شرح الحديث 124 (باب الحيض) من بلوغ المرام
|
124 - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ -رضي الله عنه-
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ المْرَأَةُ، لَمْ
تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟!" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي
حَدِيْثٍ طَوِيْلٍ |
ففي "صحيح البخاري" (1/ 68):
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ:
"خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى[1]،
فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ،
فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ»[2]
فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا
رَسُولَ اللَّهِ؟[3]
قَالَ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ
العَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ
الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»[4]،
قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ
دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟[5]
قَالَ: «أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ
شَهَادَةِ الرَّجُلِ»[6]
قُلْنَ: بَلَى،
قَالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ
إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ»[7]
قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ
دِينِهَا»[8]
المعنى الإجمالي للحديث:
أخبر أبو سعيد الخدري _رضي الله عنه_ أن النبي _صلى
الله عليه وسلم_ خرج يوم عيد الفطر أو عيد الأضحى إلى المصلى ليصلي بالناس صلاةَ
العيد،
فلما فرغ من خطبته ووعْظِه، مرَّ على النساء، وخصَّهن
بموعظةٍ تناسب حالهن، لما جرت العادة أن النساء قد لا يسمعن جميع الخطبة كما
يسمعها الرجال.
فأمرهن صلى الله عليه وسلم بالإكثار من الصدقة، وحثهن
على بذل المال في وجوه الخير، ثم أخبرهن أنه رأى في بعض ما أراه الله من أحوال
الآخرة أن النساء أكثر أهل النار.
فلما تعجبن من ذلك وسألن عن السبب، بيَّن لهن أن من
أعظم أسباب ذلك كثرةَ اللعن وجريانِ الألسنة بالسب والشتم والدعاء بالشر، وكذلك جُحُود
إحسانِ الأزواج وعدَمُ شُكْر معروفِهم، وهو معنى قوله: «وتكفرن العشير»، أي: تجحدْنَ
حق الزوج وإحسانه.
ثم بيَّن _صلى الله عليه وسلم_ أن المرأة موصوفة
بنقصان العقل والدين بالنسبة إلى الرجل من جهةٍ مخصوصة بيَّنها الشرع،
وليس المراد نقصًا في الإنسانية أو الكرامة أو صلاحية
التكليف، وإنما المراد نقصًا في بعض الجوانب التي قدَّرها الله سبحانه لحكمة.
فلما سألتْ النساءُ عن معنى هذا النقصان، أوضح لهن أن
نُقْصان العقل يظهر في أن شهادة امرأتين تقوم مقام شهادةِ رجلٍ واحد في بعض
المعاملات المالية، كما دل عليه القرآن الكريم.
وأما نقصان الدين، فسببه أن المرأة في حال الحيض
والنفاس تُمنع من الصلاة والصيام، فلا تؤدي في تلك الأيام ما يؤديه الرجل من هذه
العبادات، وإن كانت معذورةً شرعًا غير مؤاخذة بذلك.
فالمقصود من الحديث: الموعظةُ والتحذير من الذنوب
التي يكثر وقوعها، والحثُّ على الصدقة والأعمالِ الصالحة، وبيانُ بعض الأحكام
الشرعية المتعلقة بالنساء، وبيان أن التفاوت بين الرجال والنساء في بعض الأحكام،
إنما هو راجع إلى حكمة الله تعالى وعدله، لا إلى انتقاص قدر المرأة أو الحط من
منزلتها.
فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ وعظ النساء يوم العيد،
وحثهن على الصدقة، وحذرهن من كثرة اللعن وجحود حق الزوج،
وبيَّن أن ما وصفهن به من نقصان العقل والدين، إنما
هو نقصان نسبي في أمور مخصوصة بيَّنها الشرع، لا أنه نقص في الإيمان أو الكرامة
الإنسانية، وأن على المرأة المسلمة أن تجتهد في الطاعة وتبتعد عن أسباب الوعيد،
كما أن على الرجل أن يفهم النصوص الشرعية على مرادها دون إفراط أو تفريط.
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري في "صحيحه" (رقم: 304 و 1951)،
ومسلم في "صحيحه" (1/ 86) (رقم: 79)، وأبو داود في "سننه" (4/
219) (رقم: 4679)، وابن ماجه في "سننه" (2/ 1326) (رقم: 4003).
والحديث صحيح: صححه
الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 1321) (رقم: 7980)،
و"إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (1/ 204) (رقم: 190).
من فوائد الحديث:
وقال زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن،
السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "فتح
الباري" (2/ 39):
"استدل بهِ البخاري هناك على أن الصلاة
والصيام مِن الدين، واستدل بهِ هنا على أن الحائض لا تصوم.
ولم يبوب على ترك الصلاة؛ لأنه بوب على أنها لا تقتضي
الصلاة باباً مفرداً، يأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى.
وقد أجمعت الأمة على أن الحائض لا تصوم في أيام
حيضها، وأن صومها غير صحيح ولا معتد بهِ، وأن عليها قضاء الصوم إذا طهرت."
اهـ
وقال زين الدين
عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي
(المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "فتح
الباري" (2/ 40)
وقد تظهر لَهُ فائدة، وهي: أن الحائض إذا ماتت قبل
انقطاع دمها، فهل يجب أن يطعم عنها لكل يوم أفطرت فيهِ؟ وكذا المريض والمسافر إذا
ماتا قبل زوال عذرهما، على قول مِن أوجب الإطعام عَن الميت مطلقاً وإن مات قبل
التمكن مِن الصوم.
وإذا انقطع دم الحائض؛ فالجمهور على أن حكمها حكم
الجنب؛ يصح
صومها، والمخالف في صوم الجنب يخالف في الحائض بطريق
الأولى.
ومن الناس مِن قالَ في الحائض: لا يصح صيامها حتى
تغتسل؛ وإن صح صوم الجنب. وحكي عَن الأوزاعي، والحسن بنِ صالح، والعنبري، وعبد
الملك بنِ الماجشون
وغيرهم.
وقد حكاه بعض أصحابنا المتأخرين وجهاً في الحائض إذا
انقطع دمها: أنَّهُ لا يصح صومها، ولم يحك مثله في الجنب.
ووجه الفرق: أن حدث الحيض مانع مِن صحة الصيام؛ بخلاف
الجنابة، فإنه لو احتلم الصائم لَم يبطل صيامه، ولو طرأ الحيض في أثناء النهار بطل
الصوم." اهـ
وقوله: " ناقصات عقل أما نقصان العقل فشهادة
امرأتين تعدل شهادة رجل "، قال الإمام: هذا تنبيه منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ على ما وراءه لأنه ليس فى هذا الوصف بقصور شهادتهما عن شهادة الرجل
بمجرده دليل على نقص العقل حتى يتم بما نبَّه الله عليه _سبحانه_ فى كتابه، منِ أن
ذلك لأجل قلة ضبطها، وذلك قوله _تعالى_: {أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ
إِحْدَاهُمَا الأُخرى}." اهـ
وقال أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البُسْتِيُّ، المعروف بـ"الخَطَّابِيِّ" (المتوفى: 388 هـ)
_رحمه الله_ في "أعلام الحديث" (شرح صحيح البخاري) (1/ 316):
"وفي الحديث: دليل على أن النقص من
الطاعات نقص من الدين،
وفيه: دلالة على أن ملاك الشهادة العقل مع اعتبار
الأمانة والصدق،
وأن شهادة المغفل من الناس ضعيفة وإن كان رضياً في
الدين والأمانة." اهـ
وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى:
676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (2/
66_68):
"وَأَمَّا أَحْكَامُ الْحَدِيثِ،
فَفِيهِ جُمَلٌ مِنَ الْعُلُومِ:
* مِنْهَا: الْحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَأَفْعَالِ
الْبِرِّ وَالْإِكْثَارِ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ وَسَائِرِ الطَّاعَاتِ،
* وَفِيهِ: أَنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ
السَّيِّئَاتِ كَمَا قَالَ اللَّهُ _عز وجل_،
* وَفِيهِ: أَنَّ كُفْرَانَ الْعَشِيرِ
وَالْإِحْسَانَ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَإِنَّ التَّوَعُّدَ بِالنَّارِ مِنْ
عَلَامَةِ كَوْنِ الْمَعْصِيَةِ كَبِيرَةً كَمَا سَنُوَضِّحُهُ قَرِيبًا إِنْ
شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى،
* وَفِيهِ: أَنَّ اللَّعْنَ أَيْضًا مِنَ الْمَعَاصِي___الشَّدِيدَةِ
الْقُبْحِ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: (تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ)
وَالصَّغِيرَةُ إِذَا أُكْثِرَتْ صَارَتْ كَبِيرَةً،
وَقَدْ قَالَ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: (لَعْنُ الْمُؤْمِنِ
كَقَتْلِهِ)،
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ اللَّعْنِ
فَإِنَّهُ فِي اللُّغَةِ الْإِبْعَادُ وَالطَّرْدُ، وَفِي الشَّرْعِ الْإِبْعَادُ
مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبْعَدَ مِنْ رَحْمَةِ
اللَّهِ تَعَالَى مَنْ لَا يُعْرَفَ حاله وخاتمة أمره مَعْرِفَةً قَطْعِيَّةً،
فَلِهَذَا قَالُوا: لَا يَجُوزُ لَعْنُ أحد بعينه مسلما كان أوكافرا أَوْ دَابَّةً
إِلَّا مَنْ عَلِمْنَا بِنَصٍّ شَرْعِيٍّ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ أَوْ
يَمُوتُ عَلَيْهِ كَأَبِي جَهْلٍ وَإِبْلِيسَ وَأَمَّا اللَّعْنُ بِالْوَصْفِ
فَلَيْسَ بِحَرَامٍ كَلَعْنِ الْوَاصِلَةِ وَالْمُسْتَوْصِلَةِ وَالْوَاشِمَةِ
وَالْمُسْتَوْشِمَةِ وَآكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ وَالْمُصَوِّرِينَ
وَالظَّالِمِينَ وَالْفَاسِقِينَ وَالْكَافِرِينَ وَلَعْنِ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ
الْأَرْضِ وَمَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ وَمَنِ انْتَسَبَ إِلَى غَيْرِ
أَبِيهِ وَمَنْ أَحْدَثَ فِي الْإِسْلَامِ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا وَغَيْرِ
ذَلِكَ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ باطلاقه على الأوصاف لاعلى
الْأَعْيَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* وَفِيهِ: إِطْلَاقُ الْكُفْرِ عَلَى غَيْرِ
الْكُفْرِ بِاللَّهِ تَعَالَى كَكُفْرِ الْعَشِيرِ وَالْإِحْسَانِ وَالنِّعْمَةِ
وَالْحَقِّ وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ صِحَّةُ تَأْوِيلِ الْكُفْرِ فِي الْأَحَادِيثِ
الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى مَا تَأَوَّلْنَاهَا.
* وَفِيهِ: بَيَانُ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ
وَنُقْصَانِهِ،
* وَفِيهِ وَعْظُ الْإِمَامِ وَأَصْحَابِ
الْوِلَايَاتِ وَكُبَرَاءِ النَّاسِ رَعَايَاهُمْ وَتَحْذِيرُهُمُ الْمُخَالَفَاتِ
وَتَحْرِيضُهُمْ عَلَى الطَّاعَاتِ،
* وَفِيهِ: مُرَاجَعَةُ الْمُتَعَلِّمِ الْعَالِمَ
وَالتَّابِعِ الْمَتْبُوعَ فِيمَا قَالَهُ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَعْنَاهُ
كَمُرَاجَعَةِ هَذِهِ الْجَزْلَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا،
* وَفِيهِ: جَوَازُ إِطْلَاقِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ
إِضَافَةٍ إِلَى الشَّهْرِ، وَإِنْ كَانَ الِاخْتِيَارُ إِضَافَتَهُ وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ
الْمَازِرِيُّ _رَحِمَهُ اللَّهُ_:
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا
نُقْصَانُ الْعَقْلِ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ
تَنْبِيهٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا وَرَاءَهُ وَهُوَ
مَا نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى أَنْ
تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى أَيْ أَنَّهُنَّ
قَلِيلَاتُ الضَّبْطِ قَالَ وَقَدِ___
اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْعَقْلِ مَا هُوَ فَقِيلَ
هُوَ الْعِلْمُ وَقِيلَ بَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ وَقِيلَ قُوَّةٌ
يُمَيَّزُ بِهَا بَيْنَ حَقَائِقِ الْمَعْلُومَاتِ هَذَا كَلَامُهُ قُلْتُ
وَالِاخْتِلَافُ فِي حَقِيقَةِ الْعَقْلِ وَأَقْسَامِهِ كَثِيرٌ مَعْرُوفٌ لَا
حَاجَةَ هُنَا إِلَى الْإِطَالَةِ بِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّهِ فَقَالَ
أَصْحَابُنَا الْمُتَكَلِّمُونَ هُوَ فِي الْقَلْبِ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ
هُوَ فِي الرَّأْسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا وَصْفُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ النِّسَاءَ بِنُقْصَانِ الدِّينِ لِتَرْكِهِنَّ
الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ فَقَدْ يُسْتَشْكَلُ مَعْنَاهُ
وَلَيْسَ بِمُشْكِلٍ بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الدِّينَ وَالْإِيمَانَ
وَالْإِسْلَامَ مُشْتَرِكَةٌ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي
مَوَاضِعَ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَيْضًا فِي مَوَاضِعَ أَنَّ الطَّاعَاتِ تُسَمَّى
إِيمَانًا وَدِينًا وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا عَلِمْنَا أَنَّ مَنْ كَثُرَتْ عِبَادَتُهُ
زَادَ إِيمَانُهُ وَدِينُهُ وَمَنْ نَقَصَتْ عِبَادَتُهُ نَقَصَ دِينُهُ ثُمَّ
نَقْصُ الدِّينِ قَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ يَأْثَمُ بِهِ كَمَنْ تَرَكَ
الصَّلَاةَ أَوِ الصَّوْمَ أَوْ غَيْرَهُمَا مِنَ الْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَةِ
عَلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ وَقَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ لَا إِثْمَ فِيهِ كَمَنْ
تَرَكَ الْجُمُعَةَ أَوِ الْغَزْوَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجِبُ عليه
لعذر وَقَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ هُوَ مُكَلَّفٌ بِهِ كَتَرْكِ الْحَائِضِ
الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ فَإِنْ قِيلَ فَإِنْ كَانَتْ مَعْذُورَةً فَهَلْ تُثَابُ
عَلَى الصَّلَاةِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَقْضِيهَا كَمَا يثاب
المريض والمسافر وَيُكْتَبُ لَهُ فِي مَرَضِهِ وَسَفَرِهِ مِثْلَ نَوَافِلِ
الصَّلَوَاتِ الَّتِي كَانَ يَفْعَلُهَا فِي صِحَّتِهِ وَحَضَرِهِ فَالْجَوَابُ
أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا لَا تُثَابُ وَالْفَرْقُ أَنَّ
الْمَرِيضَ وَالْمُسَافِرَ كَانَ يَفْعَلُهَا بِنِيَّةِ الدَّوَامِ عَلَيْهَا مَعَ
أَهْلِيَّتِهِ لَهَا وَالْحَائِضُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ نِيَّتُهَا تَرْكُ
الصَّلَاةِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا نِيَّةُ الصَّلَاةِ فِي
زَمَنِ الْحَيْضِ فَنَظِيرُهَا مُسَافِرٌ أَوْ مَرِيضٌ كَانَ يُصَلِّي
النَّافِلَةَ فِي وَقْتٍ وَيَتْرُكُ فِي وَقْتٍ غَيْرَ نَاوٍ الدَّوَامَ عَلَيْهَا
فَهَذَا لَا يُكْتَبُ لَهُ فِي سَفَرِهِ وَمَرَضِهِ فِي الزَّمَنِ الذى لم يكن
يتنفل فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ[9]
وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى: 852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري" (1/
406_407):
"وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ
الْفَوَائِدِ:
* مَشْرُوعِيَّةُ الْخُرُوجِ إِلَى الْمُصَلَّى فِي
الْعِيدِ وَأَمْرُ الْإِمَامِ النَّاسَ بِالصَّدَقَةِ فِيهِ،
* وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ جَوَازَ
الطَّلَبِ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ لِلْفُقَرَاءِ، وَلَهُ شُرُوطٌ.
* وَفِيهِ: حُضُورُ النِّسَاءِ الْعِيدَ، لَكِنْ
بِحَيْثُ يَنْفَرِدْنَ عَنِ الرِّجَالِ خَوْفَ الْفِتْنَةِ،
* وَفِيهِ: جَوَازُ عِظَةِ الْإِمَامِ النِّسَاءَ
عَلَى حِدَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ،
* وَفِيهِ: أَنَّ جَحْدَ النِّعَمِ حَرَامٌ،
* وَكَذَا كَثْرَة اسْتِعْمَال الْكَلَام الْقَبِيح
كاللعن والشتم، وَاسْتدلَّ النَّوَوِيُّ عَلَى أَنَّهُمَا مِنَ الْكَبَائِرِ
بِالتَّوَعُّدِ عَلَيْهَا بِالنَّارِ،
* وَفِيهِ: ذَمُّ اللَّعْنِ، وَهُوَ الدُّعَاءُ
بِالْإِبْعَادِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ _تَعَالَى_، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا
إِذَا كَانَ فِي مُعَيَّنٍ،
* وَفِيهِ إِطْلَاقُ الْكُفْرِ عَلَى الذُّنُوبِ
الَّتِي لَا تُخْرِجُ عَنِ الْمِلَّةِ تَغْلِيظًا عَلَى فَاعِلِهَا لِقَوْلِهِ فِي
بَعْضِ طُرُقِهِ: (بِكُفْرِهِنَّ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ، وَهُوَ
كَإِطْلَاقِ نَفْيِ الْإِيمَانِ وَفِيهِ الْإِغْلَاظُ فِي النُّصْحِ بِمَا يَكُونُ
سَبَبًا لِإِزَالَةِ الصِّفَةِ الَّتِي تُعَابُ وَأَنْ لَا يُوَاجَهُ بِذَلِكَ
الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ لِأَنَّ فِي التَّعْمِيمَ تَسْهِيلًا عَلَى السَّامِعِ،
* وَفِيهِ: أَنَّ الصَّدَقَةَ تَدْفَعُ الْعَذَابَ،
* وَأَنَّهَا قَدْ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ الَّتِي
بَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ،
* وَأَنَّ الْعَقْلَ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ
وَالنُّقْصَانَ، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانَ كَمَا تَقَدَّمَ،
* وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ
بِذِكْرِ النَّقْصِ فِي النِّسَاءِ لَوْمَهُنَّ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ
مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ لَكِنَّ التَّنْبِيهَ عَلَى ذَلِك تحذيرا مِنَ
الِافْتِتَانِ بِهِنَّ___وَلِهَذَا رَتَّبَ الْعَذَابَ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنَ
الْكُفْرَانِ وَغَيْرِهِ، لَا عَلَى النَّقْصِ، وَلَيْسَ نَقْصُ الدِّينِ
مُنْحَصِرًا فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِثْمُ، بَلْ فِي أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ،
قَالَهُ النَّوَوِيُّ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ.
فَالْكَامِلُ مَثَلًا نَاقِصٌ عَنِ
الْأَكْمَلِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْحَائِضُ لَا تَأْثَمُ بِتَرْكِ
الصَّلَاةِ زَمَنَ الْحَيْضِ لَكِنَّهَا نَاقِصَةٌ عَنِ الْمُصَلِّي،
وَهَلْ تُثَابُ عَلَى هَذَا التَّرْكِ لِكَوْنِهَا
مُكَلَّفَةً بِهِ كَمَا يُثَابُ الْمَرِيضُ عَلَى النَّوَافِلِ الَّتِي كَانَ
يَعْمَلُهَا فِي صِحَّتِهِ وَشُغِلَ بِالْمَرَضِ عَنْهَا،
قَالَ النَّوَوِيّ: الظَّاهِرِ أَنَّهَا لَا تُثَابُ،
وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَرِيضِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهَا بِنِيَّةِ
الدَّوَامِ عَلَيْهَا مَعَ أَهْلِيَّتِهِ. وَالْحَائِضُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ،
وَعِنْدِي فِي كَوْنِ هَذَا الْفَرْقِ مُسْتَلْزِمًا لِكَوْنِهَا لَا تُثَابُ.
وَقْفَةٌ: وَفِي
الْحَدِيثِ أَيْضًا مُرَاجَعَةُ الْمُتَعَلِّمِ لِمُعَلِّمِهِ، وَالتَّابِعِ
لِمَتْبُوعِهِ فِيمَا لَا يَظْهَرُ لَهُ مَعْنَاهُ.
* وَفِيهِ: مَا كَانَ عَلَيْهِ _صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ مِنَ الْخُلُقِ الْعَظِيمِ وَالصَّفْحِ الْجَمِيلِ
وَالرِّفْقِ وَالرَّأْفَةِ، زَاده الله تَشْرِيفًا وتكريما وتعظيما." اهـ
وقال عبد الله بن عبد الرحمن البسام التميمي (المتوفى: 1423 هـ) _رحمه الله_ في "توضيح الأحكام
من بلوغ المرام" (1/ 460_461):
"ما يؤخذ من الحديث:
1 - تحريمُ الصلاة على الحائض، وعدم صحَّتها
منها لو صلَّتها، وليس عليها قضاءُ أيَّامِ حيضها بعد الطهر.
2 - تحريمُ الصيامِ على الحائض، ولكن تقضي
قدر ما أفطرته أيَّامَ حيضها.[10]
3 - قال ابن المنذر، والوزير ابن هبيرة،
والنووي: أجمع العلماء على وجوب قضاء الصوم على الحائض، وسقوط فرض الصلاة عنها في
أيام حيضها؛ لما في البخاري (315) ومسلم (335) عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّها
قالت: "كُنَّا نُؤْمَرُ بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة".
قال العلماء: والفرق بينهما: أنَّ الصلاة تتكرَّر،
فلم يجب قضاؤها للحرج، بخلاف الصوم، والله أعلم.
* فائدة (1):
الحائض ممنوعةٌ من عبادات أخر، منها:
1 - مَنْعُها من دخول المسجد؛ لحديث:
"لا أُحِلُّ المسجد لحائضٍ ولا جنب".___
2 - ولا يصح أنْ تطوف؛ لحديث: "الطوافُ بالبيت
صلاة".
3 - مَنْعُها من قراءة القرآن؛ لحديث ابن
عمر: "ولا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن".
4 - لا تمسُّ المصحف؛ لحديث عمرو بن حزم:
"ولا يَمَسّ المصحفَ إلاَّ طاهر".
* فائدة (2):
بيان قول من جوَّز قراة القرآن ومسَّه للحائض
للتعلُّم والتعليم:
ذهب المالكية في الصحيح عندهم: إلى جواز مَسِّ المصحف
للحائض، وقراءَتِها للقرآن في حال التعلُّم والتعليم، ولهم في ذلك أدلَّة، وفي هذا
القول تيسيرٌ على المتعلِّمات والمعلِّمات في مدارس تحفيظ القرآن، وحتَّى لا
يُنْسَى القرآن الكريم ممَّن حفظته منهنَّ، وخاصَّةً أيَّام النِّفاس، ومن يطول
حيضها، وهذا هو مذهبُ البخاريِّ، والطبري، وابن المنذر، وداود، والشعبي، ومذهب
الشَّافعي القديم، ورواية عن أحمد، وقد أخذ بهذا القول كثيرٌ من علماء العصر."
اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن
موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى
1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن
الحجاج" (2/ 553_555):
"في فوائده:
1 - (منها): بيان نقصان الدين الدالّ على
إثبات نقصان الإيمان وزيادته، وما فيه من استعمال لفظ الكفر لا في الكفر السالب
للإيمان، وهذ هو وجه إيراد المصنّف له في كتاب الإيمان.
2 - (ومنها): الحثّ على الصدقة، وأفعال
البرّ، والإكثار من الاستغفار، وسائر الطاعات.
3 - (ومنها): بيان أن الصدقة تدفع العذاب،
وأنها قد تكفّر الذنوب التي بين المخلوقين، وأن إكثار الحسنات سببٌ لتكفير
السيئات، كما قال الله - عز وجل -: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}
[هود: 114].
4 - (ومنها): بيان أن كفران العشير والإحسان
من الكبائر، فإن التوعد بالنار من علامة كون المعصية كبيرةً، كما سيأتي إيضاحه
قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
5 - (ومنها): بيان أن اللَّعْن أيضًا من المعاصي
الشديدة القبح، قال النوويّ رحمه الله تعالى: وليس فيه أنه كبيرة، فإنه - صلى الله
عليه وسلم - قال: "تكثرن اللعن"، والصغيرة إذا أُكثرت صارت كبيرة، وقد
قال - صلى الله عليه وسلم -: "لعن المؤمن كقتله".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر هذا الحديث أن
لعن المؤمن كبيرة؛ لأنه شبّهه بقتله، وقتله كبيرة بلا خلاف، فتبصّر، والله تعالى
أعلم.
قال: واتفق العلماء على تحريم اللعن، فإنه في اللغة
الإبعاد والطرد، وفي الشرع الإبعاد من رحمة الله تعالى، فلا يجوز أن يُبْعَد من
رحمة الله تعالى مَن لا يُعْرَف حاله، وخاتمة أمره معرفةً قطعيّةً، فلهذا قالوا:
لا يجوز لعن أحد بعينه، مسلمًا كان أو كافرًا أو دابة، إلا من عَلِمْنا بنص شرعيّ
أنه مات على الكفر أو يموت عليه، كأبي جهل، وإبليس، وأما اللعن بالوصف، فليس
بحرام، كلعن الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، وآكل الربا وموكله،
والمصوِّرين، والظالمين، والفاسقين، والكافرين، ولَعْنِ مَن غيّر مَنَارَ الأرض،
ومن تولّى غير مواليه، ومَن انتَسَبَ إلى غير أبيه، ومن أَحْدَث في الإسلام
حَدَثًا أو آوى مُحْدِثًا، وغير ذلك مما جاءت به النصوص الشرعية بإطلاقه على
الأوصاف، لا على الأعيان، والله تعالى أعلم. انتهى ["شرح النوويّ على صحيح
مسلم" 2/ 67].
6 - (ومنها): أن فيه إطلاقَ الكفر على غير
الكفر بالله تعالى، ككفر العَشِير، والإحسان، والنعمة، والحقّ، وغيرها من الذنوب
التي لا تُخرِج من الملة؛ تغليظًا على فاعلها، وهو كإطلاق نفي الإيمان، ويؤخذ من
ذلك صحة تأويل الكفر في الأحاديث المتقدّمة في الأبواب السابقة على ما تأولناها.
7 - (ومنها): أن فيه وعظَ الإمام، وأصحاب
الولايات، وكُبَراء الناس رَعَاياهم، وتحذيرهم المخالفات، وتحريضهم على الطاعات.
8 - (ومنها): مشروعيّة مراجعة المتعلم
العالمَ، والتابع المتبوعَ فيما قاله، إذا لم يظهر له معناه، كمراجعة هذه
الْجَزْلَة - رضي الله عنهما -.
9 - (ومنها): جواز إطلاق "رمضان"
من غير إضافة إلى الشهر، وفيه ردّ على من كره ذلك كما سيأتي في محلّه - إن شاء
الله تعالى -.___
10 - (ومنها): أن قوله: "وتمكث الليالي ما
تصلّي" يدلّ على أن منع الحائض من الصوم والصلاة كان ثابتًا بحكم الشرع قبل
ذلك المجلس.
11 - (ومنها): بيان مشروعيّة أمر الإمام
الناسَ بالصدقة.
12 - (ومنها): جواز عِظَة الإمام النساءَ على
حِدَةٍ.
13 - (ومنها): بيان أن جَحْدَ النعم حرام،
وكذا كثرة استعمال الكلام القبيح، كاللعن والشتم.
14 - (ومنها): أن فيه مشروعيّة الإغلاظِ في
النصح بما يكون سببًا لإزالة الصفة التي تُعَابُ، وأن لا يواجه بذلك الشخص المعين؛
لأن في التعميم تسهيلًا على السامع.
15 - (ومنها): بيان أن العقل يقبل الزيادة
والنقصان، وكذلك الإيمان كما تقدم، وليس المقصود بذكر النقص في النساء لومهنّ على
ذلك؛ لأنه من أصل الخلقة، لكن التنبيه على ذلك تحذيرًا من الافتتان بهنّ، ولهذا
رَتَّبَ العذاب على ما ذُكِر من الكفران وغيره لا على النقص، وليس نقص الدين
مُنحصِرًا فيما يَحصُل به الإثم بل في أعم من ذلك.
16 - (ومنها): بيان ما كان عليه - صلى الله
عليه وسلم - من الْخُلُق العظيم، والصفح الجميل، والرفق والرأفة، فقد ظهر مصداق
قوله - عز وجل -: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} [القلم: 4]، وقوله:
{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ
حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)} [التوبة: 128]،
وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)} [الأنبياء:
107]، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا، وزاده تشريفًا وتكريمًا
وتعظيمًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. اهـ
وقال يحيى بن هُبَيْرَة الذهلي
الشيبانيّ، أبو المظفر الحنبلي (المتوفى: 560 هـ)
_رحمه الله_ في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (8/ 41):
"وفيه أيضا من الفقه:
إشارة إلى أن من كانت حاله حال أهل النار، فإنه فيه
دواء من ذلك بالاستغفار وإكثار الصدقة بقوله _صلى الله عليه وسلم_ لهن: (تصدقن،
وأكثرن الاستغفار)." اهـ
"هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ
نُقْصَانَ الدِّينِ قَدْ يَقَعُ ضَرُورَةً لَا تُدْفَعُ أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ
جَبَلَهُنَّ عَلَى مَا يَكُونُ نَقْصًا فِيهِنَّ،
قَالَ اللَّهُ _عَزَّ وَجَلَّ_: {الرِّجَالُ
قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}
[النساء: 34]
وَقَدْ فَضَّلَ اللَّهُ أَيْضًا بَعْضَ الرِّجَالِ
عَلَى بَعْضٍ، وَبَعْضَ النِّسَاءِ عَلَى بَعْضٍ، وَبَعْضَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى
بَعْضٍ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ." اهـ
وقال إبراهيم بن
موسى اللخمي الغرناطي، الشهير بـ"الشاطبي" (المتوفى:
790هـ) _رحمه الله_ في "الموافقات"
(4/ 389_390):
"وَفَسَّرَ نُقْصَانَ الْعَقْلِ بِأَنَّ
شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ.
وَحِينَ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْقُرْآنِ وَقَالَ فِيهِ:
{أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [الْبَقَرَةِ:
282]؛
دَلَّ عَلَى انْحِطَاطِهِنَّ عَنْ دَرَجَةِ
الرَّجُلِ، فَأَلْحَقَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ؛ فَقَضَى
_عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ_ بِذَلِكَ لِأَنَّ لِلْيَمِينِ فِي اقْتِطَاعِ
الْحُقُوقِ وَاقْتِضَائِهَا حُكْمًا قَضَى بِهِ قَوْلُهُ تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ
بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: 77]؛
فَجَرَى الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ مَجْرَى
الشَّاهِدَيْنِ أَوِ الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ فِي الْقِيَاسِ؛ إِلَّا أَنَّهُ
يَخْفَى؛ فَبَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ." اهـ
"من نقصان دينها" والدين عبارة عن
جميع الخصال الحميدة، وفيه دلالة على أن النقص عن الطاعات نقص من الدين." اهـ
أحمد بن إسماعيل الكوراني الحنفي
(المتوفى 893 هـ) _رحمه الله_ في "الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث
البخاري" (1/ 456):
"وفقه الحديث:
* أن جنس الرجل أفضلُ من جنس المرأة،
* وأن فضل بعض أفراد هذا الجنس،
* وأن على الأئمة تعليم النساء أمر دينهن،
* وأن الإنسان إذا فاته فضيلة يسعى في مثلها جبرانًا
لما فاته.
* وكفران العشير من الكبائر لتوعّد الشارع عليه
بالنار،
* وإطلاق الكفر على كفران النعمة،
* وأن للواعظ التغليظ في الوعظ، إلا أنه لا يواجه به
معينًا." اهـ
وقال جلال الدين السيوطي (المتوفى:
911 هـ) _رحمه الله_ في "قوت المغتذي على جامع الترمذي" (2/ 628):
"والعقل غرِيزة في الإنسان يدرك بها
المعنى، ويمنعه من القبائح، وهو نور الله في قلب المؤمن." اهـ[11]
وقال علي بن سلطان،
أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (المتوفى: 1014 هـ) _رحمه الله_ في "مرقاة
المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (1/ 93):
"وَفِي ذِكْرِهِ مَعَ ذِكْرِ اللُّبِّ
إِشْعَارٌ بِأَنَّ فِتْنَتَهُنَّ عَظِيمَةٌ تَذْهَبُ بِعُقُولِ الْحَازِمِينَ،
فَمَا ظَنُّكَ بِغَيْرِهِمْ؟ (مِنْ إِحْدَاكُنَّ) مُتَعَلِّقٌ بِأَذْهَبَ،
وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: مِنْكُنَّ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ إِذَا كَانَتْ عَلَى
هَذِهِ الصِّفَةِ الذَّمِيمَةِ فَكَوْنُهُنَّ عَلَيْهَا أَوْلَى مِنْ غَيْرِ
عَكْسٍ، وَمَا أَحْسَنُ قَوْلِ جَرِيرٍ فِي وَصْفِ عُيُوبِهِنَّ:
يَصْرَعْنَ ذَا اللُّبِّ حَتَّى لَا حِرَاكَ بِهِ
وَهُنَّ أَضْعَفُ خَلْقِ اللَّهِ أَرْكَانًا." اهـ
"ثُمَّ هَذَا السُّؤَالُ مِنْ حَذَاقَةِ
أُولَئِكَ الْحَاضِرَاتِ، وَمِنْ ثَمَّةَ مَدَحَهُنَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: ( «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ، لَمْ
يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ» ) ، وَفِي هَذَا وَمَا
قَبْلَهُ حَثٌّ لِلْمُتَعَلِّمِ عَلَى مُرَاجَعَةِ الْعَالَمِ فِيمَا لَمْ
يَظْهَرْ لَهُ مَعْنَاهُ." اهـ
وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "فتح
ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 399):
"استفدنا من هذا الحديث:
* أولًا: حسن خلق الرسول
- عليه الصلاة والسلام -, وأنه أحسن الناس خلقًا وأرحب الناس صدرًا, وأنه - عليه
الصلاة والسلام - يقبل أن يناقشهن ولا يأنف عن ذلك ولا ينهر ولا يكفهر - عليه
الصلاة والسلام -.
* ومنها: أنه
ينبغي للعالم إذا طلب منه الإرشاد إلى معرفة الحكمة أن يبين ذلك بصدر منشرح إن
تبينت له الحكمة وإلا يقول: الله أعلم.
* ومنها: أنه
قد تقرر في الدين الإسلامي أن المرأة إذا حاضت لا تصلي ولا تصوم؛ لأن النبي صلى
الله عليه وسلم قال ذلك مقررًا: «أليس إذا حاضت» , والاستفهام هنا للتقرير.
* ومنها: أن
الحائض لا تصلي نفلا ولا فرضًا, ولا تصوم نفلًا ولا فرضًا, وجه ذلك:
الإطلاق, والشيء إذا أطلق لا يمكن أن يقيد." اهـ
ملحق الفوائد:
هذا الحديث من جوامع كلم النبي _صلى الله عليه وسلم_،
وقد جمع بين الترغيب والترهيب، والتعليم والتوجيه، وبيان بعض الأحكام الشرعية
المتعلقة بالنساء. وقد استنبط العلماء منه فوائد كثيرة، ومن أهمها ما يأتي:
١- فيه: مشروعية موعظة الناس في الأعياد، فإن
النبي _صلى الله عليه وسلم_ لم يقتصر في يوم العيد على الصلاة، بل أتبعها بالموعظة
والتذكير. ففي هذا دليل على أن مواسم الفرح والسرور لا ينبغي أن تخلو من التذكير
بالله _تعالى_، بل يكون المسلم فيها أشد شكرًا لله وأعظم إقبالًا عليه. ولهذا شرعت
خطبة العيد لتذكير الناس بأمور دينهم ودنياهم.
٢- فيه: عناية الشريعة بتعليم النساء، فإن
النبي _صلى الله عليه وسلم_ لما رأى أن النساء قد لا يبلغهن من العلم ما يبلغ
الرجال، خصهن بموعظة مستقلة.
وفي هذا دليل على أن المرأة شقيقة الرجل في تلقي
العلم الشرعي، وأن من حقها أن تتعلم ما تصلح به عقيدتها وعبادتها وأخلاقها. ولذلك
كانت نساء الصحابة رضي الله عنهن يحرصن على مجالس العلم والسؤال عن أمور الدين.
٣- فيه: الحث على الصدقة، وأنها من أسباب
النجاة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «تصدقن».
فقد أرشدهن إلى الصدقة عند ذكر سبب من أسباب دخول
النار. ففي هذا إشارة إلى أن الصدقة من أعظم ما يمحو الذنوب ويكفر السيئات ويدفع
العقوبات. وقد قال تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} [البقرة:
271]
٤- فيه: أن الأعمال الصالحة تدفع آثار الذنوب،
فإن النبي _صلى الله عليه وسلم_ لما ذكر لهن أسباب الوعيد، أرشدهن إلى الصدقة.
ففي هذا دليل على أن العبد إذا وقع في التقصير أو
كثرت ذنوبه، فعليه أن يكثر من الحسنات، فإن الحسنات يذهبن السيئات. وهذا من رحمة
الله _تعالى_ بعباده.
٥- فيه: أن النساء أكثر أهل النار عددًا، وهذا
خبر صادق من النبي _صلى الله عليه وسلم_ عما أراه الله من أحوال الآخرة.
وليس في الحديث ذم لجنس النساء، وإنما فيه التحذير من
بعض الذنوب التي يكثر وقوعها بينهن، كما أن كثرة عدد النساء في عموم البشر من
أسباب كثرة عددهن في النار، وفي الجنة كذلك.
٦- فيه: التحذير من كثرة اللعن، لقوله:
«تكثرن اللعن». واللعن من آفات اللسان العظيمة. فالمؤمن ليس بلعان ولا سباب ولا
فاحش ولا بذيء. وكثرة اللعن تدل على ضعف مراقبة الله تعالى وقلة حفظ اللسان. ولهذا
كان السلف يعدون حفظ اللسان من أعظم أبواب النجاة.
٧- فيه: خطر جحود الإحسان، لقوله: «وتكفرن
العشير». ففيه التحذير من مقابلة الإحسان بالجحود والنسيان. فمن أخلاق المؤمن
الوفاءُ لأهل الفضل، وشكرُ المعروف، والاعتراف بالجميل. أما الجحود فإنه من أخلاق
اللئام، ومن أسباب فساد العلاقات بين الناس.
٨- فيه: عظم حق الزوج على زوجته، فإن النبي _صلى
الله عليه وسلم_ خص جحود الزوج بالذكر دون غيره. ففي هذا دلالة على عظم حق الزوج،
وأن الواجب على الزوجة أن تحفظ إحسانه، وأن تشكره على معروفه، وألا تنسى فضله لأجل
هفوة أو تقصير عارض.
٩- فيه: أن ذنوب اللسان من أعظم أسباب الهلاك،
فالحديث ذكر اللعن، وهو من أعمال اللسان. ففي هذا تنبيه إلى أن كثيرًا من الناس
يحتقرون ذنوب اللسان مع أنها قد تكون سببًا للعقوبة والهلاك. ولهذا قال النبي صلى
الله عليه وسلم لمعاذ: «وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟» رواه
الترمذي (رقم: 2616)، وابن ماجه (رقم: 3973). صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح
الجامع الصغير وزيادته" (2/ 913) (رقم: 5136)
١٠- فيه: أن المرأة قد تؤثر في الرجل العاقل
تأثيرًا بالغًا، لقوله _صلى الله عليه وسلم_: «أذهب للب الرجل الحازم». أي: أن
الله جعل في المرأة من أسباب التأثير والأمور الجاذبة ما قد يؤثر حتى في الرجل
العاقل الرزين. ففي هذا تحذير للرجال من اتباع الهوى والانقياد للعواطف فيما يخالف
الشرع.
١١- فيه: حسن تعليم النبي _صلى الله عليه
وسلم_، فإنه لما سألته النساء عن معنى نقصان العقل والدين لم يوبخهن، بل أجابهن
بأوضح بيان وأحسن أسلوب. وهذا من كمال خلقه صلى الله عليه وسلم وحسن تعليمه. فينبغي
للمعلم والداعية أن يقتدي به في الرفق وحسن البيان.
١٢- فيه: أن السؤال عن العلم من أخلاق
المؤمنين، فالنساء لم يكتفين بسماع الكلام، بل قلن: «وما نقصان ديننا وعقلنا؟»
ففي هذا دليل على استحباب سؤال أهل العلم عما يشكل من
أمور الدين. فإن السؤال مفتاح العلم.
١٣- فيه: أن الشريعة مبنية على الحكمة والعدل،
فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر نقصان العقل والدين على سبيل الإطلاق، بل
بيَّن سببه ومجاله.
ففي هذا دليل على أن أحكام الشريعة كلها مبنية على
الحكمة والعدل، وإن خفيت بعض وجوهها على الناس.
١٤- فيه: أن المراد بنقصان العقل ليس نقص
الذكاء، فإن الواقع والتجربة يشهدان بوجود نساء يفُقْنَ كثيرًا من الرجال في
الذكاء والحفظ والفهم. وإنما المراد بالنقصان أمر مخصوص يتعلق ببعض الأحكام التي
بيَّنها الشرع. فلا يجوز حمل الحديث على غير مراده.
١٥- فيه: أن المراد بنقصان الدين ليس الذم، لأن
المرأة تترك الصلاة والصيام زمن الحيض امتثالًا لأمر الله ورسوله. فهي مطيعة لله
في تركها كما هي مطيعة له في فعلها. ولهذا لم يكن هذا النقص ذنبًا ولا عيبًا تستحق
عليه اللوم.
١٦- فيه: أن أحكام الله تجري وفق ما تقتضيه
حكمته، فقد جعل الله للرجال أحكامًا تخصهم، وللنساء أحكامًا تخصهن.
وكل ذلك صادر عن علم الله وحكمته ورحمته بخلقه. فليس
التشريع قائمًا على الهوى، بل على الحكمة البالغة.
١٧- فيه: أن المؤمن ينبغي أن يجمع بين الخوف
والرجاء، فالحديث جمع بين الترهيب بذكر النار، والترغيب بالإرشاد إلى الصدقة.
وهذا هو منهج القرآن والسنة في تربية النفوس. فلا
يعتمد العبد على الرجاء وحده، ولا يستسلم للخوف وحده.
١٨- فيه: أن الأعمال تتفاضل بحسب آثارها، فالنبي
_صلى الله عليه وسلم_ لم يكتف بتحذير النساء من الذنب، بل أرشدهن إلى عمل صالح
يعالج هذا الخلل.
ففي هذا تعليم للأمة أن علاج المعاصي لا يكون
بالتمني، وإنما بالإكثار من الطاعات والحسنات.
١٩- فيه: فضل الصدقة على النساء والرجال، فإن
الصدقة سبب لمغفرة الذنوب، ورفعة الدرجات، ودفع البلاء، وتطهير النفس من الشح
والبخل. ولهذا كانت الصدقة من أول ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا
المقام.
٢٠- فيه: كمال نصح النبي صلى الله عليه وسلم
لأمته، فإنه لم يكتم شيئًا من الخير إلا دل الأمة عليه، ولم يترك بابًا من أبواب
الشر إلا حذرها منه.
ففي هذا الحديث جمع بين البيان والتحذير والتعليم
والرحمة والشفقة. وقد صدق الله فيه إذ قال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ
أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ
رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]
[1] (خرج
رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ في أضحى أو فطر إلى المصلى)، أضحى: أي يوم عيد
الأضحى. فطر: أي يوم عيد الفطر. وقول الراوي: "أو" للشك منه، هل كان ذلك
في عيد الفطر أو عيد الأضحى. المصلى: الموضع الذي كان النبي _صلى الله عليه وسلم_
يخرج إليه خارج المسجد النبوي لصلاة العيد.
[2] (فمر
على النساء)، أي: بعد فراغه من الخطبة أو أثناء موعظته، مرَّ بالمكان الذي كانت
النساء مجتمعات فيه. وفيه استحباب تخصيص النساء بالموعظة والتعليم إذا احتيج إلى
ذلك. (يا معشر النساء)، المعشر: الجماعة الذين يجمعهم وصف واحد. أي: يا جماعة
النساء. وهذا من أساليب العرب المشهورة في النداء. (تصدقن)، أي: أَكْثِرْنَ من
الصدقة. والمراد: صدقة التطوع. وفيه الحث على الإكثار من أعمال البر لتكفير الذنوب
ورفع الدرجات. (فإني أريتكن أكثر أهل النار)، أي: أرى الله نبيَّه _صلى الله عليه
وسلم_ في بعض مشاهد الآخرة أن النساء أكثر سكان النار عددًا. وليس المراد: أن كل
النساء أو أكثرهن من أهل النار مطلقًا، وإنما أن عدد النساء المعذبات أكثر من عدد
الرجال المعذبين.
[3] (وبم
يا رسول الله؟)، أي: بسبب ماذا كان ذلك؟ فالباء هنا سببية. أي: ما السبب الذي أوصلهن
إلى هذه الحال؟
[4] (تكثرن
اللعن)، اللعن: الطرد والإبعاد من رحمة الله. ومعنى الحديث: أنكن تُكثرْنَ من
إطلاق ألفاظ اللعن والسب والدعاء على الناس. وهذا من الذنوب التي تجري بها الألسنة
عند الغضب والانفعال. (وتكفرن العشير)، هذه من أشهر ألفاظ الحديث. العشير في لغة
العرب: الزوج. وقيل: المخالط والمعاشر. والمراد هنا: الزوج. وتكفرن العشير، أي:
تجحدن إحسان الزوج وفضله. فإذا أحسن إليها زوجها سنين طويلة ثم رأت منه تقصيرًا
يسيرًا، قالت: ما رأيتُ منكَ خيرًا قط. وهذا هو الكفر المذكور هنا. (ما رأيت)، أي
ما أبصرت ولا شاهدت. وهذا أسلوب عربي يراد به تأكيد الخبر. (من ناقصات عقل ودين)، أي:
من النساء اللاتي فيهن نقص في العقل والدين بالنسبة إلى الرجال من جهة مخصوصة
بيَّنها النبي _صلى الله عليه وسلم_ بعد ذلك. وليس المراد نقص الذكاء أو الفهم
مطلقًا، ولا نقص الكرامة الإنسانية، ولا نقص الإيمان الواجب. وإنما هو نقص نسبي في
بعض الأحكام الشرعية. (أذهب للب الرجل الحازم)، اللُّب: خالص العقل وصفوته. ويقال:
فلان ذو لب، أي: ذو عقل راجح. الحازم: العاقل المتقن لأموره. ومعنى الحديث: أن
المرأة مع ما جعل الله فيها من الرقة والجمال وحسن التأثير قد تستولي على قلب
الرجل العاقل فتؤثر فيه تأثيرًا بالغًا. وليس المقصود ذم النساء، وإنما بيان قوة
تأثيرهن على الرجال. (من إحداكن)، أي: من واحدة منكن.
[5] (وما
نقصان ديننا وعقلنا؟)، أي: ما حقيقة هذا النقص الذي ذكرتَ؟ فالنساء لم يعترضن على
كلام النبي _صلى الله عليه وسلم_، وإنما طلبن البيان والتفسير.
[6] (أليس
شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟)، أي: في بعض المواضع التي نص الشرع عليها،
كالمعاملات المالية المذكورة في قوله تعالى: (فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ)، وليس هذا
الحكم في جميع أبواب الشهادات.
[7] (فذلك
من نقصان عقلها)، أي: أن هذا الحكم الشرعي يدل على وجود نقص نسبي في جانب الضبط
والتذكر في بعض المواطن التي ليست من غالب اختصاص المرأة. ولهذا جعل الشرع امرأة
أخرى معها للتذكير إذا نسيت. كما قال تعالى: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا
فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى). (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟)، حاضت: أي
نزل بها دم الحيض المعروف. فإن المرأة حال الحيض ممنوعة من الصلاة والصيام. وهذا
من رحمة الله بها وتخفيفه عنها. (لم تصل)، أي: لا تؤدي الصلاة في زمن الحيض، ولا
تقضيها بعد الطهر. وهذا بإجماع المسلمين. (ولم تصم)، أي: لا تصوم زمن الحيض. لكنها
تقضي الصيام بعد رمضان إذا طهرت.
[8] (فذلك
من نقصان دينها)، أي: أن مقدار الأعمال التعبدية التي تؤديها المرأة يقِلُّ في زمن
الحيض بالنسبة إلى الرجل. وليس المراد: أنها آثمة أو مذمومة، بل هي مأجورة على
امتثال أمر الله بترك الصلاة والصيام في تلك الحال. فهذا نقص في مقدار العمل لا في
أصل الإيمان والتقوى.
تنبيه: هل في الحديث
انتقاص للمرأة؟
الجواب: لا، بل الحديث بيان لحكم شرعي وحقيقة خلقية
قدرها الله تعالى. فكما أن الرجل يفوق المرأة في أمور، فإن المرأة تفوق الرجل في
أمور أخرى جعلها الله فيها. وقد أثنى الله على النساء المؤمنات، ومدح كثيرًا منهن،
وجعل منهن الصالحات والعابدات والعالمات. وإنما المقصود بيان خصائص كل جنس وما
يترتب عليها من الأحكام
[9]
قال
الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن
الحجاج" (2/ 556):
"وقال
الحافظ _رحمه الله تعالى_ بعد نقله كلام النوويّ هذا ما نصّه: وعندي في كون هذا
الفرق مستلزمًا لكونها لا تُثاب وقفةٌ. انتهى.
قال الجامع _عفا الله تعالى عنه_:
عندي أيضًا توقّف كما قال الحافظ، وذلك أن الحائض في
هذا مثل المريض الذي منعه مرضه عن أداء ما كان يفعله في صحّته، وهذا المعنى موجود
فيها؛ لأن من نيتها أن تُصلّي لولا مانع الحيض الذي هو عذر شرعيّ، ربما يكون
المسافر أهون منها في ذلك؛ لأنه يمكنه أن يترك سفره ويؤدي العبادة، ومع ذلك عذره
الشرع وجعل له ثواب ما كان يعمله في الحضر،
فالحائض التي لا يمكنها أن تتخلّى عن الحيض حتى تؤدي
الصلاة أولى بأن يعذرها الشرع، ويجعل لها ثواب ما كانت تعمله لولا المانع الشرعيّ،
فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب." اهـ
[10] قال
ابن المنذر _رحمه الله_ في "الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف" (2/
203): "فَأَخْبَرَ أَنْ لَا صَلَاةَ عَلَيْهَا وَلَا يَجُوزُ لَهَا الصَّوْمُ
فِي حَالِ الْحَيْضِ ثُمَّ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عَلَيْهَا
الصَّوْمُ بَعْدَ الطُّهْرِ وَنَفَى الْجَمِيعُ عَنْهَا وُجُوبَ الصَّلَاةِ
فَثَبَتَ قَضَاءُ الصَّوْمِ عَلَيْهَا بِإِجْمَاعِهِمْ وَسَقَطَ عَنْهَا فَرْضُ
الصَّلَاةِ لِاتِّفَاقِهِمْ." اهـ
[11] قال
القاري _رحمه الله_ في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح"
(1/ 93): "ثُمَّ الْعَقْلُ غَرِيزَةٌ يُدْرَكُ بِهَا الْمَعْنَى، وَيَمْنَعُ
عَنِ الْقَبَائِحِ، وَهُوَ نُورُ اللَّهِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، وَاللُّبُّ
الْعَقْلُ الْخَالِصُ مِنْ شَوْبِ الْهَوَى." اهـ
Komentar
Posting Komentar