شرح الحديث 210 (الترغيب في السواك وما جاء في فضله) من صحيح الترغيب

 

210 - (6) [صحيح] وعن ابن عمرَ:

عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:

"عليكم بالسواك؛ فإنه مَطْيَبَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضاةٌ للربّ _تبارك وتعالى_".

رواه أحمد من رواية ابن لهيعة. (2)

 

ترجمة عَبْد الله بن عُمَر

 

قال الزركلي _رحمه الله_ في "الأعلام" (4/ 108):

"عَبْد الله بن عُمَر (10 ق هـ - 73 هـ = 613 - 692 م):

عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن: صحابي، من أعز بيوتات قريش في الجاهلية. كان جريئا جهيرا. نشأ في الإسلام، وهاجر إلى المدينة مع أيبه، وشهد فتح مكة. ومولده ووفاته فيها.

أفتى الناس في الإسلام ستين سنة.

ولما قتل عثمان عرض عليه نفر أن يبايعوه بالخلافة فأبى.

وغزا إفريقية مرتين: الأولى: مع ابن أَبي سَرْح، والثانية: مع معاوية بن حديج سنة 34 هـ وكف بصره في آخر حياته. وهو آخر من توفي بمكة من الصحابة.

له في كتب الحديث 2630 حديثا. وفي الإصابة: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: مات ابن عمر، وهو مثل عمر في الفضل، وكان عمر في زمان له فيه نظراء، وعاش ابن عمر في زمان ليس له فيه نظير." اهـ

 

نص الحديث وشرحه:

 

* (عليكم بالسواك): أي الزموا السواك وداوموا على استعماله. عليكم:

لفظ يُستعمل للحثِّ والأمر والتمسك بالشيء. السواك: العود أو الآلة التي يُنظَّف بها الفم والأسنان، ويُطلق أيضًا على فعل التسوك نفسه.

* (فإنه مطيبة للفم): أي سببٌ لتطييب الفم وتنظيفه وتحسين رائحته. مطيبة: أي مُحسِّنة ومُنظِّفة ومُذهبة للروائح الكريهة. الفم: موضع الكلام وقراءة القرآن والذكر والطعام.

* (مرضاة للرب): أي سببٌ لنيل رضا الله سبحانه وتعالى. الرضا: صفة من صفات الله تليق بجلاله، وهي ضد السخط.

 

المعنى الإجمالي لهذا الحديث:

 

أرشد النبي _صلى الله عليه وسلم_ أمته إلى ملازمة السواك والمحافظة عليه؛ لما فيه من المصالح الدينية والدنيوية، فحثَّهم عليه بقوله: «عليكم بالسواك»، أي الزموا استعماله وداوموا عليه.

 

ثم بيَّن _صلى الله عليه وسلم_ الحكمة من ذلك، وأنَّ السواك سببٌ لتطييب الفم وتنظيفه من الروائح الكريهة والأوساخ، فقال: «فإنه مطيبة للفم»، أي يُطهِّره ويُحسِّن رائحته.

 

وبيَّن كذلك أنَّ السواك ليس مجرد عادة صحية، بل هو عبادة يتقرب بها العبد إلى الله، فقال: «مرضاة للرب»، أي سبب لنيل رضا الله تبارك وتعالى؛ لأنَّ الله يحب من عباده الطهارة والتنظف واتباع سنة نبيه _صلى الله عليه وسلم_.

 

فالحديث يدل على عناية الإسلام بالنظافة والطهارة، وعلى أنَّ الأعمال اليسيرة إذا اقترنت باتباع السنة واحتساب الأجر صارت من أسباب رضا الله ورفعة الدرجات.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه أحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (2/ 108) (رقم: 5865)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (3/ 269) (رقم: 3113)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (37/ 409).

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (6/ 55) (رقم: 2517)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 750) (رقم: 4068)

 

شرح الحديث:

 

وقال محمد بن إسماعيل الحسني، الكحلاني، المعروف بـ"الأمير الصنعاني" (المتوفى: 1182 هـ) _رحمه الله_ في "التنوير شرح الجامع الصغير" (7/ 295_296):

"(عليكم بالسواك فإنه مطيبة للفم) وطيبه محبوب لله؛ لأنه طريق القرآن والذكر ولأن الله يحب الرائحة الطيبة.

(مرضاة للرب) يرضاه وكل ما يحبه الرب يتعين الإتيان به وهو على جهة الندب إذا لم يجب كما هنا، فإنه قام الدليل على ندبه وذهب إسحاق بن راهويه كما حكاه عنه الماوردي إلى وجوبه لكل صلاة وإن من___تركه عمدا لم تصح صلاته، وبه قدح على من زعم الإجماع على ندبه، وإن كان قول إسحاق غير صحيح، فإن الحق ندبه ندبا مؤكداً." اهـ

 

وقال محمود بن محمد بن أحمد بن خطاب المالكي الأزهري، أبو محمد السّبكي (المتوفى 1352 هـ) _رحمه الله_ في "المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود" (1/ 170):

"وقال النووي:

قد أنكر أصحابنا المتأخرون على الشيخ أبي حامد وغيره نقل الوجوب عن داود وقالوا مذهبه أنه سنة كقول الجماعة ولو صح إيجابه عن داود لم تضر مخالفته في انعقاد الإجماع وأما إسحاق فلم يصح هذا المحكي عنه."اهـ

 

من فوائد الحديث:

 

1- استحباب السواك والمحافظة عليه، فإنَّ النبي _صلى الله عليه وسلم_ أمر به وحثَّ عليه، وما كان كذلك دلَّ على عظيم منزلته في الشرع، ولا سيما عند الصلاة وقراءة القرآن وتغيُّر رائحة الفم.

2- أنَّ الإسلام دين الطهارة والنظافة، فقد جاء الشرع بتكميل الظاهر والباطن، وتنظيف الأبدان والثياب والأفواه؛ ليكون المسلم على أحسن هيئة.

3- أنَّ السواك سببٌ لتطييب الفم، وفي ذلك إزالةٌ للروائح المستكرهة والأذى، وصيانةٌ لموضع الذكر وقراءة القرآن.

4- أنَّ الله يحب النظافة وحسن الهيئة، فالسواك من الأسباب التي تنال بها محبة الله ورضاه، وقد قال _صلى الله عليه وسلم_: «إنَّ الله جميل يحب الجمال».

5- إثبات صفة الرضا لله _تعالى_، لقوله: «مرضاة للرب»، فأهل السنة يثبتون لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله _صلى الله عليه وسلم_ من غير تحريف ولا تمثيل.

6- أنَّ الأعمال اليسيرة قد تكون سببًا لرضا الله، فالسواك عمل يسير، ومع ذلك جعله النبي _صلى الله عليه وسلم_ من أسباب رضا الرب سبحانه.

7- فضل الاقتداء بالنبي _صلى الله عليه وسلم_ في الأمور الظاهرة والباطنة، فإنَّ المؤمن يتبع هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_ حتى في خصال الفطرة وآداب التنظف.

8- أنَّ الشرع راعى مصالح الدين والدنيا جميعًا، فالسواك يجمع منفعة البدن بتنظيف الفم، ومنفعة الدين بتحصيل رضا الرب.

9- الحث على تعظيم شعائر العبادة، لأنَّ تنظيف الفم استعدادٌ لذكر الله وتلاوة كتابه ومناجاته في الصلاة.

10- أنَّ الفم محلٌّ معظم في الشرع، إذ هو موضع قراءة القرآن، والذكر، والدعوة إلى الله، فناسب الاعتناء بتطهيره.

11- التربية على كمال الأدب مع الناس، فإنَّ الرائحة الطيبة تدفع أذى المجالس، وتورث الألفة وحسن المعاشرة.

12- أنَّ السنة جاءت بمحاسن الأخلاق والعادات، فما من خصلة نافعة للعبد إلا دلَّت الشريعة عليها ورغَّبت فيها.

13- أنَّ المؤمن يجمع بين التعبد والعناية بالأسباب الحسية، فلا يقتصر على التعبد القلبي فقط، بل يأخذ بأسباب النظافة والصحة كذلك.

14- أنَّ العادات تتحول إلى عبادات بالنية الصالحة، فاستعمال السواك إذا نوى به العبد اتباع السنة وطلب رضا الله صار عبادةً يؤجر عليها.

15- أنَّ الشرع يحب إزالة ما تتأذى به الملائكة والناس، وقد ثبت عنه _صلى الله عليه وسلم_ أنَّ الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم.

16- كمال شفقة النبي _صلى الله عليه وسلم_ على أمته، حيث أرشدهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، صغيره وكبيره.

17- فضل الطيب والرائحة الحسنة في الإسلام، فإنَّ الشرع رغب في كل ما يطيب البدن والثياب والمجالس.

18- أنَّ السنن الظاهرة لها أثرٌ في صلاح الباطن، فالمحافظة على خصال الفطرة من أسباب كمال الاتباع والطاعة.

19- أنَّ الشريعة كاملة شاملة، فلم تترك أمرًا من مصالح العباد إلا بيَّنته، حتى آداب الفم والتنظف.

20- أنَّ المؤمن ينبغي أن يكون حسن الهيئة نظيف الظاهر، ليكون ذلك أدعى لقبول قوله وتأثير دعوته، وأقرب إلى محبة الناس له.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

211 - (7) [صحيح] وعن شُريح بن هانئ، قال:

قلتُ لعائشةَ رضي الله عنها:

"بأيِّ شيء كان يبدأ النبي _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ إذا دَخل بيْته؟"

قالت: "بالسواك." رواه مسلم وغيره.

 

المعنى الإجمالي لهذا الحديث:

 

سأل شريح بن هانئ أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر عن هدي رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ في دخوله بيته، وما أول ما يبدأ به إذا رجع إلى أهله، فأخبرته أنَّه كان يبدأ بالسواك.

 

وفي هذا بيان لعظيم عناية النبي ﷺ بالطهارة والنظافة، وحرصه على تطييب فمه عند لقاء أهله ومخالطة الناس، كما يدل على أنَّ السواك من السنن المتأكدة التي كان ﷺ يلازمها في أحواله المختلفة.

 

وفي الحديث أيضًا إشارة إلى كمال أدبه ﷺ وحسن معاشرته لأهله؛ إذ كان يتهيأ لهم بأحسن هيئة، ويعتني بنظافة فمه ورائحته.

 

كما يدل الحديث على أنَّ الإسلام دين النظافة والجمال، وأنَّ المؤمن ينبغي أن يعتني بمظهره ورائحته، خاصة عند مخالطة الناس وأهل بيته، اقتداءً بالنبي ﷺ وطلبًا لرضا الله تعالى.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه مسلم في "صحيحه" (1/ 220/ 43) (رقم: 253)، وأبو داود (1/ 13) (رقم: 51)، والنسائي (1/ 13) (رقم: 8)، وابن ماجه (1/ 106) (رقم: 290).

 

والحديث صحيح: صححه الألباني في "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (1/ 112) (رقم: 72)

 

من فوائد الحديث:

 

قال الحريملي في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 674):

"فيه: ندب السواك عند دخول المنزل." اهـ

 

 

وقال محمَّدُ بنُ عبدِ اللطيف الرُّوميُّ الكَرمانيّ، المشهور بـ"ابن المَلَك الحنفيِّ" (المتوفى: 854 هـ) _رحمه الله_ في "شرح المصابيح" (1/ 265):

"وإنما بدأ - عليه الصلاة والسلام - بالسواك؛ لأنه يزيل تغير رائحة الفم؛ إذ الغالب أنه - عليه الصلاة والسلام - لا يتكلم في الطريق من المسجد إلى بيته أو من موضع آخر،___والفم يتغير بعدم التكلم، وهذا يدل على استحباب السواك عند المكالمة مع أحد، كيلا يتأذى من ريح فمه." اهـ

 

وقال محمد علي بن محمد بن علان بن إبراهيم البكري الصديقي الشافعي (المتوفى: 1057 هـ) _رحمه الله_ في "دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين" (6/ 661):

"فيه: ندب السواك عند دخول المنزل، وذلك لإزالة ما يحصل عادة بسبب كثرة الكلام الناشئة عن الاجتماع." اهـ

 

وقال محمد بن علي اليمني، المعروف بـ"الشوكاني" (المتوفى: 1250هـ) _رحمه الله_ في "نيل الأوطار" (1/ 136):

"وَفِيهِ: بَيَانُ فَضِيلَةِ السِّوَاكِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَشِدَّةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ وَتَكْرَارُهُ لِعَدَمِ تَقْيِيدِهِ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ." اهـ

 

محمد الأمين بن عبد الله الأُرَمي العَلَوي الهَرَري الشافعي (المتوفى 1441 هـ) _رحمه الله_ في "الكوكب الوهَّاج والرَّوض البَهَّاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (5/ 290):

"قال القرطبي: وهذا الحديث يدل على استحباب تعاهد السواك لما يكره من تغير رائحة الفم من الأبخرة والأطعمة وغيرها." اهـ

 

وقال الإثيوبي في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (6/ 400):

"في فوائده:

1 - (منها): بيان استحباب السواك عند دخول البيت، وقد صرّح به أبو شامة، والنوويّ، قال ابن دقيق العيد: ولا يكاد يوجد ذلك في كتب الفقهاء. انتهى.

2 - (ومنها): بيان حسن معاشرة الأهل؛ لأنه يزيد في الودّ، ودوام الصُّحبّة.

3 - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من كمال النظافة في جميع أحواله.

4 - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من تتبّع أحوال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، والسؤال عنها؛ للاقتداء به فيها.

[تنبيه]: قال القرطبيّ في "المفهم": هذا الحديث يدلّ على استحباب تعاهد استعمال السواك، لما يكره من تغيّر الفم بالأبخرة، والأطعمة وغيرها.

قال: وعلى أنه يُتجنّب استعمال السواك في المساجد والمحافل، وحضرة الناس، ولم يُروَ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه تسوّك في المسجد، ولا في محفل من الناس؛ لأنه من باب إزالة القذر والوسخ، ولا يليق بالمساجد، ولا محاضر الناس، ولا يليق بذوي المروءات فعل ذلك في الملإ من الناس. انتهى[1].___

قال الجامع _عفا الله عنه_:

وأنا أقول: لا يليق بمثل القرطبيّ أن يتكلّم، ويُصدِرَ مثل هذا الحكم المخالف للنصوص الواضحة، فكيف يقول: "ولم يُرْوَ عنه - صلى الله عليه وسلم - .. إلخ" بعد أن شرح قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لأمرتهم بالسواك عند كلّ صلاة"؟ وهل الصلاة تكون في غير المسجد؟ ، وهل ثبت لديه أن جميع من كان معه - صلى الله عليه وسلم - في المسجد خرجوا من المسجد بعد إقامة الصلاة؛ لأجل السواك، إن هذا لهو العجب العجاب.

وهل بعد ما جاء من أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت سُوكهم خلف آذانهم، يستنّون بها لكلّ صلاة يُطلب بيّنة أوضح؟ .

وبالجملة فالقول بأنه لا يستاك في المسجد قولٌ باطلٌ، منابذ للسنة الصحيحة.

وأما السواك في الملإ فسنّة ثبتت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" حديث أبي موسى - رضي الله عنه - أنه قال: "أقبلت إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستاك ... " الحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. " اهـ

 

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (1/ 308):

"المسألة الرابعة: في فوائده:

* في هذا الحديث دلالة على استحباب السواك عند دخول البيت، وقد صرح به أبو شامة، والنووي،

قال ابن دقيق العيد: ولا يكاد يوجد في كتب الفقهاء ذلك. اهـ زَهْرُ الرُّبَى 1/ 14،

* وفيه: حسن معاشرة الأهل لأنه يزيد في الوُدّ، ودوام الصحبة.

* وفيه: ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - من كمال النظافة في جميع أحواله،

* وفيه: ما كان عليه السلف من تتبع أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، والسؤال عنها للإقتداء به فيها." اهـ

 

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (1/ 308_309):

"المسألة الخامسة: قد ذكر الحافظ العراقي رحمه الله تعالى ما يتأكد السواك فيه حيث قال: وإنما يتأكد السواك في أحوال:

* منها: عند الوضوء وإرادة الصلاة.

* ومنها: عند القيام من النوم لما ثبت في الصحيحين من حديث حذيفة رضي الله عنه "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك". قلت: قد تقدم للمصنف 2/ 2.

* ومنها: إرادة النوم كما ذكره الشيخ أبو حامد في الرونق. وورد فيه ما رواه ابن عدي في الكامل عن جابر "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يستاك إذا أخذ مضجعه"، وفيه حرام بن عثمان: متروك.

قال الجامع: لا تعد هذه من السنن. لعدم صحة الدليل.

* ومنها: الانصراف من صلاة الليل، لما رَوَى ابنُ ماجه من حديث ابن عباس بإسناد صحيح قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالليل ركعتين ركعتين، ثم ينصرف فيستاك".

* ومنها: عند قراءة القرآن، وقد تقدم حديث علي في ذلك. قلت: وقد علمت الكلام فيه.___

* ومنها: تغير الفم سواء فيه تغير الرائحة، أو تغير اللون كصفرة الأسنان.

* ومنها: دخول المنزل لحديث الباب اهـ كلام العراقي في طرحه بتصرف جـ 2/ ص 66." اهـ

 

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (1/ 315):

قال الحافظ: "فائدة":

ذكر القشيري بلا إسناد عن أبي الدرداء قال: "عليكم بالسواك فلا تغفلوه، فإن في السواك أربعا وعشرين خصلة أفضلها أن يرضي الرحمن، ويصيب السنة، ويضاعف صلاته سبعا وسبعين ضعفا، ويورثه السعة، والغني، ويطيب النكهة، ويشد اللِّثَة، ويسكن الصداع، ويذهب وجع الضرس، وتصافحه الملائكة لنور وجهه وبرق أسنانه"، وذكر بقيتها، ولا أصل له لا من طريق صحيح، ولا ضعيف اهـ ما ذكره الحافظ في تلخيص الحبير من هامش المجموع جـ 1 / ص 374 - 384. والله ولي التوفيق.

(إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)". اهـ

 

قال الحافظ _رحمه الله_ في "التلخيص الحبير" – ط. قرطبة (1/ 119):

"(فَائِدَةٌ) ذَكَرَ الْقُشَيْرِيُّ بِلَا إسْنَادٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ فَلَا تَغْفُلُوهُ، فَإِنَّ فِي السِّوَاكِ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ خَصْلَةً، أَفْضَلُهَا أَنْ يُرْضِيَ الرَّحْمَنَ، وَيُصِيبَ السُّنَّةَ، وَيُضَاعِفَ صَلَاتَهُ سَبْعًا وَسَبْعِينَ ضِعْفًا، وَيُوَرِّثُهُ السَّعَةَ وَالْغِنَى، وَيُطَيِّبَ النَّكْهَةَ، وَيَشُدَّ اللِّثَةَ، وَيُسَكِّنَ الصُّدَاعَ، وَيُذْهِبَ وَجَعَ الضِّرْسِ، وَتُصَافِحَهُ الْمَلَائِكَةُ لِنُورِ وَجْهِهِ وَبَرْقِ أَسْنَانِهِ. وَذَكَرَ بَقِيَّتَهَا. وَلَا أَصْلَ لَهُ، لَا مِنْ طَرِيقِ صَحِيحٍ، وَلَا ضَعِيفٍ." اهـ

 

وقال محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري، المعروف بـ"ابن دقيق العيد" (المتوفى: 702 هـ) _رحمه الله_ في "شرح الإلمام بأحاديث الأحكام" (3/ 46_47):

"في المباحث والفوائد، وفيه مسائل:

الأولى: هذا السؤالُ من الراوي لا بدَّ له من فائدة، وأظهرُها طلبُ العلم؛ ليحصلَ التأسي به - صلى الله عليه وسلم -.

الثانية: لما كانت البدايةُ بالشيء دليلَ الاهتمامِ به، فلعله قصدَ بالسؤال عما يبدأُ به ترتيبَه والعنايةَ به.

الثالثة: إذا كان الظاهر من السؤال هو طلب العلم للاقتداء، ففيه دليلٌ على أنَّ أفعاله _صلى الله عليه وسلم_ كانت عندهم على العموم له وللأمة،___على الخصوص، إذ لو كان احتمالُ العموم مساويًا لاحتمال الخصوص، لما حصل المقصودُ من الاقتداء الذي ذكرنا أنه فائدةُ السؤال.

الرابعة: فيه من أدبِ طلب العلم أن يُقصدَ في كل علم مَنْ هو أعرفُ به وأرجحُ في المعرفة من غيره؛ كما رجع الصحابة إلى بعض نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - في التقاء الختانين، وفي الإصباح جنبًا في الصوم؛ لأنهنَّ أعرف بذلك وأرجحُ من غيرهن في علمه. وكذا في هذا السؤال، فإن الدخول في البيت مَظِنَّةُ الاجتماع___بالأهل، والافتراق من غيرهن، فلما تعلق قصدُه بمعرفة ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبدأ به، قصد من هو أحق بمعرفة ذلك.

الخامسة: فيه أنَّ السؤالَ إذا كان عامًّا، وفَهِمَ المسؤولُ غرضَ السائل بقرينة أو بأمر ما، اقتصر على فهمه مما تعلَّق به غرضه؛ لأن سؤاله عما كان - صلى الله عليه وسلم - يبدأ به إذا دخل بيته عامٌّ بالنسبة إلى القُربات وغيرها، فأجابته بجنس القربات؛ لفهم المقصود من السؤال.

السادسة: في بداءتِهِ - عليه السلام - بالسواك عند دخول بيته وجهان:

* أحدهما: أن الدخول إلى الأهل مظنة الدنوِّ منهن والاستمتاع بهن، وكان - صلى الله عليه وسلم - يكره أن يوجد منه ريحٌ كريهة، فابتداؤه بالسواك تطيبًا وتنظفًا؛ لما لعله يقع من الدنو للأهل، ومما يدل على هذا المعنى الحديث الصحيح في قصةِ شرب العسل، وقول عائشة - رضي الله عنها - لسودة: فإنه سيدنو منك، فإنه يُشعر بأن ذلك كان واقعًا في أوقات حتى دلَّ الماضي منه على المستقبل.___

* والثاني: أنهم ذكروا استحبابَ ركعتين عند دخول البيت والخروج منه، فإنه كان - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك، فيكون السواك للصلاة التي يبدأ بها عند الدخول، لا لأجل الدخول.

السابعة: يُؤخذ منه استحبابُ البداءة بالسواك عند دخول البيت على ما دل عليه من فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا يكادُ يوجد في كتب الفقهاء ذكرُ ذلك.

الثامنة: قال بعض الشارحين في الكلام على هذا الحديث: فيه بيان فضيلة السواك في جميع الأوقات، وشدة الاهتمام به، وتكراره، والله أعلم.

فإنْ أراد أنَّ استحبابَ السواك لا يختص بأوقات مخصوصة، ولا أحوال معينة؛ كالوضوء مثلًا، والصلاة، والقيام من النوم، فصحيح.

وإن أراد به شمول الاستحباب لجميع الأوقات، فلا يدل، والله أعلم.

التاسعة: قال القاضي أبو الفضل عياض - رحمه الله - في الكلام على هذا الحديث: معناه تكراره لذلك ومثابرته عليه، وأنه كان لا يقتصر في ليله ونهاره على المرة الواحدة، بل على المِرَار___المتكررة؛ كما جاء في الحديث الآخر.

قلت: هذا مأخوذ من أنَّ الدخول إلى البيت مما يتكرَّر، فإذا كان السواك معلقًا به، كان مما يتكرر، والتكررُ دليلٌ على العناية والتأكد.

العاشرة: قال القاضي: وخصَّ بذلك دخوله بيتَهُ؛ لأنه مما لا يفعله ذوو المروءات بحضرة الناس، ولا يجب عملُه في المسجد، ولا مجالس الحَفْل.

قلت: هذا خلافُ اختيار النسائي - رحمه الله - فإنه ترجم على: سواك الإمام بحضرة رعيته، ولعلَّه وقعَ له هذا المعنى، وأراد الردَّ على معتقده.

والمروءاتُ ومُراعاتها بحسب الزمان والبلاد، وما كان منها يخالف الشرعَ فلا عبرةَ به، والمروءةُ ما وافق الشرع، وما زاد عليه___فمن باب الرُّعونات التي يقف معها أرباب الدنيا، فأمر المروءة يجري على هذا القانون.

وأما الاستياك في المسجد فسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.

الحاديه عشرة: قد يستدِلُّ به مَن لا يكرهُ السواك للصائم بعد الزوال.

ووجهه: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان صومه متكررًا كثيرًا، فكان يصوم حتى يقال: لا يفطر، ودخول البيت حالةٌ متكررةٌ لا يقتصر على وقت دون وقت، وإنَّما بحسب الدواعي والحاجات الظاهرة، فالظاهر والغالب على الظنِّ وقوعُها في حالة الصوم في بعض الحالات، وفيما بعد نصف النهار، فيتناول الحديثُ تلك الحالَ التي وقع فيها الدخول بعد الزوال مع الصوم، لا سيَّما مع القول بأنَّ (كان) تدلُّ على التكرار والكثرة.

الثانية عشرة: فيه أن الحكمَ المعلَّق باسم يُكتفى فيه بأقل الدرجات، وهو ما يحصل به المسمى، وذلك لأنه سأل عن فعله - صلى الله عليه وسلم -، وقد ذكرنا أن ظاهر معناه طلب الاقتداء، فلم تُجبْهُ عائشة - رضي الله___عنها - إلا باسم السواك، فلو لم يكن مُجرَّدُ المسمَّى كافيًا، لما كان الجواب مفيدًا للمطلوب من الاقتداء.

الثالثة عشرة: هذا الذي ذكرناه من الاكتفاء بالمسمى، وهو مقتضى تعليق الحكم به من حيث هو هو، وقد يكون هاهنا مطالبُ أُخَر لا يكفي في تحصيلها مُجرَّدُ المُسمَّى، ويكون الاقتصارُ على المُسمَّى للعلم بأنَّ السامعَ عارفٌ بما زاد عليه، لا يحتاج إلى ذكره." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

1- استحباب البداءة بالسواك عند دخول البيت

فإنَّ النبي ﷺ كان يفتتح دخوله بيته بالسواك، وفي ذلك دلالة على تأكد هذه السنة وعظيم العناية بها.

2- عناية الشريعة بالطهارة والنظافة

فالإسلام لم يقتصر على طهارة الباطن فحسب، بل أمر بطهارة الظاهر وحسن الهيئة.

3- حسن معاشرة الرجل لأهله

فإنَّ النبي ﷺ كان يتأهب للقاء أهله بأطيب رائحة وأنظف هيئة، وفي ذلك كمال الأدب وحسن الخلق.

4- أنَّ المؤمن يتجمَّل لأهله كما يتجمَّل للناس

بل أهل البيت أولى بحسن المعاملة والهيئة الطيبة.

5- فضل السواك وعظيم أثره

إذ كان من هديه ﷺ الملازم في بيته وخارجه، وعند عبادته ومخالطته للناس.

6- أنَّ السنن اليسيرة لها منزلة عظيمة

فالسواك أمر يسير، ومع ذلك داوم عليه النبي ﷺ وحافظ عليه.

7- الاقتداء بالنبي ﷺ في دقائق الأمور

فإنَّ الصحابة والتابعين كانوا يسألون حتى عن هيئته في دخول البيت؛ حرصًا على اتباع سنته.

8- فضل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها

حيث نقلت للأمة أحوال النبي ﷺ الخاصة في بيته، فكانت من أعظم الناس علمًا بسنته.

9- حرص السلف على طلب العلم

فإنَّ شريح بن هانئ سأل عن أمر قد يراه بعض الناس يسيرًا، لكنه عند أهل العلم من هدي النبوة.

10- أنَّ النظافة من مكارم الأخلاق

فالفطرة السليمة تميل إلى الطيب والنظافة، والشريعة جاءت بتكميل ذلك.

11- أنَّ الفم محلُّ ذكر الله وتلاوة كتابه

فلذلك اعتنى النبي ﷺ بتطييبه وتنظيفه بالسواك.

12- التربية على دوام التأهب والتهيؤ الحسن

فالمؤمن يكون نظيف الهيئة طيب الرائحة في جميع أحواله.

13- أنَّ البيت موضع سكينة وألفة

ومن أسباب تمام الألفة حسن الرائحة ولطف المعاشرة.

14- أنَّ الإسلام دين الجمال والكمال

فقد جمع بين طهارة القلب وطهارة الظاهر.

15- استحباب إزالة الروائح الكريهة عند مخالطة الناس

لأنَّ الروائح المستكرهة تؤذي الناس والملائكة.

16- أنَّ الأعمال العادية قد تصير عبادات بالنية

فالسواك عادة حسية، لكنه إذا قُصد به اتباع السنة صار قربة وطاعة.

17- كمال تواضع النبي ﷺ وبشريته

إذ كان يعتني بما يعتني به الناس من النظافة وحسن الرائحة، مع علو منزلته ﷺ.

18- فضل نقل السنن العملية

فإنَّ الأمة انتفعت بهدي النبي ﷺ العملي كما انتفعت بأقواله.

19- أنَّ السنة تشمل جميع شؤون الحياة

حتى دخول البيت وآداب المخالطة والمعاشرة.

20- الحث على الاقتداء الكامل بالنبي ﷺ

فإنَّ الخير كل الخير في اتباع هديه ظاهرًا وباطنًا، صغير الأمور وكبيرها.

 



[1] "المفهم" (1/ 509).

Komentar

Postingan populer dari blog ini

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة