ومن عقوباتها: أنّها تُجرّئ على العبد من لم يكن يجترئ عليه من أصناف المخلوقات = شرح الجواب الكافي

 

 

قال ابن القيم _رحمه الله_ في "الداء والدواء" = "الجواب الكافي" – ط. عالم الفوائد (1/ 212_213):

"فصل

ومن عقوباتها: أنّها تُجرّئ على العبد من لم يكن يجترئ عليه من أصناف المخلوقات. فيجترئ عليه الشياطين بالأذى، والإغواء، والوسوسة، والتخويف، والتحزين، وإنسائه ما مصلحتُه في ذكره،

ومضرّتُه في نسيانه؛ فتجترئ عليه الشياطين حتّى تؤزه إلى معصية الله أزًا.

ويجترئ عليه شياطين الإنس بما تقدر عليه من أذاه في غيبته وحضوره.

ويجترئ عليه أهله وخدمه وأولاده وجيرانه، حتّى الحيوان البهيم!

قال بعض السلف: إنّي لأعصي الله، فأعرف ذلك في خلق امرأتي ودابّتي.[1]

وكذلك يجترئ عليه أولياء الأمر بالعقوبة التي إن عدلوا فيها أقاموا عليه حدود الله. وكذلك تجترئ عليه نفسُه، فتتأسد عليه، وتستصعب عليه،

فلو أرادها لخير لم تطاوعه، ولم تنقَدْ له. وتسوقه إلى ما فيه هلاكه، شاء أم أبى.___

وذلك لأنّ الطاعة حصنُ الربّ _تبارك وتعالى_ الذي من دخله كان من الآمنين، فإذا فارق الحصين اجترأ عليه قُطّاعُ الطريق وغيرهم، وعلى حسب اجترائه على معاصي الله يكون اجتراءُ هذه الآفات والنفوس عليه.

وليس له شيء يردّ عنه، فإنّ ذكر الله، وطاعتَه، والصدقةَ، وإرشادَ الجاهل، والأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر= وقايةٌ تردّ عن العبد، بمنزلة القوة التي تردّ المرض وتقاومه، فإذا سقطت القوة غلب واردُ المرض، فكان الهلاك.

فلابدّ للعبد من شيء يردّ عنه، فإنّ موجب السيئات والحسنات يتدافع، ويكون الحكم للغالب كما تقدّم. وكلّما قوي جانبُ الحسنات كان الردّ أقوى، فإنّ الله يدافع عن الذين آمنوا، والإيمان

قول وعمل، فبحسب قوة الإيمان يكون الدفعُ. والله المستعان.

 

المعنى الإجمالي:

 

بيّن ابن القيم _رحمه الله_ آثار المعاصي وعقوباتها في الدنيا، وأنها لا تقف عند حدّ الإثم فقط، بل تُورِث للعبد أنواعًا من الذلّ والضعف، وتفتح عليه أبواب الشر من كل جهة.

 

فمن أعظم آثارها: أنها تجعل العبد مُستضعفًا، فتجترئ عليه الشياطين بالوسوسة والإغواء والتخويف، حتى تدفعه إلى مزيد من المعاصي. ولا يقتصر الأمر على شياطين الجن، بل حتى شياطينِ الإنس يؤذونه ويتسلطون عليه.

 

ثم بيّن _رحمه الله_ أن أثر المعصية يتعدّى إلى حياة الإنسان اليومية، فيجد تغيّرًا في معاملة أهله وأولاده ومن حوله، بل حتى في الدواب، كما أشار بعض السلف، وهذا من آثار الذنوب الخفية.

 

وذكر _رحمه الله_ كذلك أن المعاصي تُضعف هيبة العبد، حتى يتسلّط عليه ولاة الأمور بالعقوبة إن استحقها، كما أن نفسه تتمرّد عليه، فلا تعينه على الطاعة، بل تقوده إلى ما فيه هلاكه.

 

ثم قرّر قاعدة عظيمة: أن الطاعة حصنٌ منيع يحفظ العبد، فإذا خرج منه بالمعصية، صار عُرضةً للآفات، كمن خرج من حصنٍ تحيط به الأخطار.

 

وختم _رحمه الله_ ببيان أن الأعمال الصالحة (كالذكر، والصدقة، والأمر بالمعروف...) هي وقايةٌ للعبد، تدفع عنه الشرور، كما تدفع القوةُ المرضَ عن البدن، وأن الصراع بين الحسنات والسيئات قائم، والغلبة تكون للأقوى منهما، فكلما قوي الإيمان والطاعة، كان حفظ الله للعبد أعظم.

 

سنن الترمذي ت شاكر (2863):

"أَنَّ الحَارِثَ الأَشْعَرِيَّ، حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

"إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَأْمُرَ بني إسرائيل أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنَّهُ كَادَ أَنْ يُبْطِئَ بِهَا، فَقَالَ عِيسَى: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ لِتَعْمَلَ بِهَا وَتَأْمُرَ بني إسرائيل أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، فَإِمَّا أَنْ تَأْمُرَهُمْ، وَإِمَّا أَنَا آمُرُهُمْ،

فَقَالَ يَحْيَى: أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي بِهَا أَنْ يُخْسَفَ بِي أَوْ أُعَذَّبَ، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ، فَامْتَلَأَ المَسْجِدُ وَقَعَدُوا عَلَى الشُّرَفِ،

فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ، وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ:

* أَوَّلُهُنَّ: أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَإِنَّ مَثَلَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ، فَقَالَ: هَذِهِ دَارِي وَهَذَا عَمَلِي فَاعْمَلْ وَأَدِّ إِلَيَّ، فَكَانَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ، فَأَيُّكُمْ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ؟

* وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا، فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ،

* وَآمُرُكُمْ بِالصِّيَامِ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ فِي عِصَابَةٍ مَعَهُ صُرَّةٌ فِيهَا مِسْكٌ، فَكُلُّهُمْ يَعْجَبُ أَوْ يُعْجِبُهُ رِيحُهَا، وَإِنَّ رِيحَ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ،

* وَآمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَسَرَهُ العَدُوُّ، فَأَوْثَقُوا يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ وَقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَقَالَ: أَنَا أَفْدِيهِ مِنْكُمْ بِالقَلِيلِ وَالكَثِيرِ، فَفَدَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ،

* وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ، كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ العَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ." - صحيح الجامع (رقم: 1724)

 

فبيّن _رحمه الله_ أن المعصية سببٌ لكل ضعفٍ وبلاء، والطاعة سببٌ لكل قوةٍ وحفظ، وأن العبد يعيش في صراع بين الحسنات والسيئات، فمن غلبت حسناته نجا، ومن غلبت سيئاته هلك، نسأل الله العافية.

.

فوائد ودروس:

 

هذا الكلام من جوامع تقرير سنن الله في عباده، وقد تضمّن فوائد نفيسة، نذكر طائفةً منها:

1- فيه أنَّ المعصية سببٌ لذهاب الهيبة، فإنّ العبد إذا تلبّس بالذنب، سقطت منزلتُه من القلوب، فاجترأ عليه من كان يهابه. لقوله تعالى: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} [الحج: 18]

2- فيه: أنَّ المعاصي تُسلِّط الشياطين على العبد، إذ الذنب ثَغرٌ مفتوح، تدخل منه وساوس الشيطان وإغواؤه. لقوله تعالى: {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 100]

3- فيه أنَّ الطاعة حرزٌ حصين

بيانها: شبّه الطاعة بالحصن، فمن لزمه كان في أمان، ومن فارقه تعرّض للآفات، لقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101]

4- فيه: أنَّ الذنوب سببٌ لتسلّط شياطين الإنس، فإنّ الفجور يجلب الأذى من الخلق، كما يجلبه من الجن.

5- فيه: أنَّ المعصية تُغيِّر الأحوال الظاهرة، حتى يظهر أثرها في معاملة الأهل والدواب، وذلك من خفيّ سنن الله، كما رُوي عن بعض السلف: "إني لأعصي الله فأرى ذلك في خلق امرأتي ودابتي."

6- فيه: أنَّ الذنوب تُورث تسلّط ولاة الأمور بالعقوبة، فإنّ العقوبات الشرعية من آثار الجرائم، وهي عدلٌ من الله في عباده. قال الله _تعالى_: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1]

7- فيه: أنَّ النفسَ تتمرّد بالمعصية، فتقوى على صاحبها، فلا تنقاد له إلى الطاعة، بل تجرّه إلى الهلكة. قال الله _تعالى_: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53].

8- فيه: أنَّ الذنوب سببٌ للحرمان من التوفيق، فإنّ العاصي يُحال بينه وبين الخير، فلا يُعان عليه. قال الله _تعالى_: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5]

9- فيه: أنَّ الطاعات وقايةٌ من البلايا، كالذكر والصدقة وسائر القرب، فإنها تدفع الشرور. لقوله ﷺ: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء». رواه الطبراني في "الأوسط".

حسّنه في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/ 532) (رقم: 890)

10- فيه: تشبيه الأعمال بقوى البدن، كما أنّ القوة تدفع المرض، فكذلك الطاعة تدفع الآفات. قال ﷺ: «احفظ الله يحفظك».

11- فيه: أنَّ السيئات والحسنات بينهما تدافع، فكلٌّ منهما يزاحم الآخر، والحكم للغالب. قال الله تعالى: (إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ).

12- فيه: أنَّ زيادة الحسنات تقوّي الحفظ الإلهي، فكلما قوي جانب الطاعة، ازداد دفع الله عن العبد. لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا).

13- فيه: أنَّ الإيمان يزيد وينقص، لأنه علّق الدفع بقوته، فدلّ على تفاوت الناس فيه.

ودليله: قوله تعالى: (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ).

14- فيه: أنَّ الإيمان قولٌ وعمل، حيث ربط الحفظ بالأعمال الظاهرة والباطنة. لقوله ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون شعبة...» خ م.

15- فيه: التحذير من الاسترسال مع الذنوب، لأنها تفتح أبواب الشر، وتتتابع آثارها حتى تُهلك العبد. قال الله تعالى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ).

16- فيه: أنَّ الحفظ الإلهي مرتبط بحال العبد، فبحسب طاعته يكون حفظه، وبحسب معصيته يكون خذلانه. قال الله تعالى: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ).

17- فيه: الحثُّ على كثرة الذكر والطاعة، لأنها من أعظم ما يدفع الشرور ويجلب الخير. قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾.

18- فيه: أنَّ المعاصي سببٌ للهلاك إن لم تُدارَك، لأنها تضعف الحصن، وتُسقط القوة، فيغلب المرض. قال تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ).

 

فقرّر _رحمه الله_ سنّةً ماضية: أنَّ الطاعة نورٌ وحِرزٌ، والمعصية ظلمةٌ وسببُ خذلان، وأن العبد بين مدافعةٍ دائمةٍ بين الحسنات والسيئات، فمَن قوّى جانبَ الطاعة نُصر وحُفظ، ومَن أضعفه، استُضعف وخُذل، والله المستعان.



[1] من كلام الفضيل بن عياض، وقد سبق في ص (134).

Komentar

Postingan populer dari blog ini

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة