Syarah Asyroth As Saah 48
Syarah
Asyroth As Saah
48 - حسر الفرات ([1]) عن جبل من ذهب:
عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: "لا تقوم السَّاعة
حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مئة تسعة وتسعون،
ويقول كل رجلٍ منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو"([2]). وليس
االمقصود بهذا الجبل من ذهب (النفط/ البترول الأسود)؛ كما يرى ذلك أبو عبية في
تعليقه على "النهاية/ الفتن والملاحم" لابن كثير ([3])، وذلك من
وجوه: 1-
أن النص جاء
فيه: "جبل من ذهب"، والبترول ليس بذهب على الحقيقة؛ فإن الذهب هو
المعدن المعروف. 2-
أن النبي r أخبر أن ماء النهر ينحسر عن
جبل من ذهب، فيراه الناس، والنفط أو (البترول) يستخرج من باطن الأرض بالآلات من
مسافات بعيدة. 3-
أن النبي r خص الفرات بهذا دون غيره من
البحار والأنهار، والنفط نراه يستخرج من البحار كما يستخرج من الأرض، وفي أماكن
كثيرة متعددة. 4-
أن النبي r أخبر أن الناس سيقتتلون عند
هذا الكنز، ولم يحصل أنهم اقتتلوا عند خروج النفط من الفرات أو غيره، بل إن
النبي r
نهى من حضر هذا الكنز أن يأخذ منه شيئًا؛ كما في الرواية الأخرى عن أبي بن كعب t؛ قال:
لا يزال الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدُّنيا .... إني سمعت رسول الله r يقول:
"يوشك الفرات أن يحسر عن جبلٍ من ذهبٍ، فمن حضره، فلا يأخذ منه شيئًا"
([4])، ومن حمله
على النفط؛ فإنه يلزمه على قوله هذا النهي عن الأخذ من النفط، ولم يقل به أحد ([5]). وقد
رجح الحافظ ابن حجر أن سبب المنع من الأخذ من هذا الذهب لما ينشأ عن أخذه من
الفتنة والقتال عليه ([6]). |
المعنى
الإجمالي لهذا الحديث:
أخبر النبي ﷺ في
هذا الحديث عن علامة من علامات الساعة الكبرى أو القريبة منها، وهي أن نهر الفرات
سينحسر ماؤه في آخر الزمان، فينكشف للناس كنز عظيم على هيئة جبل من ذهب حقيقي،
فيراه الناس بأعينهم، فيتهافتون عليه طمعًا في الدنيا.
وعند ظهور هذا
الكنز، تقع فتنة عظيمة؛ حيث يندفع الناس للقتال من أجل الاستحواذ عليه، حتى يبلغ
القتل مبلغًا مهولًا، فيُقتل من كل مئة تسعة وتسعون، ومع ذلك لا يرتدع الباقون، بل
يطمع كل واحد منهم أن يكون هو الناجي الظافر بهذا الذهب.
وفي هذا تحذير
شديد من الافتتان بالدنيا والطمع فيها، حتى لو أدى ذلك إلى الهلاك، ولهذا جاءت
روايات أخرى فيها نهي صريح عمّن يحضر هذا الكنز أن يأخذ منه شيئًا، سدًّا لباب
الفتنة والاقتتال.
كما يتضمن
الكلام ردًّا على من فسّر هذا “الجبل من ذهب” بأنه النفط أو البترول، وبيان أن هذا
التفسير غير صحيح؛ لأن النصوص تدل على أنه ذهب حقيقي ظاهر، لا مادة تُستخرج بوسائل
صناعية، ولأن الصفات المذكورة في الحديث لا تنطبق على النفط.
الخلاصة:
الحديث يُبيّن
وقوع حدث عظيم في آخر الزمان، يكون سببًا في فتنة الناس بالدنيا واقتتالهم الشديد
عليها، وفيه تحذير من الطمع، وبيان أن الحرص على الدنيا قد يورد الإنسان موارد
الهلاك.
من
فوائد الحديث:
في هذا الحديث
الجليل فوائد عظيمة، تُستنبط بدقة النظر في ألفاظه ومعانيه، ومن تلك الفوائد ما
يلي، مع صياغتها بأسلوب عربي قديم:
الفائدة الأولى:
إثبات أشراط الساعة وعلاماتها
وفيه دليلٌ
بيّنٌ على أن للساعة أماراتٍ تسبقها، وأشراطًا تُنذر بقربها، وأن ما أخبر به النبي
ﷺ كائنٌ لا محالة، إذ خبره صدقٌ لا يتطرق إليه خلف.
الفائدة
الثانية: ظهور كنوز الأرض في آخر الزمان
وفيه أن الأرض
تُلقي أفلاذ كبدها، وتُخرج دفائنها، حتى ينكشف للناس من زخارف الدنيا ما لم يكونوا
يحتسبون، ابتلاءً واختبارًا.
الفائدة
الثالثة: التحذير من فتنة الدنيا وزخارفها
وفيه أن القلوب
تفتتن ببريق الذهب، وتُسلب عقول كثيرٍ من الناس عند حضوره، فيُقدِمون على المهالك
طمعًا في حطامٍ فانٍ.
الفائدة
الرابعة: أن الطمع يُورث الهلاك
وفيه أن شدة
الحرص على الدنيا تُعمِي البصائر، حتى يُلقي المرء بنفسه في موارد التلف، يرجو
النجاة وهو إلى الهلاك أقرب.
الفائدة
الخامسة: كثرة القتل عند التنازع على الدنيا
وفيه أن التنافس
على حظوظ الدنيا إذا اشتدّ، أفضى إلى سفك الدماء، ووقوع الفتن العظام، حتى يُقتل
الجمع الكثير في سبيل القليل.
الفائدة
السادسة: أن قلة الاعتبار لا تمنع من الوقوع في الفتنة
وفيه أن رؤية
الهالكين لا تزجر الباقين، بل يقول كل امرئٍ: لعلّي أنجو، فيغترّ بما يرى، ويُخدع
بالأماني.
الفائدة
السابعة: النهي عن التعرض لمواطن الفتن
وفيه الإرشاد
إلى اجتناب مواقع الفتنة، والبعد عن أسباب الهلاك، فإن السلامة لا يعدلها شيء، ومن
رام السلامة فليلزم الحذر.
الفائدة
الثامنة: وجوب التسليم للنصوص وترك التأويلات الباطلة
وفيه أن نصوص
الشريعة تُحمل على ظاهرها ما لم يقم صارف، وأن العدول بها إلى معانٍ متكلفة يُفضي
إلى تحريف الكلم عن مواضعه.
الفائدة
التاسعة: بيان صدق نبوة النبي ﷺ
وفيه من دلائل
نبوته ما يُبهر العقول، إذ أخبر عن مغيباتٍ لم تقع بعد، وستقع كما أخبر، وذلك من
أعلام صدقه ﷺ.
الفائدة
العاشرة: أن الفتن إذا أقبلت لم يُدركها كثير من الناس
وفيه أن الفتنة
إذا ظهرت تزيّنت في أعين الخلق، فظنّوها خيرًا، وهي شرٌّ مستطير، لا ينجو منها إلا
من عصمه الله.
الفائدة الحادية
عشرة: أن السلامة في ترك ما لا يُحتاج إليه
وفيه أن من ترك
ما لا يعنيه، وأعرض عن مطامع الدنيا، سلم من كثير من الشرور، وكان أبعد عن موارد
الهلاك.
الفائدة الثانية
عشرة: أن حبّ الدنيا رأس كل بلاء
وفيه أن تعلّق
القلوب بالدنيا أصلُ الفتن، ومنشأ الشرور، وأن الزهد فيها نجاة، والإقبال عليها
مهواة.
خاتمة جامعة:
فهذا الحديث
أصلٌ في باب التحذير من الفتن، وبيان خطر التعلّق بالدنيا، وأن النجاة كل النجاة
في لزوم الزهد، والفرار بالدين عند اضطراب الأحوال، فمن عقل هذا، سلِم، ومن غفل
عنه، ندم حين لا ينفع الندم.
([1]) (الفرات): بضم
الفاء، بعده راء مهملة مخففة، وآخره تاء مثناة من فوق، ويقال: إنه معرب. والفرات
في كلام العرب: الماء العذب. والفرات: نهر عظيم مخرجه فيما زعموا من أرض أرمينية،
ثم يدخل بلاد الروم إلى ملطية، ويصب فيها أنها صغار، ثم يمر بالرقة، ثم يصير
أنهارًا تسقي زروع السواد بالعراق، ويلتقي بدجلة قرب واسط، ثم يصبان في خليج العرب
(بحر الهند سابقًا).
انظر: "معجم البلدان" (4/241-
242).
Komentar
Posting Komentar