شرح الحديث 259 (بَابُ إِثْمِ مَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِغَيْرِ رشد) من الأدب المفرد

  

130- بَابُ إِثْمِ مَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِغَيْرِ رشد

 

259 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:

قَالَ النَّبِيُّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:

«مَنْ تَقَوَّلَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»

«وَمَنِ اسْتَشَارَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ رُشْدٍ، فَقَدْ خَانَهُ»[1]

«وَمَنْ أُفْتِيَ فُتْيَا بِغَيْرِ ثَبْتٍ، فَإِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ»[2]

[قال الشيخ الألباني: صحيح]

 

رواة الحديث:

 

* حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ (ثقة فاضل: ت. 213 هـ):

عبد الله بن يزيد القُرَشِيُّ العَدَوِيُّ المكِّيُّ، أبو عبد الرحمنِ الْمُقْرِئُ القَصِيْرُ (مولى آل عمر بن الخطاب، سكن مكة)، من صغار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ (ثقة ثبت: ت. 161 هـ):

سعيد بن أبى أيوب: مقلاص ، الخزاعى مولاهم المصرى ، أبو يحيى، من كبار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق

 

* قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ عَمْرٍو (صدوق عابد: ت. بعد 140 هـ فى خلافة أبى جعفر):

بكر بن عمرو المقرئ الْمَعَافِرِيُّ[3] الْمِصْرِيُّ (إِمَامُ جَامِعِ الفُسْطَاطِ بمصر)، من الذين عاصروا صغار التابعين، روى له: خ م د ت س فق  (فق: ابن ماجه في التفسير )

 

* عَنْ أَبِي عُثْمَانَ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ (مقبول: ت. زمن هشام بن عبد الملك بـ أفريقية)[4]:

مسلم بن يسار المصري، أبو عثمان الطُّنْبُذِيُّ، (ويقال: الأفْرِيْقِيُّ)، مولى الأنصار (جليس أبى هريرة، وهو رضيع عبد الملك)، من طبقة تلي الوسطى من التابعين، روى له: بخ م د ت ق 

 

قال الذهبي _رحمه الله_ في "سير أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (4/ 514): "وَهُوَ قَلِيْلُ الحَدِيْثِ، صَدُوْقٌ." اهـ

 

وقال _رحمه الله_ في "ميزان الاعتدال" (4/ 107): "ولا يبلغ حديثه درجة الصحة. وهو في نفسه صدوق." اهـ

 

* عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (صحابي: ت. 57):

عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليماني، روى له: خ م د ت س ق.

 

نص الحديث وشرحه:

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:

قَالَ النَّبِيُّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:

«مَنْ تَقَوَّلَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[5]

«وَمَنِ اسْتَشَارَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ رُشْدٍ، فَقَدْ خَانَهُ»[6]

«وَمَنْ أُفْتِيَ فُتْيَا بِغَيْرِ ثَبْتٍ، فَإِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ»[7]

 

وفي "المستدرك على الصحيحين" للحاكم (1/ 184):

"وَمَنْ أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ."

 

المعنى الإجمالي لهذا الحديث

 

جمع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ثلاثة أصول عظيمة من أصول الأمانة والصدق والنصح، وحذَّر من ثلاثة أبواب من أبواب الخيانة والإفساد في الدين والدنيا، وهي: الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخيانة المستشير، والقول على الله بغير علم.

فابتدأ صلى الله عليه وسلم بالتحذير من الكذب عليه فقال: «من تقوَّل عليَّ ما لم أقل، فليتبوأ مقعده من النار».

أي: من تعمد أن ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولًا لم يقله، أو حديثًا لم يتكلم به، فقد ارتكب من أعظم الكبائر، واستحق هذا الوعيد الشديد؛ لأن الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم ليس كالكذب على غيره، إذ يترتب عليه تغيير الدين وإدخال ما ليس منه فيه.

 

ثم انتقل إلى بيان حق المسلم على أخيه إذا استشاره، فقال:

«ومن استشاره أخوه المسلم، فأشار عليه بغير رشد، فقد خانه».

أي: إذا طلب المسلم من أخيه المشورة، وجب عليه أن ينصح له ويشير عليه بما يراه أصلح لدينه أو دنياه،

فإن أشار عليه بما يعلم أن فيه ضررًا أو مفسدة، أو غلب على ظنه ذلك، فقد خان الأمانة التي ائتمنه عليها أخوه. والمستشار مؤتمن، كما جاء في الحديث الآخر: «المستشار مؤتمن».

 

ثم ختم الحديث بالتحذير من الفتيا بغير علم فقال: «ومن أُفتي فتيا بغير ثبت، فإثمه على من أفتاه».

أي: من سأل عالمًا أو من ظنه عالمًا عن مسألة، فأفتاه ذلك المفتي بغير علم ولا دليل ولا تثبت، فأوقعه في الخطأ، فإن وزر تلك الفتوى وإثمها على المفتي المتجرئ على دين الله.

وفي هذا زجر شديد عن القول على الله بغير علم، فإن المفتي موقع عن رب العالمين، فلا يجوز له أن يتكلم إلا بعلم وبصيرة.

 

فبين هذا الحديث أن الشريعة قامت على الصدق والأمانة والنصح، ولذلك حرم النبي صلى الله عليه وسلم الكذب عليه، وعدَّه من موجبات الوعيد الشديد، وحرم خيانة المستشير بإرشاده إلى غير الصواب، وحذر من الفتيا بغير علم، لأن ذلك من أعظم أسباب إضلال الناس وإفساد دينهم.

فالمؤمن مأمور بأن يكون صادقًا في نقله، أمينًا في نصحه، متثبتًا في فتواه، حتى يسلم من الخيانة والكذب والقول على الله بغير علم." اهـ

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري بأَشْطُرِهِ الثلاثة في "الأدب المفرد" (ص: 100) (رقم: 259)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (2/ 321 و 2/ 365) (رقم: 8266 و 8776)، إسحاق بن راهويه في "مسنده" (1/ 340) (رقم: 334)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (1/ 365) (رقم: 410)، والطبراني في "طرق حديث من كذب علي متعمدا" (ص: 87) (رقم: 82)، وابْنُ بِشْرَانَ في "الأمالي" - الجزء الأول (ص: 26) (رقم: 5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (1/ 183_184) (رقم: 349_350)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 192 و 10/ 199) (رقم: 20324 و 20353)، وفي "المدخل إلى السنن الكبرى" (ص: 176) (رقم: 181)، والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (2/ 327)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (2/ 991) (رقم: 1889_1891)، عبد الغني الْمَقْدِسِيُّ في "نهاية المراد من كلام خير العباد" (2/ 97) (رقم: 91).

* وأخرج الشطر الأول منه ابن أبي شيبة في "المصنف" (5/ 296) (رقم: 26249)، والطبراني في "طرق حديث من كذب علي متعمدا" (ص: 87) (رقم: 81).[8]

* وأخرج الشطر الثاني منه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (11/ 80) (رقم: 4296)، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (ص: 254) (رقم: 782)

* وأخرج أبو داود الشطْرَ الثانِيَ والثالثَ مِنْهُ في "سننه" (3/ 321) (رقم: 3657)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (2/ 860) (رقم: 1625).[9]

* وأخرج الثالث منه ابن ماجه في "سننه" (1/ 20) (رقم: 53)، والدارمي في "سننه" – ت. الداراني (1/ 259) (رقم: 161)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (1/ 215) (رقم: 436)، والبيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" (ص: 429) (رقم: 789).

 

والحديث – بأشطره الثلاثة – حسن صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الأدب المفرد" (ص: 114) (رقم: 196)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 1048 2/ 1060) (رقم: 6068_6069 و 6161)، وحسنه الشيخ مقبل الوادعي _رحمه الله_ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (2/ 355) (رقم: 1336).

 

من فوائد الحديث:

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه" (1/ 460):

"وقد تقدّم أنه يحتمل أن يكون إخبارًا، وأن يكون دعاء عليه، وفي كلا الحالتين وعيد شديد؛ لأن إخباره -صلى الله عليه وسلم- واقع حقّا وصدقًا، ودعاءه لمن يستحقّ مستجاب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان." اهـ

 

شرح مشكل الآثار (11/ 82)

فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنِ اسْتَشَارَ أَخَاهُ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الرُّشْدِ فَقَدْ خَانَهُ،

وَتَحْتَ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ إِذَا أَشَارَ عَلَيْهِ بِالرُّشْدِ كَانَ مِنْهُ ضِدُّ الْخِيَانَةِ وَهِيَ الْمُنَاصَحَةُ، وَكَانَ مَنْ كَانَ فِيهِ الْخِيَانَةُ مُسْتَحِقًّا لِلْعِقَابِ عَلَيْهَا، وَمَنْ كَانَتْ مِنْهُ الْأَمَانَةُ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوَابِ عَلَيْهَا، فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَا مَا الْمُرَادُ بِالْأَمَانَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَدَأْنَا بِذِكْرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَاللهُ الْمَحْمُودُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِيَّاهُ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ." اهـ

 

وقال أبو العبَّاس أحمَدُ بنُ عُمَرَ بنِ إبراهيمَ، الأنصاريُّ القرطبيُّ (المتوفى: 656 هـ) _رحمه الله_ في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (15/ 50):

"وعلى أن المستشار يجب عليه أن يشير بأحسن ما يظهر له، كما قال _صلى الله عليه وسلم_: (من أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره؛ فقد خانه)." اهـ

 

وقال علي بن سلطان، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (المتوفى: 1014 هـ) _رحمه الله_ في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (1/ 318):

"كُلُّ جَاهِلٍ سَأَلَ عَالِمًا عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَأَفْتَاهُ الْعَالِمُ بِجَوَابٍ بَاطِلٍ، فَعَمِلَ السَّائِلُ بِهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بُطْلَانَهُ، فَإِثْمُهُ عَلَى الْمُفْتِي إِنْ قَصَّرَ فِي اجْتِهَادِهِ." اهـ

 

التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 127):

"على المفتى بالجهل إثمان إثم القول بغير علم وإثم عمل المستفتي." اهـ[10]

 

وقال شيخنا عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد البدر _حفظه الله_ في "شرح سنن أبي داود" – تفريغ الشاملة (414/ 13):

"فالمستفتي أو الذي يعمل بخلاف الصواب إذا علم بأن هذه الفتوى غير صحيحة، فلا شك أنه آثم،

وإذا كان يعلم أن هذا المستفتي غير عالم، فإنه مقصّر ويكونُ آثماً،

وأما إذا كان الذي سأله عالِمًا، وذلك العالم أخطأ، فذلك العالم المجتهد غير آثم، وهذا المستفتي أيضاً غير آثم، لأنه فعل ما يستطيع." اهـ

 

إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/ 30):

"فَكُلُّ خَطَرٍ عَلَى الْمُفْتِي، فَهُوَ عَلَى الْقَاضِي، وَعَلَيْهِ مِنْ زِيَادَةِ الْخَطَرِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ، وَلَكِنْ خَطَرُ الْمُفْتِي أَعْظَمُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى؛ فَإِنَّ فَتْوَاهُ شَرِيعَةٌ عَامَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَفْتِي وَغَيْرِهِ.

وَأَمَّا الْحَاكِمُ، فَحُكْمُهُ جُزْئِيٌّ خَاصٌّ لَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَلَهُ؛ فَالْمُفْتِي يُفْتِي حُكْمًا عَامًّا كُلِّيًّا أَنَّ مَنْ فَعَلَ كَذَا، تَرَتَّبَ عَلَيْهِ كَذَا، وَمَنْ قَالَ كَذَا لَزِمَهُ كَذَا.

وَالْقَاضِي___يَقْضِي قَضَاءً مُعَيَّنًا عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، فَقَضَاؤُهُ خَاصٌّ مُلْزِمٌ، وَفَتْوَى الْعَالِمِ عَامَّةٌ غَيْرُ مُلْزِمَةٍ، فَكِلَاهُمَا أَجْرُهُ عَظِيمٌ، وَخَطَرُهُ كَبِيرٌ." اهـ

 

إعلام الموقعين عن رب العالمين (2/ 136)

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْإِفْتَاءِ بِالتَّقْلِيدِ، فَإِنَّهُ إفْتَاءٌ بِغَيْرِ ثَبْتٍ؛ فَإِنَّ الثَّبْتَ الْحُجَّةُ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الْحُكْمُ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ

 

وقال علي بن سلطان، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (المتوفى: 1014 هـ) _رحمه الله_ في "شم العوارض في ذم الروافض" (ص: 132):

"وَقَالَ في "الملتقط"[11]:

وَلاَ يَنبغَي لأحدٍ أنْ يفتي إلاَّ أن يعرفَ أقاويل العُلماء، وَيعلم مِن أين قالوا، وَيعرف مُعَاملاتِ النَّاس، فإن سُئل عَن مَسألة يعلم أن العُلماء الذين ينتحل مَذهبهم قَد اتفقوا عَلَيه، فَلاَ بَأسَ بأن يقول هَذا جَائز وَهذا لاَ يَجُوز، وَيكُون قَولِهِ عَلى سِبيل الحكَاية،

وَإن كَانَت مَسألة قد اختلَفُوا فيها فلا بَأسَ بأن يقول: "هَذا جَائز في قَولِ فلانٍ، وَفي قَولِ فلانٍ"، لاَ يَجُوز وَليسَ لَهُ الخيَار، فيَجبُ بِقَولِ بَعضهم مَا لم يَعرف حجته." اهـ

 

وقال الشيخ عبد الله بن عبد المحسن بن عبد الرحمن التركي _حفظه الله_ في "المذهب الحنبلي دراسة في تاريخه وسماته" (1/ 410):

"ويعتبر منصب الفتوى منصباً كبيراً في الإسلام، باعتبار أنه منصب التوقيع عن الله -عَزَّ وَجَلَّ- في بيان أحكامه للناس، فمن لم يكن أهلاً لذلك وإن غاشًا للناس في الدين، مفترياً على الله ورسوله، فيكون مَنْ هذه حاله واقفاً على شفير جهنم.

 

التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 127)

المستشار مؤتمن فإذا أشار بغير ما يرضاه لنفسه فقد خان من ائتمنه

 

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية (5/ 97):

"ينبغي للمشير أن يشير عليه بما هو الأصلح له في دينه. وإن أضر بدنياه، فعليه أن يشير بما فيه صلاح الدين، إما مع صلاح الدنيا أيضًا أو صلاحه فقط.

ويتخلى عن الهوى ويشير بما ظهر له صلاحه في الدين، لحديث: (المستشار مؤتمن)." اهـ

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية (5/ 97)

استشار النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابة في عدة أشياء منها في غزوة بدر وفي غزوة أحد وفي الخندق كل ذلك في الخروج وعدمه واستشار في بدر أيضًا في أخذ الفداء وأشير عليه فيها باختيار المنزل واستشار في الحديبية في بيات أهل مكة وأشارت عليه أم سلمة في التحلل واستشار أيضًا في قصة الإفك في شيئين إلى غير ذلك واستشار أبو بكر في قتال أهل الردة وفي جمع القرآن وفي غير ذلك وصدر ذلك من عمر حتى جعل الخلافة بعده شورى ذكره الحافظ والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام

 

ملحق الفوائد:

 

وهذا الحديث من جوامع الكلم، إذ جمع أصولًا عظيمة في باب الأمانة والعلم والنصيحة، وفيه من الفوائد ما لا يكاد يُحصى.

١- تحريم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم

فإن النبي صلى الله عليه وسلم توعد من نسب إليه ما لم يقله بالنار، وهذا من أعظم الوعيد الوارد في السنة.

وإنما عظم هذا الذنب؛ لأن الكذب عليه كذب على الشريعة كلها، إذ يترتب عليه إدخال ما ليس من الدين فيه، أو إخراج ما هو منه عنه.

ولهذا كان السلف يتشددون غاية التشدد في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

٢- أن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم من كبائر الذنوب

فإن كل ذنب رتب الشارع عليه وعيدًا بالنار فهو من الكبائر.

وقد أجمع أهل العلم على أن تعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم الكبائر وأشنع الجرائم.

بل عده بعض العلماء أشد من الكذب على غيره من الخلق جميعًا.

٣- وجوب التثبت في نقل الأحاديث

فإذا كان الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم موجبًا لهذا الوعيد الشديد، وجب على المسلم أن يتحرى صحة ما ينقله من الأحاديث.

فلا يحدث بكل ما يسمع، ولا ينشر كل ما يبلغه، حتى يعلم ثبوته وصحته.

ولهذا قال عبد الله بن المبارك رحمه الله:

"الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء".

٤- تعظيم السنة النبوية

فإن هذا الوعيد يدل على علو منزلة السنة في الإسلام.

إذ لو لم تكن السنة وحيًا يجب حفظه وصيانته لما اشتد الوعيد في الكذب على صاحبها صلى الله عليه وسلم.

وفي هذا رد على من يهون من شأن السنة أو يستخف بها.

٥- أن المشورة أمانة

فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الإشارة بغير رشد خيانة.

وما كان ضد الخيانة إلا الأمانة.

فالمستشار مؤتمن على دين أخيه ودنياه، وعليه أن يبذل له خالص رأيه وأصدق نصحه.

٦- وجوب النصح للمستشير

فإن المسلم إذا استشاره أخوه فقد قلده أمانة عظيمة.

والواجب عليه أن يقصد مصلحة المستشير لا مصلحة نفسه.

وأن يحب له ما يحب لنفسه.

وهذا من تمام الأخوة الإيمانية.

٧- تحريم الغش في المشورة

فإن من دل أخاه على ما يضره، أو كتم عنه ما ينفعه، فقد خانه.

والخيانة من أخلاق المنافقين وأهل الغدر.

أما المؤمن فشعاره الصدق والنصح والوفاء.

٨- أن الخيانة قد تكون بالقول كما تكون بالفعل

فكثير من الناس يظنون أن الخيانة لا تكون إلا في الأموال.

وهذا الحديث يدل على أن من أعظم الخيانة خيانة الرأي والمشورة.

بل قد تكون أخطر من خيانة المال؛ لأن ضررها يتعدى إلى الدين والدنيا.

٩- فضل الشورى بين المسلمين

فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقر أصل الاستشارة، وإنما ذم الخيانة فيها.

وفي هذا دليل على أن التشاور من أخلاق المؤمنين.

قال تعالى:

﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾.

١٠- أن الرشد مطلوب في الأقوال والأعمال

فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الرشد هو المعيار في المشورة.

والرشد هو إصابة الحق وسلوك سبيل الحكمة.

فالمؤمن يسأل الله دائمًا أن يهديه إلى الرشد في شأنه كله.

١١- خطر الفتوى بغير علم

فإن النبي صلى الله عليه وسلم رتب الإثم على من أفتى بغير ثبت.

وفي هذا أعظم الزواجر عن التسرع في الفتيا.

وقد كان السلف يفرون من الفتوى ويهابونها أشد الهيبة.

١٢- أن القول على الله بغير علم من أعظم المحرمات

لأن المفتي يخبر عن حكم الله.

فإذا تكلم بغير علم فقد نسب إلى الله ما لا يعلم.

ولهذا قرن الله القول عليه بغير علم بالشرك في قوله:

﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.

١٣- أن المفتي موقع عن رب العالمين

فالمفتي ليس مخبرًا عن رأيه المجرد، بل هو مبلِّغ لحكم الله بحسب اجتهاده.

ولهذا كان منصب الفتوى من أشرف المناصب وأخطرها.

١٤- أن الجاهل لا يجوز له التصدر للفتوى

فإن الحديث دل على أن الإثم يلحق من أفتى بغير ثبت.

وفيه زجر شديد لكل من يتكلم في دين الله بغير علم أو بصيرة.

١٥- أن المستفتي إذا اجتهد في سؤال أهل العلم فلا حرج عليه

لقوله صلى الله عليه وسلم:

«فإثمه على من أفتاه».

أي إذا كان قد سأل من يظنه أهلًا للعلم.

أما إذا تعمد سؤال الجهال أو أهل الأهواء فلا يسلم من التبعة.

١٦- وجوب تحري أهل العلم الثقات

فالحديث يدل بمفهومه على أن المسلم ينبغي أن يختار لمن يستفتيه أهل العلم والديانة والورع.

لأن الدين أعظم من أن يؤخذ عن كل أحد.

١٧- أن فساد العلم يفسد الأمم

فإن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، والفتوى بغير علم، كلاهما من أبواب إفساد العلم.

وإذا فسد العلم فسد العمل، وإذا فسد العمل فسد المجتمع كله.

١٨- اجتماع حقوق عظيمة في هذا الحديث

فقد جمع الحديث:

حق الرسول صلى الله عليه وسلم في حفظ سنته.

وحق المسلم في النصيحة الصادقة.

وحق الله تعالى في ألا يُتكلَّم في دينه بغير علم.

فكان من الأحاديث الجامعة لأصول الخير.

١٩- أن الشريعة قائمة على الصدق

فالكذب على النبي صلى الله عليه وسلم مذموم.

وخيانة المستشير مذمومة.

والفتوى بغير علم مذمومة.

وجامع ذلك كله مخالفة الصدق.

فدل الحديث على أن الصدق أساس الدين والدنيا.

٢٠- أن الأمانة تشمل جميع شؤون الحياة

فليست الأمانة مقصورة على حفظ الأموال.

بل تدخل في:

الرواية والنقل.

والمشورة والنصيحة.

والفتوى والتعليم.

وسائر ما اؤتمن عليه العبد.

ومن حفظ الأمانة في هذه الأبواب كان من أهل الفلاح.

فهذا الحديث أصل عظيم في وجوب الأمانة والصدق في العلم والعمل؛ إذ حذر من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن خيانة المسلم في المشورة، ومن الجرأة على الفتوى بغير علم. وفيه أن الدين لا يقوم إلا على الصدق والتثبت والنصح، وأن فساد الرواية، وفساد المشورة، وفساد الفتوى من أعظم أسباب فساد الأفراد والمجتمعات. ولذلك كان السلف رحمهم الله أشد الناس احتياطًا في النقل، وأصدقهم نصحًا للمسلمين، وأعظمهم خوفًا من القول على الله بغير علم.



[1] قال عليٌّ القاري _رحمه الله_ في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (1/ 318_319):

(وَمَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمْرٍ) ": قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا عُدِّيَ " أَشَارَ " بِـ"عَلَى"، كَانَ بِمَعْنَى الْمَشُورَةِ، أَيِ: اسْتَشَارَهُ وَسَأَلَهُ كَيْفَ أَفْعَلُ هَذَا الْأَمْرَ اهـ.

وَفِي الْقَامُوسِ: أَشَارَ عَلَيْهِ بِكَذَا أَمَرَهُ، وَاسْتَشَارَ: طَلَبَهُ الْمَشُورَةَ، فَالظَّاهِرُ: مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَى: مَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ وَهُوَ مُسْتَشِيرٌ، وَأَمَرَ الْمُسْتَشِيرَ بِأَمْرٍ (يَعْلَمُ)، وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ: مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ (أَنَّ الرُّشْدَ) أَيِ: الْمَصْلَحَةَ.___(فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ (فَقَدْ خَانَهُ) أَيْ: خَانَ الْمُسْتَشَارُ الْمُسْتَشِيرَ إِذْ وَرَدَ: أَنَّ «الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ» وَ«مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»." اهـ

وقال أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا الساعاتي (المتوفى: 1378 هـ) _رحمه الله_ في "بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني" مع "الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني" (19/ 282):

"الرشد – بالتحريك، وبضم الراء، وسكون المعجمة -: الهداية والدلالة على ما فيه الخير والسداد، فإذا أشار عليه بغير ما يراه صوابا، فقد خانه ولذلك جاء في لفظ (فأشار عليه بأمر وهو يرى الرشد في غيره فقد خانه)." اهـ

[2] قال عليٌّ القاري _رحمه الله_ في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (1/ 318_319):

"(مَنْ أُفْتَى): عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَقِيلَ: مَعَ الْمَعْلُومِ (بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ)، قَالَ الْأَشْرَفُ، وَتَبِعَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (أَفْتَى) الثَّانِي بِمَعْنَى اسْتَفْتَى، وَأُفْتَى الْأَوَّلُ مَعْرُوفًا، أَيْ: كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنِ اسْتَفْتَاهُ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ فِي مَعْرِضِ الْإِفْتَاءِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا، أَيْ: فَإِثْمُ إِفْتَائِهِ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ، أَيِ: الْإِثْمُ عَلَى الْمُفْتِي دُونَ الْمُسْتَفْتِي اهـ.

وَالْأَظْهَرُ: الثَّانِي، وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنَ النُّسَخِ يَعْنِي: كُلُّ جَاهِلٍ سَأَلَ عَالِمًا عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَأَفْتَاهُ الْعَالِمُ بِجَوَابٍ بَاطِلٍ، فَعَمِلَ السَّائِلُ بِهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ بُطْلَانَهُ فَإِثْمُهُ عَلَى الْمُفْتِي إِنْ قَصَّرَ فِي اجْتِهَادِهِ.

[3] قال ابن الأثير _رحمه الله_ في "اللباب في تهذيب الأنساب" (3/ 229):

"الْمَعَافِرِي (بِفَتْح الْمِيم وَالْعين وَبعد الْألف فَاء مَكْسُورَة وَرَاء): هَذِه النِّسْبَة إِلَى المعافر بن يعفر بن مَالك بن الْحَارِث بن مرّة بن أدد بن زيد بن يشجب ابْن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، قبيلٌ ينْسب إِلَيْهِ كثير عامتهم بِمصْر." اهـ

[4] قال الذهبي _رحمه الله_ في "سير أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (4/ 514) (رقم: 204): "أَمَّا مُسْلِمُ بنُ يَسَارٍ أَبُو عُثْمَانَ المِصْرِيُّ الطُّنْبُذِيُّ (د، ت، ق). وَطُنْبُذُ: قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى مِصْرَ، فَكَانَ رَضِيْعَ الخَلِيْفَةِ عَبْدِ المَلِكِ." اهـ

وقال الأرنؤوط _رحمه الله_ في تعليقه على "سير أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (4/ 514):

"كذا الأصل وأنساب السمعاني واللباب وتاج العروس، أما ياقوت فقد ضبطه في معجم البلدان بالفتح وزيادة تاء (طنبذة) وقال: قرية من أعمال البهنسى من صعيد مصر." اهـ

وقال ياقوت الحموي _رحمه الله_ في "معجم البلدان" (4/ 42): "طَنْبَذَةُ: ثانيه ساكن، والباء مفتوحة موحدة، وآخره ذال معجمة: قرية من أعمال البهنسا من صعيد___مصر. وطنبذة أيضا: من نواحي إفريقية." اهـ

[5] (مَنْ تَقَوَّلَ عَلَيَّ)، التقول في لغة العرب: أن ينسب الإنسان إلى غيره كلامًا لم يقله. يقال: تقول فلان على فلان. إذا ادعى عليه قولًا لم يتكلم به. ومنه قول الله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ) [الحاقة: 44]. أي: لو نسب إلينا ما لم نقله. فالمعنى هنا: من نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا أو حكمًا أو خبرًا لم يقله. (مَا لَمْ أَقُلْ)، أي: ما لم أتلفظ به ولم يصدر عني. ويدخل في ذلك: اختلاق الأحاديث، رواية الأحاديث المكذوبة مع العلم بكذبها، نسبة الأحكام إلى النبي صلى الله عليه وسلم بغير بينة. (فَلْيَتَبَوَّأْ)، أصل التبوؤ: النزول في المكان واتخاذه مسكنًا. يقال: تبوأ منزله. أي: اتخذه مقرًا ومستقرًا. (مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)، المقعد: الموضع الذي يقعد فيه الإنسان. والمعنى: ليتهيأ لنفسه منزلة في النار بسبب هذا الذنب العظيم. وهذا من أشد ألفاظ الوعيد الواردة في السنة. ولا يلزم منه الخلود إذا كان الفاعل مسلمًا غير مستحل للكذب، ولكنه يدل على أن الذنب من كبائر الذنوب.

قال أبو الفرج ابن الجوزي _رحمه الله_ في "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (2/ 302): " من تَقول عَليّ مَا لم أقل " أَي من تكلّف أَن يَقُول عَليّ." اهـ

وقال القاري _رحمه الله_ في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (9/ 3831):

"(مَنْ تَقَوَّلَ) : بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ: مَنْ كَذَبَ وَافْتَرَى (عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ) ، أَيْ: مُتَعَمِّدًا كَمَا فِي رِوَايَةٍ (فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) . وَهَذَا الْقَدْرُ مِنَ الْحَدِيثِ كَادَ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاتِرًا فِي الْمَعْنَى كَمَا بَيَّنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ." اهـ

[6] (وَمَنِ اسْتَشَارَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ)، أي: طلب منه المشورة. والمشورة مأخوذة من: الشورى.

وهي استخراج الرأي فيما يشكل من الأمور. يقال: استشرت فلانًا. أي طلبت رأيه ونصيحته. (أَخُوهُ الْمُسْلِمُ)، أي: أخوه في الدين. وفي هذا تذكير بحقوق الأخوة الإيمانية.

ومن أعظمها الصدق والنصيحة. (فَأَشَارَ عَلَيْهِ)، أي: دله وأرشده إلى رأي أو طريق أو تصرف. فالإشارة هنا بمعنى: المشورة والنصيحة. (بِغَيْرِ رُشْدٍ)، الرشد ضد الغي. وهو: الصواب والاستقامة وحسن التدبير. قال تعالى: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)، فمعنى الحديث: أشار عليه بغير صواب ولا مصلحة. ما المراد بقوله: «بغير رشد»؟ يشمل صورًا متعددة:

* أن يعلم الصواب ثم يشير بخلافه.

* أن يتعمد الإضرار بالمستشير.

* أن يغلب على ظنه أن هذا الرأي يضره ثم يدله عليه.

* أن يخفي عنه ما يعلم من المصلحة.

فكل ذلك داخل في الخيانة.

(فَقَدْ خَانَهُ)، الخيانة: نقض الأمانة. وضدها الأمانة. والمعنى: أنه لم يؤد حق النصيحة الذي وجب عليه، بل أضاع الأمانة التي حملها. ولهذا قال العلماء: المستشار مؤتمن.

[7] (وَمَنْ أُفْتِيَ فُتْيَا)، أي: أُجيب عن سؤاله بحكم شرعي. والفتيا: الإخبار بحكم الله في المسألة المسؤول عنها. وهي من أشرف المقامات إذا كانت بعلم، وأخطرها إذا كانت بجهل. (بِغَيْرِ ثَبْتٍ)، هذه من أهم ألفاظ الحديث. الثبت في لغة العرب: التحقق والتأكد واليقين. ويقال: رجل ثبت. أي متقن ضابط. المراد هنا: أي: بغير علم صحيح، ولا دليل ثابت، ولا تحقق من الحكم الشرعي. فأفتى بمجرد الظن أو الجهل أو التقليد الأعمى. (فَإِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ)، الإثم: الذنب الذي يستحق عليه العقوبة. أي: إذا سأل العامي من يظنه أهلًا للعلم. فأفتاه المفتي بغير علم. فوقع المستفتي في الخطأ بسبب تلك الفتوى. فإن الوزر الأعظم على المفتي المتجرئ. لأنه هو الذي تسبب في الإضلال.

[8] صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 1060) (رقم: 6161)

[9] وحسنه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 81) (رقم: 242)، صحيح الجامع الصغير وزيادته (2/ 1048) (رقم: 6068)

[10] قال شيخنا عبد المحسن العَبَّاد _حفظه الله_ في "شرح سنن أبي داود" (414/ 13):

"إذا كانت الفتوى بجهل، فالمفتي آثم، والذي عمل بها على خلاف الصواب يتحمل الذي أفتى إثمه؛ لأنه هو المتسبب في كونه عمل عملاً على خلاف السنة وعمل عملاً ليس وفق ما جاء عن الله وعن رسوله _صلى الله عليه وسلم_." اهـ

[11] "الملتقط": في فتاوى الحنفية، لناصر الدين محمد بن يوسف الحسيني السمرقندي، وفاته سنة 556هـ. كشف الظنون: 2/ 1813.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة