شرح الآية الثالثة من (باب الأمر بالمحافظة عَلَى السُّنَّة وآدابِها) من رياض الصالحين

 

ثم قال المؤلف _رحمه الله_ في (باب الأمر بالمحافظة عَلَى السُّنَّة وآدابِها):

وَقالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران:31]

 

وقال أبوْ الْفَرَجِ عبد الرحمن بن علي الدمشقي، المعروف بـ"ابن الجوزيِّ" (المتوفى: 597 هـ) _رحمه الله_ في "زاد المسير في علم التفسير" (1/ 273):

"قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي)، في سبب نزولها أربعة أقوال:

أحدها: أن النبيّ _صلّى الله عليه وسلّم_، وقف على قريش، وقد نصبوا أصنامهم. فقالوا: "يا محمد إِنما نعبد هذه حباً لله، ليقربونا إلى الله زلفى"،

فنزلت هذه الآية، رواه الضحاك عن ابن عباس.

والثاني: أن اليهود قالوا: "نحن أبناء الله وأحبَّاؤه"،

فنزلت هذه الآية، فعرضها النبيّ _صلّى الله عليه وسلّم_ عليهم، فلم يقبلوها، رواه أبو صالح عن ابن عباس.

والثالث: أن ناساً قالوا: "إنّا لنحب ربنا حبّاً شديداً"، فَأَحَبَّ اللهُ أن يجعل لحبه عَلَماً، فأنزل هذه الآية، قاله الحسن، وابن جريج.

والرابع: أن نصارى نجران، قالوا: "إنما نقول هذا في عيسى حباً لله وتعظيماً له"،

فنزلت هذه الآية، ذكره ابن اسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير، واختاره أبو سليمان الدّمشقيّ." اهـ

 

قال الطبري _رحمه الله_ في "جامع البيان" – ت. شاكر (6/ 322):

"أمر الله _جل وعز_ نبيه محمدًا _صلى الله عليه وسلم_ أن يقول لهم: (إن كنتم صادقين فيما تقولون، فاتبعوني)، فإن ذلك علامةُ صِدْقكم فيما قلتم من ذلك." اهـ

 

قال ابن كثير الدمشقي _رحمه الله_ في "تفسيره" – ت. سامي سلامة (2/ 32):

"هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ حَاكِمَةٌ عَلَى كُلِّ مَنِ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ، وَلَيْسَ هُوَ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فَإِنَّهُ كَاذِبٌ فِي دَعْوَاهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، حَتَّى يَتَّبِعَ الشَّرْعَ الْمُحَمَّدِيَّ وَالدِّينَ النَّبَوِيَّ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ وَأَحْوَالِهِ،

كَمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" عَنْ رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنَا فَهُوَ رَدُّ." [م]

وَلِهَذَا قَالَ: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}

أَيْ: يَحْصُلُ لَكُمْ فَوْقَ مَا طَلَبْتُمْ مِنْ مَحَبَّتِكُمْ إِيَّاهُ، وَهُوَ مَحَبَّتُهُ إِيَّاكُمْ، وَهُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْأَوَّلِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ الْعُلَمَاءِ:

(لَيْسَ الشَّأْنُ أَنْ تُحِبّ، إِنَّمَا الشَّأْنُ أَنْ تُحَبّ)[1]،

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ: زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّهَ، فَابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}." اهـ[2]

 

وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تيسير الكريم الرحمن" (ص: 128):

"وهذه الآية فيها وجوب محبة الله، وعلاماتها، ونتيجتها، وثمراتها،

فقال {قل إن كنتم تحبون الله} أي: ادعيتم هذه المرتبة العالية، والرتبة التي ليس فوقها رتبة، فلا يكفي فيها مجرد الدعوى، بل لا بد من الصدق فيها،

وعلامة الصدق: اتباع رسوله _صلى الله عليه وسلم_ في جميع أحواله، في أقواله وأفعاله، في أصول الدين وفروعه، في الظاهر والباطن،

فمن اتبع الرسول، دل على صدق دعواه محبة الله _تعالى_، وأحبه الله، وغفر له ذنبه، ورحِمه وسدّده في جميع حركاته وسكناته،

ومن لم يتبع الرسول، فليس محبا لله تعالى، لأن محبته لله توجب له اتباع رسوله،

فما لم يوجد ذلك، دل على عدمها، وأنه كاذب إن ادعاها، مع أنها على تقدير وجودها غيرُ نافعة بدون شرطها،

وبهذه الآية يوزن جميع الخلق، فعلى حسب حظهم من اتباع الرسول، يكون إيمانهم وحُبُّهم لله، وما نقص من ذلك، نقص." اهـ

 

وقال محمد بن أحمد الأنصاري الخزرجي، المعروف بـ" أبي عبد الله القرطبي" (المتوفى: 671هـ) _رحمه الله_ في "الجامع لأحكام القرآن" (4/ 60):

"وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ:

(عَلَامَةُ حُبِّ اللَّهِ حُبُّ الْقُرْآنِ، وعلامة حب___الْقُرْآنِ حُبُّ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، وَعَلَامَةُ حُبِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُبُّ السُّنَّةِ، وَعَلَامَةُ حُبِّ اللَّهِ وَحُبِّ الْقُرْآنِ وحب النبي وَحُبِّ السُّنَّةِ حُبُّ الْآخِرَةِ، وَعَلَامَةُ حُبِّ الْآخِرَةِ أن يحب نَفْسَهُ، وَعَلَامَةُ حُبِّ نَفْسِهِ أَنْ يُبْغِضَ الدُّنْيَا، وَعَلَامَةُ بُغْضِ الدُّنْيَا أَلَّا يَأْخُذَ مِنْهَا، إِلَّا الزَّادَ وَالْبُلْغَةَ)." اهـ

 

وقال محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر التونسي، المعروف بـ"ابن عاشور" المالكي (المتوفى : 1393 هـ) _رحمه الله_ في "التحرير والتنوير" (3/ 228):

"وَمِنْ آثَارِ الْمَحَبَّةِ: تَطَلُّبُ الْقُرْبِ مِنَ الْمَحْبُوبِ وَالِاتِّصَالِ بِهِ وَاجْتِنَابُ فِرَاقِهِ. وَمِنْ آثَارِهَا: مَحَبَّةُ مَا يَسُرُّهُ وَيُرْضِيهِ، وَاجْتِنَابُ مَا يُغْضِبُهُ،

فَتَعْلِيقُ لُزُومِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ عَلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ _تَعَالَى_، لِأَنَّ الرَّسُولَ دَعَا إِلَى مَا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ وَإِلَى إِفْرَادِ الْوِجْهَةِ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ كَمَالُ الْمَحَبَّةِ...وَيَدُلُّ عَلَى الْحُبَّ الْمَزْعُومَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ اتِّبَاعُ الرَّسُولِ فَهُوَ حُبٌّ كَاذِبٌ، لِأَنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعٌ، وَلِأَنَّ ارْتِكَابَ مَا يَكْرَهُهُ الْمَحْبُوبُ إِغَاضَةٌ لَهُ وَتَلَبُّسٌ بِعَدُوِّهِ " اهـ

 

وقال أبو المظفر، منصور بن محمد السمعاني التميمي (المتوفى: 489 هـ) _رحمه الله_ في "تفسيره" (1/ 311):

"وَاعْلَم أَن محبَّة الله العَبْد، ومحبة العَبْد الله لَا يكون بلذة شَهْوَة، وَلَكِن محبَّة العَبْد فِي حق الله: هُوَ إتْيَان طَاعَته، وابتغاء مرضاته، وَاتِّبَاع أمره، ومحبة الله فِي حق العَبْد: هُوَ الْعَفو عَنهُ، وَالْمَغْفِرَة، وَالثنَاء الْحسن." اهـ[3]

 

وقال أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي (المتوفى: 745 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط في التفسير" (3/ 103)

رَتَّبَ تَعَالَى عَلَى مَحَبَّتِهِمْ لَهُ اتِّبَاعَ رَسُولِهِ مَحَبَّتُهُ لَهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الطَّرِيقَ الْمُوصِلَ إِلَى رِضَاهُ تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ نَبِيِّهِ، فَإِنَّهُ هُوَ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ، إِذْ لا يهتدي لعقل إِلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ اللَّهِ فِي الْعِبَادَاتِ، وَلَا فِي غَيْرِهَا، بَلْ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُوَضِّحُ لِذَلِكَ، فَكَانَ اتِّبَاعُهُ فِيمَا أَتَى بِهِ احْتِمَاءً لِمَنْ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى." اهـ[4]

 

وقال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728 هـ) _رحمه الله_ في "مجموع الفتاوى" (1/ 5):

"وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} . فَجَعَلَ مَحَبَّةَ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ مُوجِبَةً لِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ، وَجَعَلَ مُتَابَعَةَ الرَّسُولِ سَبَبًا لِمَحَبَّةِ اللَّهِ عَبْدَهُ." اهـ

 

وقال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحرّاني (المتوفى: 728 هـ) _رحمه الله_ في "مجموع الفتاوى" (5/ 511):

"أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُ يَقْرُبُ الْعَبْدُ بِالْفَرَائِضِ، وَلَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى يُحِبَّهُ اللَّهُ، فَيَصِيرَ الْعَبْدُ مَحْبُوبًا لِلَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}." اهـ

 

وقال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحرّاني (المتوفى: 728 هـ) _رحمه الله_ في "مجموع الفتاوى" (8/ 338):

"وَضَمِنَ لِمَنْ اتَّبَعَهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ بِقَوْلِهِ: {يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}، وَصَاحِبُ هَذِهِ الْمُتَابَعَةِ لَا يَبْقَى مُرِيدًا إلَّا مَا أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا كَارِهًا إلَّا لِمَا كَرِهَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُحِبُّهُ الْحَق." اهـ

 

وقال محمد بن أبي بكر الدمشقي، المشهور بـ"ابن قيم الجوزية" (المتوفى: 751 هـ)  _رحمه الله_ في "طريق الهجرتين وباب السعادتين" (ص: 302):

"إن موافقة المحبوب من موجبات المحبة وثمراتها، وليست نفس المحبة، بل المحبة تستدعى الموافقة، وكلما كانت المحبة أقوى كانت الموافقة أتم." اهـ

 

وقال أحمد بن الحسين الخُسْرَوْجِردي الْخُرَاسَانِيُّ، المعروف بـ"أبي بكر البيهقي" (المتوفى: 458 هـ) _رحمه الله_ في "شعب الإيمان" (3/ 79):

"لَيْسَ الطَّرِيقُ إِلَى مَحَبَّةِ اللهِ، إِلَّا اتِّبَاعَ حَبِيبِهِ وَلَا يُتَوَسَّلُ إِلَى الْحَبِيبِ بِشَيْءٍ أَحْسَنَ مِنْ مُتَابَعَةِ حَبِيبِهِ وطلب رِضَاهُ." اهـ

 

وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ":

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

"إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ، فَقَالَ: (إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا، فَأَحِبَّهُ)،

قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: (إن الله يجب فُلَانًا، فَأَحِبُّوهُ)،

فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ - قَالَ -: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ،

وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: (إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا، فَأَبْغِضْهُ)،

قَالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: (إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ)، - قَالَ – فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ."[5]

 

ملحق الفوائد:

 

من فوائد هذه الآية الكريمة:

1 - أن المحبة دعوى لا تُقبل، إلا ببينة،

فكل دعوى لا بد لها من برهان يصدقها، وإلا، كانت مجرد دعوى عارية عن الدليل. ولما كان كثير من الناس يدعون محبة الله تعالى، أقام الله لهم ميزانًا عدلًا يُعرف به الصادق من الكاذب، وهو اتباع الرسول _صلى الله عليه وسلم_.

فمن وافق هديه، وسلك سبيله، واقتفى أثره، دل ذلك على صدق محبته، ومن أعرض عن سنته أو استبدل بها غيرها، كانت دعواه ناقصة أو مردودة.

ولهذا كان السلف يقولون: "ليس الشأن أن تُحِب، وإنما الشأن أن تُحَب"؛ لأن العبرة ليست بدعوى العبد محبةَ ربه، وإنما بتحقق الأسباب التي توجب محبة الله _تعالى_ لعبده.

2 - أن اتباع الرسول _صلى الله عليه وسلم_ أصل الدين كله،

فإن الله _تعالى_ لم يجعل طريقًا إلى محبته، إلا من باب متابعة رسوله _صلى الله عليه وسلم_، فدل ذلك على أن جميع العبادات والقربات لا تكون مقبولة إلا إذا كانت موافقة لهدي النبي _صلى الله عليه وسلم_.

ومِنْ هنا كان الاتباع روح الأعمال، وكانت البدعة سببًا في ردها؛ لأن المبتدع لم يرض بما شرعه الرسول _صلى الله عليه وسلم_، فاستدرك على الشرع ما ليس منه، فخرج بذلك عن كمال الاتباع الذي أمر الله به.

3 - أن منزلة الرسول _صلى الله عليه وسلم_ في الأمة منزلة الدليل إلى الله _تعالى_، فإن الله سبحانه لم يقل: "إن كنتم تحبون الله فأطيعوا الله"، وإنما قال: (فَاتَّبِعُونِي)؛ لأن الرسول _صلى الله عليه وسلم_ هو المبلغ عن الله، والهادي إلى سبيله، والمبين لشرعه.

فمن أراد الوصول إلى رضا الله _تعالى_ من غير طريق الرسول _صلى الله عليه وسلم_، فقد ضل السبيل، كما أن من أراد الوصول إلى مقصد، وهو معرض عن الدليل الموصل إليه، فإنه لا يزيده سيره إلا بعدًا.

4 - أن الجزاء من جنس العمل، فلما اتبع العبد الرسولَ _صلى الله عليه وسلم_ محبةً لله وطاعةً له، جازاه الله تعالى بمحبةٍ أعظمَ وأكملَ، فقال: (يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ).

وهذا من أعظم ما يتنافس فيه المتنافسون؛ فإن محبة العبد لربه نعمة عظيمة، ولكن محبة اللهِ للعبد أجل وأعظم؛ إذ هي سبب كل خير في الدنيا والآخرة، وبها يوفَّق العبد للطاعة، ويُعصم من المعصية، ويُثبَّت عند الفتن والمحن.

4 - أن الطاعة سبب لمغفرة الذنوب، فإن الله رتب على الاتباع أمرين جليلين: المحبة والمغفرة، فقال: (يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ).

ففي هذا إشارة إلى أن العبد مهما اجتهد في الطاعة فلا يخلو من تقصير، فجمع الله له بين الإكرام بالمحبة، والجبر بالمغفرة، لئلا يهلكه ما يقع منه من الزلل والخطأ.

6 - أن السنة سبب لاجتماع القلوب، فإن الناس إذا جعلوا مرجعهم سنةَ النبي _صلى الله عليه وسلم_ اتحدتْ كلمتهم، واجتمعت وجهتهم،

أما إذا صار كل قوم يتبعون أهواءهم وآراءهم، تفرقت بهم السبل وتقطعت بهم الأسباب. ولهذا كان أهل السنة أقرب الناس إلى الاجتماع، وأهل البدع أكثر الناس افتراقًا؛ لأن السنة واحدة لا تتعدد، وأما الأهواء فلا نهاية لها.

قال الله _تعالى_:

{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]

7 - أن كمال المحبة يقتضي كمال المتابعة، فكلما ازداد العبد محبة لله ازداد اتباعًا لرسوله _صلى الله عليه وسلم_، وكلما نقص اتباعه دل على نقص ما عنده من المحبة.

ولهذا كان الصحابة _رضي الله عنهم_ أكمل الأمة محبةً لله ورسوله؛ لأنهم كانوا أشد الناس اقتداءً بالنبي _صلى الله عليه وسلم_ في صغير الأمر وكبيره، حتى في هيئته وآدابه وعاداته التي شرع التأسي بها.

8 - الرد على أهل الأذواق والمواجيد، فإن طوائف من الناس زعمت أن محبة الله تنال بالأذواق والمكاشفات، ولو خالف صاحبُها السنةَ، فرد الله عليهم بهذه الآية، وجعل الميزان الحق هو الاتباعُ لا الوجد، والاقتداءُ لا الدعوى.

فكل طريق لا يمر عبر متابعة الرسول _صلى الله عليه وسلم_ فهو طريق مسدود، وإن زخرفه أصحابه بالأسماء والألقاب.

10 - أن هذه الآية أصل في إبطال البدع، وذلك لأن المبتدع إنما يتقرب إلى الله بعمل لم يشرعه الرسولُ _صلى الله عليه وسلم_، وقد جعل الله علامة المحبة الاتباعَ، لا الاختراع.

فكانت هذه الآية سيفًا قاطعًا على كل بدعة، وحجةً قائمةً على كل محدثة؛ إذ لو كان الخيرُ فيما أحدثه الناس، لسبق إليه الرسول _صلى الله عليه وسلم_ وأصحابه _رضي الله عنهم_.

11 - شرف السنة وعظيم منزلتها، فإن الله _سبحانه_ علق أعظم المطالب عليها، وهي: محبته ومغفرته. وما كان سببًا لهذين الأصلين العظيمين دل على علو قدره ورفيع منزلته.

ولهذا كان السلف يعدون التمسك بالسنة نجاةً، ويرون أن الخير كله في لزوم الآثار، وأن الشر كله في مخالفة سبيل النبي المختار _صلى الله عليه وسلم_، إذ السنة سفينة النجاة، ومن ركبها وصل، ومن تخلف عنها عرّض نفسه للهلكة والضلال.[6]

قال بعض السلف: ليس في الدنيا طريق إلى الله أقرب ولا أوضح ولا أسلم من طريق متابعة محمد _صلى الله عليه وسلم_، فمن لزمها فاز، ومن عدل عنها خسر وخاب. والله أعلم.


[1] قال ابن القيم _رحمه الله_ في "روضة المحبين ونزهة المشتاقين" (ص: 266):

"فجعل _سبحانه_ متابعة رسوله سببًا لمحبتهم له، وكون العبد محبوبا لله أعلى من كونه محبا لله، فليس الشأن أن تحب الله ولكن الشأن أن يحبك الله." اهـ

[2] قال ابن تيمية _رحمه الله_ في "مجموع الفتاوى" (10/ 81):

"قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: ادَّعَى قَوْمٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّهَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ {قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} الْآيَةَ.

فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ مَحَبَّتَهُ تُوجِبُ اتِّبَاعَ الرَّسُولِ، وَأَنَّ اتِّبَاعَ الرَّسُولِ يُوجِبُ مَحَبَّةَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ. وَهَذِهِ مَحَبَّةٌ امْتَحَنَ اللَّهُ بِهَا أَهْلَ دَعْوَى مَحَبَّةِ اللَّهِ، فَإِنَّ هَذَا الْبَابَ تَكْثُرُ فِيهِ الدَّعَاوَى وَالِاشْتِبَاهُ؛  وَلِهَذَا يُرْوَى عَنْ ذِي النُّونِ الْمِصْرِيِّ أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِي مَسْأَلَةِ الْمَحَبَّةِ عِنْدَهُ، فَقَالَ: (اُسْكُتُوا عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، لِئَلَّا تَسْمَعَهَا النُّفُوسُ فَتَدَّعِيَهَا)." اهـ

[3] هذه من علامات حب الله وثمراته!

[4] وقال ابن تيمية _رحمه الله_ في "مجموع الفتاوى" (1/ 67): "وَذَكَرَ طَاعَةَ الرَّسُولِ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ مَوْضِعًا مِنْ الْقُرْآنِ." اهـ

[5] قال الطحاوي _رحمه الله_ في "شرح مشكل الآثار" (9/ 408):

"فَكَانَتْ مَحَبَّتُهُ عَزَّ وَجَلَّ إِيَّاهُمْ بِاتِّبَاعِهِمْ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَذَلِكَ مِمَّا قَدْ يَكُونُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ , فَإِذَا اتَّبَعُوهُ صَارُوا لِرَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ أَوْلِيَاءَ , فَأَلْقَى فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ مَحَبَّتَهُمْ , فَيُحِبُّونَهُمْ بِاخْتِيَارِهِمْ , فَيُثَبِّتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ , كَمِثْلِ مَا يُلْقِي فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ،

كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً} [الحجرات: 8]،

فَأَخْبَرَ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا تَفَضَّلَ بِهِ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مِمَّا أَلْقَاهُ فِي قُلُوبِهِمْ حَتَّى يَكُونَ مِنْهُمْ مَا يَحْمَدُهُمْ عَلَيْهِ , فَيَأْجُرَهُمْ وَيُثَبِّتَهُمْ عَلَيْهِ , فَمِثْلُ ذَلِكَ الْمَحَبَّةُ لِأَوْلِيَاءِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِتَحْبِيبِهِ إِيَّاهُمْ إِلَى مَنْ يُحَبِّبْهُمْ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ , فَيُحِبُّونَهُمْ بِاخْتِيَارِهِمْ , وَبِاكْتِسَابِ مَحَبَّتِهِمْ , فَيَأْجُرُهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَيُثَبِّتُهُمْ عَلَيْهِ.

وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَنْ أَبْغَضَهُ مِنْ عِبَادِهِ , بِخُرُوجِهِ عَنْ رَسُولِهِ , وَلِعُنُودِهِ عَنْ أَمْرِهِ، يُبْغِضُهُ عَزَّ وَجَلَّ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ لَهُ عَدُوًّا , فَيُوقِعُ فِي قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ بُغْضَهُ , فَيُبْغِضُونَهُ بِاكْتِسَابِهِمْ لِذَلِكَ , فَيُؤْجَرُونَ عَلَى بُغْضِهِمْ إِيَّاهُ , وَيُثَابُونَ عَلَى ذَلِكَ ,

فَقَدْ بَانَ بِحَمْدِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ جَمِيعُ مَا رُوِّينَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ , أَنَّهُ لَا تَضَادَّ فِيهِ , وَلَا مُخَالَفَةَ لِبَعْضِهِ بَعْضًا , وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ." اهـ

[6] ففي "تاريخ دمشق" لابن عساكر (14/ 9): قال ابن وهب: "كنا عند مالك فذكرت السنة، فقال مالك: (السنة سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق)." اهـ

Komentar

Postingan populer dari blog ini

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة