شرح الحديث (باب الضحك) من الأدب المفرد
|
252 -
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ قَالَ: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ بُرْدٍ،
عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَقِلَّ الضَّحِكَ، فَإِنَّ
كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ» [قال الشيخ
الألباني: حسن] |
رواة الحديث:
* حَدَّثَنَا
سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ (ثقة، لم يتكلم فيه أحد بحجة: ت. 234 هـ):
سليمان بن داود العتكي، أبو
الربيع الزهراني البصري (سكن بغداد)، من كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خ م د س
* قَالَ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا (صدوق يخطىء قليلا: ت. 194 هـ، وقيل قبلها بـ بغداد):
إسماعيل بن زكريا بن مرة الْخُلْقَاني الأسدي مولاهم، أبو زياد الكوفي، ولقبه
شقوصا (نزيل بغداد)، من الوسطى من أتباع التابعين، روى له:
خ م د ت س ق
* قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ (صدوق يدلس):
مُحْرِزُ بن عبد الله الْجَزَرِي،
أبو رجاء، مولى هشام بن عبد الملك، من كبار أتباع التابعين، روى له: بخ ق
* عَنْ بُرْدٍ (صدوق رمي بالقدر):
برد بن سنان الشامي، أبو العلاء الدمشقي، مولى قريش (سكن البصرة)، من
صغار التابعين، روى له: بخ د ت س ق
* عَنْ مَكْحُولٍ (ثقة فقيه ، كثير الإرسال ، مشهور: ت. 100 و بضع عشرة هـ):
مكحول الشامي، أبو عبد الله،
و يقال أبو أيوب، ويقال أبو مسلم (والمحفوظ الأول)، الدمشقى الفقيه، المولود: بـ كابل، من صغار التابعين، روى له: ر م د ت س ق
* عَنْ وَاثِلَةَ
بْنِ الْأَسْقَعِ (صحابي: ت. 85
هـ بـ الشام):
واثلة بن الأسقع بن كعب بن
عامر و يقال ابن الأسقع بن عبيد الله و يقال ابن عبد العزى الليثي، أبو الأسقع (ويقال أبو قرصافة)، روى له: خ م د ت س ق
* عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ (صحابي: ت. 57):
عبد الرحم بن صخر أبو هريرة
الدوسي اليماني (حافظ الصحابة)، روى له: خ م د ت س
ق
نص الحديث وشرحه:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَقِلَّ الضَّحِكَ،
فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ»
قوله: «تُمِيتُ القَلْبَ»،
أي: تُورِثه القسوة والغفلة،
حتى يضعف إحساسه بالمواعظ، فلا يخشع عند الذكر، ولا يتأثر بالقرآن، فشبَّه ذلك
بالموت؛ لأن القلب الحي هو الذي يعقل عن الله ويتأثر بأمره ونهيه.
وفي "سنن الترمذي"
– ت. شاكر (4/ 551)
(وَلَا
تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ)
وفي "سنن أبي داود"
(4/ 297) (رقم: 4990): عَنْ معاوية بن حيدة القشيري _رضي الله عنه_، قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، يَقُولُ:
«وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ
فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ»
حسنه الألباني _رحمه الله_
في "صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 1199) (رقم: 7136).
وفي "تنبيه الغافلين
بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين" للسمرقندي (ص: 201):
"وَقَالَ
إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ لِيُضْحِكَ
بِهَا مَنْ حَوْلَهُ، فَيَسْخَطُ اللَّهُ بِهَا فَيُصِيبُهُ السَّخَطُ، فَيَعُمُّ
مَنْ حَوْلَهُ. وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ يُرْضِي اللَّهَ
بِهَا، فَتُصِيبُهُ الرَّحْمَةُ، فَتَعُمُّ مَنْ حَوْلَهُ).
وفي "سنن الترمذي"
– ت. شاكر (5/ 603) (رقم: 3645):
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ،
قَالَ: "وَكَانَ لَا يَضْحَكُ إِلَّا تَبَسُّمًا." – صحيح: صحيح الجامع
الصغير وزيادته (2/ 877) (رقم: 4861)
قال السمرقندي _رحمه الله_
في "تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين" (ص: 197_198):
"فَفِي
هَذَا الْخَبَرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّبَسُّمَ مُبَاحٌ.
وَإِنَّمَا
النَّهْيُ عَنِ الضَّحِكِ بِالْقَهْقَهَةِ، فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ لَا يَضْحَكَ بِالْقَهْقَهَةِ، فَإِنَّ مَنْ
ضَحِكَ قَهْقَهَةً فِي الدُّنْيَا قَلِيلًا، بَكَى فِي الْآخِرَةِ كَثِيرًا،
فَكَيْفَ بِمَنْ ضَحِكَ فِي الدُّنْيَا كَثِيرًا؛ كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ
تَعَالَى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} [التوبة: 82]
قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ:
فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا فِي الدُّنْيَا، وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا فِي الْآخِرَةِ.
وَعَنِ الْحَسَنِ
الْبَصْرِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا} [التوبة: 82] فِي
الدُّنْيَا {وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} [التوبة: 82] فِي الْآخِرَةِ.
فِي نَارِ جَهَنَّمَ
{جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [التوبة: 82] .
وَقَالَ الْحَسَنُ
الْبَصْرِيُّ _رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى_:
يَا عَجَبًا مِنْ ضَاحِكٍ
وَمِنْ وَرَائِهِ النَّارُ، وَمِنْ مَسْرُورٍ، وَمِنْ وَرَائِهِ الْمَوْتُ.
وَقِيلَ: مَرَّ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بِشَابٍّ وَهُوَ يَضْحَكُ،
فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ هَلْ جُزْتَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ: لَا فَقَالَ:
هَلْ تَبَيَّنَ لَكَ، إِلَى الْجَنَّةِ تَصِيرُ أَمْ إِلَى النَّارِ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَفِيمَ هَذَا
الضَّحِكُ؟ قَالَ: فَمَا رُؤِيَ الْفَتَى ضَاحِكًا بَعْدَهُ قَطُّ. يَعْنِي أَنَّ
قَوْلَ الْحَسَنِ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ فَتَابَ عَنِ الضَّحِكِ.
وَهَكَذَا كَانَ
الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَكَلَّمُوا بِالْمَوْعِظَةِ، وَقَعَ كَلَامُهُمْ
مَوْقِعًا، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِالْعِلْمِ فَيَنْفَعُ عِلْمُهُمْ
غَيْرَهُمْ.
فَأَمَّا عُلَمَاءُ
زَمَانِنَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ بِعِلْمِهِمْ فَلَا يَنْفَعُ عِلْمُهُمْ
غَيْرَهُمْ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَذْنَبَ
ذَنْبًا وَهُوَ يَضْحَكُ، دَخَلَ النَّارَ وَهُوَ يَبْكِي.
وَيُقَالُ: أَكْثَرُ
النَّاسِ ضَحِكًا فِي الدُّنْيَا، أَكْثَرُهُمْ بُكَاءً فِي الْآخِرَةِ.
وَأَكْثَرُهُمْ بُكَاءً فِي
الدُّنْيَا، أَكْثَرُهُمْ ضَحِكًا فِي الْجَنَّةِ
قَالَ يَحْيَى
بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ _رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى_:
(أَرْبَعُ خِصَالٍ لَمْ
يُبْقِينَ لِلْمُؤْمِنِ ضَحِكًا وَلَا فَرَحًا: هَمُّ الْمَعَادِ - يَعْنِي هَمَّ
الْآخِرَةِ -، وَشُغْلُ الْمَعَاشِ، وَغَمُّ الذُّنُوبِ، وَإِلْمَامُ الْمَصَائِبِ).
يَعْنِي: يَنْبَغِي
لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ مَشْغُولًا بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ،
لِتَمْنَعَهُ عَنِ الضَّحِكِ، فَإِنَّ الضَّحِكَ لَيْسَ مِنْ خِصَالِ الْمُؤْمِنِ.
وَقَدْ عَيَّرَ اللَّهُ
تَعَالَى أَقْوَامًا بِالضَّحِكِ فَقَالَ: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ
{59} وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ {60} وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} [النجم: 59-61] ،
وَمَدَحَ أَقْوَامًا بِالْبُكَاءِ فَقَالَ تَعَالَى: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ
يَبْكُونَ} [الإسراء: 109] ." اهـ
وقال السمرقندي _رحمه الله_
في "تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين" (ص: 198):
"وَيُقَالُ:
غَمُّ الْأَحْيَاءِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ، فَيَنْبَغِي لِكُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ
يَكُونَ غَمُّهُ فِي هَذِهِ الْخَمْسَةِ: * أَوَّلُهَا: غَمُّ الذُّنُوبِ
الْمَاضِيَةِ لِأَنَّهُ قَدْ أَذْنَبَ ذُنُوبًا، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ
الْعَفْوُ. فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَغْمُومًا بِهَا، مَشْغُولًا بِهَا.
* وَالثَّانِي:
أَنَّهُ قَدْ عَمِلَ الْحَسَنَاتِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ الْقَبُولُ.
* وَالثَّالِثُ:
قَدْ عَلِمَ حَيَاتَهُ فِيمَا مَضَى كَيْفَ مَضَى، وَلَا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ
الْبَاقِي.
* وَالرَّابِعُ:
قَدْ عَلِمَ أَنَّ للَّهِ تَعَالَى دَارَيْنِ، وَلَا يَدْرِي إِلَى أَيَّةِ دَارٍ
يَصِيرُ.
* وَالْخَامِسُ:
لَا يَدْرِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَاضٍ عَنْهُ، أَمْ سَاخِطٌ عَلَيْهِ.
فَمَنْ كَانَ غَمُّهُ فِي
هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْخَمْسَةِ فِي حَيَاتِهِ، فَإِنَّهُ
يَمْنَعُهُ عَنِ الضَّحِكِ،
وَمَنْ لَمْ
يَكُنْ غَمُّهُ فِي هَذِهِ الأَشْيَاءِ الْخَمْسَةِ فِي حَيَاتِهِ، فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ خَمْسَةٌ
مِنَ الْغُمُومِ.
أَوَّلُهَا: حَسْرَةُ مَا خَلَّفَ مِنَ التَّرِكَةِ الَّتِي
جَمَعَهَا مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَتَرَكَهَا لِوَرَثَتِهِ الْأَعْدَاءِ.
وَالثَّانِي: نَدَامَةُ تَسْوِيفِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَيَرَى
فِي كِتَابِهِ عَمَلًا، فَيَسْتَأْذِنُ فِي الرُّجُوعِ لِيَعْمَلَ صَالِحًا فَلَا
يُؤْذَنُ لَهُ.
وَالثَّالِثُ: نَدَامَةُ الذُّنُوبِ، فَيَرَى كِتَابَهُ ذُنُوبًا
كَثِيرَةً، فَيَسْتَأْذِنُ فِي الرُّجُوعِ لِيَتُوبَ فَلَا يُؤْذَنُ لَهُ.
وَالرَّابِعُ: يَرَى لِنَفْسِهِ خُصُومًا كَثِيرَةً، وَلَا يَتَهَيَّأُ
لَهُ أَنْ يُرْضِيَهُمْ إِلَّا بِأَعْمَالِهِ.
وَالْخَامِسُ: وَجَدَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ غَضْبَانًا وَلَا
يُمْكِنُهُ أَنْ يُرْضِيَهُ." اهـ
المعنى الإجمالي
لهذا الحديث:
أرشد النبي ﷺ أمته إلى
الاعتدال في الضحك، فيأمر بتقليله، وينهى عن الإكثار منه؛ لأن كثرة الضحك تُورث
قسوة القلب وغفلته، حتى يصير القلب كالميت الذي لا يتأثر بالمواعظ، ولا يخشع عند
ذكر الله.
فالمقصود ليس تحريم الضحك
مطلقًا، فإن النبي ﷺ كان يبتسم ويضحك أحيانًا، ولكن المقصود: النهي عن الإغراق فيه
والانشغال به عن ذكر الله والآخرة، لأن ذلك يُضعف الإيمان، ويُذهب هيبة القلب،
ويمنع من التفكر والاعتبار.
فالإسلام يدعو إلى التوسط في
جميع الأمور؛ فلا إفراط في الضحك حتى يُميت القلب، ولا تفريط يمنع من البشر وحسن
الخلق، بل يكون الضحك بقدر، مع بقاء القلب حيًا بذكر الله وخشيته.
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري في "الأدب
المفرد" (ص: 98) (رقم: 252)، وابن ماجه (2/ 1410) (رقم: 4217)، شعب الإيمان
(7/ 499) (رقم: 5366)، الآداب للبيهقي (ص: 134 و 335) (رقم: 323 و 831)، مكارم
الأخلاق للخرائطي (ص: 97) (رقم: 255)، مسند الشاميين للطبراني (1/ 215 و 4/ 314)
(رقم: 385 و 3408)، المخلصيات (2/ 265) (رقم: 1514)، حلية الأولياء وطبقات
الأصفياء (10/ 365)، وغيرهم.
والحديث حسن صحيح:
صرح بذلك الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث
الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (2/ 600) (رقم: 930)، صحيح الجامع الصغير
وزيادته (2/ 840) (رقم: 4580)، صحيح الترغيب والترهيب (2/ 325) (رقم: 1741)
من فوائد الحديث:
وقال نصر
بن محمد،
الشهير بـ"أبي الليث السمرقندي" (المتوفى:
373 هـ)
_رحمه الله_ في "تنبيه
الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين" (ص:
201)
وَرَوَى مَالِكُ بْنُ
دِينَارٍ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ:
"قَالَ لِيَ عُمَرُ
بْنُ الْخَطَّابِ _رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ_:
(مَنْ كَثُرَ ضَحِكُهُ،
قَلَّتْ هَيْبَتُهُ. وَمَنْ مَزَحَ، اسْتُخِفَّ بِهِ. وَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ،
عُرِفَ بِهِ. وَمَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ، كَثُرَ سَقَطُهُ. وَمَنْ كَثُرَ سَقَطُهُ،
قَلَّ حَيَاؤُهُ. وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ، قَلَّ وَرَعُهُ. وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ،
مَاتَ قَلْبُهُ. وَمَنْ مَاتَ قَلْبُهُ، كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ.
إِيَّاكَ وَضَحِكَ
الْقَهْقَهَةِ، فَإِنَّ فِيهِ ثَمَانِيَةً مِنَ الْآفَاتِ:___
أَوَّلُهَا أَنْ يَذُمَّكَ
الْعُلَمَاءُ وَالْعُقَلَاءُ.
وَالثَّانِي أَنْ يَجْتَرِئَ
عَلَيْكَ السُّفَهَاءُ وَالْجُهَّالُ.
وَالثَّالِثُ أَنَّكَ لَوْ
كُنْتَ جَاهِلًا ازْدَادَ جَهْلُكَ، وَإِنْ كُنْتَ عَالِمًا نَقَصَ عِلْمُكَ،
لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ الْعَالِمَ إِذَا ضَحِكَ ضَحْكَةً مَجَّ
مِنَ الْعِلْمِ مَجَّةً.
يَعْنِي رَمَى مِنَ
الْعِلْمِ بَعْضَهُ.
وَالرَّابِعُ أَنَّ فِيهِ
نِسْيَانَ الذُّنُوبِ الْمَاضِيَةِ.
وَالْخَامِسُ فِيهِ أُجْرَةٌ
عَلَى الذُّنُوبِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، لِأَنَّكَ إِذَا ضَحِكْتَ يَقْسُو
قَلْبُكَ.
وَالسَّادِسُ أَنَّ فِيهِ
نِسْيَانَ الْمَوْتِ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ.
وَالسَّابِعُ أَنَّ عَلَيْكَ
وِزْرَ مَنْ ضَحِكَ بِضَحِكِكَ.
وَالثَّامِنُ أَنَّهُ يَجِبُ
لَهُ بِالضَّحِكِ بُكَاءٌ كَثِيرٌ فِي الْآخِرَةِ.
قَالَ تَعَالَى:
{فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا
يَكْسِبُونَ} [التوبة: 82]
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ
رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا} [التوبة: 82] ، مَعْنَاهُ أَنَّ الدُّنْيَا
قَلِيلٌ، فَلْيَضْحَكُوا فِيهَا مَا شَاءُوا، وَإِذَا صَارُوا إِلَى اللَّهِ
بَكَوْا بُكَاءً لَا يَنْقَطِعُ.
فَذَلِكَ الْكَثِيرُ وَهُوَ
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}
[التوبة: 82]
وقال عبد الرؤوف
بن تاج العارفين الحدادي القاهري، الشهير بـ"الْمُنَاوِيّ"
(المتوفى: 1031 هـ) _رحمه الله_ في "فيض القدير" (5/ 52_53):
"الضحك
المميت للقلب ينشأ من الفرح والبطر بالدنيا. وللقلب حياةٌ وموتٌ، فحياته بدوام
الطاعة، وموتُه بإجابة غير الله من النفس والهوى والشيطان بتواتر أسقام المعاصي
تموت الأجسام بأسقامها، واقتصر من أسباب موته على كثرة الضحك، وهو ينشأ عن جميعها
لانتشائه من حب الدنيا، وحبُّها رأس كل خطيئة بنص الخبر: (أوحى الله إلى داود ومن
عصاني، فقد مات.
ومن أسباب موت___القلب الأشر
والبطر والفرح وإذا مات لم يستجب له الله إذا دعاه." اهـ
"(وأقل
الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب) وذلك لأن كثرة الضحك تنشأ عن الفرح بالدنيا
والسرور بها، وحياة القلب في عدم الأنس بالدنيا، بل في طاعة الله والابتهاج بذكره
وإدامة الفكر فيما يرضيه." اهـ
محمد الأمين بن عبد الله الأُرَمي العَلَوي
الهَرَري الشافعي (المتوفى 1441 هـ) _رحمه الله_ في "مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه والقول المكتفى
على سنن المصطفى" (26/ 26):
"إن
كثرةَ الضحك المُورثةَ للغفلة عن الاستعداد للموت وما بعده من أهوال يوم القيامة تميت
القلب؛ أي: إن كان قلبه حيًّا بنور الإيمان، ويزيد اسوداده إن كان ميتًا كذا في
"المرقاة" (9/ 25)." اهـ
وقال محمد لقمان بن
محمد بن ياسين أبو عبد الله الصِّدِّيْقِيُّ السلَفِيُّ
(المتوفى 1441 هـ) _رحمه الله_ في "رش البرد شرح الأدب المفرد" (ص:
151):
"فقه الحديث:
1 - كان رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، ضَحِكُهُ
التبسمُ، اذا رضي او أُعجب بشيء.
2 - كثره الضحك ليست من صفات الصالحين، لانها
تميت القلب.
3 - كثرة الخوف من مؤاخذة الله وعقابه من سنة الرسول _صلى
الله عليه وسلم_." اهـ
وقال الشيخ زيد بن محمد المدخلي (المتوفى 1435 هـ) _رحمه الله_ في
"عون الأحد الصمد" (1/ 280):
"وموت القلب خطر على
الانسان عظيمٌ، وحياة القلب مغنم وسيم، هي الحياة الحقيقية للروح وللبدن وللقلب.
ففي ذكر الله عز وجل والتفكرِ في مخلوقاته والخوفِ والرجاءِ من الله وفي الله _عز
وجل_ سببٌ لحياة القلوب وحياة الارواح وصحة البدن وكثرهِ الثواب ونيل الرضا من
الله _تبارك وتعالى_.
فيجب أن نعقل هذه الوصية من
الرسول _عليه الصلاه والسلام_ ونطبقها تطبيقا عمليا، فاذا ضحك المسلم أو المسلمة، فعليه
أن يقلل من الضحك للسبب الذي ذكر نبي الرحمه _عليه الصلاه والسلام_." اهـ
ملحق الفوائد:
في هذا الحديث الشريفِ جوامعُ
من الحكمِ والآداب، وفيما يلي جملةٌ من فوائده:
1 – فيه: الحثُّ
على تقليل الضحك وترك الإكثار منه، وذلك لأن الشريعةَ جاءت بسلوكِ طريقِ الاعتدال،
فنهت عن الإفراط الذي يُفضي إلى الغفلة.
قال تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا
قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: 82].
2 - أن كثرة
الضحك من أسباب قسوة القلب
فإن القلب إذا أُشرب اللهوَ،
وقَلَّ فيه الذكرُ والخشوع، قسا وجفَّ.
الدليل: قال تعالى:
﴿ثُمَّ
قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ﴾ [البقرة: 74].
3 - أن حياة
القلب إنما تكون بالذكر والخشية، فدلَّ الحديث بمفهومه أن ما يُقابل كثرة الضحك من
ذكر الله يُحيي القلب. قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ
الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
4 – فيه: ذمُّ
الغفلة والانشغال بما لا ينفع، فإن الإكثار من الضحك علامةُ غفلةٍ عن الآخرة،
وانصرافٍ إلى اللهو.
قال تعالى:
﴿اقْتَرَبَ
لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 1].
5 - مشروعية
التبسم والضحك اليسير
إذ لم ينهَ الحديث عن أصل
الضحك، وإنما عن الإكثار منه.
وعن عائشة رضي الله عنها
قالت:
«ما رأيتُ
رسولَ الله ﷺ مستجمعًا ضاحكًا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم» (متفق عليه).
6 - أن القلب
محلُّ الإيمان والتأثر، فإسنادُ الموت إليه يدلُّ على أنه محلُّ الحياة المعنوية. قال
تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: 37].
7 – فيه:
التحذير من أسباب ضعف الإيمان، فإن ما يُميت القلب يُضعف الإيمان بالضرورة. قال ﷺ:
«ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله...» (متفق عليه).
8 - أن من
كمال العبد مراعاة أحوال قلبه، فلا يُسلِّمه لكل واردٍ من لهوٍ أو غفلة، بل
يزكِّيه ويراقبه. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9].
9 - أن
الشريعة جاءت بسدِّ الذرائع، فالنهي عن كثرة الضحك لما تؤول إليه من موت القلب. قال
الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: 168].
10 - الدعوة
إلى الاقتصاد والتوسط بين البِشْر والوقار، فلا يكون المرء عابسًا دائمًا، ولا
مُفرِطًا في الضحك، بل وسطًا بين ذلك.
فالحديثُ أصلٌ في تهذيبِ
السلوك، وحراسةِ القلب، ودعوةٌ إلى اليقظة من رقدة الغفلة؛ إذ القلوبُ إذا غلب
عليها اللهوُ ماتت، وإذا سُقيت بماء الذكرِ حَيِيَت، وكان صاحبُها من أهل البصائر
والاعتبار.
Komentar
Posting Komentar