقوبة،

فإن إحكام الطهارة سبب لرضوان الله، والتفريط فيها سبب لاستحقاق الوعيد.

6 – فيه: إثبات قاعدة أن الجزاء من جنس العمل،

فلما قصّر العبد في تطهير أعضائه بالماء، هُدِّد بأن تمسها النار، فكان الجزاء مناسبًا للعمل.

7 – فيه: أن الشارع يرغب ويرهب،

فإنه يجمع بين الأمر بالفعل والترهيب من تركه، لتستقيم النفوس على الطاعة رغبةً ورهبةً.

8 – فيه: وجوب إيصال الماء إلى جميع المواضع المأمور بغسلها، فلا يكفي جريان الماء على ظاهر العضو إذا بقي بعضه لم يصبه الماء.

9 – فيه: أن العبرة بحقيقة الامتثال، لا بصورة العمل، فقد يغسل المرء أعضاءه، ومع ذلك لا يكون قد أتى بالوضوء المشروع إذا ترك بعض المواضع الواجبة.

10 – فيه: أن المسلم مأمور بإحسان عبادته،

فإن الله _تعالى_ يحب من عبده أن يأتي بالعبادة على وجهها الأكمل، بعيدًا عن الإهمال والتقصير.

11 – فيه: أن الطهارة من شعائر الإسلام العظيمة،

ولذلك اعتنى الشرع بتفاصيلها، حتى أرشد إلى ما بين الأصابع، مع خفاء ذلك الموضع.

12 – فيه: أن الشريعة راعت خفيَّ الأعضاء كما راعت ظاهرها،

فلم تقتصر على غسل الظاهر، بل أمرت بإيصال الماء إلى المواضع التي قد يغفل عنها الناس.

13 – فيه: الحث على محاسبة النفس في العبادات،

فإن العاقل يفتش عبادته قبل الفراغ منها، خشية أن يكون قد ترك منها ما يفسدها أو ينقصها.

14 – فيه: أن اليسير الذي يُتسامح فيه الناس قد يكون عظيمًا عند الله، فموضع ما بين الأصابع موضع صغير، ومع ذلك جاء الشرع بالأمر بالعناية به، تنبيهًا على أن أوامر الله كلها عظيمة.

15 – فيه: أن من كمال الفقه معرفةَ دقائق أحكام الطهارة، فإن الطهارة مفتاح الصلاة، ولا يستغني طالب العلم عن إتقان مسائلها وفروعها.

16 – فيه: أن المحافظة على السنن سبب لكمال الفرائض،

فإن من اعتاد تخليل الأصابع وإسباغ الوضوء كان أبعد عن الوقوع في ترك الواجب، وأقرب إلى إحسان العبادة وإتمامها.

 



[1] (لتنهكنَّ الأصابع بالطهور)، اللام: لام الأمر المؤكد. لتنهكنَّ: أي لتبالغنَّ غاية المبالغة في غسل الأصابع وتخليلها. بالطَّهُوْرِ: أي بالماء الذي تتطهرون به في الوضوء. (أو لتنهكنها النار)، أي: أو لتبالغنَّ النار في إحراقها إن استحققتم العقوبة بسبب التفريط في الطهارة الواجبة. وهذا وعيد شديد للتخويف والزجر. والنَّهْك: هو: المبالغة في الشيء حتى يبلغ غايته. فيقال: نهكه المرض، أي بلغ منه مبلغًا شديدًا.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ