شرح الحديث 253-254 (باب التبسم) من الأدب المفرد
|
253 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ
الْحَنَفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ _صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ قَالَ: «لَا تُكْثِرُوا الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ
الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ» [قال الشيخ
الألباني: صحيح] |
رواة الحديث:
*
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ (ثقة: ت 252 هـ بـ البصرة):
محمد بن
بشار بن عثمان العَبْدِيُّ، أبو بكر البصري،
الملقب بـ(بُنْدَارٍ)[1]،
كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خ م د ت س ق[2]
* قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ (ثقة: ت. 204 هـ بـ البصرة):
عبد الكبير بن عبد المجيد بن
عبيد الله البصري، أبو بكر الحنفي (أخو أبي عليٍّ
وشريك وعمير)، من صغار أتباع التابعين، روى له: خ
م د ت س ق
* قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ (صدوق رمى بالقدر و ربما وهم: ت. 153 هـ):
عبد الحميد بن جعفر بن عبد
الله بن الحكم بن رافع الأنصاري الأوسي، أبو الفضل، و يقال أبو حفص، المدني (والد
سعد)، من الذين عاصروا صغار التابعين، روى له: خت
م د ت س ق
* عَنْ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (ثقة: ت. بعد 100 هـ):
إبراهيم بن عبد الله بن حنين
الهاشمي مولاهم المدني، أبو إسحاق (مولى العباس بن
عبد المطلب)، من الوسطى من التابعين، روى له: خ م
د ت س ق
* عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ (صحابي: ت. 57):
عبد الرحم بن صخر أبو هريرة
الدوسي اليماني (حافظ الصحابة)، روى له: خ م د ت س
ق
نص الحديث وشرحه:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ
النَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ قَالَ: «لَا تُكْثِرُوا الضَّحِكَ،
فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ»
المعنى الإجمالي
لهذا الحديث:
بيّن النَّبِيُّ _صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ في هذا الحديث أنَّ الإفراط في الضحك وكثرة الانشغال
بالمزاح واللهو ليست من صفات أهل الجِدِّ والإيمان الكامل؛ لأنَّها تُضعف حياة
القلب وروحه، وتجعله أقلَّ تأثرًا بالقرآن والمواعظ وذكر الآخرة.
فالقلب إذا اعتاد كثرة الضحك
والغفلة، قسا شيئًا فشيئًا، حتى تقلَّ فيه الخشية ويضعف إقباله على الطاعة، ولهذا
شبَّه النبي _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ أثر ذلك بموت القلب، أي بذهاب نوره ورقته
وانتفاعه.
ففي الحديث توجيه للمسلم إلى
التوازن والاعتدال؛ فيباح له أن يضحك ويتبسم من غير إفراط، لكن لا يجعل أكثر وقته
في اللهو والانشغال بما يميت قلبه ويصرفه عن معالي الأمور وطاعة الله _تعالى_.
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري في "الأدب
المفرد" (ص: 98) (رقم: 253)، والترمذي في "سننه" – ت. شاكر (4/
551) (رقم: 2305)، وابن ماجه في "سننه" (2/ 1403) (رقم: 4193)، وأحمد في
"مسنده" – ط. عالم الكتب (2/ 310) (رقم: 8095)، وأبو يعلى الموصلي في
"مسنده" (11/ 113) (رقم: 6240)، والطبراني في "المعجم الأوسط"
(7/ 125) (رقم: 7054)، وتمَّام الرازي في "الفوائد" (1/ 30) (رقم: 50)،
وأبو نعيم في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (6/ 295)، وغيرهم.
والحديث حسنٌ: حسنه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث
الصحيحة" (2/ 32 و 2/ 600) (رقم: 506 و 930)، و"صحيح الجامع الصغير
وزيادته" (1/ 82 و 2/ 1239) (رقم: 100 و 7435)، و"تخريج مشكاة المصابيح"
(3/ 1430) (رقم: 5171)، و"صحيح الأدب المفرد" (ص: 112) (رقم: 190)،
و"صحيح الترغيب والترهيب" (2/ 593 و2/ 685) (رقم: 2349 و 2567).
من فوائد الحديث:
إنَّ هذا الحديث من جوامع
وصايا محمد _صلى الله عليه وسلم_، إذ جمع علاجًا لآفةٍ خفيةٍ تُفسد القلوب وتُذهب
هيبتها ورقَّتها، وهي الإفراط في الضحك واللهو.
فإنَّ القلب خُلِقَ لعبادة
الله ومعرفته وخشيته، فإذا استولى عليه اللهو والغفلة، ضعفت فيه حياة الإيمان
وقَلَّ انتفاعه بالمواعظ والذكر.
وفي هذا الحديث فوائد جليلة
وآداب عظيمة، منها:
1- فيه: النهي عن الإكثار من الضحك، فإنَّ كثرة
الضحك تُذهب الوقار وتورث الغفلة، ولهذا نهى النبي ﷺ عن الإفراط فيه.
2- فيه: أنَّ الاعتدال من محاسن الشريعة،
فلم تمنع الشريعة الضحك
مطلقًا، وإنما منعت مجاوزة الحد والإفراط.
3- فيه: أنَّ القلب يحيا ويموت، فحياته بالإيمان
والذكر والطاعة، وموته بالغفلة والمعاصي والإعراض عن الله.
4 - فيه: أنَّ كثرة اللهو سبب لقسوة القلب، فإذا استغرق العبد في المزاح والضحك
قلَّت خشيتُه وضعف تأثره بالمواعظ.
5- فيه: الحث على رقة القلب وخشوعه، فإنَّ المؤمن
الكامل سريع التأثر بآيات الله ووعده ووعيده.
6- فيه: أنَّ كثرة الضحك تُضعف الهيبة والوقار، وكان
السلف يعظِّمون الوقار ويكرهون الإفراط في المزاح.
7- فيه: فضل التفكر في الآخرة، فإنَّ من أكثر من
ذكر الموت والدار الآخرة، قلَّ ضحكه، وكثر اعتباره.
8- فيه: أنَّ المزاح إذا زاد عن حدِّه، انقلب
مذمومًا، فقد يجرُّ إلى الغفلة أو الكذب أو أذية الناس.
9- فيه: أنَّ المؤمن يجمع بين البشاشة والوقار، فكان
النبي ﷺ أكثر الناس تبسمًا، لكنه لم يكن ضحَّاكًا قهقهًا.
10- فيه: التحذير من الغفلة عن الله، فإنَّ القلب
الغافل أبعد ما يكون عن الانتفاع بالعلم والذكر.
11- فيه: أنَّ صلاح الظاهر مرتبط بصلاح القلب، فإذا
مات القلب فسدت الجوارح والأعمال.
12- فيه: الحث على مجالس الذكر والعلم، لأنها تحيي
القلوب وتزيدها إيمانًا وخشية.
13- فيه: أنَّ كثرة الضحك قد تُذهب المروءة، خصوصًا
إذا اقترنت بالسفه وكثرة المزاح.
14- فيه: أنَّ الشريعة راعت تزكية النفوس، فلم تقتصر
على الأعمال الظاهرة، بل اعتنت بأمراض القلوب وآفاتها.
15- فيه: أنَّ القلب يحتاج إلى ما يحييه من القرآن،
والذكر، والدعاء، ومجالسة الصالحين.
16- فيه: فضل الاقتصاد في الأمور كلها، فخير الأمور
أوسطها، والإفراط والتفريط كلاهما مذموم.
17- فيه: أنَّ من علامات قسوة القلب قلةَ التأثر
بالموعظة، فإذا سمع العبد القرآن أو الذكر ولم يتحرك قلبه فليخف على نفسه.
18- فيه: كمال نصح النبي ﷺ لأمته، إذ حذرهم مما يضر
قلوبهم وإن استحسنه كثير من الناس.
19- فيه: أنَّ الضحك المباح لا يُذم إذا كان يسيرًا،
وقد ثبت أنَّ النبي ﷺ تبسم وضحك أحيانًا، لكن من غير إسراف.
20- فيه: أنَّ حياة القلب أعظم من حياة البدن، فقد
يكون البدن حيًّا، والقلب ميتًا بالغفلة، وذلك من أعظم المصائب.
|
254 - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ
مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ: "خَرَجَ النَّبِيُّ _صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ عَلَى رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَضْحَكُونَ
وَيَتَحَدَّثُونَ، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا
أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا»[3]،
ثُمَّ انْصَرَفَ وَأَبْكَى
الْقَوْمَ، وَأَوْحَى اللَّهُ _عَزَّ
وَجَلَّ_ إِلَيْهِ: «يَا مُحَمَّدُ، لِمَ تُقَنِّطُ عِبَادِي؟»، فَرَجَعَ
النَّبِيُّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ فَقَالَ: «أَبْشِرُوا،
وَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا» [قال الشيخ الألباني: صحيح] |
رواة الحديث:
* حَدَّثَنَا
مُوسَى (ثقة ثبت: ت. 223 هـ بـ البصرة):
موسى بن إسماعيل المنقري
مولاهم، أبو سلمة التبوذكي البصري (مشهور بكنيته، وباسمه)، من صغار أتباع التابعين،
روى له: خ م د ت س ق
* قَالَ:
حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ (ثقة: ت. 167 هـ):
الربيع بن مسلم القرشي الجُمَحِيّ،
أبو بكر البصري (جدُّ عبد الرحمن بن بكر بن الربيع بن مسلم)، من كبار أتباع
التابعين، روى له : بخ م د ت س
* قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ (ثقة ثبت ربما أرسل):
محمد بن زياد القرشى الجُمَحي
مولاهم ، أبو الحارث المدني (سكن البصرة)، من الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق
* عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ (صحابي: ت. 57 هـ):
عبد الرحمن بن صخر أبو هريرة
الدوسي اليماني، روى له: خ م د ت س ق
نص الحديث وشرحه:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ:
"خَرَجَ النَّبِيُّ _صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ عَلَى رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَضْحَكُونَ
وَيَتَحَدَّثُونَ، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا
أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا»[4]،
ثُمَّ انْصَرَفَ وَأَبْكَى
الْقَوْمَ،[5]
وَأَوْحَى اللَّهُ _عَزَّ
وَجَلَّ_ إِلَيْهِ: «يَا مُحَمَّدُ، لِمَ تُقَنِّطُ عِبَادِي؟»[6]،
فَرَجَعَ النَّبِيُّ _صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ فَقَالَ: «أَبْشِرُوا، وَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا»[7]
وفي "صحيح
ابن حبان" (2/ 73_74):
عن أَبي
هُرَيْرَةَ، يَقُولُ:
مَرَّ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِهِ
يَضْحَكُونَ، فقَالَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ
مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ___قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فقَالَ: إِنَّ اللَّهَ، قَالَ
لَكَ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبَادِي؟، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: «سَدِّدُوا
وَأَبْشِرُوا».
المعنى الإجمالي
لهذا الحديث:
ذكر الصحابي الجليل أبو
هريرة _رضي الله عنه_ أنَّ النبي _صلى الله عليه وسلم_ خرج يومًا على جماعةٍ من
أصحابه وهم يتحدثون ويضحكون، فذكَّرهم بأهوال
الآخرة وعظمةِ ما أعدَّه الله من الحساب والعقاب، وأخبرهم
أنه لو علموا من أمور الآخرة ما يعلمه هو _صلى الله عليه وسلم_ من شدة
الأهوال وعظيم الوقوف بين يدي الله، لقلَّ ضحكهم، وكثر بكاؤهم خوفًا وخشيةً.
فتأثر الصحابة _رضي الله
عنهم_ بكلامه وبكوا، لما عرفوا من صدقه وكمال نصحه _صلى الله عليه وسلم_.
ثم إنَّ الله _سبحانه وتعالى_
أوحى إلى نبيه _صلى الله عليه وسلم_ ألاَّ يحمل الناس على القنوط واليأس، لأنَّ
دين الله قائم على الجمع بين الخوف والرجاء، فرجع النبي _صلى الله عليه وسلم_ إلى
أصحابه مبشرًا ومُطَمْئِنًا لهم، وقال: (أبشروا،
وسددوا، وقاربوا)،
أي: ارجوا الخير من الله،
والزَموا الصواب والاستقامة، واجتهدوا في الطاعة بحسب طاقتكم، وإن لم تبلغوا
الكمال، فاقتربوا منه.
فالحديث يجمع بين الترهيب
والترغيب؛ ففي أوله تخويف من الغفلة وكثرة اللهو، وفي آخره فتح لباب الرجاء وعدم
اليأس من رحمة الله، مع الحث على الاستقامة والاجتهاد في الطاعة.
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري
في "الأدب المفرد" (ص: 98) (رقم: 254)، وابن حبان (1/ 319 و 2/ 73)
(رقم: 113 و 358)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (2/ 343) (رقم: 1027).
والحديث
صحيح: صححه
الألباني _رحمه الله_ في "صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان" (2/
474) (رقم: 2110)، و"سلسلة الأحاديث الصحيحة" (7/ 589) (رقم: 3194)، و"صحيح
الأدب المفرد" (ص: 112) (رقم: 191)، التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (1/
218 و 1/ 381) (رقم: 113 و 359)
من
فوائد الحديث:
وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى: 852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري" (11/
300):
"قَالَ بن
حَزْمٍ فِي كَلَامِهِ عَلَى مَوَاضِعَ مِنَ الْبُخَارِيِّ:
(مَعْنَى
الْأَمْرِ بِالسَّدَادِ وَالْمُقَارَبَةِ: أَنَّهُ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ بُعِثَ مُيَسِّرًا مُسَهِّلًا،
فَأَمَرَ أُمَّتَهُ بِأَنْ يَقْتَصِدُوا فِي الْأُمُورِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي
الِاسْتِدَامَةَ عَادَة)." اهـ
ملحق
الفوائد:
إنَّ هذا الحديث
الجليل من الأحاديث الجامعة التي تجمع بين التخويف والرجاء، والترهيب والترغيب،
وفيه من دقائق التربية النبوية ما يدل على كمال نصح محمد _صلى الله عليه وسلم_
لأمته، إذ لم يتركهم منغمسين في الغفلة والضحك، ولم يفتح لهم كذلك باب اليأس
والقنوط، بل ربَّاهم على الخوف المعتدل والرجاء الصادق.
وفي هذا الحديث
فوائد عظيمة وآداب جليلة، منها:
1 – فيه: التحذير
من الغفلة وكثرة اللهو، فإنَّ الانغماس في الضحك والاشتغال بالدنيا يورث قسوة
القلب والغفلة عن الآخرة.
2 – فيه: أنَّ
العلم بالله واليوم الآخر يورث الخشية، فكلما ازداد العبد علمًا بعظمة الله وأهوال
القيامة، ازداد خوفه وخشوعه.
3 – فيه: أنَّ
النبي _صلى الله عليه وسلم_ أعلم الخلق بالله، لقوله: «لو تعلمون ما أعلم»، فهو
أكمل الناس معرفةً بربه وأشدهم خشيةً له.
4 – فيه: فضل
البكاء من خشية الله _تعالى_، فإنَّ البكاء الناتج عن التفكر في الآخرة من علامات
حياة القلب ورقته.
5 – فيه: أنَّ
كثرة الضحك تُنافي كمال الخشوع، ولهذا قال _صلى الله عليه وسلم_: "لضحكتم
قليلًا ولبكيتم كثيرًا."
6 – فيه: جواز
الضحك المباح إذا خلا من المحرم، فإنَّ النبي _صلى الله عليه وسلم_ لم ينهَ عن أصل
الضحك، وإنما نبَّه على عدم الغفلة والإفراط.
7 – فيه: سرعة
تأثر الصحابة بالموعظة، فقد أبكاهم كلام النبي _صلى الله عليه وسلم_ لما قام في
قلوبهم من الإيمان واليقين.
8 – فيه: أنَّ
المؤمن يجمع بين الخوف والرجاء، فلا يغلب جانب الخوف حتى يقنط، ولا جانب الرجاء
حتى يأمن مكر الله.
9 – فيه: النهي
عن تقنيط الناس من رحمة الله _تعالى_، لقوله _تعالى_ لنبيه _صلى الله عليه وسلم_
في الحديث: "لِمَ تُقنِّط عبادي؟"
10 – فيه: سعة
رحمة الله _تعالى_ بعباده، فإنَّه _سبحانه_ لم يرض لعباده اليأسَ والقنوط.
11 – فيه: أنَّ
الدعوة إلى الله تقوم على الحكمة والاعتدال، فيُذكَّر الناس بالوعيد والوعد معًا.
12 – فيه: استحباب
تبشير المؤمنين، لقوله _صلى الله عليه وسلم_: «أبشروا»، فإنَّ النفوس تحتاج إلى ما
يقوي رجاءها.
13 – فيه: الحث
على السداد والاستقامة، وهو لزوم الحق والاقتصاد في العبادة من غير إفراط ولا
تفريط.
14 – فيه: أنَّ
العبد إذا عجز عن الكمال لم يترك العمل، بل يجتهد ويقارب، لقوله _صلى الله عليه
وسلم_: "وقاربوا."
15 – فيه: أنَّ
الشريعة مبناها على اليسر ورفع الحرج، فلم تُكلِّفْ الناسَ ما لا يطيقون.
16 – فيه: إثبات
صفة الكلام لله _تعالى_، لأنَّ الله _تعالى_ أوحى إلى نبيه وخاطبه، وأهل السنة
يثبتون ذلك على الوجه اللائق بالله.
17 – فيه: فضل
الصحبة الصالحة ومجالس الإيمان، فإنَّ الصحابة _رضي الله عنهم_ كانوا ينتفع بعضهم ببعض في التذكير والطاعة.
18 – فيه: أنَّ
القلب الحي يتأثر بالموعظة، فإذا سمع ذكر الموت والآخرة، رقَّ وخشع.
19 – فيه: كمال
رحمة النبي _صلى الله عليه وسلم_ لأمته، فقد خوَّفهم لما رأى من مصلحتهم، ثم
بشَّرهم لما خشي عليهم المشقة واليأس.
20 – فيه: أنَّ
المؤمن يسيرُ إلى الله بين الخوف والرجاء، فالخوف يمنعه من المعصية، والرجاء يحمله
على حسن الظن بالله والعمل الصالح.
21 – فيه: فضل
الاقتصاد في العبادة، فالسداد والمقاربة أصلٌ عظيم في السير إلى الله، وهو أحب إلى
الله من التكلف والتشدد.
22 – فيه: أنَّ
أهوال الآخرة أعظم مما يتصوره الناس، ولذلك قال _صلى الله عليه وسلم_: "لو
تعلمون ما أعلم."
23 – فيه: أنَّ
الوحي أصل الهداية والتربية، فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ لا يتكلم في الدين من
عند نفسه، وإنما بوحي من الله _تبارك وتعالى_.
24 – فيه: أنَّ
من علامات صلاح القلب قلة الغفلة وكثرة التفكر في الموت والحساب والوقوف بين يدي
الله _جلَّ وعلا_.
[1] وفي سير أعلام النبلاء ط الرسالة (12/ 144): "لُقِّبَ
بِذَلِكَ، لأَنَّهُ كَانَ بُنْدَارَ الحَدِيْثِ فِي عَصْرهِ بِبَلَدِهِ." اهـ
[2] وفي سير أعلام النبلاء ط الرسالة (12/ 145): "قَالَ عَبْدُ
اللهِ بنُ جَعْفَرِ بنِ خَاقَانَ المَرْوَزِيُّ: سَمِعْتُ بُنْدَاراً يَقُوْلُ:
(أَرَدْتُ الخُرُوجَ -يَعْنِي: الرِّحْلَةَ- فَمَنَعَتْنِي أُمِّي، فَأَطَعْتُهَا،
فَبُوْرِكَ لِي فِيْهِ)." اهـ
[3] قال القسطلاني
_رحمه الله_ في "إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري" (9/ 268):
"وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عند ابن حبان
أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مرّ على رهط من أصحابه وهم يضحكون فقال:
"لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا" فأتاه جبريل فقال: إن
ربك يقول لك: (لا تقنط عبادي)، فرجع إليهم، فقال: "سددوا وقاربوا" فهذا
يحتمل أن يكون سببًا لقوله سددوا الخ." اهـ
[4] قال القسطلاني
_رحمه الله_ في "إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري" (9/ 268):
"وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عند ابن حبان
أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مرّ على رهط من أصحابه وهم يضحكون فقال:
"لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا" فأتاه جبريل فقال: إن
ربك يقول لك: (لا تقنط عبادي)، فرجع إليهم، فقال: "سددوا وقاربوا" فهذا
يحتمل أن يكون سببًا لقوله سددوا الخ." اهـ
[5] (خرج النبي _صلى
الله عليه وسلم_)، أي: خرج من بيته أو من موضعه إلى أصحابه. (على رهطٍ من أصحابه)،
أي: على جماعةٍ وطائفة من أصحابه. الرَّهط: الجماعة من الناس، ويكون عددهم غالبًا
دون العشرة. (يضحكون ويتحدثون)، أي: يتكلم بعضهم مع بعض على وجه الأنس والمجالسة، وفيهم
شيء من الضحك. (والذي نفسي بيده):
قسمٌ من النبي _صلى الله عليه وسلم_ بالله تعالى،
ومعناه: أقسم بالذي يملك نفسي ويتصرف فيها، وهو الله. (لو تعلمون ما أعلم)، أي: لو
علمتم من أمور الآخرة، وشدة الحساب، وأهوال القيامة، وعظمة عذاب الله، ما أعلمه
بوحي الله إليَّ. (لضحكتم قليلًا)، أي: لقلَّ ضحككم ولهوكم. (ولبكيتم كثيرًا)، أي:
من شدة الخوف والخشية والتفكر في الآخرة. (ثم انصرف)، أي: رجع وذهب من عندهم. (وأبكى
القوم)، أي: صاروا يبكون متأثرين بكلامه _صلى الله عليه وسلم_.
[6] (وأوحى الله عز وجل
إليه)، أي: أعلمه الله بطريق الوحي. الوحي: إعلام الله أنبياءه بما يشاء من الشرع
والهداية. (يا محمد، لِمَ تُقنِّط عبادي؟)، أي لماذا تُوقعهم في القنوط واليأس
الشديد من رحمة الله؟ تُقنِّط: أي تجعلهم يقنطون وييأسون. القنوط: شدة اليأس من
رحمة الله.
[7] (فرجع النبي _صلى
الله عليه وسلم_)، أي: عاد إلى أصحابه بعد ذلك. (أبشروا)، أي: استبشروا برحمة الله
وفضله وخيره. (وسدِّدوا)، أي: الزموا السداد والاستقامة وإصابة الحق. والسداد: الاستقامة
والاعتدال وإصابة الصواب. (وقاربوا)، أي: إن لم تستطيعوا بلوغ الكمال في العمل
فاقتربوا منه واجتهدوا بحسب طاقتكم. والمقاربة: القرب من الكمال والاجتهاد في
تحصيله.
Komentar
Posting Komentar