آداب أصحاب الحديث - شرح عقيدة السلف صابوني

 

[من آداب أصحاب الحديث]

 

قال الصابوني _رحمه الله_ في "عقيدة السلف أصحاب الحديث" (ص: 34):

"ويحرِّم أصحاب الحديث المسكرَ من الأشربة المتخذة من العِنَبِ أو الزَّبِيْبِ أو التمْرِ أو العَسَلِ أو الذُّرَّة، أو غير ذلك مما يسكر، يحرمون قليله وكثيره، ويجتنبونه ويوجبون به الحد.

ويرون المسارعة إلى أداء الصلوات وإقامتها في أوائل الأوقات أفضل من تأخيرها

إلى آخر الأوقات.

ويوجبون قراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام.

ويأمرون بإتمام الركوع والسجود حتما واجبا، ويعدون إتمام الركوع والسجود بالطمأنينة فيهما، والارتفاع من الركوع والانتصاب منه والطمأنينة فيه،

وكذلك الارتفاع من السجود، والجلوس بين السجدتين مطمئنين فيه من أركان الصلاة التي لا تصح إلا بها.

ويتواصون بقيام الليل للصلاة بعد المنام، وبصلة الأرحام وإفشاء السلام وإطعام

الطعام، والرحمة على الفقراء والمساكين والأيتام، والاهتمام بأمور المسلمين، والتعفف في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمصرف، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبدار إلى فعل الخيرات أجمع.


المعنى الإجمالي:

 

بيّن الإمام الصابوني _رحمه الله_ من آداب أهل الحديث (أصحاب السنة) ومنهجهم في باب الاعتقاد والعمل، وأنهم يَجْمَعون بين سلامة العقيدة، وصحة العبادة، وحسن السلوك.

 

فابتدأ ببيان جانب المناهي الشرعية، فذكر أنهم يُحرّمون كل مسكر، قليله وكثيره، أيًّا كان مصدرُه، ويجتنبونه أشدّ الاجتناب، ويرون إقامة الحد على من تعاطاه، وهذا يدل على تعظيمهم للنصوص والتزامهم بها.

 

ثم انتقل إلى أمر الصلاة، فبيّن أنهم يحرصون على أدائها في أول وقتها، ويرون قراءة الفاتحة خلف الإمام، ويؤكدون على إتمام أركان الصلاة، خاصة الركوع والسجود والطمأنينة فيهما، ويعدّون ذلك من شروط صحة الصلاة التي لا تصح بدونها.

 

ثم ذكر جانب نوافل العبادات، كالحث على قيام الليل، مما يدل على عنايتهم بتزكية النفوس وتقوية الصلة بالله _تعالى_.

 

ثم ختم ببيان مكارم الأخلاق والمعاملات، مثل صلة الأرحام، وإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والرحمة بالفقراء والمساكين والأيتام، والاهتمام بأحوال المسلمين، مع التحلي بالعفة في شؤون الحياة كلها.

 

وأكّد _رحمه الله_ على شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمبادرة إلى فعل الخيرات.

فأهل الحديث أهلُ الالتزام بالنصوص في العقيدة والأحكام، وأهلُ عناية بالصلاة والعبادة، وأهل أخلاق وإحسان في التعامل، يجمعون بين العلم والعمل، والعبادة والسلوك، في منهج معتدل شامل.

 

التنبيه الأول: حول حكم الخمر بجميع أنواعه

 

وقال ابن رجب _رحمه الله_ في "جامع العلوم والحكم" – ت. الأرنؤوط (2/ 459)

"وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ». وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَاللَّيْثِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مِمَّا اجْتَمَعَ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ كُلُّهُمْ.

وَخَالَفَ فِيهِ طَوَائِفُ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَقَالُوا: إِنَّ الْخَمْرَ إِنَّمَا هِيَ خَمْرُ الْعِنَبِ خَاصَّةً، وَمَا عَدَاهَا، فَإِنَّمَا يَحْرُمُ مِنْهُ الْقَدْرُ الَّذِي يُسْكِرُ، وَلَا يَحْرُمُ مَا دُونَهُ، وَمَا زَالَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانُوا فِي ذَلِكَ مُجْتَهِدِينَ مَغْفُورًا لَهُمْ، وَفِيهِمْ خَلْقٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ." اهـ

 

وقال _رحمه الله_ في "جامع العلوم والحكم" – ت. الأرنؤوط (2/ 460_461):

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ أَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ إِنَّمَا نَزَلَ فِي الْمَدِينَةِ بِسَبَبِ سُؤَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَمَّا عِنْدَهُمْ مِنَ الْأَشْرِبَةِ، وَلَمْ يَكُنْ بِهَا خَمْرُ الْعِنَبِ، فَلَوْ لَمْ___تَكُنْ آيَةُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ شَامِلَةً لِمَا عِنْدَهُمْ، لَمَا كَانَ فِيهَا بَيَانٌ لِمَا سَأَلُوا عَنْهُ، وَلَكَانَ مَحَلُّ السَّبَبِ خَارِجًا مِنْ عُمُومِ الْكَلَامِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ أَرَاقُوا مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْأَشْرِبَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّهُ مِنَ الْخَمْرِ الْمَأْمُورِ بِاجْتِنَابِهِ." اهـ

 

وقال ابن رجب _رحمه الله_ في "جامع العلوم والحكم" – ت. الأرنؤوط (2/ 463_464):

"وَقَدْ كَانَتِ الصَّحَابَةُ تَحْتَجُّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» عَلَى تَحْرِيمِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمُسْكِرَاتِ، مَا كَانَ مَوْجُودًا مِنْهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا حَدَثَ بَعْدَهُ، كَمَا سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْبَاذِقِ، فَقَالَ: سَبَقَ مُحَمَّدٌ الْبَاذِقَ، فَمَا أَسْكَرَ،___فَهُوَ حَرَامٌ، خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ، يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُسْكِرًا، فَقَدْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْجَامِعَةِ الْعَامَّةِ." اهـ

 

التنبيه الثاني: حول حكم قراءة الفاتحة خلف الإمام

 

قال ابن تيمية _رحمه الله_ في "مجموع الفتاوى" (23/ 327_328):

وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ خَلْفَ الْإِمَامِ: فَالنَّاسُ فِيهَا طَرَفَانِ وَوَسَطٌ:

* مِنْهُمْ: مَنْ يَكْرَهُ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ حَتَّى يَبْلُغَ بِهَا بَعْضُهُمْ إلَى التَّحْرِيمِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ صَلَاةُ السِّرِّ وَالْجَهْرِ، وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَهْل الْكُوفَةِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ: كَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ.

* وَمِنْهُمْ: مَنْ يُؤَكِّدُ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ حَتَّى يُوجِبَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ، وَإِنْ سَمِعَ الْإِمَامَ يَقْرَأُ، وَهَذَا هُوَ الْجَدِيدُ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلُ طَائِفَةٍ مَعَهُ.

* وَمِنْهُمْ: مَنْ يَأْمُرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ السِّرِّ وَفِي حَالِ سَكَتَاتِ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ وَالْبَعِيدِ الَّذِي لَا يَسْمَعُ الْإِمَامَ. وَأَمَّا الْقَرِيبُ الَّذِي يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ فَيَأْمُرُونَهُ بِالْإِنْصَاتِ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ؛ إقَامَةً لِلِاسْتِمَاعِ مَقَامَ التِّلَاوَةِ. وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ: كَمَالِكِ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ___مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَفُقَهَاءِ الْآثَارِ. وَعَلَيْهِ يَدُلُّ عَمَلُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَتَتَّفِقُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ." اهـ

 

وقال العثيمين _رحمه الله_ في "الشرح الممتع على زاد المستقنع" (3/ 297):

"فإذا وُجِدَ مَن يُصلِّي ولم يقرأ الفاتحةَ فإن الصَّلاةَ لا تَصِحُّ؛ لأن المرتبة الثانية هي نفيُ الصحَّة، وعلى هذا فلا تصحُّ الصَّلاة،

والحديث عامٌّ لم يُستثنَ منه شيء، والأصل في النصوص العامة أن تبقى على عمومها، فلا تخصَّصُ إلا بدليل شرعيٍّ، إما نصٌّ، أو إجماعٌ، أو قياس صحيح،

ولم يوجد واحد من هذه الثلاثة بالنسبة لعموم قوله: «لا صلاةَ لِمَنْ لم يقرأ بفاتحة الكتاب».

 

فإن قال قائل: يوجد دليل يخصِّصُ هذا العموم وهو قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ *} [الأعراف] قال الإِمام أحمد: «أجمعوا على أنَّ هذا في الصَّلاة».

 

فالجواب: أن هذه الآية عامَّة تشمَلُ الإنصاتَ في كلِّ مَنْ يُقرأُ عنده القرآنُ، وتخصَّص بالفاتحة، فإنه لا يسكت إذا قرأ إمامُه، ويدلُّ لهذا ما رواه أهل السُّنن من حديث عُبادة بن الصَّامت _رضي الله عنه_ قال:

"صَلَّى بنا رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم بعضَ الصَّلوات التي يُجهر فيها بالقراءة، فالتبستْ عليه القراءةُ، فلما انصرفَ؛ أقبل علينا بوجهه وقال: «هل تقرؤون إذا جهرتُ بالقراءة؟» فقال بعضُنا: إنا نصنعُ ذلك، قال: «فلا، وأنا أقول: ما لي يُنازِعُنِي القرآنُ، فلا تقرؤوا بشيءٍ مِن القرآن إذا جهرتُ؛___إلا بأمِّ القرآن». وهذا نصٌّ في محلِّ النزاع؛ فيكون فاصلاً بين المتنازعين؛ لأنه جاء في صلاة جهرية فيؤخذ به." اهـ

 

ففي "سنن أبي داود" (1/ 217) (رقم: 824):

حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ نَافِعٌ: أَبْطَأَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَأَقَامَ أَبُو نُعَيْمٍ الْمُؤَذِّنُ الصَّلَاةَ فَصَلَّى أَبُو نُعَيْمٍ بِالنَّاسِ، وَأَقْبَلَ عُبَادَةُ وَأَنَا مَعَهُ، حَتَّى صَفَفْنَا خَلْفَ أَبِي نُعَيْمٍ، وَأَبُو نُعَيْمٍ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فَجَعَلَ عُبَادَةُ يَقْرَأُ أُمَّ الْقُرْآنِ فَلَمَّا انْصَرَفَ، قُلْتُ لِعُبَادَةَ: سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَأَبُو نُعَيْمٍ يَجْهَرُ، قَالَ: أَجَلْ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ قَالَ: فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ،

فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، وَقَالَ: «هَلْ تَقْرَءُونَ إِذَا جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ؟»، فَقَالَ بَعْضُنَا: إِنَّا نَصْنَعُ ذَلِكَ، قَالَ: " فَلَا، وَأَنَا أَقُولُ: مَا لِي يُنَازِعُنِي الْقُرْآنُ، فَلَا تَقْرَءُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ."

حسنه الأرنؤوط _رحمه الله_ في "تخريج سنن أبي داود" (2/ 117) (رقم: 824)

 

وله شاهد في "مسند أحمد" – ط. الرسالة (29/ 611) (رقم: 18070):

حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ وَالْإِمَامُ يَقْرَأُ " مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَنَفْعَلُ. قَالَ: " فَلَا تَفْعَلُوا، إِلَّا أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُكُمْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ." صححه الأرنؤوط.

 

وفي "مسند أحمد" - ط الرسالة (11/ 503) (رقم: 6903):

حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ بَابٍ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا، فَهِيَ خِدَاجٌ، ثُمَّ هِيَ خِدَاجٌ، ثُمَّ هِيَ خِدَاجٌ " حسنه لغيره الأرنؤوط.

 

فوائد ودروس:

 

هذا الكلام من الإمام الصابوني _رحمه الله_ جامعٌ لأصولٍ عظيمة من منهج أهل الحديث في العلم والعمل، وفيه فوائد كثيرة، نذكر جملةً منها مع بيانها:

1- فيه: بيان شمول منهج أهل الحديث، إذ جمع بين الاعتقاد، والعبادة، والأخلاق، فدلّ على أن منهجهم ليس نظريًا فقط، بل عمليٌّ متكامل.

2- فيه: تعظيم النصوص الشرعية، بتحريمهم كل مسكرٍ قليلِه وكثيرِه، موافقةً للأحاديث، دون تفريقٍ بالهوى.

3- فيه: سدٌّ لذرائع الحرام حيث حرّموا القليل من المسكر، لأنه وسيلة إلى الكثير، وهذا من فقههم في الشريعة.

4- فيه: إقامة شعيرة الحدود بقوله: "يوجبون به الحد"، أي: يرون تنفيذ أحكام الشرع، وعدمَ التساهلِ فيها.

5- فيه: فضل المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها، لأن ذلك أدلّ على تعظيم أمر الله، والمسارعة إلى طاعته. ففي "صحيح البخاري" (رقم: 7534)، و"صحيح مسلم" (رقم: 85):

عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: "أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟"

قَالَ: «الصَّلاَةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ، ثُمَّ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»

6- فيه: العناية بإقامة الصلاة على الوجه الصحيح بإيجاب قراءة الفاتحة، وإتمام الأركان، مما يدل على اهتمامهم بصحة العبادة، لا مجردِ صورتها.

7- فيه: أن الطمأنينة ركنٌ في الصلاة، إذ نصّوا على أنها من أركانها التي لا تصح بدونها، ردًّا على من يُخلّ بها.

8- فيه:  التحذير من التهاون في أركان الصلاة، لأن ترك الطمأنينة أو نقص الركوع والسجود يُبطل الصلاة.

9- فيه: الحث على قيام الليل لكونه من صفات الصالحين، وفيه تزكية للنفس وتقوية للإيمان. ففي "سنن الترمذي" – ت. شاكر (رقم: 3549)

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

«عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ لِلإِثْمِ» صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الجامع الصغير وزيادته" (رقم: 4079)

10- فيه: الحث على صلة الأرحام، لما فيها من تقوية الروابط الاجتماعية، ونيل رضا الله _تعالى_.

11- فيه: نشر خُلق إفشاء السلام، لأنه سبب للمحبة بين المسلمين، وإحياء لشعائر الإسلام.

12- فيه: فضل إطعام الطعام، لما فيه من الإحسان إلى الخلق، وسدّ حاجة المحتاجين.

ففي "سنن الترمذي" – ت. شاكر (4/ 652) (رقم: 2485)، سنن ابن ماجه (2/ 1083) (رقم: 3251): عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ:

لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ، انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ،

فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِسَلَامٍ» - صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/ 396) (رقم: 616)

13- فيه: الحث على الرحمة بالفقراء والمساكين والأيتام، لأن ذلك من دلائل رقة القلب، وكمال الإيمان.

قال رسول الله ﷺ: "من لا يرحم لا يُرحم." [رواه البخاري ومسلم].

قال الله _تعالى_: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) [الضحى:9-10].

قال رسول الله ﷺ: "لا تنزع الرحمة إلا من شقي" [رواه أبو داود (4942)، والترمذي (1923) – حسنه الألباني في "صحيح الترغيب" (رقم: 2261)]

14- فيه الاهتمام بأحوال المسلمين، بقوله: "الاهتمام بأمور المسلمين"، وهو من أعظم واجبات الأخوّة.

ففي "صحيح البخاري" (2442)، و"صحيح مسلم" (2580):

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ قَالَ:

«المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»

وفي "قضاء الحوائج" لابن أبي الدنيا (ص: 23) (رقم: 5):

«إِنَّ لِلَّهِ قَوْمًا يَخْتَصُّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ» - حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2/ 707) (رقم: 2617)

وفي " المعجم الكبير" للطبراني (12/ 453) (رقم: 13646):

عَنِ ابْنِ عُمَرَ:

أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟"

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:

(أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكَشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ - يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ شَهْرًا –)."  - حسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (1/ 97) (رقم: 176).

15- فيه: الدعوة إلى العفّة في جميع شؤون الحياة، في المأكل والمشرب والملبس والنكاح، أي: الاعتدال والبعد عن الإسراف والحرام.

16- فيه: إقامة شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنها من أعظم أسباب صلاح المجتمع.

* عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول:

"مَنْ رأى مِنكُم مُنْكراً فلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِه، فإنْ لَمْ يَسْتَطعْ فَبِلِسانِه، فإن لم يَسْتطعْ فَبِقَلْبِه، وذلك أضْعَفُ الإيمان". رواه مسلم والترمذي وابن ماجه والنسائي

* وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال:

إني سمعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول:

"إنَّ الناسَ إذا رَأوا الظالِمَ فلَمْ يأخذوا على يديْهِ، أوْشَك أَنْ يَعُمَّهم الله بعقابٍ مِنْ عِنْدِه". رواه أبو داود والترمذي - صحيح الترغيب والترهيب (رقم: 2317).

17- فيه: المبادرة إلى الخيرات، بقوله: البدار، أي المسارعة وعدم التسويف، وهذا من علامات صدق العبد.

صحيح مسلم (رقم: 118):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا»

18- فيه: الجمع بين حقوق الله وحقوق العباد، فذكر العبادات (كالصلاة والقيام)، وحقوق الناس (كالرحمة والإحسان).

19- فيه: أن العلم النافع يثمر العمل، لأنهم وُصِفُوْا بأعمال صالحة كثيرة، فدلّ على أن العلم ليس مجرد معرفة، بل ثمرات نافعة لصاحبها.

20- فيه: أن أهل السنة وسط في منهجهم، فجمعوا بين الشدة في الحق (كالتحريم والحدود)، والرحمة بالخلق (كالإحسان والرفق).

 

فهذا النص من كلام المصنف _رحمه الله_ قرر قاعدة عظيمة، وهي أن أهل الحديث هم أهل الاتباع في العلمِ، والإحسانِ في العمل، والاعتدالِ في السلوك.

وذلك لتعظيمهم للوحيين (الكتاب والسنة)، وسلوكهم منهج السلف الصالح، وجمعهم بين العلم والعمل، وعنايتهم بتزكية القلوب، وفهمهم لمقاصد الشريعة، وصدق اتباعهم للسنة، وخشيتهم من الله ومراقبتهم له، وعلمهم بعواقب الانحراف

 

فاجتماع هذه الصفات عند أهل السنة ليس صدفة، بل هو ثمرة أصلٍ واحد، وهو الاعتصام بالوحي بفهم السلف، مع إخلاص القلب لله؛

فمن حقّق هذا الأصل، استقام علمه، وصلحت عبادته، وحَسُن خُلُقه. ومن اقتدى بهم جمع بين صحة المنهج وحسن التطبيق.

 

Komentar

Postingan populer dari blog ini

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة