شرح الحديث 54 (الترهيب من ترك السنة وارتكاب البدع والأهواء) من صحيح الترغيب
|
54 - (6) [صحيح] وعن أنسِ بن مالك رضي الله
عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إنّ الله حَجَبَ التوبةَ عن كلِّ
صاحبِ بدعة حتى يَدعَ بِدعَتَهُ". رواه الطبراني
وإسناده حسن (2). (*) __________ (2) قلت: بل هو صحيح كما هو مبين في
"الصحيحة" (1620)، ثم إنه ليس عند الطبراني في "المعجم
الكبير" كما هو المصطلح عند الإطلاق، وكثيراً ما يفعل ذلك كما نبه عليه
الحافظ الناجي في غير ما حديث، وفاته كثير منها هذا، فإنما أخرجه الطبراني في
"الأوسط" (5/ 113/ 4214 - ط)، وقد سقط من الطابع أو الدكتور المحقق
شيخُ شيخِ الطبراني! وهو مخرج في "الصحيحة" (4/ 154/ 1620). |
المعنى الإجمالي لهذا الحديث:
بيّن أن النبي ﷺ خطر البدعة على صاحبها، وأنها من
أعظم ما يحول بين العبد وبين التوبة.
فصاحب البدعة ما دام متمسّكًا ببدعته، معتقدًا صحتها،
فإنه لا يُوفَّق للتوبة منها؛ لأن التوبة لا تصح، إلا مع الاعتراف بالذنب وتركه،
وصاحب البدعة يرى نفسه على حق، فلا يندم ولا يرجع.
فليس المعنى أن باب التوبة مُغلق مطلقًا، بل المراد
أن الله _تعالى_ يَحْرِمُه من التوفيق للتوبة ما دام مقيمًا على بدعته، حتى يتركها
ويرجع إلى السنة، فإذا تركها وندم، فباب التوبة مفتوح له كغيره.
فالحديث تحذير شديد من البدع، وبيان أنها أخطر من
المعصية من جهة أن صاحبها لا يشعر بخطئه، فلا يتوب منها، بخلاف العاصي الذي يعلم
ذنبه فيرجع، ولذلك كانت السلامة في لزوم السنة وترك المحدثات.
تخريج الحديث :
أخرجه إسحاق بن راهويه في "مسنده" (1/ 377)
(رقم : 398)، وابن أبي عاصم في "السنة" (1/ 21) (رقم : 37)، والطبراني
في "المعجم الأوسط" (4/ 281) (رقم : 4202)، والبيهقي في "شعب
الإيمان" (12/ 54) (رقم : 9011)، وابن وضاح في "البدع" (2/ 109)
(رقم : 146)
قال الإثيوبي _رحمه
الله_ في "البحر المحيط الثجاج" (17/ 290):
"حديث صحيح، أخرجه الطبراني في
"الأوسط" بلفظ: "إن الله حجب التوبة عن كلّ صاحب بدعة حتى يَدَع
بدعته". اهـ[1]
وصححه الألباني
في "ظلال الجنة" (1/ 21) (رقم: 37)، وفي "سلسلة الأحاديث الصحيحة
وشيء من فقهها وفوائدها" (4/ 154) (رقم: 1620).
من فوائد
الحديث:
وفي "تفسير
القرطبي" (7/ 140):
"قَالَ سَهْلٌ: "لَا أَعْلَمُ
حديثا جاء في المبتدعة أشد هَذَا الْحَدِيثِ: (حَجَبَ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَنْ
صَاحِبِ الْبِدْعَةِ). قَالَ: "فَالْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ أَرْجَى
مِنْهُمْ." اهـ
وقال العباد في شرح سنن
أبي داود - شاملة (514/ 27):
"ومعلوم أن البدع أعظم وأخطر من
المعاصي، وهي أيضاً أضر من المعاصي، وذلك أن صاحب المعصية يعرف أنه عاص، فهو يشعر
بذنبه ويخاف منه، بخلاف المبتدع فإنه يرى أنه على حق، فيموت وهو على بدعته، ولهذا
جاء في الحديث: (إن الله حجب التوبة عن صاحب بدعة حتى يتوب عن بدعته)، فلكونه يظن
أنه على حق لا يحصل منه توبة، بخلاف العاصي فإنه يعرف أنه عاص، ويعرف أن فعله محرم
فيتوب منه." اهـ
وفي "البدع"
لابن وضاح (2/ 107) (رقم: 141):
عَنْ أَبِي عَمْرٍو
السَّيْبَانِيِّ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: «يَأْبَى اللَّهُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ
بِتَوْبَةٍ، وَمَا انْتَقَلَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ، إِلَّا إِلَى شَرٍّ مِنْهَا»
وقال الألباني _رحمه
الله_ في "حجة النبي" (ص: 101) :
"أمر البدعة خطير جدا لا يزال أكثر
الناس في غفلة عنه ولا يعرف ذلك إلا طائفة من أهل العلم، وحسبك دليلا على خطورة
البدعة قوله _صلى الله عليه وسلم_:
(إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع
بدعته) رواه الطبراني والضياء المقدسي في (الأحاديث المختارة) وغيرهما بسند صحيح."
اهـ
قال عبد الرءوف محمد عثمان _رحمه الله_ في "محبة
الرسول بين الاتباع والابتداع" (ص: 298)
وهكذا الأهواء إذا أشربها قلب صاحبها صارت كالداء
المهلك الذي لا ينجو منه إلا القليل. ومن كانت هذه حاله فقل أن ينزع أو يتوب.
ولهذا قال سفيان الثوري: (إن البدعة أحب إلى إبليس من
المعصية لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها) [مجموع الفتاوى (10 / 9)].
ويفصل ابن تيمية هذا الكلام فيقول:
"ومعنى قوله (إن البدعة لا يتاب منها): أن
المبتدع الذي يتخذ دينا لم يشرعه الله ولا رسوله، قد زُيِّن له سوء عمله، فرآه
حسنا، فهو لا يتوب ما دام يراه حسنا، لأن أول التوبة العلْمُ بأن فعله سيئ ليتوب
منه، أو بأنه ترك حسنا مأمورا به أمر إيجاب أو استحباب ليتوب ويفعله، فما دام يرى
فعله حسنا، وهو سيئ في نفس الأمر، فإنه لا يتوب) [مجموع الفتاوى (10 / 9)].
وقال عبد الكريم مراد _رحمه الله_ "في البدع
وآثارها السيئة" (ص: 105):
"والتوبة محجوبة عن صاحب البدعة فيدل
على ذلك حديث أنس رضي الله عنه المرفوع: "إن الله حجز أو قال حجب التوبة عن
كل صاحب بدعة". رواه ابن أبي عاصم في السنة وقال الألباني: "صحيح
بشواهده".
ويدل عليه ما في حديث الخوارج وهو قوله: "يخرجون
من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه".
ويدل على ذلك قوله في حديث الفرق: "وإنه سيخرج
من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا
مفصل إلا دخله"، وعدم قبول التوبة من المبتدع يقتضي ظاهرُ الحديث عمومَ ذلك،
فهو محمول على العموم العادي لأن الغالب عادة في الواقع الإصرار من المبتدعة على
البدع." اهـ
وقال الشيخ العباد البدر _حفظه الله_ في "الانتصار
لأهل السنة والحديث" (ص: 147)
وأمَّا ما جاء عن بعض السلف من التحذير من البدع،
وبيان أنَّها أسوأُ من المعاصي، فليس ذلك تزهيداً في المعاصي، بل لبيان التفاوت
الكبير بين البدع والمعاصي، وإنَّما كانت البدعُ أشدَّ
خطراً من المعاصي؛ لأنَّ المعاصي من أمراض الشهوات، والبدعَ من أمراض
الشبهات، ولأنَّ العاصي يَشعُر بأنَّه مذنبٌ فيتوب من معصيته،
وأمَّا المبتدع فقد يستمرُّ على بدعته حتى يموت
عليها؛ لأنَّه يرى أنَّه على حقٍّ وهو على باطل، كما قال الله عزَّ وجلَّ: {أَفَمَنْ
زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ
يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [فاطر: 8]،
وقد جاء في السنَّة وأقوال الصحابة ما يوضح ذلك:
* فعن أنس رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله
حَجَبَ التوبةَ عن كلِّ صاحب بدعة حتى يَدَع بدعتَه"، قال المنذري في الترغيب
والترهيب (1/45) : "رواه الطبراني وإسناده حسن"، وقد أورده الألباني في
السلسلة الصحيحة (1620)." اهـ
وقال الشيخ العباد _حفظه الله_ في "الحث على
اتباع السنة والتحذير من البدع وبيان خطرها" (ص: 50_51):
"والبدعُ خطرُها كبير، وخطْبُها جسيم،
والمصيبة بها عظيمة، وهي أشدُّ خطراً من الذنوب والمعاصي؛ لأنَّ صاحبَ المعصية
يعلم أنَّه وقع في أمر حرام، فيتركه ويتوب منه، وأمَّا صاحب البدعة، فإنَّه يرى
أنَّه على حقٍّ فيستمرّ على بدعته حتى يموت عليها، وهو في الحقيقة متَّبع للهوى__وناكبٌ
عن الصراط المستقيم، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ
عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ
يَشَاءُ } [فاطر: 8]،
وقال: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ
كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ } [محمد: 14]،
وقال: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ
بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50]،
وعن أنس رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله
حجب التوبةَ عن كلِّ صاحب بدعة حتى يدَع بدعتَه"،
أورده المنذري في كتاب الترغيب والترهيب (86)، في
الترهيب من ترك السنة وارتكاب البدع والأهواء، وقال: "رواه الطبراني، وإسناده
حسن"، وانظر: السلسلة الصحيحة للألباني (1620) ." اهـ
وقال ابن القيم في "بدائع الفوائد" (4/ 48):
"فوائد شتى من خط القاضي أبي يعلى:
أبو الفرج الهمداني سمعت المروزي يقول:
سئل أحمد عما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم:
"إن الله احتجر التوبة عن صاحب بدعة وحجب التوبة" إيش معناه؟
فقال أحمد: "لا
يوفق ولا يسير صاحب بدعة لتوبة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية:
{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي
شَيْءٍ} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل الأهواء والبدع ليست لهم
توبة". اهـ
وقال العباد في شرح الأربعين النووية - (3/ 12)
بترقيم الشاملة:
"وأما الإنسان الذي يقدم على شيء عن علم
ومعرفة عليه ظاناً أنه حق، وهو باطل فهذا هو الذي يصعب أمره، ويكون محل خطر على
الناس، قبل ذلك على نفسه، أما ضرره على الناس فلأنهم يغترون به، ويظنون أنه صاحب
علم، وأن هذا الذي قاله إنما قاله عن علم ومعرفة، وإنما هو -في الحقيقة- ضلال
وانحراف في العلم.
وأما خطره على نفسه فلأنه يعتقد أنه على حق، فيستمر
على باطله، وقد يموت وهو على باطله؛ ولهذا جاء في الحديث: (إن الله تعالى حجب
التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يتوب من بدعته) ومعنى ذلك أن الإنسان إذا كان مبتدعاً
فقد يستمر على بدعته إلى أن يموت عليها، ولا تحصل له التوبة؛ لأنه يظن نفسه على
حق، وأما إذا كان صاحب معصية ويعرف أن هذا ذنب وأنه عاص لله فيه فهذا هو الذي يرجى
له التوبة؛ لأنه يشعر بالخطأ، ويشعر بالتقصير، وأما ذاك فإنه لا يشعر بالتقصير بل
يظن أنه على حق، كما قال تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ
حَسَنًا} [فاطر:8]، فهو يبقى على باطله.
فإذا كان لديه علم ومعرفة فإنه يكون أشد ضرراً على
نفسه وعلى غيره، أما على نفسه فبابتعاده عن التوبة، وأنه قد يموت على بدعته، وأما
على غيره فباغترار الناس به، فإنهم يظنون أن مقالته تلك قالها بناء على علم.
ومن فوائد الحديث أيضا:
هذا حديث عظيم في التحذير من البدعة وبيان خطرها، وقد
تكلم عليه العلماء وبيّنوا مقاصده، وفيه فوائد كثيرة،
أذكر منها:
1_ فيه: عِظم شأن التوبة، فالنبي ﷺ يبين أن
التوبة باب مفتوح إلا أن البدعة قد تحجبه عن صاحبها حتى يتوب منها أولاً.
قال الله _تعالى_: (وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ
جَمِيعًا أَيُّهَا ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: 31].
2_ فيه: شدة خطر البدعة، إذ لم يرد مثل هذا
الوعيد الشديد في كثير من المعاصي، مما يدل أن البدعة أعظم من مجرد المعصية.
قال ﷺ: «وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» رواه
مسلم.
3_ فيه: أن البدعة تمنع من قبول التوبة، لأن
المبتدع يظن نفسه على الحق، فلا يتوب، بخلاف العاصي الذي يعلم أنه عاصٍ فيرجع.
قال الله _تعالى_: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ
عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ
يَشَاءُ} [فاطر: 8]
4_ فيه: أن المبتدع لا يُوفَّق للتوبة غالبًا
عقوبةً له على ابتداعه، حتى يترك بدعته ويرجع إلى السنة.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«إن الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع
بدعته» (رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (4/ 281) (رقم: 4202). حسنه
الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (4/ 154) (رقم: 1620)
5_ فيه: تحذير من الاغترار بالبدع، لأن
البدعة تُزيَّن للإنسان حتى يظن أنه يتقرب بها إلى الله، وهي في الحقيقة تُبعده عن
التوبة.
قال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِينَ
أَعۡمَٰلًا ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ
يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا) [الكهف: 103-104].
6_ فيه: رحمة الله _سبحانه_ بعباده، فالله لا
يمنع التوبة مطلقًا، ولكن يمنعها عمن سد على نفسه طريقها بالابتداع والاغترار.
(إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَٰلِحًا
فَأُو۟لَٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَٰتٍ) [الفرقان: 70].
7_ فيه: أن أعظم أسباب الهداية ترك البدع، إذ
المبتدع ما دام في بدعته محجوبًا عن نور التوبة.
قال ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين
من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور» رواه أبو داود والترمذي.
8_ فيه: بيان أن البدعة شرٌّ من المعصية، لأن
العاصي يُرجى له التوبة لمعرفته بذنبه، أما المبتدع، فلا يرى أنه مذنب.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: «الاقتصاد في السنة خير
من الاجتهاد في البدعة» (رواه الدارمي).
9_ فيه: أن السنة طريق النجاة، فمن تمسك بها
وفّقه الله للتوبة إذا أخطأ، بخلاف من ركب البدعة.
قال تعالى: (وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ
وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153].
10_ فيه: إثبات عدل الله تعالى، فهو لا يظلم
المبتدع، لكن المبتدع هو الذي ظلم نفسه حين غيّر الدين وابتدع فيه.
(وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ) [فصلت:
46].
11_ والحديث أصل في وجوب ترك البدع، لأنه
بيّن أنها تحجب عن التوبة، فلا صلاح للعبد إلا بتركها.
قال ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»
رواه البخاري ومسلم.
12_ فيه: أن التوبة من البدعة، لا بد أن تكون
بالتخلي عنها، أي: لا تصح توبة المبتدع، وهو لا يزال مقيمًا على بدعته.
قال الله _تعالى_: (إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ
وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُو۟لَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ) [البقرة: 160].
13_ فيه: تحذير من تلبيس إبليس، فإن البدع هي
من أعظم مداخله، يزيّنها للناس حتى يصدهم عن التوبة والرجوع إلى الحق.
قال تعالى: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ)
[النساء: 119].
14_ فيه: تنبيه على خطر البيئة الفاسدة، فمن
عاش في بيئة مليئة بالبدع يصعب عليه أن يتوب، بخلاف من عاش في بيئة أهل السنة.
قال ﷺ: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»
رواه أبو داود والترمذي.
15_ فيه: أن الهداية والتوبة نعمة من الله،
وليست بقدرة العبد فقط، ومن حُجب عنها بسبب بدعته، فقد حُرم خيرًا عظيمًا.
قال الله _تعالى_: (إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ
أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ) [القصص: 56].
16_ فيه: وجوب لزوم جماعة المسلمين وأهل
السنة، لأن في مفارقتهم والابتداع حجابًا عن التوبة والرجوع إلى الحق.
قال ﷺ: «من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة
الإسلام من عنقه» رواه أحمد وأبو داود.
17_ والحديث يدل على شمولية البدعة، فهي ليست
فقط في الاعتقاد، بل في الأقوال والأفعال والعبادات.
قال ﷺ: «كل بدعة ضلالة» رواه مسلم.
18_ فيه: تحذير من التساهل في البدع الصغيرة،
لأنها باب للحرمان من التوبة، ولا يُدرى أيّ بدعة تُحجب بها التوبة.
قال ﷺ: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على
الرجل حتى يهلكنه» رواه أحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (1/ 402) (رقم:
3819)، صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2/ 644) (رقم: 2471)
19_ فيه: تأكيد معنى قوله ﷺ: (كل بدعة ضلالة)،
فكل بدعة تورث الضلال، ومن أعظم صور الضلال أن تُحجب عن التوبة.
عن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقول في
خطبته: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور
محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» رواه مسلم.
20_ فيه: دليل على أن التوبة من البدعة
مقبولة، إذا تاب العبد ورجع إلى السنة، فإن الله يقبل توبته، لقوله تعالى: (إِنَّ
اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) [الزمر: 53].
[1] وقال الإثيوبي في مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة
في شرح سنن الإمام ابن ماجه (2/ 121):
"وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين، غير هارون بن موسى
الْفَرْويّ، وقد روى عنه جماعة، ووثقه الدارقطنيّ، وابن حبّان، ومسلمة بن القاسم،
وقال النسائيّ: لا بأس به. وقال أبو حاتم: شيخ.
قال
الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث الصحيح يُغني عن الحديث الموضوع الذي أورده
المصنّف، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل." اهـ
Komentar
Posting Komentar