شرح الآية الأولى (باب الأمر بالمحافظة عَلَى السُّنَّة وآدابِها) رياض الصالحين

 

16- باب الأمر بالمحافظة عَلَى السُّنَّة وآدابِها

 

قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]

 

وتمام الآية:

 

{وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6)

مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (7) [الحشر: 7]

 

وفي "تفسير الجلالين" (ص: 730):

"{وَمَا أَفَاءَ} رَدَّ {اللَّه عَلَى رَسُوله مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ} أَسْرَعْتُمْ يَا مُسْلِمُونَ {عَلَيْهِ مِنْ} زَائِدَة {خَيْل وَلَا رِكَاب} إبِل أَيْ لَمْ تُقَاسُوا فِيهِ مَشَقَّة {وَلَكِنَّ اللَّه يُسَلِّط رُسُله عَلَى مَنْ يَشَاء وَاَللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير} فَلَا حَقّ لَكُمْ فِيهِ وَيَخْتَصّ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ فِي الْآيَة الثَّانِيَة مِنْ الْأَصْنَاف الْأَرْبَعَة عَلَى مَا كَانَ يَقْسِمهُ مِنْ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ خُمُس الْخُمُس وَلَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَاقِي يَفْعَل فِيهِ مَا يَشَاء فَأَعْطَى مِنْهُ الْمُهَاجِرِينَ وَثَلَاثَة مِنْ الْأَنْصَار لِفَقْرِهِمْ

 

المعنى الإجمالي لهذه الآية الكريمة:

 

بيَّن الله _سبحانه_ حكم ما أفاءه على رسوله _صلى الله عليه وسلم_ من أموال أهل القرى، وأنَّ هذا المال يُصرف في المصالح الشرعية التي عيَّنها الله تعالى؛ من حقِّ الله، ورسوله _صلى الله عليه وسلم_، وذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، حتى لا يكون المال متداولًا بين الأغنياء وحدهم دون الفقراء.

 

ثم ختم _سبحانه_ الآيةَ بأصلٍ عظيمٍ من أصول الدين، فقال _جلَّ وعلا_:

(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)،

أي: كلُّ ما جاءكم به الرسول _صلى الله عليه وسلم_ من أمرٍ أو نهيٍ أو تشريعٍ أو هديٍ وسنَّةٍ، فالواجب عليكم قبوله والانقياد له ظاهرًا وباطنًا، من غير اعتراضٍ ولا تقديمٍ للرأي والهوى والعادات على سنته _صلى الله عليه وسلم_. فما أمر به، أُخذ امتثالًا وطاعة، وما نهى عنه، تُرك اجتنابًا واتباعًا.

 

ثم أمر سبحانه بالتقوى، وحذَّر من مخالفته ومخالفة رسوله _صلى الله عليه وسلم_ بقوله:

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾

أي: خافوا الله في امتثال أوامره واجتناب نواهيه؛ فإن عقابه شديد لمن خالف أمره وأعرض عن هدي رسوله ﷺ.

 

ومناسبة الآية بترجمة الباب ظاهرة جدًّا؛ فإنَّ الباب معقودٌ في الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها، وهذه الآية من أعظم الأدلة على وجوب التمسك بسنة النبي _صلى الله عليه وسلم_ والمحافظة عليها؛ لأن الله تعالى أمر بالأخذ بكل ما جاء به الرسول _صلى الله عليه وسلم_، وهذا يشمل العقائد والعبادات والأخلاق والآداب وسائر السنن.

 

ففي الآية دليلٌ على: وجوب اتباع السنة، وتحريمِ مخالفة هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_، وأنَّ السنة وحيٌ يجب العمل به، وأنَّ الخير كلَّه في لزوم سنته _صلى الله عليه وسلم_ ظاهرًا وباطنًا، وأن المحافظة على آداب السنة وأخلاقها داخلة في عموم قوله: (فَخُذُوهُ)، كما أن ترك البدع والمخالفات داخلٌ في قوله: (فَانْتَهُوا).

ولهذا جعل العلماء هذه الآية أصلًا عظيمًا في وجوب تعظيم السنة والاعتصام بها.

 

تفسير الآية:

 

وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في " (1 / 850):

"وهذا شامل لأصول الدين وفروعه، ظاهره وباطنه، وأن ما جاء به الرسول يتعين على العباد الأخذ به واتباعه، ولا تحل مخالفته، وأن نص الرسول على حكم الشيء كنص الله _تعالى_، لا رخصة لأحد ولا عذر له في تركه، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله،

ثم أمر بتقواه التي بها عمارة القلوب والأرواح والدنيا والآخرة، وبها السعادة الدائمة والفوز العظيم، وبإضاعتها الشَّقَاءُ الأبديُّ والعذاب السرمدِيُّ، فقال: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} على من ترك التقوى، وآثر اتباع الهوى." اهـ

 

قال محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي (المتوفى: 1393 هـ) _رحمه الله_ في "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" (8 / 34):

"وَإِنَّهُ لَمِنْ مَوَاطِنِ الْإِعْجَازِ فِي الْقُرْآنِ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَ هَذَا التَّشْرِيعِ قَوْلُهُ تَعَالَى_: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الْآيَةَ [59 \ 7]؛ لِأَنَّهُ تَشْرِيعٌ فِي أَمْرٍ يَمَسُّ الْوَتَرَ الْحَسَّاسَ فِي النَّفْسِ، وَهُوَ مَوْطِنُ الشُّحِّ وَالْحِرْصِ، أَلَا وَهُوَ كَسْبُ الْمَالِ الَّذِي هُوَ صِنْوُ النَّفْسِ ، وَالَّذِي تَوَلَّى اللَّهُ قِسْمَتَهُ فِي أَهَمِّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ فِي الْمِيرَاثِ.

قَسَّمَهُ تَعَالَى مُبَيِّنًا فُرُوضَهُ، وَحِصَّةَ كُلِّ وَارِثٍ؛ لِأَنَّهُ كَسْبٌ بِدُونِ مُقَابِلٍ، وَكَسْبٌ إِجْبَارِيٌّ. وَالنُّفُوسُ مُتَطَلِّعَةٌ إِلَيْهِ فَتَوَلَّاهُ اللَّهُ _تَعَالَى_، وَكَذَلِكَ الْفَيْءُ وَالْغَنِيمَةُ، وَحَرَّمَ الْغُلُولَ فِيهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ .

 

وقال أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الخزرجي، شمس الدين القرطبي (المتوفى: 671 هـ) _رحمه الله_ في "الجامع لأحكام القرآن" (18 / 17):

"قال الماوردي:

وقيل إنه محمول على العموم في جميع أوامره ونواهيه، لا يأمر إلا بصلاح، ولا ينهى إلا عن فساد. قلت: هذا هو معنى القول الذي قبله." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

1- وجوبُ اتِّباعِ الرسول ﷺ والانقيادِ لسنَّته

فإنَّ الله تعالى قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، وهذا لفظٌ عامٌّ يدخل فيه جميعُ ما جاء به النبي ﷺ من أمرٍ ونهيٍ وخبرٍ وحكم.

وفيه دلالةٌ على أنَّ السُّنَّةَ أصلٌ من أصول الشريعة، وأنَّ طاعةَ الرسول ﷺ طاعةٌ لله تعالى؛ إذ لا يأمر إلا بحقٍّ ووحي.

2- تحريمُ مخالفةِ أمرِ النبي ﷺ

لقوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، والانتهاءُ أبلغُ من مجرَّد الترك؛ لأنَّه يتضمَّن البُعدَ عن الشيءِ والحذرَ من مقاربتِه.

وفي هذا زجرٌ عن الوقوع في البدع والمحدثات ومخالفةِ الهدي النبوي.

3- أنَّ السُّنَّةَ وحيٌ من عند الله

إذ قرن الله أمرَ الرسول ﷺ بأمره، وجعل الأخذَ بقوله واجبًا، فدلَّ ذلك على أنَّ ما جاء به ﷺ ليس صادرًا عن هوىً مجرَّد، بل هو وحيٌ مؤيَّدٌ من الله تعالى.

4- كمالُ الشريعةِ الإسلامية

لأنَّ قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ يشمل جميعَ ما يحتاج إليه العبادُ في أمر دينهم ودنياهم، ففيه إشارةٌ إلى أنَّ الخيرَ كلَّه فيما شرعه الله ورسولُه ﷺ.

5- وجوبُ تقديمِ النصِّ على الرأي والهوى

فإنَّ المؤمنَ مأمورٌ بالأخذ بما جاء به الرسول ﷺ، لا بما تميل إليه النفوس أو تستحسنه العقول المجرَّدة.

وفي هذا إبطالٌ لطريقة أهل الأهواء الذين يقدِّمون عقولهم على النصوص.

6- إثباتُ عدلِ الشريعةِ ورعايتِها لمصالح المجتمع

وذلك في قوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾، فإنَّ الله تعالى شرع قسمة الفيءِ على وجهٍ يمنع احتكارَ الأموال ويحقِّق مصالح الفقراء والضعفاء.

7- عنايةُ الإسلامِ بالفقراء والمحتاجين

حيث خصَّ اليتامى والمساكين وابن السبيل بذكرٍ يدلُّ على رحمة الشريعة بأهل الضعف والحاجة، وأنَّ من مقاصدها سدَّ الخلَّات ودفع الضرورات.

8- فضلُ قرابةِ النبي ﷺ وبيانُ حقِّهم

لقوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾، وفيه إثباتُ حقِّ قرابة الرسول ﷺ في التكريم والإحسان المشروع من غير غلوٍّ ولا جفاء.

9- أنَّ المالَ مالُ اللهِ حقيقةً

لأنَّه سبحانه ابتدأ الآية بقوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾، فأضاف الفيءَ إلى نفسه جلَّ وعلا، تنبيهًا على أنَّ العباد مستخلفون في الأموال، يتصرَّفون فيها وفق أمر الله لا وفق الشهوات المحضة.

10- وجوبُ تقوى الله في الأموال والأحكام

لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، أي: راقبوه في تنفيذ أوامره واجتناب نواهيه، فإنَّ التقوى جماعُ الخير كلِّه.

11- إثباتُ صفةِ العقاب لله تعالى على الوجه اللائق به

في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وفيه تخويفٌ للعصاة وردعٌ لمن خالف أمر الله ورسوله ﷺ.

12- أنَّ مخالفةَ السنَّةِ سببٌ للعقوبة

لأنَّ الله ختم الأمرَ بالأخذ والانتهاء بالتحذير من العقاب، فدلَّ على أنَّ الإعراض عن هدي الرسول ﷺ من أسباب حلول العقوبات في الدنيا والآخرة.

13- أنَّ طاعةَ الرسول ﷺ تشمل الآدابَ والأخلاقَ كما تشمل الأحكام

فلفظُ الآية عامٌّ، يدخل فيه ما كان من أمور الاعتقاد والعبادة والمعاملة والسلوك والآداب، ولذلك كان السلفُ يعظِّمون دقائقَ السنن كما يعظِّمون أصول الدين.

14- الحثُّ على الاعتصام بالسنة عند ظهور الاختلاف

فإنَّ الآية جعلت المرجعَ عند الأمر والنهي إلى الرسول ﷺ، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ النجاةَ من الفتن والاختلاف تكون بلزوم الكتاب والسنة.

15- بلاغةُ القرآن في الجمع بين الترغيب والترهيب

فإنَّه سبحانه أمر بالأخذ بما جاء به الرسول ﷺ، وهذا ترغيبٌ في الطاعة، ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، فجمع بين الرجاء والخوف، وهما جناحا السير إلى الله تعالى.

Komentar