شرح الحديث 12-13 () من الشمائل

 

[12] – (12) حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْمَصَاحِفِيُّ سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:

«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ أَبْيَضَ، كَأَنَّمَا صِيغَ مِنْ فِضَّةٍ، رَجِلَ الشَّعْرِ»

 

رواة الحديث:

 

* حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْمَصَاحِفِيُّ سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ (ثقة: ت. 238 هـ):

سليمان بن سلم بن سابق الهدادي، أبو داود البلخي، الْمَصَاحِفِيُّ، من أوساط الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: د ت س 

 

وقال السمعاني _رحمه الله_ في "الأنساب" (12/ 283) (رقم: 3815):

"المَصَاحِفِيُّ (بفتح الميم والصاد المهملة، وكسر الحاء المهملة، وفي آخرها الفاء): هذه النسبة إلى المصاحف، وهو جمع مصحف. والمشهور بهذه النسبة: أبو داود سليمان بن سليم المصاحفي، وقيل: ابن سلم، من أهل بلخ، كان مولى لفرافصة بن ظهير، ومؤذنُ مسجِدِه وإمامُهم، ولعله يتولى كتابة المصاحف، فنسب إليها، وكان من أهل الخير والعلم والفضل." اهـ

 

* قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ (ثقة ثبت: ت. 204 هـ بـ مرو):

النضر بن شميل بن خرشة المازني، أبو الحسن النحوي البصري ثم المروزي، المولود: سنة 122 هـ، من صغار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ (ضعيف يعتبر به: ت. بعد 140 هـ):

صالح بن أبى الأخضر اليَمَامِي (مولى هشام بن عبد الملك، نزيل البصرة)، من كبار أتباع التابعين، روى له: د ت س ق 

 

* عَنِ ابْنِ شِهَابٍ (فقيه حافظ متفق على جلالته وإتقانه: ت. 125 هـ بـ شغب):

محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرَةَ القرشي الزهري ، أبو بكر المدني، من طبقة تلى الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنْ أَبِي سَلَمَةَ (ثقة مكثر: ت. 94 هـ على الصحيح بـ المدينة):

أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، المدني (قيل: اسمه عبد الله. وقيل: إسماعيل. وقيل: اسمه وكُنيته واحدٌ)، من الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (صحابي: ت. 57 هـ):

عبد الرحمن بن صخر، أبو هريرة الدوسي اليماني (حافظ الصحابة)، روى له: خ م د ت س ق

 

نص الحديث وشرحه:

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ أَبْيَضَ، كَأَنَّمَا صِيغَ مِنْ فِضَّةٍ، رَجِلَ الشَّعْرِ»

 

قال الأمير الصنعاني _رحمه الله_ في "التنوير شرح الجامع الصغير" (8/ 273):

"(كان) أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهكذا فيما يأتي جميعاً وهذا الإضمار من المصنف وإلا فإن الراوي مع تعدده لا يأتي به إلا صريحاً، ولعل مثل هذا التحويل يجوز. (أبيض كأنما صيغ) أي خلقه الله من الصوغ بمعنى الإيجاد في الأساس من المجاز فلان حسن الصيغة وهي الخلقة. (من فضة) لما يعلوه من الإضاءة ولمعان الأنوار والبريق." اهـ

 

وقال علي بن أحمد بن بن محمد بن إبراهيم البُوْلَاقِيُّ[1]، الشهير بـ"العَزِيْزِيِّ" (المتوفى 1070 هـ) _رحمه الله_ في "السراج المنير شرح الجامع الصغير في حديث البشير النذير" (4/ 37_74):

(كان أبيض كأنما صيغ من فضة) باعتبار ما كان يعلو بياضه من الإضاءة___ولمعان الأنوار فلا تدافع بينه وبين ما بعده من أنه كان مشربا بحمرة." اهـ

 

وقال علي بن أحمد بن بن محمد بن إبراهيم البُوْلَاقِيُّ، الشهير بـ"العَزِيْزِيِّ" (المتوفى 1070 هـ) _رحمه الله_ في "السراج المنير شرح الجامع الصغير في حديث البشير النذير" (4/ 38)

(رجل الشعر) بفتح الراء وكسر الجيم وفتحها وسكونها ثلاث لغات أي لم يكن شديد الجعودة ولا شديد السبوطة أي خالياً عن التكسر بل بينهما وفسر بما فيه تنن قليل قال القرطبي وكان شعره صلى الله عليه وسلم بأصل الخلقة مسرحا

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

أخبر أبو هريرة _رضي الله عنه_ عن صفةٍ من صفات النبي _صلى الله عليه وسلم_ الخَلْقِيَّةِ، فقال: "إن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ كان أبيض اللون بياضًا ناصعًا نقيًّا، يشبه في صفائه ولمعانه الفضّة المصوغة.

 

ثم وصف شعره بأنه رَجِلُ الشَّعر، أي: مسترسل ومعتدل، ليس بالشديد الجعودة ولا بالمنبسط تمامًا.

 

فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ كان في أحسن هيئة وأجمل صورة، يجلّله النور، ويجتمع في شكله الاعتدال والحسن، مما يدل على كمال خِلْقته _صلى الله عليه وسلم_ التي أكرمه الله بها، وزاده بها مهابةً وجلالًا في أعين الناس.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه الترمذي في "الشمائل المحمدية" – ط. المكتبة التجارية (ص: 40) (رقم: 12)، والبيهقي في "دلائل النبوة" – ط. دار الكتب العلمية (1/ 241)، والبغوي في "الأنوار في شمائل النبي المختار" (ص: 147) (رقم: 165)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (3/ 271)، وتاج الدين السبكي في "معجم الشيوخ" (ص: 194)

 

وقال الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (5/ 83):

"قلت: وهذا سند ضعيف، صالح بن أبي الأخضر قال الحافظ: "ضعيف يعتبر به".

قلت: وقد جاء الحديث مفرقا عن جمع من الصحابة." اهـ[2]

 

والحديث صحيح: صححه الألباني رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (5/ 82) (رقم: 2053)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 847) (رقم: 4619)، و"مختصر الشمائل" (ص: 27) (رقم: 10)

 

ومن فوائد الحديث:

 

وقال علي بن (سلطان) محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (المتوفى: 1014هـ) _رحمه الله_ شرح الشفا (2/ 431):

"والحاصل: أن بياض لونه ثابت في الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة مختلفة في المبنى متواترة في المعنى.

فمن قال في حقه إنه كان أسود يكفر حيث وصفه بغير نعته الموجبِ لنفيه وتكذيبه. لكن قد يعذر قائله إذا كان جاهلا بوصفه _عليه الصلاة والسلام_، لا سيما إذا كان من العوام، إلا إذا أراد به تنقصه واستهانته _عليه الصلاة والسلام_، وهذا يختلف باختلاف العرف بين الأنام، إذ السواد مرغوب بين الحبشة والهنود كما أن البياض مطلوب عند العرب والأعجام، وإلا روام." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

هذا الحديث الجليل فيه فوائد كثيرة تتعلق ببيان شمائل النبي _صلى الله عليه وسلم_ وجمال خلقته الشريف، ومن تلك الفوائد ما يلي:

1_ فيه: إثبات حسن خَلْقِ النبي _صلى الله عليه وسلم_ وجمال هيئته، فقد كان أبيض اللون مشرق البشرة، وهذا من كمال خَلق الله له كما كمل خُلقه.

2_ فيه: تشبيه بياضه _صلى الله عليه وسلم_ بالفضة يدل على نقاء بشرته وصفاء لونه، فهو بياض منير مشرق لا يشوبه شُحُوْبٌ ولا كَدَرٌ.

3_ فيه: قوله: (كأنما صيغ من فضة) إشارة إلى كمال التناسق والإتقان في خلقه _صلى الله عليه وسلم_، كأنه صنع صنعًا بديعًا لا عيب فيه، وذلك من دلائل نبوته.

4_ فيه: أن هذا التشبيه من باب المدح والتعظيم، لا من باب المادِّية، لأنه تشبيه في الصفاء والنور.

5_ فيه: إثبات ما خصّه الله به من نور وضياء في وجهه الشريف، كما قال الصحابة: (كأن وجهه قطعة قمر).

6_ فيه: أن جمال النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان مَزِيْجًا من الجمال الحسي والمعنوي، فكما كان وجهه مضيئًا، كان قلبه أنورَ بالحق والهدى.

7_ في الحديث: بيان الاعتدال في خلقته _صلى الله عليه وسلم_، فهو "رَجِل الشعر"، أي: شعره متوسط بين الجعودة والنعومة، مما يدل على اعتدال صفاته.

8_ من دلائل نبوته _صلى الله عليه وسلم_ أن من رآه أحبه قبل أن يسمع كلامه، لما في وجهه من الهيبة والنور والوقار.

9_ والحديث من دلائل عناية الصحابة بوصف النبي _صلى الله عليه وسلم_، مما يدل على شدة حبهم له وحرصهم على نقل كل ما يتعلق به.

10_ فيه: ما يدل الحديث على أن الجمال الحسي من نعم الله التي ينبغي شكرها، لا سيما إذا اقترن بجمال الخلُق والدين.

11_ فيه: ردٌّ على من يزعم أن الزهد يعني إهمال المظهر، فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ كان جميلًا أنيقًا في خلْقه ولباسه مع أكمل الزهد في الدنيا.

12_ فيه: تشبيه لون وجهه بالفضة يوحي بصفاء نفسه _صلى الله عليه وسلم_، فالظاهر تابع للباطن، والأنوار الباطنة تُشرق على الظواهر.

13_ فيه: ما يدل على أن الجمال إذا استُعمل في طاعة الله، يكون عبادة، لأن الله يحب الجمال كما في الحديث الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم: 91): "إن الله جميل يحب الجمال".

14_ فيه: إشارة إلى عظمة الله الخالق الذي أبدع خلق نبيه ﷺ، فكما أن خَلْقه _صلى الله عليه وسلم_ كان بديعًا، فخُلقه كذلك أكمل ما يكون.

15_ والحديث من دلائل النبوة الحسية التي شاهدوها الصحابة بأعينهم، فكل من رآه أيقن أنه ليس كغيره من البشر.

16_ فيه: استعمال كلمة "صيغ" تفيد دقة الوصف، فهي تعني كأنما صُنع من مادة واحدة نقية، مما يبرز كمال خلقه _صلى الله عليه وسلم_.

17_ فيه: إشارة إلى أن الله أكرم نبيه _صلى الله عليه وسلم_ بكل صفات الجمال والكمال البشري الممكن، وهذا من تمام المحبة والتشريف له.

18_ فيه: حثٌّ على التأمل في شمائل النبي _صلى الله عليه وسلم_، لأن معرفة صفاته تزيد في حبه واتباعه.

19_ فيه: ما يدل على جواز وصف النبي _صلى الله عليه وسلم_ بما ورد به النص من صفاته الحسية، دون غلو ولا تجاوز.

20_ من معاني الحديث: أن أنوار الهداية التي في قلبه _صلى الله عليه وسلم_ ظهرت آثارها في وجهه الشريف، فصار وجهه كمرآة صافية.

21_ فيه: بيان أن محبة الصحابة للنبي _صلى الله عليه وسلم_ كانت نابعة من المعرفة والتأمل في كماله، لا مجرد عاطفة.

22_ في قوله: (رَجِل الشعر) بيان صفة شعره _صلى الله عليه وسلم_ الجميل، وأنه معتدل الشعر الذي ينسدل بنعومة من غير تجعد ولا استرسال مفرط، وهو من كمال الجمال.

23_ فيه: تعليم الأدب في وصف النبي _صلى الله عليه وسلم_، إذ يصفونه بما يليق من ألفاظ جميلة مهذبة خالية من المبالغة الممقوتة.

24_ والحديث يدل على أهمية معرفة الشمائل النبوية، لأنها تُعَمِّقُ المحبة وتقرّب القلوب من الاقتداء به _صلى الله عليه وسلم_.

 

 

 

[13] – (13) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ:

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، قَالَ:

«عُرِضَ عَلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ، فَإِذَا مُوسَى _عَلَيْهِ السَّلَامُ_ ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ،

وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ،

وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ _عَلَيْهِ السَّلَامُ_، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ - يَعْنِي نَفْسَهُ -، وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ _عَلَيْهِ السَّلَامُ_، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دِحْيَةُ»

 

رواة الحديث:

 

* حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (ثقة ثبت: ت. 240 هـ):

قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفي، أبو رجاء البلخي البغلاني (وبغلان: قرية من قرى بلخ)، المولود:  سنة 150 هـ ، من كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خ م د ت س ق 

 

* قَالَ: أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ (ثقة ثبت فقيه إمام: ت. 175 هـ):

الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفَهْمِيُّ، أبو الحارث المصري (مولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر)، المولود : سنة 93 هـ أو 94 هـ بـ قرقشندة، من كبار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ (صدوق، إلا أنه يدلس: ت. 126 هـ):

محمد بن مسلم بنِ تدْرُسَ القرشي الأسدي، أبو الزبير المكي (مولى حكيم بن حزام)، من طبقة تلى الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (صحابي: ت. 78 هـ بـ المدينة):

جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري الخزرجي السَّلِمِيُّ، أبو عبد الله (ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد) المدني، المولود: سنة 16 قبل الهجرة، روى له: خ م د ت س ق

 

نص الحديث وشرحه:

 

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ:

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، قَالَ:

«عُرِضَ عَلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ، فَإِذَا مُوسَى _عَلَيْهِ السَّلَامُ_ ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ،

وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ،

وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ _عَلَيْهِ السَّلَامُ_، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ - يَعْنِي نَفْسَهُ -، وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ _عَلَيْهِ السَّلَامُ_، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دِحْيَةُ»

 

وقال المباركفوري _رحمه الله_ في "تحفة الأحوذي" (10/ 92_93):

"قَوْلُهُ (عُرِضَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ أُظْهِرَ (عَلَيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَذَلِكَ إِمَّا فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ أَوْ فِي السماوات كما يدل عليه حديث بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

"رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسَى رَجُلًا آدَمَ..." الْحَدِيثَ.

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ فِي وَصْفِهِمْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ رَأَى ذَلِكَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا فِي رِوَايَةِ أَبِي العالية عن بن عباس، وفي رواية بن الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ التَّلْبِيَةِ

فَإِنْ قِيلَ:

كَيْفَ يَحُجُّونَ وَيُلَبُّونَ، وَهُمْ أَمْوَاتٌ، وَهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَلَيْسَتْ دَارَ عَمَلٍ؟

قُلْنَا:

عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ:

* أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَفْضَلُ مِنَ الشُّهَدَاءِ، وَالشُّهَدَاءُ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُصَلُّوا وَيَحُجُّوا وَيَتَقَرَّبُوا إِلَى اللَّهِ بِمَا اسْتَطَاعُوا مَا دَامَتِ الدُّنْيَا، وَهِيَ دَارُ تَكْلِيفٍ بَاقِيَةٌ.

* ثَانِيهَا: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ حَالَهُمُ الَّتِي كَانُوا فِي حَيَاتِهِمْ عَلَيْهَا، فَمَثَّلُوا لَهُ كَيْفَ كَانُوا وَكَيْفَ كَانَ حَجُّهُمْ وَتَلْبِيَتُهُمْ،

وَلِهَذَا قَالَ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ أَبِي العالية عن بن عَبَّاسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ:

"كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ."

* ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ أَخْبَرَ عَمَّا أُوْحِيَ إِلَيْهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ،

فَلِهَذَا أُدْخِلَ حَرْفُ التَّشْبِيهِ فِي الرِّوَايَةِ وَحَيْثُ أَطْلَقَهَا، فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى ذَلِكَ (فَإِذَا مُوسَى ضَرْبٌ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، أَيْ: نَحِيفٌ خَفِيفُ اللَّحْمِ (كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ ثُمَّ هَاءُ تَأْنِيثٍ حَيٌّ مِنَ الْيَمَنِ يُنْسَبُونَ إِلَى شَنُوءَةَ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَضْرِ بْنِ الْأَزْدِ، وَلُقِّبَ شَنُوءَةَ لِشَنَآنٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِ: شَنُوئِيٌّ بِالْهَمْزِ بعد الواو وبالهمز بغير واو.

قال ابن قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِكَ: "رجل فيه شنوءة"، أي: تقزز. وَالتَّقَزُّزُ -بِقَافٍ وَزَايَيْنِ -: التَّبَاعُدُ مِنَ الْأَدْنَاسِ.[3]

قَالَ الدَّاوُدِيُّ: رِجَالُ الْأَزْدِ مَعْرُوفُونَ بِالطُّولِ كَذَا فِي "الْفَتْحِ."

(شَبَهًا) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ نَظِيرًا (عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ) الثَّقَفِيَّ، وَلَيْسَ هَذَا أَخًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُ هُذَلِيٌّ (وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ) أَيِ الخليل عليه السلام (يعني نفسه)، هذا تفسير لقوله: "صاحبكم" من كَلَامُ الرَّاوِي، أَيْ: يُرِيدُ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ بِقَوْلِهِ: "صَاحِبُكُمْ" ___نَفْسَهُ.

(دِحْيَةُ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَقَدْ يُفْتَحُ وَهُوَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَكَانَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ صُورَةً وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: (دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةٍ)." اهـ

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

أخبر النبي _صلى الله عليه وسلم_ في هذا الحديث أنّ الله _تعالى_ عرض عليه صور الأنبياء، فرأى كلّ نبي على هيئته التي خُلِق عليها.

 

فرأى موسى _عليه الصلاة السلام_ رجلاً قويًّا، جَلْدًا، يشبه رجال قبيلة شنوءة في صلابتهم وبنيتهم. ورأى عيسى عليه السلام، فوجد أشبه الناس به عُروةَ بن مسعود الثقفي. ورأى إبراهيم عليه السلام، فكان أقرب الناس شبهًا به هو النبي محمد _صلى الله عليه وسلم_ نفسه، وهذا من أعظم الفضائل له.

ورأى جبريل عليه السلام، فرأى أن أقرب الناس شبهًا به في صورته التي يتمثل بها للبشر هو دِحية الكلبي رضي الله عنه.

 

فالحديث يوضح صفات الأنبياء ومظاهرهم كما رآهم النبي _صلى الله عليه وسلم_، وفيه بيان فضلهم وكمال خِلقتهم، كما يدل على عظيم منزلة النبي _صلى الله عليه وسلم_ لكونه أشبه الخلق بأبي الأنبياء إبراهيم _عليه الصلاة والسلام_.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه الترمذي في "الشمائل المحمدية" – ط. المكتبة التجارية (ص: 40) (رقم: 13)، وفي "سننه" – ت. شاكر (5/ 604) (رقم: 3649)، ومسلم في "صحيحه" (1/ 153/ 271) (رقم: 167)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (3/ 334) (رقم: 14589)، وعبد بن حميد في "المنتخب" – ت. صبحي السامرائي (ص: 319) (رقم: 1045)، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده" (4/ 179) (رقم: 2261)، والسراج في "حديثه" (3/ 221 و 3/ 228) (رقم: 2556 و 2588)، وأبو عوانة في "مستخرجه" – ط. الجامعة الإسلامية (2/ 67_68) (رقم: 417_418)، وابن حبان في "صحيحه" (14/ 123) (رقم: 6232)، والطبراني في "المعجم الأوسط" مختصرا (8/ 374) (رقم: 8917)، وابن منده في "الإيمان" (2/ 740) (رقم: 729)، وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان" = و"أخبار أصبهان" (2/ 17)، وفي "المسند المستخرج على صحيح مسلم" (1/ 236) (رقم: 426)، وابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (3/ 1067)، والبغوي في "شرح السنة" (13/ 227) (رقم: 3651)، وابن عساكر في "معجمه" (1/ 116) (رقم: 124)، وفي "تاريخ دمشق" (61/ 27)، وأبو عبد الله ابن طولون في "تفسير إن إبراهيم كان أمة" (ص: 36).

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (3/ 1592) (رقم: 5714)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 741) (رقم: 4004)، و"مختصر الشمائل" (ص: 27) (رقم: 11)، و"التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (9/ 66) (رقم: 6199)،

وصححه الأرنؤوط _رحمه الله_ في "تخريج مسند أحمد" – ط. الرسالة (22/ 443) (رقم: 14589).

 

ومن فوائد الحديث:

 

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (4/ 555)

في فوائده:

1 - (ومنها): إثبات الإسراء بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم -.

2 - (ومنها): بيان بعض ما رآه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء، وهو رؤيته الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومالكًا خازن النار عليه السلام، والدجّال الكذاب، أعاذنا الله من فتنته.

3 - (ومنها): بيان فضل الله تعالى على حبيبه - صلى الله عليه وسلم -، حيث أسرى به في ليلة واحدة، حتى وصل إلى الملإ الأعلى في سويعة، وشاهد فيها ما أطلعه الله على المغيّبات العلوية والسفليّة من الآيات الكبرى، ثم حفظ ذلك، وحدّث به كأنه يشاهده، وهذا من الفضل الجسيم، كما قاله سبحانه وتعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113].

4 - (ومنها): جواز نعت الإنسان بما فيه من الأوصاف الخَلْقيّة والخُلُقيّة؛ للتخصيص لا للتنقيص، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

 

ملحق الفوائد:

 

هذا الحديث الجليل من الأحاديث العظيمة التي اشتملت على فوائد كثيرة، منها:

1_ فيه: إثبات حقيقة رؤية النبي _صلى الله عليه وسلم_ للأنبياء، وأنها كانت رؤية حقيقية لا منامية، تدل على علو مقامه وكرامته عند الله _عز وجل_.

2_ فيه: إثبات كرامة الأنبياء وتعظيم الله لهم، إذ جمعهم للنبي _صلى الله عليه وسلم_ ليعرضهم عليه، وهذا من باب التشريف له ولهم.

3_ فيه: بيان أن للأنبياء أجسادًا حقيقية وهيئات مخصوصة، إذ وصف النبي _صلى الله عليه وسلم_ أشكالهم وألوانهم.

4_ فيه: إثبات أن الله _تعالى_ على كل شيء قدير، فقد أرى نبيه _صلى الله عليه وسلم_ الأنبياء في هيئةٍ يراهم فيها بوضوح، وهو في الدنيا.

5_ فيه: تنويه بفضل موسى _عليه السلام_، وأنه كان قويًّا في بدنه، شديد البأس، يشبه رجال شَنُوءة - وهم قبيلة عربية تُعرف بالقوة والجلادة وطول الجسم - مما يدل على شدته في الحق وقوة شخصيته.

6_ فيه: بيان خلق _عيسى عليه السلام_، وأنه كان حسن الوجه، جميل الصورة، أقرب الناس شبهًا بعروة بن مسعود الثقفي[4]، وهذا من كمال خَلقه _عليه السلام_.

7_ فيه: بيان كمال خِلقة إبراهيم عليه السلام، وأنه أجمل وأكمل الناس هيئة، حتى إن أقرب الناس شبهًا به هو نبينا _صلى الله عليه وسلم_،

وفي هذا: إشارة إلى التشابه في الصورة والمعنى، أي في الصفات الخُلقية والخَلقية.

8_ فيه: إثبات أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ هو أشبه الناس بخليل الرحمن إبراهيم _عليه السلام_، وهذا تشريف عظيم للنبي _صلى الله عليه وسلم_؛ فكما اجتمعا في أصل الرسالة، وهي الدعوة إلى التوحيد، اجتمعا في الشَّبَه الخَلقي أيضًا.

9_ فيه: إشارة إلى وحدة منهج الأنبياء في الدعوة والتوحيد، فهم إخوة دينهم واحد، وإن اختلفت شرائعهم.

10_ فيه: بيان عِظَم مكانة جبريل _عليه السلام_، وأنه كان يظهر أحيانًا في صورة رجل من الصحابة يُدعى دِحية الكلبي[5]،

وهذا يدل على أن للملائكة قدرة على التمثُّل بالأشكال البشرية بإذن الله _سبحانه وتعالى_.

11_ فيه: دليل على إمكان رؤية الملائكة لمن شاء الله _تعالى_ له ذلك، كما رأى النبي _صلى الله عليه وسلم_ جبريل في صورته مرتين، ورآه أيضًا في صورة دحية.

12_ فيه: دلالة على أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان يعرف بعض الصحابة معرفة دقيقة، حتى يُشبِّه بهم من رأى من الأنبياء أو الملائكة، وهذا من فطنته ودقّة نظره _صلى الله عليه وسلم_.

13_ فيه: بيان عظيم علم النبي _صلى الله عليه وسلم_ واتساع معرفته، إذ رأى أنبياء كُثر، وميَّز صفاتهم وأوصافهم.

14_ فيه: إشارة إلى فضل عروة بن مسعود رضي الله عنه، حيث شبَّه النبي _صلى الله عليه وسلم_ به عيسى ابن مريم _عليه السلام_،

فيه: إشارة إلى فضل دحية بن خليفة الكلبي _رضي الله عنه_، حيث شبَّه النبي _صلى الله عليه وسلم_ به جبريل _عليه الصلاة والسلام_ مما يدل على وسامته وكمال صورته.

15. فيه إثبات لصفة الجمال والكمال في الأنبياء _عليهم السلام_، إذ إن الله اصطفاهم من خلقه، واختار لهم أجمل الهيئات وأكمل الصفات.

16_ فيه: تعليم للأمة كيفية وصف الأنبياء بإجلال وأدب، حيث وصفهم النبي _صلى الله عليه وسلم_ بأوصاف تشريف، لا تنقُصٍ من قدرهم.

17_ فيه: دلالة على أن التشابه في الخَلق لا يستلزم التشابه في المقام، فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ أشبه الناس بإبراهيم خَلقًا، لكن مقامه أعظم.

18_ فيه: بيان تفضيل النبي _صلى الله عليه وسلم_ على سائر الأنبياء، لأن رؤيتَه لهم كلهم وعرضَهم عليه دليل على سيادته ورفعة منزلته.

19_ فيه: رد على الغلاة الذين يرفعون بعض الأنبياء فوق النبي محمد _صلى الله عليه وسلم_، إذ أراه اللهُ إياهم جميعًا ليُظهِر فضله عليهم، فلذلك أمَّهم رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ حين أسري به إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماء.

20_ ومن دلائل الإيمان بالأنبياء جميعًا التصديق بوجودهم، وأنهم بشر مكرمون اصطفاهم الله للرسالة.

21_ فيه: إثبات لعقيدة أهل السنة في الإيمان بالملائكة والأنبياء كما وردت صفاتهم في النصوص، بلا تأويل ولا تحريف.

22_ فيه: إشارة إلى أن الجمال الظاهر يدل على الجمال الباطن أحيانًا، كما كان في وجوه الأنبياء التي تشعّ بالنور والهداية.

23_ فيه: تأكيد على أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ جامع لصفات الكمال الإنساني، حتى إنه _صلى الله عليه وسلم_ يُشْبِهُ خليلَ الرحمن في الهيئة، ويزيد عليه في الرسالة الخاتمة.

24 فيه: بيان صدق النبي _صلى الله عليه وسلم_ فيما أخبر به من الغيب، إذ أخباره عن الأنبياء والملائكة لا تكون، إلا بوحي.

25_ فيه: ترغيب للمؤمن في تعظيم الأنبياء والإكثار من الصلاة والسلام عليهم جميعًا، لا سيما على محمد _صلى الله عليه وسلم_ سيدهم وإمامهم.

 

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز _رحمه الله_ كما في "الحلل الإبريزية من التعليقات البازية على صحيح البخاري" (3/ 49):

"الأنبياء رفعت أرواحهم إلى السماء، وصورت في أجساد كأجسادهم في الدنيا إلا عيسى." اهـ

 

 

 



[1] وقال المعلمي _رحمه الله_ في تعليقه على "الأنساب" للسمعاني (2/ 365): "(357- البولاقي) في التاج (ب ل ق) «بلاق كغراب- والعامة تقول بولاق، كطومار- مدينة كبيرة على ضفة النيل على فرسخ من مصر» وفي الطالع السعيد رقم 70 «أحمد بن محمد الأسواني الفقيه الأديب البولاقي ذكره ابن عرام في سيرة بنى الكنز." اهـ

[2] ففي "تاريخ بغداد" – ت. بشار (11/ 602) (رقم: 3453): عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّمَا صِيغَ مِنْ فِضَّةٍ "

[3]  وفي "شرح المصابيح" لابن الملك (6/ 165):

"(كأنه من رجال شَنُوءَة): قبيلة من اليمن، يقال لهم: أَزْد شَنُوءَة، وهي لغة: التَّباعد عن الأدناس، لعلهم لُقِّبوا بذلك لطهارة نسبهم وحسن سيرتهم." اهـ

[4]  (عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ) بن مُعَتِّب - بالمهملة، والمثناة المشددة - بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفيّ، وهو عَمُّ والد المغيرة بن شعبة، وأمه سُبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف، أخت آمنة، كان أحد الأكابر من قومه، وقيل: إنه المراد بقوله: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)} [الزخرف: 31]،

قال ابن عباس، وعكرمة، ومحمد بن كعب، وقتادة، والسُّدّيّ: المراد بالقريتين: مكة والمدينة، وثبت ذكر عروة بن مسعود في الحديث الصحيح في قصة الحديبية، وكانت له اليد البيضاء في تقرير الصلح، وهو مُسْتَوْفًى في "صحيح البخاريّ".

وترجمه ابنُ عبد البر بأنه شَهِدَ الحديبية، وهو كذلك، لكن في العرف إذا أُطلق على الصحابي أنه شَهِد غزوة كذا يَتَبادر أن المراد أنه شَهِدها مسلمًا، فلا يقال: شَهِد معاوية بدرًا؛ لأنه لو أُطلق ذلك ظَنّ مَن لا خِبْرة له؛ لكونه عَرَف أنه صحابيّ أنه شَهِدها مع المسلمين،

وذكر موسى بن عُتبة، عن ابن شهاب، وأبو الأسود، عن عروة، وكذلك ذكره ابن إسحاق يزيد بعضهم على بعض: أن أبا بكر لَمّا صَدَر من الحجّ سنة تسع، قَدِمَ عروة بن مسعود الثقفيّ على النبيّ - صلى الله عليه وسلم -،

وفي رواية ابن إسحاق أنه اتّبَع أثر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا انصرف من الطائف، فأسلم واستأذنه أن يرجع إلى قومه، فقال: إني أخاف أن يقتلوك، قال: لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني، فأَذِن له، فدعاهم إلى الإسلام، ونَصَحَ لهم، فعصوه، وأسمعوه من الأذى، فلما كان من السَحَر قام على غُرْفة له، فَأَذَّن، فرماه رجل من ثقيف بسهم، فقتله، فلما بَلَغَ ذلك النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "مَثَلُ عروة مثل صاحب ياسين، دعا قومه إلى الله، فقتلوه".

واختُلِف في اسم قاتله، فقيل: أوس بن عوف، وقيل: وهب بن جابر، وقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليّ، فليس فِيّ إلا ما في الشهداء الذين قُتِلوا مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم، فدفنوه معهم.

[5]  (دَحْيَةُ) بفتح الدال وكسرها لغتان مشهورتان (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ) يعني: شيخه الثاني في هذا السند (دَحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ) يعني: أنه نسبه إلى أبيه، وأما قتيبة، فلم ينسُبه إليه، بل قال: "دحية" فقط.

وهو دَحْيَةُ بن خَلِيفة بن فَرْوة بن فَضَالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج - بفتح المعجمة، وسكون الزاي، ثم جيم - ابن عامر بن بكر بن عامر الأكبر ابن عوف الكلبيّ - رضي الله عنه -.

صحابيّ مشهورٌ أولُ مشاهده الخندق، وقيل: أُحُدٌ، ولم يشهد بدرًا، وكان يُضْرَب به المثل في حسن الصورة، وكان جبرائيل عليه السلام ينزل على صورته،

جاء ذلك من حديث أم سلمة، ومن حديث عائشة - رضي الله عنها -، ورَوَى النسائيّ بإسناد صحيح، عن يحيى بن معمر، عن ابن عمر - رضي الله عنهما -:

"كان جبرائيل يأتي النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في صورة دحية الكلبيّ"،

ورَوَى الطبراني من حديث عُفير بن مَعْدان، عن قتادة، عن أنس - رضي الله عنه - أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "كان جبرائيل يأتيني على صورة دحية الكلبيّ"، وكان دحية رجلًا جميلًا.

وروى العجليّ في "تاريخه" عن عَوَانة بن الحَكَم، قال: أجمل الناس مَن كان جبرائيل ينزل على صورته.

قال ابن قتيبة في "غريب الحديث":

فأما حديث ابن عباس: كان دحية إذا قَدِم المدينة لم تَبْقَ مُعْصِرٌ إلا خرجت، تنظر إليه، فالمعنى بالمُعْصِر: العاتق.

وقال ابن البَرْقيّ: له حديثان عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وقال الحافظ رَحِمَهُ اللهُ: يَجتمع لنا عنه نحو الستة.

وهو رسول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى قيصر، فلقيه بِحِمْصَ أول سنة سبع، أو آخر سنة ستّ.

ومن المنكر ما أخرجه ابن عساكر في "تاريخه" عن ابن عباس:

أن دحية أسلم في خلافة أبي بكر - رضي الله عنه -، وقد ردَّه ابن عساكر بأن في إسناده الحسين بن عيسى الحنفيّ، وهو أخو سُلَيم القارئ، وهو صاحب مناكير.

وقد رَوَى الترمذيّ من حديث المغيرة - رضي الله عنه -: أنّ في حية أهدى إلى النبيّ عليه السلام خفين، فلبسهما، وعند أبي داود من طريق خالد بن يزيد بن معاوية، عن دحية، قال: أُهدي إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قُبَاطيّ، فأعطاني منها قِبطية.

ورَوَى أحمد من طريق الشعبيّ، عن دحية قال: قلت: يا رسول الله، ألا أحمل لك حمارًا على فرس، فينتج لك بغلًا فتركبها؟ قال:

"إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون".

وقال ابن سعد: أخبرنا وكيع، حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال:

بَعَثَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دِحيةَ سَرِيَّةً وحده"،

وقد شَهِد دحية اليرموك، وكان على كُرْدُوس، وقد نَزَل دمشق، وسكن المِزَّة، وعاش إلى خلافة معاوية - رضي الله عنهما -، والله تعالى أعلم بالصواب

Komentar