شرح الحديث 155 (باب المحافظة على الأعمال) من رياض الصالحين

 

[155] وعن عائشة _رضي الله عنها_ قَالَتْ: 

كَانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلاةُ مِنَ اللَّيلِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ غَيرِهِ، صَلَّى مِنَ النَّهارِ ثنْتَيْ عَشرَةَ رَكْعَةً. رواه مسلم.


ترجمة عائشة بنت أبي بكر الصديق _رضي الله عنهما:

 

وفي "سير أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (2/ 135) للذهبي:

"عَائِشَةُ بِنْتُ الصِّدِّيْقِ أَبِي بَكْرٍ التَّيْمِيَّةُ أُمُّ المُؤْمِنِيْنَ * (ع) بِنْتُ الإِمَامِ الصِّدِّيْقِ الأَكْبَرِ، خَلِيْفَةِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي قُحَافَةَ عُثْمَانَ بنِ عَامِرِ بنِ عَمْرِو بنِ كَعْبِ بنِ سَعْدِ بنِ تَيْمِ بنِ مُرَّةَ بنِ كَعْبِ بنِ لُؤَيٍّ القُرَشِيَّةُ، التَّيْمِيَّةُ، المَكِّيَّةُ، النَّبَوِيَّةُ، أُمُّ المُؤْمِنِيْنَ، زَوجَةُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَفْقَهُ نِسَاءِ الأُمَّةِ عَلَى الإِطْلاَقِ.

وَأُمُّهَا: هِيَ أُمُّ رُوْمَانَ بِنْتُ عَامِرِ بنِ عُوَيْمِرِ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ بنِ عَتَّابِ بنِ أُذَيْنَةَ الكِنَانِيَّةُ.

هَاجَرَ بِعَائِشَةَ أَبَوَاهَا، وَتَزَوَّجَهَا نَبِيُّ اللهِ قَبْلَ مُهَاجَرِهِ بَعْدَ وَفَاةِ الصِّدِّيْقَةِ خَدِيْجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِبِضْعَةَ عَشَرَ شَهْراً، وَقِيْلَ: بِعَامَيْنِ. وَدَخَلَ بِهَا فِي شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، مُنَصَرَفَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ - مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَهِيَ ابْنَةُ تِسْعٍ.

فَرَوَتْ عَنْهُ: عِلْماً كَثِيْراً، طَيِّباً، مُبَارَكاً فِيْهِ." اهـ

 

وفي "معرفة الصحابة" لابن منده (ص: 939) :

"وبقيت إلى خلافة معاوية، وتوفيت سنة ثمان، وقيل: سبع وخمسين، وقد قاربت السبعين، وأوصت أن تدفن بالبقيع، وكان وصيها: عبد الله بن الزبير بن العوام." اهـ

 

وفي "الأعلام" للزركلي (3/ 240) :

"عائِشَة أم المُؤْمِنِين (9 ق هـ - 58 هـ = 613 - 678 م):

عائشة بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان، من قريش:

* أفقه نساء المسلمين وأعلمهن بالدين والأدب.

* كانت تكنى بـ"أم عبد الله". تزوجها النبي _صلى الله عليه وسلم_ في السنة الثانية بعد الهجرة،[1]

* فكانت أحب نسائه إليه، وأكثرهن رواية للحديث عنه. ولها خطب ومواقف. وما كان يحدث لها أمر إلا أنشدت فيه شعرا.

* وكان أكابر الصحابة يسألونها عن الفرائض فتجيبهم.

* وكان (مسروق) إذا روى عنها يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق. وكانت ممن نقم على (عثمان) عمله في حياته، ثم غضبت له بعد مقتله، فكان لها في هودجها، بوقعة الجمل، موقفها المعروف.

وتوفيت في المدينة. روي عنها 2210 أحاديث. ولبدر الدين الزركشي كتاب (الإجابة لما استدركته عائشة على الصحابة - ط)." اهـ

 

نص الحديث وشرحه:

 

وعن عائشة _رضي الله عنها_ قَالَتْ: كَانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلاةُ مِنَ اللَّيلِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ غَيرِهِ، صَلَّى مِنَ النَّهارِ ثنْتَيْ عَشرَةَ رَكْعَةً. رواه مسلم.

 

شرح الجمل الغريبة:

 

1- «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_»،

لفظ «كان» يدلّ على الاستمرار والعادة، أي: أن هذا الفعل كان من هديه المعتاد، لا أنه وقع نادرًا.

2- «إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مِنَ اللَّيْلِ»، أي: لم يُدركها ولم يفعلها في وقتها المعتاد. والمراد: صلاة الليل أو قيام الليل التي كان يواظب عليها.

3- «مِنْ وَجَعٍ أَوْ غَيْرِهِ»، أي: المرض أو الألم في البدن. «أو غيره»، أي: من الأعذار الأخرى كالتعب، أو الغلبة بالنوم، أو نحو ذلك.

4- «صَلَّى مِنَ النَّهَارِ»، أي: صلّى في وقت النهار بدلًا عمّا فاته في الليل. وفيه مشروعية قضاء النوافل في غير وقتها عند العذر.

5- «ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً»، أي: كان يقضي مقدار صلاته التي اعتادها، وهي هنا اثنتا عشرة ركعة. وقيل: إن الأصل إحدى عشرة ركعة في الليل، فيقضيها في النهار شفعًا (أي: يزيد ركعة ليجعلها شفعًا).

6- ودلالة العدد في الحديث: أنه ليس المقصود حصر القضاء في هذا العدد فقط، بل بيان فعله _صلى الله عليه وسلم_ بحسب عادته، فمن كانت له عادة في الطاعة استحب له قضاؤها على نحوها. والقضاء هنا ليس كقضاء الفرائض من حيث الوجوب، بل هو على سبيل الاستحباب والمحافظة على العمل الصالح.

 

المعنى الإجمالي لهذا الحديث:

 

أخبرتْ أم المؤمنين عائشة _رضي الله عنها_ جانبًا من هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_ في المحافظة على قيام الليل، وحرصه على المداومة عليه، حتى إذا فاته لعذرٍ من مرضٍ أو غيره، لم يتركه بالكلية، بل كان يقضيه في النهار.

 

فكان _صلى الله عليه وسلم_ إذا عجز عن قيام الليل بسبب وجعٍ أو تعبٍ أو نحو ذلك، صلّى في النهار اثنتي عشرة ركعة، عوضًا عمّا فاته من ورده الليلي، محافظةً على عادته في العبادة، وإدامةً للطاعة.

 

فالحديث يدل على شدة حرص النبي _صلى الله عليه وسلم_ على المداومة على الطاعات، ومشروعية قضاء النوافل إذا فاتت لعذر، وأن العبادة المستمرة لها منزلةٌ عظيمة، يُحرص على عدم انقطاعها.

 

فهو حديثٌ يقرر أصلًا عظيمًا، وهو أن العبد إذا اعتاد طاعةً ففاتته لعذر، اُستحِبّ له أن يقضيها، ليبقى على صلته بربه، ولا ينقطع عن طريق الخير.

 

وفي "الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف" (5/ 159) (رقم: 2592):

عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهِ، وَكَانَ نَبِيُّ اللهِ إِذَا غَلَبَهُ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ نَوْمٌ أَوْ وَجَعٌ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً»

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه مسلم في "صحيحه" (1/ 515/ 140_141) (رقم: 746)، وأبو داود في "سننه" (2/ 40) (رقم: 1342)، والترمذي في "سننه" – ت. شاكر (2/ 306) (رقم: 445)، وفي "الشمائل المحمدية – ط. المكتبة التجارية (ص: 225) (رقم: 268)، والنسائي في "سننه" (3/ 199 و 3/ 259) (رقم: 1601 و 1789)، وابن المنذر في "الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف" (5/ 159) (رقم: 2592)، وابن حبان في "صحيحه" (6/ 178 و 6/ 293 و 6/ 369 و 6/ 371) (رقم: 2420 و 2552 و 2642 و 2645)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 682) (رقم: 4237)، وغيرهم.

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "مختصر الشمائل" (ص: 147) (رقم: 226)، و"تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 394) (رقم: 1257).

 

من فوائد الحديث:

 

شرح النووي على مسلم (6/ 27)

هَذَا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْأَوْرَادِ وَأَنَّهَا إِذَا فَاتَتْ تُقْضَى

 

وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 124)

"في هذا الحديث: دليل على مشروعية قضاء صلاة الليل، وكذلك سائر النوافل. وفي الحديث: «من نام عن الوتر أو نسيه فليصل إذا أصبح، أو ذكر» رواه أبو داود." اهـ

 

وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 667):

"فيه: استحباب قضاء الفوائت من النوافل المؤقتة، وكانت صلاته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالليل إحدى عشرة ركعة." اهـ

 

وقال محمد علي بن محمد بن علان بن إبراهيم البكري الصديقي الشافعي (المتوفى: 1057 هـ) _رحمه الله_ في "دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين" (2/ 20):

"(صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة)،

قال ابن حجر في «شرح المشكاة»:

(جبراً لفضيلة قيام الليل، لا قضاء له، إذ ليست صلاة الليل منه في العدد كذلك، والقضاء لا يزيد على عدد الأداء)." اهـ

 

وقال محمد علي بن محمد بن علان بن إبراهيم البكري الصديقي الشافعي (المتوفى: 1057 هـ) _رحمه الله_ في "دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين" (2/ 126):

"يحتمل أنه يأتي بها قضاء لما فاته من نافلة الليل، فيؤخذ منه ندب قضاء النفل المؤقت، ويحتمل أنه لحوز ثوابه عوضاً عما فات من صلاة الليل، لا قضاء عنه وعليه جرى ابن حجر في «شرح المشكاة»." اهـ

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (1 / 175):

"وفي هذا دليل على أن العبادة المؤقتة إذا فاتت عن وقتها لعذر، فإنها تقضى. أما العبادة المربوطة بسبب، فإنه إذا زال سببها، لا تقضى. ومن ذلك: سنة الوضوء مثلا إذا توضأ الإنسان، فإن من السنة: أن يصلي ركعتين. فإذا نسي، ولم يذكر، إلا بعد مدة طويلة، سقطت عنه.

وكذلك إذا دخل المسجد، وجلس ناسيا، ولم يذكر، إلا بعد مدة طويلة، فإن تحية المسجد تسقط عنه، لأن المقرون بسبب لابد أن يكون مواليا للسبب، فإن فُصِل بينهما، سقط." اهـ

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "مجموع فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين" (14/305) :

واختار الشيخ ابن عثيمين رحمه الله القول بأن صلاة الضحى لا تقضى إذا فات وقتها،

فقد سئل _رحمه الله_: إذا فاتت سنة الضحى هل تقضى أم لا؟

فأجاب: " الضحى إذا فات محلها فاتت ؛ لأن سنة الضحى مقيدة بهذا ، لكن الرواتب لما كانت تابعة للمكتوبات صارت تقضى وكذلك الوتر لما ثبت في السنة (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إذا غلبه النوم، أو المرض في الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة)، فالوتر يقضى أيضا." اهـ

 

وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في "المجموع شرح المهذب" (4/ 42):

"وَدَلَالَةُ هَذَا الْحَدِيثِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ: أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ نُسِخَ وُجُوبُهُ فِي حَقِّ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، وَصَارَ سُنَّةً،

وَسَنَبْسُطُ الْمَسْأَلَةَ بِأَدِلَّتِهَا فِي الْخَصَائِصِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ حَيْثُ ذَكَرَهَا الْأَصْحَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مَا ذَكَرْتُهَا وَفِي هَذَا أَبْلَغُ كِفَايَةٍ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ." اهـ

 

وقال محمود بن محمد بن أحمد بن خطاب المالكي الأزهري، أبو محمد السّبكي (المتوفى 1352 هـ) _رحمه الله_ في "الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق - (1 / 231):

"ففي هذه الأحاديث: دليل على استحباب اتخاذ الأوراد ليلاً، وقضائها إذا فاتت بنوم أو غيره من الأعذار فيما بين صلاة الصبح والظهر." اهـ

 

وقال إسماعيل بن مصطفى الإستنبولي الحنفي _رحمه الله_ في "تفسير روح البيان" (6 / 227):

"ما صلى _عليه السلام_ في النهار بدل ما فات منه في الليل من ورد التهجد يدل على أن التهجد ليس كسائر النوافل، بل له فضيلة على غيره ولذا يوصي بإتيان بدله إذا فات مع أن النوافل لا تقضي." اهـ

 

وقال محمد بن حبان التميمي، الدارمي، المعروف بـ" أبو حاتم البُسْتِيُّ" (المتوفى: 354 هـ) _رحمه الله_ في "صحيح ابن حبان" (6/ 369):

«فِي هَذَا الْخَبَرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ بِفَرْضٍ، إِذْ لَوْ كَانَ فَرْضًا لَصَلَّى مِنَ النَّهَارِ مَا فَاتَهُ مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً» اهـ

 

وقال عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه " فتح الباري" (9/ 158):

"واستدل من قال: لا يقضي الوتر بأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا نام أو شغله مرض أو غيره عن قيام الليل صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة. خرجه مسلم من حديث عائشة. فدل على أنه كان يقضي التهجد دون الوتر." اهـ

 

قلت: ورد سنن النسائي (3/ 231) (رقم: 1685):

عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ فِي مَسْجِدِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَجَعَلُوا يَنْتَظِرُونَهُ فَجَاءَ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أُوتِرُ، قَالَ: وَسُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ، هَلْ بَعْدَ الْأَذَانِ وِتْرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَبَعْدَ الْإِقَامَةِ، وَحَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ «نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى»

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (18/ 49_50):

"قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ-:

أجمع أهل العلم على أن ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقت للوتر. واختلفوا فيمن لم يوتر حتى طلع الفجر على أقوال:

الأول: أنه إذا طلع الفجر، فقد فات الوتر، كذلك قال عطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جُبير، وقال مكحول: من أصبح، ولم يوتر فلا وتر عليه. وقال سفيان الثوريّ، وإسحاق، وأصحاب الرأي: الوتر ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر.

الثاني: إن الوتر ما بين صلاة العشاء الآخرة إلى صلاة الصبح، روينا عن عبد اللَّه بن مسعود أنه قال: الوتر ما بين الصلاتين، ورُوي عن أبي موسى الأشعريّ، أنه قال: لا وتر بعد الأذان، فأتوا عليّا، فقال: لقد أغرق في النزع، وأفرط في الفتيا، الوتر ما بيننا وبين صلاة الغداة، ورُوي عن ابن عباس أنه أوتر بعد طلوع الفجر، وروي ذلك عن ابن عمر - رضي اللَّه عنه -.

وممن رُوي عنه أنه أوتر بعد طلوع الفجر عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وحذيفة، وابن مسعود، وعائشة، وعبد اللَّه بن عامر بن ربيعة - رضي اللَّه عنهم -.___

قال: وكان مالك، والشافعيّ، وأحمد، يقولون: يوتر ما لم يصلّ الصبح، وحُكي عن سفيان الثوريّ، أنه قال: إن أوترت بعد طلوع الفجر فلا بأس، وهكذا قال الأوزاعيّ، وقال النخعيّ، والحسن، والشعبيّ: إذا صلى الغداة فلا يوتر، وقال أيوب السختياني، وحميد الطويل: إنّ أكثر وترنا بعد طلوع الفجر.

الثالث: يصلي الوتر، وإن صلى الصبح، كذلك قال طاوس، وقيل لأحمد بن حنبل: قال سفيان: اقض الوتر، إذا طلعت الشمس. قال أحمد: لا. وقال إسحاق كما قال أحمد.

وقال النعمان: إذا صلى الفجر، ولم يوتر، ثم ذكر الوتر، فعليه قضاء الوتر.

الرابع: يصلي الوتر، وإن طلعت الشمس، روي هذا القول عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، وبه قال الأوزاعيّ، وأبو ثور.

الخامس: قول سعيد بن جبير فيمن فاته الوتر حتى صلى الصبح، قال: يوتر من القابلة. انتهى كلام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- بتصرّف، واختصار.[2]

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الراجح عندي قول من قال: (إن الوتر إذا فات يُقضَى مطلقًا أبدًا ليلاً أو نهارًا)،

* لحديث أبي داود وغيره من حديث أبي سعيد الخدري - رضي اللَّه عنه -، مرفوعًا: (من نام عن وتره، أو نسيه، فليصلّه إذا ذكره)[3]. صححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ، وصححه أيضا الحافظ العراقي،

وفي لفظ للترمذيّ: (من نام عن الوتر، أو نسيه، فليصل إذا ذكر، وإذا استيقظ)[4]،

* ولحديث الباب، ولأنه - صلى اللَّه عليه وسلم - قضى سنة الصبح بعد طلوع الشمس حينما فاتته مع الفرض،

* ولعموم: (من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلّها إذا ذكرها)، فإنه يدخل فيه الفرض، والنفل، وهو في الفرض أمر فرض، وفي النفل أمر ندب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب"." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

هذا الحديث أصلٌ عظيمٌ في باب المداومة على الطاعات، وقد اشتمل على فوائد جليلة، نذكر منها جملةً وافرة:

1- فيه: استحباب قضاء النوافل إذا فاتت لعذر، وأن العبد إذا اعتاد طاعةً ثم فاتته لعذرٍ، استُحبّ له قضاؤها، محافظةً على عادته الصالحة، وطلبًا لدوام الخير.

2- فيه: أن المداومة على العمل الصالح من أحبّ الأعمال إلى الله _تعالى_، فإن النبي _صلى الله عليه وسلم_ لم يرضَ بانقطاع ورده، بل قضاه، وفيه تعظيم شأن الدوام في العبادة.

3- فيه: أن ترك العمل المعتاد يُعدّ نقصًا عند أهل الكمال، فلهذا كان _صلى الله عليه وسلم_ يتدارك ما فاته، كراهيةً لزوال هذه الخصلة.

4- فيه: أن الأعذار ترفع الحرج ولا تُسقط الفضل، فإنه _صلى الله عليه وسلم_ ترك القيام لعذر، ثم طلب فضله بالقضاء، فدلّ على أن الفضل يُطلب ما أمكن.

5- فيه: أن المرض ونحوه عذرٌ معتبر في ترك بعض النوافل، وأن الشريعة راعت حال العبد عند العجز.

6- فيه: أن القضاء يكون على نحو الأداء، فقد قضى _صلى الله عليه وسلم_ ما كان يفعله من الليل في النهار، محافظةً على الهيئة والعدد.

7- فيه: أن صلاة الليل تُقضى شفعًا في النهار، وفيه إشارة إلى أن الوتر يُقضى زوجًا، لكون النهار ليس محلًّا للوتر.

8- فيه: أن النهار محلٌّ لقضاء بعض العبادات الفائتة، فلا يختصّ القضاء بوقت الليل، بل يُفعل بحسب الإمكان.

9- فيه: أن من فقه العبد أن يجعل له وِردًا ثابتًا حتى إذا فاته شعر بنقصه، وسعى إلى تداركه.

10- فيه: أن هذا الهدي يدل على عظيم حرصه _صلى الله عليه وسلم_ على العبادة، فلم يكن يتركها لعذرٍ دون أن يُعوضها.

11- فيه: أن في الحديث تربيةً على محاسبة النفس، فإن العبد إذا فاتته طاعةٌ، سعى إلى جبرها، ولم يُهملها.

12- فيه: أن العبادة إذا صارت عادةً للنفس سهلت عليها، فكان _صلى الله عليه وسلم_ يقضيها كأنها أمرٌ لازمٌ له.

13- فيه: أن الشريعة تجمع بين التيسير والمداومة، فرفعت الحرج عند العذر، ثم أرشدت إلى القضاء عند القدرة.

14- فيه: أن القليل الدائم أحبّ من الكثير المنقطع، فالمداومة هي المقصودة، لا مجرد الفعل العارض.

15- فيه: أن من علامات صدق العبد حِرْصَهُ على عدم انقطاع عمله، فإنه إذا فاته بادر إلى قضائه.

16- فيه: أن القضاء يجبر ما يقع من النقص في العمل، فهو من وسائل تكميل العبادة.

17- فيه: أن هذا الحديث أصلٌ في باب الأوراد، وأن للعبد أن يجعل لنفسه نصيبًا من الطاعة يداوم عليه.

18- فيه: أن العبد ينبغي له أن يغتنم حال النشاط لتعويض ما فاته، فإذا عجز في الليل، اغتنم النهار.

19- فيه: أن في الحديث دليلًا على سعة الشريعة حيث لم تُضيّق على العبد في زمان القضاء.

20- فيه: أن من أعظم أسباب الثبات في الطاعة التعويض عند الفوات، فإنّ من عوّد نفسه القضاء، قلّ أن ينقطع عمله.

21- فيه: أن هذا الهدي يردّ على من يترك العمل إذا فاته مرة، فالسنة أن يُجبر، لا أن يُترك بالكلية.

22- فيه: أن العبادة هي التي تصير سجيةً للنفس حتى يُحسّ العبد بفقدها إذا فاتت.

23- فيه: إشارة إلى كمال انضباط النبي _صلى الله عليه وسلم_ في عبادته حيث كان له وِردٌ معلوم لا يُفرّط فيه.

24- فيه: أن من فقه العبد أن يُعامل نفسه بالحزم مع الرفق، فيقضي ما فاته دون أن يُرهقها بما لا تطيق.

25- فيه: أن هذا الحديث ميزانٌ في باب الاستمرار على الطاعة، فمن عمل به ثبت على الخير، وسلم من الانقطاع.

 

فدل الحديث على أن من أعظم مقامات العبودية: دوام الصلة بالله، وأن العبد إذا فاته نصيبه من الطاعة لعذرٍ، لم يرضَ بانقطاعه، بل يسعى في تداركه، حتى تبقى حياته دائرةً بين أداءٍ وقضاء، لا يعرف فيها الانقطاع عن ربه سبحانه.



[1] والصواب: أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ تزوجها قبل الهجرة بسنتين، كما سبق نقله.

[2] "الأوسط" ج 5 ص 190 - 194.

[3] صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 1117) (رقم: 6562)، و"صحيح أبي داود" - الأم (5/ 175) (رقم: 1285)

[4] صححه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 399) (رقم: 1279)

Komentar

Postingan populer dari blog ini

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة