شرح الحديث 255 (بَابُ إِذَا أَقْبَلَ، أَقْبَلَ جَمِيعًا، وَإِذَا أَدْبَرَ، أدبر جميعا) من الأدب المفرد

 

127- بَابُ إِذَا أَقْبَلَ، أَقْبَلَ جَمِيعًا، وَإِذَا أَدْبَرَ، أدبر جميعا

 

255 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ مُسْلِمٍ مَوْلَى ابْنَةِ قَارِظٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:

أَنَّهُ رُبَّمَا حَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَيَقُولُ:

"حَدَّثَنِيهِ أَهْدَبُ الشُّفْرَيْنِ، أَبْيَضُ الْكَشْحَيْنِ، إِذَا أَقْبَلَ أَقْبَلَ جَمِيعًا، وَإِذَا أَدْبَرَ، أَدْبَرَ جَمِيعًا، لَمْ تَرَ عَيْنٌ مِثْلَهُ، وَلَنْ تَرَاهُ."

[قال الشيخ الألباني: صحيح]

________

(1) - أي طويل شعر الأجفان ودقيقها

(2) - الكشح الخاصرة

 

رواة الحديث:

 

* حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (صدوق رمى بالإرجاء: ت.  224 هـ):

بشر بن محمد السختياني، أبو محمد المروزي، من كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خ 

 

* قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ (ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد: ت. 181 هـ بـ هيت):

عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي، المولود: سنة 118 هـ، من الوسطى من أتباع التابعين ، روى له: خ م د ت س ق 

 

* قَالَ: أَخْبَرَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ (صدوق يهم: ت. 153 هـ):

أسامة بن زيد الليثي مولاهم، أبو زيد المدني، من كبار أتباع التابعين، روى له: خت م د ت س ق.

 

* قَالَ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ مُسْلِمٍ مَوْلَى ابْنَةِ قَارِظٍ (مقبول)[1]:

موسى بن مسلم بن أبى مسلم (مولى بنت قارظ)، الْحِجَازِيُّ الْمَدَنِيُّ، من الوسطى من التابعين، روى له: بخ 

 

* عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:

عبد الرحمن بن صخر أبو هريرة الدوسي اليماني (حافظ الصحابة، وله 5370 حديثا)، روى له: خ م د ت س ق

 

نص الحديث وشرحه:

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:

أَنَّهُ رُبَّمَا حَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَيَقُولُ:

"حَدَّثَنِيهِ أَهْدَبُ الشُّفْرَيْنِ، أَبْيَضُ الْكَشْحَيْنِ، إِذَا أَقْبَلَ أَقْبَلَ جَمِيعًا، وَإِذَا أَدْبَرَ، أَدْبَرَ جَمِيعًا، لَمْ تَرَ عَيْنٌ مِثْلَهُ، وَلَنْ تَرَاهُ."[2]

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

كان أبو هريرة _رضي الله عنه_ إذا ذكر النبيَّ _صلى الله عليه وسلم_ لم يقتصر على نقل كلامه وأفعاله، بل كان يصف شيئًا من جمال هيئته وكمال شمائله؛ تعظيمًا له، ومحبةً فيه، وبيانًا لما أكرمه الله به من تمام الخِلقة والخُلُق.

 

فذكر أنَّ النبيَّ _صلى الله عليه وسلم_ كان جميلَ العينين، حسنَ الهيئة، مشرقَ الجانبين، تبدو عليه آثارُ الوقار والكمال، ثم وصف أدبَه في الحركة والمشي، فقال: «إذا أقبل أقبل جميعًا، وإذا أدبر أدبر جميعًا»،

أي: كان _صلى الله عليه وسلم_ إذا التفت إلى أحد أو انصرف، فعل ذلك بجسده كلِّه في أدبٍ ووقار، لا يلتفت التفاتَ المتكبِّرين أو المستخفِّين بالناس.

 

ثم عبَّر أبو هريرة _رضي الله عنه_ عن شدَّة إعجابه ومحبتِه للنبي _صلى الله عليه وسلم_ بقوله: «لم ترَ عينٌ مثلَه، ولن تراه»،

أي: لم يقع بصرُ الناس على مَن يماثله في جمال الصورة، وكمال الهيئة، وعظمة الخُلُق، ولن يوجد في الخلق من يساويه في ذلك؛ لأنَّ الله جمع له من صفات الكمال ما لم يجمعه لغيره.

 

فالحديثُ يُظهر جانبًا من شمائل النبي _صلى الله عليه وسلم_ الظاهرة، ويدلُّ على ما كان في قلوب الصحابة من المحبة العظيمة والتعظيم الكامل لرسول الله _صلى الله عليه وسلم_.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص: 98) (رقم: 255)، "التاريخ الكبير" – ط. دائرة المعارف العثمانية (7/ 295) (رقم: 1262)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" – ط. دار صادر (1/ 415)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (3/ 272) (رقم: 662_663)

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (7/ 592) (رقم: 3195)، و"صحيح الأدب المفرد" (ص: 113) (رقم: 192).

 

من فوائد الحديث:

 

وقال محمد لقمان بن محمد بن ياسين أبو عبد الله الصِّدِّيْقِيُّ السلَفِيُّ (المتوفى 1441 هـ) _رحمه الله_ في "رش البرد شرح الأدب المفرد" (ص: 153):

"فيه: بعض النعوت والشمائل للنبيّ _صلّى الله عليه وسلّم_، ومنها: أنَّه كان إذا توجه إلى الشيء، توجه بكُلِّيته، ولا يُخالف ببعض جسده، كيلا يخالف بدنُه قلبَهُ وقصدُه مقصدَه لما في ذلك من التلوُّن وآثار الخفة." اهـ

 

وقال الشيخ زيد بن محمد المدخلي (المتوفى 1435 هـ) _رحمه الله_ في "عون الأحد الصمد" (1/ 282):

"في هذا الحديث بيان لبعض من صفات رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وسلوكِه وهديِه، أنه أهدب الشُّفرين، أبيضُ الكشحين، إذا أقبل، فإنه يقبل بجميع جسده، ويدبر كذلك بجميع جسده، ولم تر العينُ مثله، ولن تراه، كما هو في نص الحديث." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

وفي هذا الأثرِ تظهرُ محبةُ أبو هريرة رضي الله عنه للنبي _صلى الله عليه وسلم_، وإجلالُه له، وتعظيمُه لشأنه، كما يتجلَّى فيه كمالُ أدب النبي _صلى الله عليه وسلم_ ووقارُه وحُسنُ هيئتِه. ومن فوائد هذا الحديث:

1- فيه: إثباتُ كمالِ خِلقةِ النبيِّ _صلى الله عليه وسلم_، فقد جمع الله _تعالى_ له من جمال الصورة، وتمام الهيئة، وحسن المنظر ما لم يجتمع لغيره من البشر.

2- فيه: مشروعيَّةُ وصفِ شمائلِ النبي _صلى الله عليه وسلم_ للتعريفِ بفضله، فإنَّ أبا هريرة _رضي الله عنه_ كان يصفُ هيئتَه _صلى الله عليه وسلم_ تعظيمًا له، وتعليمًا للأمة.

3- فيه: أنَّ جمالَ النبيِّ _صلى الله عليه وسلم_ كان جمالًا كاملًا معتدلًا، ليس فيه تكلُّفٌ ولا تصنُّع، بل جمالٌ مقرونٌ بالوقار والهيبة.

4- فيه: فضلُ محبةِ النبي _صلى الله عليه وسلم_ وتعظيمِه، فإنَّ الصحابةَ _رضي الله عنهم_ كانوا يذكرونه بغايةِ المحبةِ والإجلال.

5- فيه: أنَّ النظرَ إلى شمائلِه _صلى الله عليه وسلم_ يزيدُ الإيمانَ في القلوب، لأنَّ معرفةَ كماله تدعو إلى محبته واتباعه.

6- في قوله: «أهدب الشفرين» دليلٌ على حُسنِ عينيه _صلى الله عليه وسلم_

وطولِ أهدابه وجمالِ خلقته.

7- فيه: أنَّ الإسلامَ لا يمنعُ من ذكرِ محاسنِ الخِلقة إذا كان المقصودُ التعريفَ والبيان،

لا الفخرَ أو الكِبرَ أو التعلُّقَ المحرَّم.

8- فيه: أنَّ النبيَّ _صلى الله عليه وسلم_ كان أكملَ الناسِ أدبًا في حركاته، فلم يكن يلتفت التفاتَ أهلِ الخفةِ أو الكِبر.

9- في قوله: «إذا أقبل أقبل جميعًا» دليلٌ على كمالِ تواضعه _صلى الله عليه وسلم_، لأنَّه كان يُقبل على الناس بكليته اهتمامًا بهم وإكرامًا لهم.

10- فيه: أنَّ الالتفاتَ بالجسدِ كلِّه من تمامِ الأدب والوقار، وهو أكملُ من الالتفاتِ بالعين أو الرأس فقط.

11- فيه: أنَّ حسنَ الهيئةِ الظاهرة من مكارم الأخلاق، إذا اقترن بالتواضع والسكينة.

12- فيه: أنَّ النبيَّ _صلى الله عليه وسلم_ جمع بين جمالِ الصورةِ وجمالِ السيرة، وهذا من أعظمِ خصائصه وكمالاته.

13- فيه: أنَّ الصحابةَ كانوا شديديْ الملاحظةِ لأحوالِ النبي _صلى الله عليه وسلم_ حتى نقلوا دقائقَ صفاته وهيئته.

14- في الحديثِ: دليلٌ على كمالِ هيبةِ النبي _صلى الله عليه وسلم_، فإنَّ هيئتَه وحركتَه كانت تدلُّ على الوقار والعظمة.

15- فيه: أنَّ العبدَ ينبغي أن يتحلَّى بالأدبِ في إقباله وإدباره، اقتداءً بالنبي _صلى الله عليه وسلم_.

16- فيه: أنَّ المؤمنَ يقتدي بالنبي _صلى الله عليه وسلم_ حتى في آدابه وهيئته، لا في عباداته فقط.

17- في قوله: «لم ترَ عينٌ مثلَه» بيانُ تفرُّده _صلى الله عليه وسلم_ بالكمال في الخِلقة والخُلُق والهيئة.

18- فيه: أنَّ الله _تعالى_ خصَّ نبيَّه _صلى الله عليه وسلم_ بخصائصَ ليست لغيره، ومنها: كمالُ الجمالِ الظاهر والباطن.

19- فيه: أنَّ وصفَ النبي _صلى الله عليه وسلم_ يبعثُ الشوقَ إلى لقائه، ولهذا كان السلفُ يحبُّون سماعَ أخبار شمائله وصفاته.

20- فيه: أنَّ الجمالَ الحقيقيَّ ما اقترن بالصلاحِ والتقوى، فإنَّ جمالَ النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان مقرونًا بأعظمِ درجات العبودية.

21- فيه: الحثُّ على التواضعِ وتركِ حركاتِ الكِبر والخيلاء، لأنَّ النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان مع علوِّ منزلته أكملَ الناس تواضعًا.

22- فيه: أنَّ الشريعةَ جاءت بتهذيبِ الظاهر والباطن جميعًا، فكما تهذِّب القلوبَ والأعمالَ، تهذِّب الآدابَ والحركاتِ والهيئات.

23- فيه: أنَّ أعظمَ الناسِ قدرًا هم أكملُهم خُلُقًا وأدبًا، فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ مع كمالِ جماله كان أكملَ الناس خُلُقًا ورحمةً وتواضعًا.

24- فيه: أنَّ نقلَ الشمائلِ النبويَّة من حفظِ السنَّة، لأنَّها تُعرِّف الأمةَ بنبيِّها _صلى الله عليه وسلم_ وتزيدها اقتداءً به.

25- في الحديثِ: ردٌّ على مَن يزهدُ في معرفةِ السيرةِ والشمائل، فإنَّ الصحابةَ اعتنوا بها غايةَ العناية، لما فيها من زيادةِ الإيمانِ والمحبة.

 



[1] قال الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (7/ 593):

"وقال الحافظ في"التقريب ": (مقبول)، يعني: عند المتابعة، وقد توبع، فقد رواه عبد الملك بن قدامة بن إبراهيم الجُمَحي عن قدامة بن موسى عن محمد بن سعيد بن المسيب عن أبيه:

أن أبا هريرة كان إذا رأى أحداً من الأعراب أو أحداًَ لم ير النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ قال: "ألا أصف لكم النبي - صلى الله عليه وسلم -؟" كان شَثنَ القدمين، أهدب العينين، أبيض الكشحين،___يُقبِلُ معاً، وُيدبِرُ معاً، فِدّى له أبي وأمي، ما رأيت مثله قبله ولا بعده. أخرجه ابن سعد (1/414-415) .

قلت: ورجال إسناده ثقات؛ غير عبد الملك بن قدامة؛ فإنه ضعيف كما في "التقريب "، وقد وثقه ابن معين وابن عبد البر، فمثله يستشهد به إن شاء الله تعالى." اهـ

[2] (رُبَّمَا حَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ _صلى الله عليه وسلم_)، أي: كان أبو هريرة أحيانًا إذا روى حديثًا عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ وصف شيئًا من شمائله وهيئته. (أَهْدَبُ الشُّفْرَيْنِ)، الأهدب: الطويل الكثير. والشُّفران: أشفار العينين، وهي الأهداب المحيطة بالجفن. والمعنى: أنَّ النبيَّ _صلى الله عليه وسلم_ كان طويلَ أهداب العينين، حسنَهما جميلَ الهيئة. (أَبْيَضُ الْكَشْحَيْنِ)، الكشح: الخاصرة أو الجنب. والمقصود: أنَّ جانبي النبي _صلى الله عليه وسلم_ وخصرتيه كانتا بيضاوين نقيَّتين، وهو وصفٌ لحسن بدنه الشريف. (إِذَا أَقْبَلَ أَقْبَلَ جَمِيعًا)، أي: إذا توجَّه إلى أحد أو التفت إليه، أقبل عليه بجسده كلِّه، لا برأسه أو عينيه فقط، وهذا من تمام الأدب والوقار. (وَإِذَا أَدْبَرَ أَدْبَرَ جَمِيعًا)، أي: إذا انصرف أو ولَّى، انصرف بكامل بدنه، لا يلتفت التفاتًا سريعًا أو متكبِّرًا. (لَمْ تَرَ عَيْنٌ مِثْلَهُ)، أي: لم يُشاهَد أحدٌ يماثله في جمال الخِلقة وكمال الهيئة والخُلُق. (وَلَنْ تَرَاهُ)، أي: لن ترى العيونُ مثلَه بعده _صلى الله عليه وسلم_؛ لأنَّه أكملُ البشر وأجملُهم وأفضلُهم.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة