شرح الحديث 260 (باب التحاب بين الناس) من الأدب المفرد
|
131- باب التحاب بين الناس 260 -
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ
سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ، عَنْ
جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ
النَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، قَالَ: "وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُسْلِمُوا، وَلَا
تُسْلِمُوا حَتَّى تَحَابُّوا، وَأَفْشُوا السَّلَامَ، تَحَابُّوا، وَإِيَّاكُمْ
وَالْبُغْضَةَ، فَإِنَّهَا هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ لَكُمْ: تَحْلِقُ
الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ." حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ مِثْلَهُ [قال الشيخ
الألباني: حسن لغيره] |
رواة الحديث:
*
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ (صدوق:
ت 226 هـ):
إسماعيل بْنُ عبدِ
اللهِ (أبي أويس) بْنِ عبْدِ اللهِ بْنِ أُويْس بْنِ مَالِك بْنِ أبى عامر
الأصبحي، أبو عبد الله بن أبى أويس المدني (ابن أخت الإمام مالك)، روى له: خ م د ت ق
* قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي (ثقة:
ت. 202 هـ):
عبد الحميد بن عبد الله (أبى أويس) بن عبد الله بن
أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو بكر بن أبي أويس المدني الأعشى، من صغار
أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س
* عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ (ثقة:
ت. 177 هـ):
سليمان بن بلال القرشي التيمي
مولاهم، أبو محمد (ويقال: أبو أيوب)، المدني (وهو والد أيوب بن سليمان بن
بلال)، من الوسطى من أتباع التابعين، روى له: خ م
د ت س ق
* عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ (صدوق)
إبراهيم بن أبى أسيد البرَّاد
المدني، من كبار أتباع التابعين، روى له : بخ
د
* عَنْ جَدِّهِ (مجهول):
قال ابن كثير _رحمه الله_ في "التكميل في الجرح
والتعديل ومعرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل" (4/ 139) (رقم: 2621):
"(بخ د) إبراهيم بن أبي أَسِيد البَرَّاد: عن:
جَدِّه عن أبي هريرة: «إياكم والبغضة وإياكم والحسد». قال شيخنا: (إن لم يكن
جَدُّه سالم بن عبد الله البرَّاد مولى القرشيين، فلا أدري من هو)." اهـ[1]
وللحديث شواهد يتقوى بها.
* عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (صحابي:
ت. 57 هـ):
عبد الرحمن بن صخر، أبو هريرة الدوسي اليماني، روى له: خ
م د ت س ق
ثم قال المؤلف _رحمه الله_ في آخر الحديث
بعد إيراد لفظه:
* حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ
اللَّهِ
(صدوق يخطىء):
محمد بن عبيد بن ميمون القرشي التيمي مولاهم، أبو عبيد بن أبى عباد التَّبَّانِ المدني،
من كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خ ق
* قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ (ثقة:
ت. 200 هـ):
أنس بن عياض بن ضمرة (ويقال: أنس بن عياض بن جعدبة، ويقال:
أنس بن عياض بن عبد الرحمن الليثي، أبو ضمرة المدني، المولود: سنة 104 هـ، من
الوسطى من أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س
ق
* عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ
مِثْلَهُ (سبق ذكره).
نص الحديث:
اذكر لنا المعنى الإجمالي لهذا الحديث: عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، قَالَ:
"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَدْخُلُوا
الْجَنَّةَ حَتَّى تُسْلِمُوا، وَلَا تُسْلِمُوا حَتَّى تَحَابُّوا، وَأَفْشُوا السَّلَامَ،
تَحَابُّوا،
وَإِيَّاكُمْ وَالْبُغْضَةَ، فَإِنَّهَا هِيَ
الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ لَكُمْ: تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ
الدِّينَ."
على ضوء رواياته الآتية:
وفي "صحيح مسلم" (1/ 74):
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى
تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ،
تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»
وفي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (2/ 391) (9084):
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ، قَالَ:
«لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا،
وَلَا تُؤْمِنُونَ حَتَّى تَحَابُّوا، أَلَا أَدُلُّكُمْ
عَلَى رَأْسِ ذَلِكَ، أَوْ مِلَاكِ ذَلِكَ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ
بَيْنَكُمْ»
وقال القرطبيّ في "المفهم" (1/ 242):
"الإيمان المذكور أولًا هو التصديق الشرعيّ
المذكور في حديث جبريل عليه السلام، والإيمان المذكور ثانيًا هو الإيمان العمليّ
المذكور في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الإيمان بضع وسبعون شعبةً"،
ولو كان الثاني هو الأول للزم منه أن لا يدخل الجنّة مَن أبغض أحدًا من المؤمنين،
وذلك باطلٌ قطعًا، فتعيّن التأويل الذي ذكرناه. انتهى
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن
الحجاج (2/ 289)
معنى إفشائه: إظهاره، وإشاعته، وإقراؤه على المعروف
وغير المعروف، قاله القرطبيّ.
وقال السنديّ:
"والمراد: نشر السلام بين الناس؛ ليُحيُوا سنته _صلى
الله عليه وسلم_، قال النوويّ: أقلّه أن يرفع صوته بحيث يُسْمِعُ المسلَّمَ عليه،
فإن لم يُسمعه، لم يكن آتيًا بالسنّة، ذكره السيوطيّ في "حاشية أبي
داود" في شرح هذا اللفظ.
قال السنديّ:
ظاهره أنه حمل الإفشاء على رفع الصوت به، والأقرب
حمله على الإكثار. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأَوْلى حمله على
المعنيين؛ إذ لا تنافي بينهما، فيكون المراد بالإفشاء رفع الصوت بالسلام وإكثاره
بين الناس، والله تعالى أعلم." اهـ
قال شرف الدين الحسين بن عبد
الله الطيبي (743 هـ) _رحمه الله_ في "الكاشف
عن حقائق السنن" (2/ 3038):
"اعلم أنه تعالى جعل السلام سببًا للمحبّة،
والمحبّة سببًا لكمال الإيمان؛ لأن إفشاء السلام سبب للتحابّ والتوادّ، وهو سبب
الأُلفة والجمعيّة بين المسلمين المسبب لكمال الدين، وإعلاء كلمة الإسلام،
وفي التهاجر والتقاطع والشحناء التفرقة بين المسلمين،
وهو سبب لانثلام الدين، والوهنِ في الإسلام، وجَعْل كلمة الذين كفروا الْعُلْيَا،
قال الله عز وجل: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ
قُلُوبِكُمْ} الآية [آل عمران: 103]." اهـ
وفي "سنن الترمذي" – ت. شاكر (4/ 663):
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ _صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَسُوءَ
ذَاتِ البَيْنِ، فَإِنَّهَا الحَالِقَةُ»
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ،
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (وَسُوءَ ذَاتِ البَيْنِ)،
إِنَّمَا يَعْنِي: العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ. وَقَوْلُهُ: (الحَالِقَةُ)،
يَقُولُ: إِنَّهَا تَحْلِقُ الدِّينَ." اهـ[2]
المعنى الإجمالي للحديث:
بيّن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أصلاً
عظيماً من أصول بناء المجتمع المسلم، وهو أن الإيمان
الصحيح يثمر المحبة بين المؤمنين، وأن هذه المحبة من أعظم الأسباب الموصلة
إلى دخول الجنة.
فأقسم صلى الله عليه وسلم بربه تأكيداً لعظم هذا
الأمر، فقال: «والذي نفسي بيده»، ثم أخبر أن دخول الجنة لا يكون إلا بالإيمان، كما
جاءت الرواية الصحيحة في صحيح مسلم: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى
تحابوا»، فالإيمان الكامل الذي يستحق صاحبه به دخول الجنة يقتضي وجود المحبة
الإيمانية بين المسلمين.
ثم أرشد صلى الله عليه وسلم إلى وسيلة عملية عظيمة
تُنمِّي هذه المحبة وتُثبِّتها، وهي إفشاء السلام بين المسلمين، لأن السلام شعار
الإسلام، ودعاء بالأمن والرحمة والبركة، وهو سبب لانشراح الصدور، وإزالة الوحشة،
وتقوية روابط الأخوة، ولذلك قال: «أفشوا السلام بينكم»، وفي بعض الروايات: «ألا
أدلكم على رأس ذلك أو ملاك ذلك؟ أفشوا السلام بينكم»، أي: هذا من أعظم ما يجمع
القلوب ويؤلفها.
ثم حذَّر صلى الله عليه وسلم من ضد ذلك، وهو البغضاء
وسوء ذات البين، لأن العداوة والشحناء تفسد القلوب، وتمزق جماعة المسلمين، وتقطع
أواصر الأخوة، فقال: «وإياكم والبغضة، فإنها هي الحالقة»،
وفي رواية الترمذي: «إياكم وسوء ذات البين، فإنها
الحالقة»،
ثم بيَّن المقصود بالحالقة حتى لا يُظن أنها حلق
الشعر، فقال: «لا أقول لكم: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين»، أي: تستأصل الدين أو
تنقصه نقصاً شديداً بما تؤدي إليه من الظلم، والهجر، والغيبة، والنميمة، وقطيعة
الرحم، والتدابر، وسائر الآثام التي تنشأ عن البغضاء.
فدلَّ مجموع الروايات على أن كمال الإيمان، واستقامة
المجتمع المسلم، ودخول الجنة إنما يكون بتحقيق الأخوة الإيمانية، وإظهار السلام،
واجتناب كل ما يورث العداوة والشحناء، فإن صلاح ذات البين من أعظم القربات،
وفسادها من أعظم أسباب فساد الدين والدنيا.
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص: 100)
(رقم: 260)،
وأخرج الشطر الأول منه: البخاري
في "الأدب المفرد" (ص: 340) (رقم: 980)، ومسلم في "صحيحه" (1/
74/ 93) (رقم: 54)، وأبو داود في "سننه" (4/ 350) (رقم: 5193)، والترمذي
في "سننه" – ت. شاكر (5/ 52) (رقم: 2688)، وابن ماجه في
"سننه" (1/ 26 و 2/ 1217) (رقم: 68 و 3692)، وأحمد في "مسنده"
– ط. عالم الكتب (2/ 391 و 2/ 442 و 2/ 477 و 2/ 495 و 2/ 512) (رقم: 9084 و 9709
و 10177 و 10431 و 10650)، وابن أبي شيبة في " "المصنف" (5/ 248)
(رقم: 25742)، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" (1/ 372 و 1/ 459) (رقم: 385
و 534)، ومحمد بن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (1/ 448) (رقم: 462_463)،
وأبو بكر بن الخلاّل في "السنة" (5/ 24 و 5/ 40) (رقم: 1513 و 1559)، وأبو
عوانة في "المستخرج" – ط. الجامعة الإسلامية (1/ 264) (رقم: 151)، وابن
الأعرابي في "المعجم" (2/ 517) (رقم: 1002)، وابن حبان في
"صحيحه" (1/ 471) (رقم: 236)، والطبراني في "مسند الشاميين"
(3/ 305) (رقم: 2340)، وابن بَطَّة في "الإبانة الكبرى" (2/ 663) (رقم: 859)،
وابن منده في "الإيمان" (1/ 462_464) (رقم: 328_334)، واللالكائي في
"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (5/ 986) (رقم: 1652)، وابن بِشْران
في "الأمالي" - الجزء الأول (ص: 169) (رقم: 387)، وغيرهم.
وأخرج الشطر الثاني منه: سنن
الترمذي ت شاكر (4/ 663) (رقم: 2508)، مساوئ
الأخلاق للخرائطي (ص: 247) (رقم: 526).[3]
من فوائد الحديث:
المسالك في شرح موطأ مالك (7/ 267):
"وقد تقدَّمَ حديث أبي الدَّرداء: البِغضَةَ
حالقةُ الدِّينِ؛ لأنّها تبعث على الغِيبَة، وسَتْرِ المحاسن، وإظهار المساويء،
وربَّما أدت إلى ما هو أكثر من ذلك.
وحقيقة البغض: هي كراهية النفس للمرء وصفاته."
اهـ
الموافقات (5/ 153)
وَأَمَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
بِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ
الْحَالِقَةُ، وأنها تحلق الدين
شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3214)
فيه حث وترغيب على إصلاح ذات البين واجتناب عن الفساد
فيها؛ لأن الإصلاح سبب للاعتصام بحبل الله، وعدم التفريق بين المسلمين. وفساد ذات
البين ثلمة في الدين، فمن تعاطى إصلاحها ورفع فسادها نال درجة عند الله سبحانه
وتعالى فوق ما ينالها الصائم القائم المشتغل بخويصة نفسه. فعلى هذا ينبغي أن تحمل
الصلاة والصيام على الإطلاق والحالقة على ما يحتاج أمر الدين.
شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3215)
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه صلى الله عليه وسلم
قال: ((إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام وقيام، ويأتي قد
شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته،
وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه
ثم طرح في النار)) لإحباط الطاعات بالمعاصي، وإلا لم يكن يبقى لهذا الآتي المتعاطي
لتلك الكبائر حسنة يقضي بها حق خصمه
شرح المصابيح لابن الملك (5/ 327)
"هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن
تحلق الدين" لأنها تمنع الإنسان من فعل الخيرات والحضور في الصلاة والمحبة
الكاملة في الله؛ لأن الممتلئ صدرُه حسدًا أو بغضا لا تكمل محبته ولا يجد حلاوة
الطاعة في قلبه ولا يرضى بقضاء الله تعالى.
الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل
الشيباني (17/ 331)
افشاء السلام أي اظهاره يزيل الضغائن ويورث المحبة
والألفة كما سبق والله أعلم
كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (7/ 113)
قال النووي: السلامُ أولُ أسباب التآلف، ومفتاحُ
استجلابِ المودة، ومعنى إفشاء السلام؛ أي: نشرُه وتكثيرُه، ففي إفشائه تمكينُ ألفة
المسلمينَ بعضهم لبعض، وإظهارُ شعارهم؛ بخلاف غيرِهم من سائر الملل، مع ما فيه من
رياضة النفوس، ولزومِ التواضع، وإعظامِ حرمات المسلمين.
وفي لفظ: "ابذلوا السلام للعالم، والسلام على
مَنْ عرفتَ، ومَنْ لم تعرف" [خ م]، وهما بمعنى إفشاء السلام.
ومن ذلك لطيفةٌ أخرى: أنها تتضمن رفعَ التقاطع
والتهاجر والشحناء، وفساد ذات البين التي هي الحالقة. وأن سلامه لله تعالى لا يتبع
فيه هواه، ويخص به أحبابه." اهـ - انظر: "شرح مسلم" للنووي (2/
36).
كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (7/ 114)
قال ابن العربي فيه: (إن من فوائد إفشاء السلام
وحصولهِ المحبةَ بين المتسالمين. وكان ذلك؛ لما فيه من ائتلاف الكلمة؛ لتعم
المصلحة بوقوع المعاونة على إقامةِ شرائع الدين، وإخزاءِ الكافرين، وهي كلمة إذا
سُمعت، أخلصت القلبَ الواعيَ لها في النفور إلى الإقبال على قائلها)." اهـ - انظر:
"عارضة الأحوذي" لابن العربي (9/ 315 - 316). وانظر: "فتح
الباري" لابن حجر (11/ 18 - 19)، وعنه نقل الشارح -رحمه الله-.
فوائد الحديث :
وقال عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "فتح
الباري" (1 / 41_42):
"وإنما
يحب الرجل لأخيه ما يحب لنفسه إذا سلم من الحسد والغل والغش والحقد ،
وذلك
واجب كما قال النبي _صلى الله عليه وسلم_: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا
تؤمنوا حتى تحابوا)،
فالمؤمن
أخو المؤمن يحب له ما يحب لنفسه ويحزنه ما يحزنه كما قال _صلى الله عليه وسلم_:
"مثل
المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر
الجسد بالحمى والسهر).
فإذا
أحب المؤمن لنفسه فضيلةً من دين أو غيره، أحب أن يكون لأخيه نظيرُها من غير أن
تزول عنه، كما قال ابن عباس: (إني لأَمُرُّ بالآية من القرآن، فأفهمها، فأَوَدُّ
أن الناس كلَّهم فهموا منها ما أفهم)
وقال
الشافعي: (وددت أن الناس كلهم تعلموا هذا العلم، ولم ينسب إلي____منه شيْءٌ".
فأما
حب التفرد عن الناس بفعل ديني أو دنيوي : فهو مذموم،
قال
الله _تعالى_ : {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا
يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا} [القصص: 83]." اهـ كلام
ابن رجب _رحمه الله_
وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى:
676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (2
/ 36):
"والسلام
أول أسباب التألف، ومفتاح استجلاب المودة،
وفى
افشائه: تمكنُ ألفة المسلمين بعضهم لبعض، وإظهارُ شعارهم المميِّزِ لهم من غيرهم
من أهل الملل مع ما فيه من رياضة النفس ولزوم التواضع وإعظام حرمات المسلمين.
وقد
ذكر البخارى _رحمه الله_ فى صحيحه عن عمار بن ياسر _رضى الله عنه_ أنه قال :
"ثلاث
من جمعهن، فقد جمع الايمان : الانصاف من نفسك[4]،
وبذل السلام للعالم والانفاق من الاقتار." اهـ
وقال
أبو زكريا يحيى بن شرف النووي
(المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن
الحجاج" (2 / 36):
"وفيها
لطيفة أخرى:
وهى
أنها تتضمن رفع التقاطع والتهاجر والشحناء وفساد ذات البين التى هي الحالقة وأن
سلامه لله لا يتبع فيه هواه ولا يخص أصحابه وأحبابه به والله سبحانه وتعالى أعلم
بالصواب." اهـ
محمد بن عبد الهادي التَّتَوِيُّ، أبو الحسن، الشهير بـ"نورِ الدينِ السنديِّ" (المتوفى: 1138 هـ) في "الحاشية على سنن ابن ماجه"
(1 / 60):
"الْكَلَام
مَحْمُول عَلَى الْمُبَالَغَة فِي الْحَثّ عَلَى التَّحَابُب وَإِفْشَاء السَّلَام،
وَالْمُرَاد
لَا تَسْتَحِقُّونَ دُخُول الْجَنَّة أَوَّلًا حَتَّى تُؤْمِنُوا إِيمَانًا
كَامِلًا، وَلَا تُؤْمِنُونَ ذَلِكَ الْإِيمَان الْكَامِل حَتَّى تَحَابُّوا."
اهـ
وقال عبد الرؤوف
بن تاج العارفين الحدادي القاهري، الشهير بـ"الْمُنَاوِيّ"
(المتوفى: 1031 هـ) _رحمه الله_ في "فيض القدير"
(2 / 23):
"وفيه
مصلحة عظيمة من اجتماع قلوب المسلمين وتناصرهم وتعاضدهم، ولهذا قال بعضهم: إنه
أدفعُ للضغينة بغير مؤنة، واكتسابُ أخوةٍ بأهون عطية." اهـ
"قَالَ
الطِّيبِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ إِفْشَاءَ السَّلَامِ سَبَبًا
لِلْمَحَبَّةِ، وَالْمَحَبَّةَ____سَبَبًا لِكَمَالِ الْإِيمَانِ، وَإِعْلَاءِ
كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ،
وَفِي
التَّهَاجُرِ وَالتَّقَاطُعِ وَالشَّحْنَاءِ تَفْرِقَةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ،
وَهِيَ سَبَبٌ لِانْثِلَامِ الدِّينِ وَالْوَهَنِ فِي الْإِسْلَامِ، وَجَعْلِ
كَلِمَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْعُلْيَا،
وَقَدْ
قَالَ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ
بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103]
الْآيَةَ[5]
وقال
أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا الساعاتي (المتوفى: 1378 هـ) _رحمه الله_ في
"بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني" مع "الفتح الرباني لترتيب
مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني" (17 / 330):
"جعل
إفشاء السلام سببا للمحبة والمحبة سببا لكمال الإيمان وإعلاء كلمة الإسلام، وفي
التهاجر والتقاطع التفرقة بين المسلمين، وهى سبب لانثلام الدين والوهن في الإسلام،
وإفشاء السلام بذله للمسلمين كلهم من عرفت ومن لم تعرف، وفيه الحث العظيم على
إفشاء السلام
(قال
الحافظ) الإفشاء الاظهار، والمراد نشر السلام بين الناس ليحيوا سنته اهـ ونقل النووى عن المتولى: أنه قال يكره اذا لقي جماعة أن
يخص بعضهم بالسلام، لأن القصد بمشروعية السلام تحصيل الألفة، وفي التخصيص إيحاش
لغير من خص بالسلام." اهـ
"وفيه:
حض على ما تقدم من إفشاء السلام على من عرف ومن لم يعرف. والسلام أول درجات البر،
وأول خصال التألف، ومفتاح استجلاب المودة،
وفى
إفشائه: يمكن ألفة المسلمين بعضهم ببعض، وإظهار شعارهم المميز لهم بينهم، وإلقاء
الأمن___والطمأنينة بينهم، وهو معنى السلام، واستدراج محبة كافتهم، كما قال صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ودليل التواضع والتواصل بسبب الإسلام، لا لغرض الدنيا،
خلاف ما أنذر به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، آخر الزمان من كون السلام
للمعرفة، فيقطع سبب التواصل." اهـ
وقال
فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في
"تطريز رياض الصالحين" (1 / 256):
"فيه:
الحث على إفشاء السلام، وبذله لكل مسلم عرفته أو لم تعرفه، وفي إفشائه أُلفة
المسلمين بعضهم لبعض، وإظهار شعارهم مع ما فيه من التواضع." اهـ
وقال محمد بن أبي إسحاق البخاري
الحنفي، المعروف بـ"أبي بكر الكلاباذي" (المتوفى:
380 هـ)
_رحمه الله_ في "بحر الفوائد" (1 / 63):
"فإن
من الشكر على نعمة الإسلام مواصلة أهله وموافقتهم واجتماع الكلمة فيه، والتحاب
لأجله، وترك التقاطع، وبغي بعض على بعض، لأن من أحب شيئا، أحب أهله، ألا ترى إلى
قوله: (لا تؤمنون بي حتى تحابوا)." اهـ
وقال
عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي،
ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه
الله_ في كتابه "جامع العلوم والحكم" – ط. الرسالة (1 / 209):
"وقد
ثبت في الأحاديث الصحيحة: أن ارتكاب بعض الكبائر يمنع دخول الجنة." اهـ
وقال
عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي،
ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه
الله_ في كتابه "جامع العلوم والحكم" – ط. الرسالة (1 / 329):
"إن
المسلمين جعلهم الله إخوة، والإخوة يتحابون بينهم ولا يتباغضون." اهـ
وقال محمد بن
علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي"
(المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في
شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج"
(2/ 290_292):
"(المسألة
الثالثة): في فوائده:
1
- (منها): أنه لا يدخل الجنّة إلا نفسٌ مسلمة، وقد أخرج الترمذي وحسّنه من طريق
أبي إسحاق، عن زيد بن أُثيع، قال: سألت عليًّا - رضي الله عنه -: بأيّ شيء بُعِثت؟
قال: بأربع: "لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ... " الحديث [ت].[6]
2
- (ومنها): بيان أن محبة المؤمنين بعضهم بعضًا مما يكمل به الإيمان، فهي شعبة من
شعب الإيمان.___
3
- (ومنها): أن في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده" في
الرواية التالية إثباتَ اليد لله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله.
4
- (ومنها): انتفاء كمال الإيمان عمن ليست له محبة لإخوانه المؤمنين.
5
- (ومنها): إثبات دخول الجنّة للمؤمن الذي حقّق إيمانه بالمحبّة لإخوانه، والتودّد
إليهم بما يُدخل السرور عليهم كالسلام مع الالتزام بسائر شرائع الإسلام.
6
- (ومنها): أن فيه الحثَّ العظيم على إفشاء السلام، وبذله للمسلمين كلهم المعروفين
وغير المعروفين.
7
- (ومنها): أن السلام أول أسباب التآلف، ومفتاح استجلاب المودة، وفي إفشائه تمكُن
أُلفة المسلمين بعضهم لبعض.
8
- (ومنها): أنه يتضمّن رفع التقاطع والتهاجُر والشَّحْنَاء، وفساد ذات البين التي
هي الحالقة؛ لأن سلامه لله تعالى لا يتبع فيه هواه ولا يخص أصحابه وأحبابه به،
فيحصل ببركته ذلك.
9
- (ومنها): أن في إفشاء السلام إظهار شعار المسلمين المميز لهم من غيرهم، من أهل
الملل.
10
- (ومنها): أن في إفشائه رياضةَ النفس، ولزومَ التواضع، وإعظامَ حرمات المسلمين،
وقد
ذكر البخاري رحمه الله في "صحيحه" (1/ 14):
عن
عمار بن ياسر - رضي الله عنه - أنه قال: "ثلاثٌ من جمعهنّ، فقد جمع الإيمان:
الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار."[7]
[تنبيه]:
قال في "الفتح": قال أبو الزناد بن سراج وغيره:
إنما
كان مَن جمع الثلاث مستكملًا للإيمان؛ لأن مداره عليها؛ لأن العبد إذا اتّصف بالإنصاف لم يترك لمولاه حقًّا واجبًا عليه إلا أدّاه،
ولم يترك شيئًا مما نهاه عنه إلا اجتنبه، وهذا يَجْمَع أركان الإيمان؛
وبذلُ السلام يتضمن مكارم الأخلاق،
والتواضع، وعدم الاحتقار، ويحصل به التآلف، والتحابُّ،
والإنفاق من الإقتار يتضمن غايةَ
الكرم؛ لأنه إذا أنفق مع الاحتياج، كان مع التوسع أكثر انفاقًا، والنفقة أعم من أن
تكون على العيال واجبةً ومندوبة، أو على الضيف والزائر،
وكونه
من الإقتار يستلزم الوثوق بالله، والزهد في الدنيا، وقَصْرَ الأمل، وغير ذلك من
مهمات الآخرة،
وهذا
التقرير يُقَوِّي أن يكون الحديث مرفوعًا؛ لأنه يشبه أن يكون كلام مُن أوتي جوامع
الكلم، والله تعالى أعلم. انتهى ["فتح" (1/ 113)]،
وهو
تحقيقٌ نفيسٌ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل." اهـ
مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح
سنن الإمام ابن ماجه - (2 / 349)
في
فوائده:
1
- (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو كما أسلفنا وجهه أول الباب بيان أن محبة
المؤمنين بعضهم بعضًا مما يكمل به الإيمان، فهي شعبة من شعب الإيمان.
2
- (ومنها): أن فيه إثبات اليد لله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله.
3
- (ومنها): انتفاء كمال الإيمان عمن ليست له محبة لإخوانه المؤمنين.
4
- (ومنها): إثبات دخول الجنّة للمؤمن الذي حقّق إيمانه بالمحبّة لإخوانه، والتودّد
إليهم بما يُدخل السرور عليهم كالسلام.
5
- (ومنها): أن فيه الحثَّ العظيم على إفشاء السلام، وبذله للمسلمين كلهم المعروفين
وغير المعروفين.
6
- (ومنها): أن السلام أول أسباب التآلف، ومفتاح استجلاب المودة، وفى إفشائه تمكن
ألفة المسلمين بعضهم لبعض.
7
- (ومنها): أن في إفشاء السلام إظهار شعار المسلمين المميز لهم من غيرهم، من أهل
الملل.______
8
- (ومنها): أن في إفشائه رياضةَ النفس، ولزومَ التواضع، وإعظامَ حرمات المسلمين،
وقد ذكر البخاري رحمه الله في "صحيحه" عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما
أنه قال: "ثلاثٌ من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام
للعالم، والإنفاق من الإقتار"، وروى غير البخاريّ هذا الكلام مرفوعًا إلى
النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، وبذلُ السلام للعالم، والسلامُ على من عرفت ومن لم
تعرف، وإفشاءُ السلام كلها بمعنى واحد. قاله النوويّ رحمه الله تعالى (1).
وفيها
لطيفة أخرى، وهي أنها تتضمن رفع التقاطع والتهاجر والشحناء، وفساد ذات البين التي
هي الحالقة، وأن سلامه لله لا يتبع فيه هواه، ولا يخص أصحابه وأحبابه به. انتهى
كلام النوويّ (2)، وهو كلام نفيس، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
"أقول:
بيّن النبي _صلى اللّه عليه وسلم_ فائدة السلام وسبب مشروعيته، فإن التحابب في
الناس خصلة يرضاها اللّه _تعالى_. وإفشاء السلام آلة صالحة لإِنشاء المحبة."
اهـ
وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح رياض
الصالحين" (3 / 265):
"ففي
هذا: دليل على أن المحبة من كمال الإيمان، وأنه لا يكمل إيمان العبد حتى يحب أخاه،
وأن من أسباب المحبة أن يفشي الإنسان السلام بين إخوانه، أي يظهره ويعلنه، ويسلم
على من لقيه من المؤمنين، سواء عرفه أو لم يعرفه، فإن هذا من أسباب المحبة، ولذلك
إذا مر بك رجل وسلم عليك أحببته، وإذا أعرض؛ كرهته ولو كان أقرب الناس إليك."
اهـ
وقال
الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى:
1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (3 / 266):
"فالذي
يجب على الإنسان؛ أن يسعى لكل سبب يوجب المودة والمحبة بين المسلمين؛ وليس من
المعقول ولا من العادة أن يتعاون الإنسان مع شخص لا يحبه، ولا يمكن التعاون على
الخير والتعاون على البر والتقوى إلا بالمحبة، ولهذا كانت المحبة في الله من كمال
الإيمان." اهـ
وقال
محمد بن إسماعيل الحسني، الكحلاني، المعروف بـ"الأمير
الصنعاني" (المتوفى: 1182 هـ) _رحمه الله_ في "التحبير لإيضاح
معاني التيسير" (3 / 641):
"فالتّحاب
مراد لله بين عباده، ولذا يغفر كل اثنين وخميس للعباد، إلا المتهاجرين ومن بينهم
شحناءٌ فيقال: (اتركوهما حتى يصطلحا)." اهـ
|
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "تعرض الأعمال في كل يوم اثنين
وخمسين، فيغفر الله عز وجل في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئاً إلا امرأً
كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا". أخرجه
مالك (2/ 909) ومسلم رقم (2565) وأبو داود رقم (4916) والترمذي (2023) وهو حديث
صحيح. عن
أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أن
النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصوم الاثنين والخميس، فقيل: يا رسول الله!
إنك تصوم الاثنين والخميس، فقال: "إن يوم الاثنين والخميس يغفر الله فيهما
لكل مسلم إلا مهتجرين يقول: دعهما حتى يصطلحا. أخرجه
ابن ماجه في "السنن" رقم (1740) قال
الألباني _رحمه الله_ في "صحيح
الترغيب والترهيب" (1042): "صحيح لغيره." |
وقال شيخ
الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن
تيمية الْحَرَّانِيُّ (المتوفى: 728 هـ) _رحمه الله_ في "مجموع الفتاوى"
( ط: دار الوفاء - تحقيق أنور الباز ) - (22 / 251):
"وَقَدْ
أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ بِالِاجْتِمَاعِ والائتلاف وَنَهَاهُمْ
عَنْ الِافْتِرَاقِ وَالِاخْتِلَافِ." اهـ
قال
الشيخ جاد الحق علي جاد الحق في "فتاوى الأزهر" (7 / 358):
"ومن
هذه النصوص الشريفة يتضح لنا أن تحية الإسلام هى (السلام عليك ورحمة الله وبركاته).
يحيِّيْ
بها المسلم أخاه المسلم، إذ أن هذه التحية إذا صدرت دعت القلوب الواعية لها إلى
الإقبال عليها وتحصيل ثوابها العظيم وأثرها أعظم وهو شيوع السلم بين المسلمين
والمحبة الصادقة فيما بينهم، وهذا من أسس الإيمان الذى هو مفتاح الجنة وتحية
السلام (المصدر السابق مع شرح الإمام أبى بكر العربى المالكى ط. أولى 1353 هجرية -
1934 م)
هى
أول كلمة دار بها الحوار بين آدم والملائكة، فإنه لما خلقه الله قال له اذهب إلى
أولئك النفر من الملائكة فسلم عليهم فاستمع ما يجيبونك به فإنها تحيتك وتحية
ذريتك، فقال لهم السلام عليكم، فقالت له الملائكة: (وعليك السلام ورحمة الله)."
اهـ
وقال
أبو زكريا يحيى بن شرف النووي
(المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في "الأذكار النووية" (1 / 308)
واعلم
أن أصلَ السَّلامِ ثابتٌ بالكتاب والسُّنّة والإِجماع. وأما أفراد مسائله وفروعه
فأكثرُ من أن تُحصر، وأنا أختصرُ مقاصدَه في أبواب يسيرة إن شاء اللّه تعالى، وبه
التوفيق والهداية والإِصابة والرعاية ." اهـ
ملحق الفوائد:
في هذا الحديث الشريف فوائد جليلة، ومن تأمل مجموع
رواياته في صحيح مسلم ومسند أحمد وسنن الترمذي ظهر له من كنوزه ما يلي:
1 - إثبات مشروعية القسم بالله تعالى لتأكيد
الأمور العظيمة.
فإن النبي صلى الله عليه وسلم استفتح كلامه بالقسم:
«والذي نفسي بيده»؛ ليُعظِّم شأن ما بعده، ويوقظ القلوب إلى خطورته.
2 - أن دخول الجنة موقوف على الإيمان الصحيح.
ففي رواية مسلم: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا»، وفيه
أن الإيمان أصل النجاة، ولا ينفع عمل بدونه.
3- أن الإيمان يزيد وينقص.
إذ علَّق كماله بالمحبة، فقال: «ولا تؤمنوا حتى
تحابوا»، فدل على أن المحبة من شعب الإيمان، وأن فقدها نقص في الإيمان.
4 - أن المحبة في الله من أعظم خصال الإيمان.
فهي ليست خلقاً مستحباً فحسب، بل هي من لوازم الإيمان
وكماله.
5 - أن الشريعة جاءت بجمع القلوب قبل جمع
الأبدان.
لأن اجتماع الأجساد مع تفرق القلوب لا يحقق مقصود
الأخوة الإيمانية.
6 - أن إفشاء السلام من أعظم أسباب تأليف
القلوب.
ولذلك جعله النبي صلى الله عليه وسلم دواءً عملياً
لتحصيل المحبة.
7 - أن الأعمال الظاهرة تؤثر في أعمال القلوب.
فالسلام عمل باللسان، لكنه يورث المحبة في القلب.
8 - الحث على نشر السلام بين جميع المسلمين. فلا
يختص بالأصدقاء أو الأقارب، بل يُبذل لكل مسلم.
9 - أن السلام شعار هذه الأمة المباركة. فهو
تحية أهل الإسلام في الدنيا، وتحية أهل الجنة في الآخرة.
10 - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يربط
الأحكام بعللها وحِكمها. فلم يقتصر على الأمر بالسلام، بل بيَّن أنه سبب للمحبة.
11 - أن الشريعة تسد أبواب العداوة قبل
وقوعها. فأمرت بما يجلب الألفة، ونهت عما يوجب الفرقة.
12 - التحذير الشديد من البغضاء بين
المسلمين. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإياكم والبغضة»، وصيغة التحذير تدل
على شدة خطرها.
13 - أن فساد ذات البين من أعظم الذنوب حتى
وصفها بأنها الحالقة، وهي من أشد أوصاف الذم.
14 - أن المقصود بالحالقة حلق الدين لا حلق
الشعر. فالمصيبة في فساد الدين أعظم من كل خسارة دنيوية.
15 - أن المعاصي القلبية قد تكون أشد من كثير
من المعاصي الظاهرة.
فإن الحسد والبغضاء والعداوة تُفسد الدين، وإن لم
يظهر أثرها أول الأمر على الجوارح.
16 - أن العداوة تجر إلى آثام كثيرة، كالغِيبة،
والنميمة، والبهتان، والظلم، وقطيعة الرحم، والهجر، وسوء الظن.
17 - أن إصلاح ذات البين من أعظم القربات. لأنه
ضد فساد ذات البين الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم حالقة للدين.
18 - أن الأخلاق جزء من الدين وليست أمراً
منفصلاً عنه. فالمحبة والسلام وحسن المعاملة من صميم الإيمان.
19 - أن الشريعة تعتني بأعمال القلوب كما
تعتني بأعمال الجوارح. فجعلت المحبة والبغضاء من القضايا التي ينبني عليها صلاح
الدين وفساده.
20 - أن البلاغة النبوية بلغت الغاية في
التعليم. إذ استعمل صلى الله عليه وسلم التشبيه البليغ بقوله: «الحالقة»، ثم أزال
ما قد يتوهمه السامع بقوله: «لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين».
21 - أن من كمال الدعوة النبوية الجمع بين
الترغيب والترهيب. فرغَّب بالمحبة وإفشاء السلام، ورهَّب من البغضاء وسوء ذات
البين.
22 - أن المجتمع المسلم لا يستقيم إلا
بالمودة والتراحم. فإذا غلبت الأحقاد والخصومات ضعفت الأخوة، ووهنت الجماعة،
وقلَّت البركة.
23 - أن النصوص الشرعية يفسر بعضها بعضاً. فرواية:
«حتى تسلموا» تُبيِّنها رواية: «حتى تؤمنوا»، ورواية: «البغضة» يفسرها لفظ: «سوء
ذات البين».
24 - أن من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم
أنه جمع في كلمات يسيرة أصول صلاح الأمة.
فبيَّن أصل النجاة، وسبب الألفة، وحذَّر من أعظم
أسباب الفرقة، فجاء الحديث جامعاً لأصول الاجتماع الإسلامي، وحفظ الدين، وصيانة
الأخوة الإيمانية.
[1] عني
بـ"شيخه" المزي، انظر: "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (35/
64) (رقم: 7773).
[2] قال
عبد الحق الدهلوي _رحمه الله_ في "لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح"
(8/ 294_295):
"قوله:
(إصلاح ذات البين) (بين) من الظروف،___قد يجيء اسمًا للحالة التي بين الاثنين،
كقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} [النساء: 35] بإضافة الشقاق
إليه، وفي ذات البين أيضًا جاء كذلك فغرف اللام، و (ذات البين) صفة لموصوف محذوف،
أي: حالات وخصائل لها ملابسة وتعلق بالبين، وبهذه الملابسة قيل: هي ذات البين، أي:
ثابتة بينكم، كالبغض والعدواة والحرب، وإصلاحها: إزالتها وتبديلها بأضدادها،
وإضافة (ذات) إلى (البين) وتوصيف تلك الخصائل بها على وتيرة (ذات الصدور)
لمضمراتها، وليست على نحو: (ذات مرة)، و (ذات يوم)؛ لأنه من إضافة المسمى إلى
الاسم، بل هي على نحو: (ذو مال)، لكن الإضافة في (ذي مال) بمعنى اللام؛ لأن
الموصوف صاحب المال ومالكه، وفيما نحن فيه بمعنى (في)، ويمكن جعلها بمعنى اللام
لأدنى ملابسته مبالغة كأنها ملكت البين، وهو الأظهر فتأمل." اهـ
وقال المباركفوري _رحمه الله_ في "تحفة الأحوذي"
(7/ 178):
"قَوْلُهُ
(إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ) أَيِ اتَّقُوا مِنْهُ وَالْمُرَادُ بِسُوءِ ذَاتِ
الْبَيْنِ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ كَمَا فَسَّرَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ
الْبَيْنِ أَيِ التَّسَبُّبَ فِي الْمُخَاصَمَةِ وَالْمُشَاجَرَةِ بَيْنَ
اثْنَيْنِ أَوْ قَبِيلَتَيْنِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ أَوْ
فَسَادٌ (فَإِنَّهَا) أَيِ الْفَعْلَةُ أَوِ الْخَصْلَةُ الْمَذْكُورَةُ
(الْحَالِقَةُ) أَيْ تَحْلِقُ الدِّينَ." اهـ
[3] ورد
ذلك في أحاديث عديدة، منها:
ما أخرجه هناد في "الزهد" "رقم
1310" -ومن طريقه الترمذي في "الجامع" "أبواب صفة القيامة، 4/
663/ رقم 2509"-، وأحمد في "المسند" "6/ 444-445"،
والبخاري في "الأدب المفرد" "106"، وأبو داود في
"السنن" "كتاب الأدب، باب في إصلاح ذات البين، 4/ 280/ رقم
4919"، والبيهقي في "الآداب" "رقم 130" عن أبي الدرداء،
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصوم
والصلاة والصدقة؟ ". قالوا: بلى. قال: "صلاح ذات البين، وإن فساد ذات
البين هي الحالقة".
قال الترمذي: "هذا حديث صحيح، ويروى عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: "هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق
الدين".
ثم أخرج برقم "2510"، وأحمد في
"المسند" "1/ 165، 167"، والبزار في "المسند"
"رقم 2002 - الزوائد"، وأبو يعلى في "المسند" "2/ 32/
رقم 669" عن الزبير مرفوعًا: "دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد
والبغضاء، وهي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين، والذي نفس محمد
بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أنبئكم بما يثبت
ذلك لكم؟ أفشوا السلام". لفظ أبي يعلى.
وإسناده ضعيف، ولكنه حسن بشواهد، ولآخره: "والذي
نفسي بيده ... " شاهد عن أبي هريرة، أخرجه مسلم في "صحيحه"
"رقم 54"، وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" "رقم
260"، وزاد في آخره: "وإياكم والبغضة، فإنها هي الحالقة، لا أقول لكم:
تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين"، ولفظ الترمذي "رقم 2508" عنه
مرفوعًا: "إياكم وسوء ذات البين، فإنها الحالقة".
وانظر: "غاية المرام" "414"،
و"الإرواء" "2/ 239"، و"صحيح الأدب المفرد" "رقم
197". – انظر: التعليق على "الموافقات" (5/ 153).
[4] إذا أنصف العبد من نفسه فإنه لا يتعدى الحدود الشرعية فيما إذا
أراد أن يدعو إلى الله أو ينصح عاصيًا. فإذا أردت أن تنصح مسلماً قد وقع في معصية,
قبل أن تعاتبه أو توبّخه أو تُسدي له نصيحة: تأمل لو كنت مكانه. كي يكون نصحك له
مبنياً على الرحمةِ والشفقةِ والحرصِ على الهدايةِ.
كيف أن ينصف الناس من لا ينصف نفسه وهي أولي درجات
الإنصاف وأن يكون الإنسان منصفاً نفسه وهذا لأنه من لم يفعل هذا لا يستطيع إنصاف
غيره إنطلاقاً من القاعدة المعروفة بـ فاقد الشئ لا يعطيه ويقوم ابن القيم _رحمه الله_ عليه أن إنصاف المرء نفسه من نفسه بألا يدعي لها ما
ليس لها ولا خبثها تدنيسه لها وتصغيره إياها وتحقيرها بمعاصي.
وفي إعلام الموقعين عن رب العالمين (3/ 78):
"وَاَللَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ الْإِنْصَافَ، بَلْ هُوَ أَفْضَلُ حِلْيَةٍ
تَحَلَّى بِهَا الرَّجُلُ، خُصُوصًا مَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ حَكَمًا بَيْنَ
الْأَقْوَالِ وَالْمَذَاهِبِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ:
{وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} [الشورى: 15]
فَوَرَثَةُ الرَّسُولِ مَنْصِبُهُمْ الْعَدْلُ بَيْنَ
الطَّوَائِفِ وَأَلَّا يَمِيلَ أَحَدُهُمْ مَعَ قَرِيبِهِ وَذَوِي مَذْهَبِهِ
وَطَائِفَتِهِ وَمَتْبُوعِهِ، بَلْ يَكُونُ الْحَقُّ مَطْلُوبَهُ، يَسِيرُ
بِسَيْرِهِ وَيَنْزِلُ بِنُزُولِهِ، يَدِينُ دِينَ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ
وَيُحَكِّمُ الْحُجَّةَ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي قَدْ شَمَّرَ إلَيْهِ،
وَمَطْلُوبُهُ الَّذِي يَحُومُ بِطَلَبِهِ عَلَيْهِ، لَا يَثْنِي عَنَانَهُ عَنْهُ
عَذْلُ عَاذِلٍ، وَلَا تَأْخُذُهُ فِيهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَلَا يَصُدُّهُ عَنْهُ
قَوْلُ قَائِلٍ." اهـ
[5] شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن - (10 / 3038)
واعلم أنه تعالى جعل إفشاء السلام سبباً للمحبة،
والمحبة سبباً لكمال الإيمان؛ لأن إفشاء السلام سبب للتحاب والتواد، وهو سبب
الألفة والجمعية بين المسلمين المسبب لكمال الدين وإعلاء كلمة الإسلام. وفي
التهاجر والتقاطع والشحناء التفرقة بين المسلمين، وهو سبب لانثلام الدين والوهن في
الإسلام، وجعل كلمة الذين كفروا العليا؛ قال الله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا
ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم} الآية.
[6] قال
الترمذيّ رحمه الله تعالى: (871) حدثنا علي بن خَشْرَم، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن
أبي إسحاق، عن زيد بن أُثيع، قال: سألت عليًّا بأيّ شيء بُعِثت؟ قال: بأربع:
"لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عُريان، ولا يجتمع المسلمون
والمشركون بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - عهد
فعهده إلى مدته، ومن لا مدة له فأربعة أشهر"، قال أبو عيسى: حديث علي حديث
حسن. وصححه الشيخ الألباني، انظر: "صحيح الترمذيّ" 1/ 259 - 260.
[7] قد
حقّق الكلام الحافظ رحمه الله تعالى على هذا الحديث في "الفتح" 1/ 82
حيث قال:
قوله: وقال عَمّار: هو ابن ياسر أحد السابقين
الأولين، وأثره هذا أخرجه أحمد بن حنبل، في "كتاب الإيمان" من طريق
سفيان الثوري، ورواه يعقوب بن شيبة في "مسنده" من طريق شعبة، وزهير بن
معاوية، وغيرهما، كلهم عن أبي إسحاق السبيعي، عن صِلَةَ بن زُفَر، عن عمّار، ولفظ
شعبة: "ثلاثٌ مَن كُنّ فيه، فقد استكمل الإيمان"، وهو بالمعنى، وهكذا
رويناه في "جامع معمر" عن أبي إسحاق، وكذا حَدَّث به عبد الرزاق في
"مصنفه" عن معمر، وحَدّث به عبد الرزاق بأَخَرَة،___ فرفعه إلى النبيّ -
صلى الله عليه وسلم - كذا أخرجه البزار في "مسنده"، وابن أبي حاتم في
"العلل" كلاهما عن الحسن بن عبد الله الكوفي، وكذا رواه البغوي في
"شرح السنة"، من طريق أحمد بن كعب الواسطيّ، وكذا أخرجه ابن الأعرابي في
"معجمه" عن محمد الصنعاني، ثلاثتهم عن عبد الرزاق، مرفوعًا، واستغربه
البزار، وقال أبو زرعة: هو خطأ.
قال الحافظ: وهو معلول من حيث صناعة الإسناد؛ لأن عبد
الرزاق تغير بآخره، وسماع هؤلاء منه في حال تغيره، إلا أن مثله لا يقال بالرأي،
فهو في حكم المرفوع، وقد رَوَيناه مرفوعًا من وجه آخر عن عمار، أخرجه الطبراني في
"الكبير"، وفي إسناده ضعف، وله شواهد أخرى بيّنتها في "تغليق
التعليق". انتهى كلام الحافظ، وهو تحقيق نفيس، والله تعالى أعلم.
Komentar
Posting Komentar