شرح الحديث 121 (باب الحيض) من بلوغ المرام
|
121 - وَعَنْ أَنَسٍ _رضي الله عنه_: "أَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ إِذَا حَاضَتِ
الْمَرْأَةُ فِيْهَمْ، لم يُؤَاكِلُوْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ _صلى الله عليه
وسلم_: (اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ)." رَوَاهُ مُسْلِمٌ. |
ترجمة أنس بن مالك النجاري الخزرجي
الأنصاري _رضي الله عنه_:
قال الزِّرِكْلِيُّ _رحمه الله_ في "الأعلام"
(2/ 24_25):
"أَنَس بن مالِك (10 ق هـ - 93 هـ = 612
- 712 م)
أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم النجاري الخزرجي
الأنصاري، أبو ثمامة، أو أبو حمزة:___ صاحب رسول
الله صلّى الله عليه وسلم وخادمه. روى عنه رجال
الحديث 2286 حديثا. مولده بالمدينة وأسلم صغيرا، وخدم النبي _صلى الله عليه وسلم_ إلى أن قبض.
ثم رحل إلى دمشق، ومنها إلى البصرة، فمات فيها. وهو
آخر من مات بالبصرة من الصحابة." اهـ
نص الحديث وشرحه:
ففي "صحيح مسلم" (1/ 246):
عَنْ أَنَسٍ:
أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ
الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ
يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ[1]،
فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ النَّبِيَّ _صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_،
فَأَنْزَلَ اللهُ _تَعَالَى_ {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ
الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة:
222] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ،[2]
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ»،[3]
فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ، فَقَالُوا: "مَا
يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا، إِلَّا خَالَفَنَا
فِيهِ."[4]
فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَعَبَّادُ بْنُ
بِشْرٍ، فَقَالَا: "يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ: كَذَا
وَكَذَا، فَلَا نُجَامِعُهُنَّ؟"[5]
فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ _صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا،[6]
فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ
إِلَى النَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمَا
فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا."[7]
وفي "سنن أبي داود" (2/ 250)
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «جَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ،
وَاصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ النِّكَاحِ[8]»
وفي "سنن الترمذي" – ت. شاكر (5/ 214):
«فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُؤَاكِلُوهُنَّ وَيُشَارِبُوهُنَّ
وَأَنْ يَكُونُوا مَعَهُنَّ فِي البُيُوتِ، وَأَنْ
يَفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ مَا خَلَا النِّكَاحَ».
وفي "سنن النسائي" (1/ 152):
فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَنْ يُؤَاكِلُوهُنَّ وَيُشَارِبُوهُنَّ وَيُجَامِعُوهُنَّ فِي
الْبُيُوتِ، وَأَنْ يَصْنَعُوا بِهِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَا
خَلَا الْجِمَاعَ."
المعنى الإجمالي للحديث على ضوء رواياته:
بيّن هذا الحديثُ ما كان عليه اليهودُ من الغلوِّ
والتشدُّد في شأن المرأة الحائض؛ فإنَّهم كانوا إذا حاضت المرأةُ عندهم هجروها
هجرًا تامًّا، فلا يُؤاكلونها، ولا يُشاربونها، ولا يُجالسونها في البيوت، بل
يجعلونها كأنَّها نجسةُ الذات، وهذا من تحريفهم وغلوِّهم في الدين.
فلما رأى الصحابةُ _رضي الله عنهم_ ذلك، وسألوا
النبيَّ _صلى الله عليه وسلم_ عن حكم معاملة الحائض، أنزل الله تعالى قوله:
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ
أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى
يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]
فبيَّن _سبحانه_ أنَّ الأذى إنما هو في موضع الحيض
خاصة، لا في ذات المرأة كلِّها.
ثم فسَّر النبيُّ _صلى الله عليه وسلم_ ذلك عمليًّا،
وبيَّن المراد بالاعتزال، فقال:
«اصنعوا كلَّ شيءٍ، إلا النكاح»،
وفي الروايات الأخرى: «جامعوهنَّ في البيوت»، و«أمرهم
أن يؤاكلوهنَّ ويشاربوهنَّ وأن يكونوا معهنَّ في البيوت».
والمقصود بالنكاح هنا:
الجماع في الفرج زمن الحيض، لا مطلق المعاشرة؛ فدلَّ الحديث على جواز مؤاكلة الحائض،
ومجالستها، ومباشرتها فيما دون الجماع، وأنَّ الحيض لا يجعل المرأةَ نجسةَ العين،
وإنما هو أذًى عارض كتبه الله على بنات آدم.
فلما بلغ اليهودَ هذا التيسيرُ الشرعيُّ، قالوا
متعجِّبين:
«ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا،
إلا خالفنا فيه»،
لأنَّهم رأوا أنَّ الإسلام جاء بمخالفتهم في غلوِّهم
وتشديدهم، كما خالفهم أيضًا في تفريط النصارى الذين لم يكونوا يبالون بأمر الحيض.
ثم إنَّ أُسيدَ بنَ حضير وعبادَ بنَ بشرٍ _رضي الله
عنهما_ ذكرا مقالة اليهود للنبي _صلى الله عليه وسلم_ على سبيل الاستفهام
والاستثبات، وكأنهما سألا: هل نبالغ في مخالفتهم حتى نجامع النساء زمن الحيض؟
فظهر أثرُ الكراهة على وجه النبي _صلى الله عليه
وسلم_؛ لأنَّ هذا الأمر محرَّم بنصِّ القرآن، فَفَهِمَا أنَّهما قد أخطآ في
العبارة أو الاستفهام.
ثم ظهرت رحمةُ النبيِّ _صلى الله عليه وسلم_ وحُسْنُ
خلقه، فلم يترك في نفسيهما شيئًا، بل أرسل إليهما من اللبن وسقاهما؛ ليُعلِمهما
أنَّه لم يغضب عليهما غَضَبَ مؤاخذة، وإنما أنكر ما لا يجوز شرعًا.
فالحديثُ بجميع رواياته يدلُّ على وسطية الإسلام
وكمال شريعته؛ إذ لم يسلك مسلك الغلوِّ كاليهود، ولا مسلك التهاون كغيرهم، بل أباح
الاستمتاعَ والمخالطةَ والمؤاكلةَ والمعاشرةَ الحسنة، وحرَّم الجماعَ في زمن الحيض
فقط، رحمةً بالعباد، وحفظًا للفطرة، وصيانةً للأبدان.
تخريج الحديث:
أخرجه مسلم في "صحيحه" (1/ 246/ 16) (رقم: 302)،
سنن أبي داود (1/ 67 و 2/ 250) (رقم: 258 و 2165)، سنن الترمذي ت شاكر (5/ 214)
(رقم: 2977)، سنن النسائي (1/ 152 و 1/ 187) (رقم: 288 و 369)، وفي "السنن
الكبرى" (1/ 181 و 8/ 228 و 10/ 31) (رقم: 277 و 9049 و 10970)، سنن ابن ماجه
(1/ 211) (رقم: 644).
والحديث صحيح: صححه
الألباني _رحمه الله_ في "التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (3/ 58)
(رقم: 1359)، و"آداب الزفاف في السنة المطهرة" (ص: 123).
من فوائد الحديث:
وقال محمد بن علي اليمني،
المعروف بـ"الشوكاني"
(المتوفى: 1250هـ) _رحمه الله_ في "نيل
الأوطار" (1/ 343):
"وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى
حُكْمَيْنِ: تَحْرِيمِ النِّكَاحِ، وَجَوَازِ مَا سِوَاهُ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَبِإِجْمَاعِ
الْمُسْلِمِينَ وَبِنَصِّ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ وَالسُّنَّةِ الصَّرِيحَةِ.
وَمُسْتَحِلُّهُ كَافِرٌ، وَغَيْرُ الْمُسْتَحِلِّ إنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ
جَاهِلًا لِوُجُودِ الْحَيْضِ أَوْ جَاهِلًا لِتَحْرِيمِهِ أَوْ مُكْرَهًا فَلَا
إثْمَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ،
إنْ وَطِئَهَا عَامِدًا عَالِمًا
بِالْحَيْضِ وَالتَّحْرِيمِ مُخْتَارًا، فَقَدْ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً كَبِيرَةً
نَصَّ عَلَى كِبَرِهَا الشَّافِعِيُّ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ، وَسَيَأْتِي
الْخِلَافُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: أَعْنِي
جَوَازَ مَا سِوَاهُ فَهُوَ قِسْمَانِ:
* الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الْمُبَاشَرَةُ
فِيمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ بِالذَّكَرِ أَوْ الْقُبْلَةِ أَوْ
الْمُعَانَقَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ حَلَالٌ
بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْجَوَازِ
جَمَاعَةٌ.
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ عَبِيدَةُ
السَّلْمَانِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُبَاشِرُ شَيْئًا مِنْهَا بِشَيْءٍ
مِنْهُ، وَهُوَ - كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ - غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَلَا مَقْبُولٍ،
وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَرْدُودًا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَبِإِجْمَاعِ
الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ الْمُخَالِفِ وَبَعْدَهُ.
* الْقِسْمُ الثَّانِي: فِيمَا بَيْنَ
السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فِي غَيْرِ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ، وَفِيهَا ثَلَاثَةُ
وُجُوهٍ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ:
الْأَشْهَرُ: مِنْهَا التَّحْرِيمُ.
وَالثَّانِي: عَدَمُ التَّحْرِيمِ مَعَ
الْكَرَاهَةِ.___
وَالثَّالِثُ: إنْ كَانَ الْمُبَاشِرُ
يَضْبِطُ نَفْسَهُ عَنْ الْفَرْجِ إمَّا لِشِدَّةِ وَرَعٍ أَوْ لِضَعْفِ شَهْوَةٍ،
جَازَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ.
وَقَدْ ذَهَبَ إلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ
مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ سَعِيدُ
بْنُ الْمُسَيِّبِ وَشُرَيْحٌ وَطَاوُسٌ وَعَطَاءٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ
وَقَتَادَةُ،
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى الْجَوَازِ:
عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالْحَاكِمُ
وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ
الْحَسَنِ، وَأَصْبَغُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ
الْمُنْذِرِ وَدَاوُد.
وَحَدِيثُ الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى
الْجَوَازِ لِتَصْرِيحِهِ بِتَحْلِيلِ كُلِّ شَيْءٍ مَا عَدَا النِّكَاحَ،
فَالْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ سَدٌّ لِلذَّرِيعَةِ لَمَّا كَانَ الْحَوْمُ حَوْلُ
الْحِمَى مَظِنَّةً لِلْوُقُوعِ فِيهِ، لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ
حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ:
«مَنْ رَتَعَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ
أَنْ يُوَاقِعَهُ»
وَلَهُ أَلْفَاظٌ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ
غَيْرِهِمَا، وَيُشِيرُ إلَى هَذَا حَدِيثُ «لَكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» [د][9]."
اهـ
وقال شرف الحق العظيم
آبادي (المتوفى: 1329 هـ) _رحمه الله_ في "عون المعبود" (6/ 147):
"وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ
الْمُبَاشَرَةِ فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فِي غَيْرِ الْقُبُلِ
وَالدُّبُرِ.
* وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى الْجَوَازِ عِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ
وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَكَمُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ
حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَصْبَغُ وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وبن
الْمُنْذِرِ وَدَاوُدُ.
* وَذَهَبَ
مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ
حَرَامٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ: سَعِيدُ بْنُ المسيب
وشريح وطاؤس وَعَطَاءٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَقَتَادَةُ.
* وَفِيهَا لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ:
ثَلَاثَةُ وُجُوهٍ: الْأَشْهَرُ مِنْهَا
التَّحْرِيمُ، وَالثَّانِي: عَدَمُ التَّحْرِيمِ
مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ
الْمُبَاشِرُ يَضْبِطُ نَفْسَهُ عَنِ الْفَرْجِ إِمَّا لِشِدَّةِ وَرَعٍ أَوْ
لِضَعْفِ شَهْوَةٍ، جَازَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ." اهـ
وقال
شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد
الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728 هـ) _رحمه
الله_ في "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" (1/ 215_216):
"فهذا الحديث يدل على كثرة ما شرعه الله
لنبيه من مخالفة اليهود بل على أنه خالفهم في عامة أمورهم حتى قالوا: ما يريد أن
يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه.
ثم
إن المخالفة كما سنبينه: تارة تكون في أصل الحكم، وتارة في وصفه.
ومجانبة
الحائض: لم يُخَالَفُوْا في أصله، بل خولفوا في وصفه حيث شرع الله مقاربة الحائض
في غير محل الأذى،
فلما
أراد بعض الصحابة أن يعتدي في المخالفة إلى ترك ما شرعه الله، تغير وجه رسول الله
صلى الله عليه وسلم_.
وهذا
الباب - باب الطهارة - كان على اليهود فيه أغلال عظيمة فابتدع النصارى ترك ذلك كله
حتى___إنهم لا ينجسون شيئا، بلا شرْعٍ من الله،
فهدى
الله الأمة الوسط بما شرعه لها إلى وسط من ذلك، وإن كان ما كان عليه اليهود كان
أيضا مشروعا، فاجتناب ما لم يشرع الله اجتنابه مقاربة لليهود، وملابسة ما شرع الله
اجتنابه مقاربة للنصارى وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم." اهـ
وقال
الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى:
1421 هـ) _رحمه الله_ في "فتح ذي الجلال
والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 394_395):
"ففي هذا الحديث فوائد:
* منها: تشديد اليهود في
التطهر من النجاسة؛ ولهذا كانوا لا يؤاكلون___الحائض، ولا يضاجعونها، ولا يقربونها،
وكانوا إذا أصابت ثوبهم النجاسة قَصُّوْهُ بِالْمِقَصِّ،
ولا يرون أن الماء يطهره كما ذكر أهل العلم. ولما ذكر أهل العلم أن الأمة
الإسلامية وسطٌ بين الأمم في النجاسات، قالوا: (إن اليهود إذا تنجس الثوب عندهم،
قصوه، ولا يطهرونه بالماء. والنصارى بالعكس يتلوث بالنجاسة أو لا يتلوث لا يهمهم
هذا).
المسلمون - والحمد لله - وسط.
* ومن فوائد هذا الحديث:
جواز الاستمتاع بالحائض في كل شيء، إلا الوطء. وعلى هذا، فله أن يقبِّلها ويؤاكلها،
ويضمها ويجامعها بين الفخذين. كل شيء يُفْعَلُ، إلا النكاح: إلا الجماع.
وهل يلزم مع ذلك أن تأتزر، إذا
أراد أن يباشرها أو لا يلزم؟ لا يلزم؛ لأن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أطلق، فله
أن يباشرها وإن لم تأتزر، لكن اتزارها أفضل وأكمل لوجهين:
* الوجه الأول: أنه ربما يعجز عن كبح نفسه
إذا كانت غير مئتزرة، فيجامع في الفرج.
* وثانيًا: لئلا يرى منها ما يكره من الدم،
فإذا كانت مئتزرة، فليباشرها ما شاء، لكن لئلا يرى هذا." اهـ
وقال محمد بن
علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي"
(المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام
مسلم بن الحجاج" (7/ 419_420):
"(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 - (منها): بيان تحريم وطء الحائض، وهو مجمع
عليه، فمن فعله عالِمًا عصى، ومن استحلّه كفر؛ لأنه محرّم بنصّ كتاب الله، ولا
يرتفع التحريم إلا بانقطاع الدم والاغتسال عند أكثر أهل العلم، كما تقدّم بيانه.___
2 - (ومنها): بيان سبب نزول هذه الآية الكريمة.
3 - (ومنها): جواز الاستمتاع بالحائض بكلّ
أنواع الاستمتاع ما عدا الوطء في الفرج.
4 - (ومنها): سماحة دين الإسلام، حيث أحلّ
الاستمتاع المذكور.
5 - (ومنها): ما قاله القاضي عياضٌ - رحمه
الله -:
(فعلُهُ - صلى الله عليه وسلم - مع الصحابيين في
تطييب نفوسهما، وزوال الوحشة من قلوبهما بسقيهما اللبن إِثْرَ ما أظهر من الإنكار
لسؤالهما في وطء الحائض مخالفةً لليهود، وتغيّر وجه النبيّ - صلى الله عليه وسلم -
لذلك حتى ظُنّ أن قد وجَدَ عليهما، فيه من حسن العشرة، والرفق،
والرأفة بالمؤمنين، والرحمة التي جعلها الله من صفات نبيّه - صلى الله عليه وسلم
-، لا سيّما ما كان يَلحقهما من ظنهما غضب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عليهما،
ولا سيّما فيما هو من باب الدين والشريعة. انتهى ["إكمال المعلم" 2/ 135].
6 - (ومنها): عدم مقابلة المسلم بما يسوؤه،
وإن أساء، فإنه - صلى الله عليه وسلم - ما كلّمهما، بل سكت عنهما.
7 - (ومنها): مشروعيّة الغضب على من ارتكب ما
لا يليق به.
8 - (ومنها): أنه لا يجوز إغاظة العدوّ بما
فيه مخالفة الشريعة.
9 - (ومنها): مشروعيّة قبول الهديّة،
وتفريقها على غير الْمُهْدَى إليه.
10 - (ومنها): أنه لا ينبغي استمرار الغضب
على المسلم إذا لم يوجد ما يقتضي ذلك.
11 - (ومنها): استحباب سكوت التابع عند غضب
المتبوع تأدّبًا معه.
12 - (ومنها): استحباب الملاطفة، والمؤانسة
بعد الغضب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا
الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ
تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}." اهـ
وقال يحيى بن هُبَيْرَة الذهلي الشيبانيّ،
أبو المظفر الحنبلي (المتوفى: 560 هـ) _رحمه الله_ في "الإفصاح عن معاني
الصحاح" (5/ 356_358):
"في هذا الحديث: ما يدل على استحباب
مخالفة أهل الكتاب إلا أن تكون___في مخالفتهم مخالفة شرعنا، فإن الوطء في الحيض
أذى جر المتلبس به، وذلك أن الإنسان في هذه الدنيا مع زوجته التي أباحها الله له
وما ملكت يمينه إذا نظر إلى حكمة الله تعالى في منعه من وطئها في وقت الحيض، نظر
إلى أنه سبحانه كالمهدي لها إليه في كل وقت من كمال حسن الهدية أن تزف على أحسن
حالاتها في طيب ريحها وطهارة باطنها وظاهرها ليستدل بذلك على احتفال مهديها
بالمهدى إليه.
* فإذا عرض للمرأة من حيض قدره الله لحكمة
أخرى وهي أن الحيض قضاه الله على النساء دون الرجال من أجل أن دم الحيض إذا حملت
المرأة كان هو بعينه قوتا للجنين يتغذى منه في حال كونه في البطن على جهته، وعند
خرجه إلى الدنيا من الثدي مقلوبا إلى اللبن عن أصل خلقة، فلو قد كان هذا الغذاء
للطفل من جملة غذاء المرأة المعهود لكان يضر بها ويسقمها في الزمن اليسير، ولكن
لما كان مما جبلها الله تعالى عليه أنها في كل شهر يفضل منه عن حد ما يفتدى به
بدنها مبلغا ترميه عنها في مجاري الحيض دائمًا حتى إذا حملت انقلب غذاء للجنين لم
يتجدد على مادة قواها ما ينقصها ولا يزال تحيض هكذا حتى إذا بلغت من السن ما لا
يحيض معه لضعف هضمها قطع الله حينئذ الحبل عنها، فمن لا تحيض لا تحبل إلا ما ذكره
الله عز وجل آية في زوجتي إبراهيم وزكريا.
* وكان اشتغال النساء زمانًا بالحيض
للاستعداد بحملهن، وزمانًا بالحمل مشغولات بالأجنة في بطونهن، وزمانًا بالرضاع
وتربية الأطفال في حجورهن؛ فلذلك أباح الله عز وجل للرجل من النساء أربعًا، ولم
يبح___للواحدة منهن إلا الرجل الواحد إلا أن الله عز وجل عاضهن في الدماء أضعافها
عند إنزالهن وإنزال الرجل معهن. فكانت حال المرأة في مدة الحيض حالة تلوث بأذى فلم
يصح لمن يراد إكرامه بإهدائها إليه أن يتعرض بها غير تامة الأحوال فإنه مما نرضي
به المهدي ليكون ما هداه في مقام الكمال فلذلك لما غضب رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - حين قالوا: ألا نجامعن يا رسول الله.
* فأما إرساله إلى الرجلين وسقيه إياهما
اللبن، فإنه لا يدل على أنه لم يغضب في مثل ذلك السؤال إلا أن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - لم يكن بلغ منه الغضب إلى أن يمنع السائل من طعامه أو يشركه في
زاده.
* وأما الذي صنعه أهل الكتاب من مجانبة
الحائض إلى أنهم لا يباشرونهن ولا يضاجعوهن، ولا يشربون مما يضعن أيديهن فيه، فإن
ذلك مما كذبوا فيه وغلوا، وزادوا على الواجب، وإنما الحق اجتنابهم في مواضع الحيض
خاصة دون المؤاكلة والمشاربة والمضاجعة إذ ليس حيضتها في غير موضع حيضتها."
اهـ
وقال أبو عمر
يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم
النَّمَرِيُّ القرطبيُّ، المعروف بـ"ابن عبد البر
الأَنْدَلُسِيُّ" (المتوفى: 463 هـ) _رحمه الله_ في "الاستذكار"
(1/ 321):
"وَفِيهَا: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ
عُضْوٍ مِنْهَا (لَيْسَتْ فِيهِ الْحَيْضَةُ فَهُوَ فِي الطَّهَارَةِ بِمَعْنَى
أَنَّهُ يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ ذَلِكَ الْعُضْوُ عَلَيْهِ) قَبْلَ الْحَيْضَةِ
وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَيْضَ لَا حُكْمَ لَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ الَّذِي
أُمِرْنَا بِالِاجْتِنَابِ لَهُ مِنْ أَجْلِهِ." اهـ
وقال أحمد بن عبد الرحيم، المعروف بـ«الشاه ولي الله الدِّهْلَوِيِّ» (المتوفى: سنة 1176 هـ)
_رحمه الله_ في "حجة الله البالغة" (2/ 208):
"وَكَانَت الْملَل مُخْتَلفه فِيمَا
يفعل فِي بالحائض، فَمن متعمق كاليهود يمْنَع مؤاكلتها ومضاجعتها، وَمن متهاون
كالمجوس يجوز الْجِمَاع وَغَيره، وَلَا يجد للْحيض بَالا وكل ذَلِك إفراط وتفريط،
فراعت الْملَّة المصطفوية التَّوَسُّط فَقَالَ: " اصنعوا كل شَيْء إِلَّا
النِّكَاح " وَذَلِكَ لمعان
مِنْهَا أَن جماع الْحَائِض لَا سِيمَا فِي فَور
حَيْضَتهَا ضار اتّفق الْأَطِبَّاء على ذَلِك، وَمِنْهَا أَن مُخَالطَة
النَّجَاسَة خلق فَاسد تمجه الطبيعة السليمة، وَيقرب
من الشَّيَاطِين وَفِي مثل الِاسْتِنْجَاء حَاجَة،
وَإِنَّمَا الْمَقْصُود من ذَلِك إِزَالَتهَا، وَفِي جماع الْحَائِض الغمس فِي
النَّجَاسَة، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:
{قل هُوَ أَذَى فاعتزلوا النِّسَاء فِي
الْمَحِيض} .
وَاخْتلفت الرِّوَايَة فِيمَا دون الْجِمَاع، فَقيل:
يَتَّقِي شعار الدَّم، وَقيل: يَتَّقِي مَا تَحت الْإِزَار، وعَلى الْوَجْهَيْنِ
هُوَ الدَّوَاعِي،
وَجَاء الْأَمر لمن عصى الله، فجامع الْحَائِض أَن
يتَصَدَّق بِدِينَار أَو نصف دِينَار وَهَذَا لَيْسَ بمجمع عَلَيْهِ، وسر
الْكَفَّارَة مَا ذكرنَا مرَارًا." اهـ
ملحق الفوائد:
إنَّ هذا الحديثَ العظيم من جوامعِ الأحاديثِ التي
تُظهرُ كمالَ هذه الشريعة، وحسنَ اعتدالها، وبُعدَها عن الغلوِّ والجفاء جميعًا؛
فإنَّ الله تعالى بعث نبيَّه _صلى الله عليه وسلم_ بالحنيفية السمحة، فلا إفراطَ
كإفراط اليهود، ولا تفريطَ كتفريط غيرهم، بل دينٌ قائمٌ على الحكمة والرحمة
والطهارة والفطرة السليمة.
وقد جاءت رواياتُ الحديث متكاملةً يفسِّر بعضُها
بعضًا، واشتمل على فوائد كثيرة ودروس مهمة، ومن فوائد هذا الحديث:
1- بيانُ وسطيةِ الإسلام واعتداله، فإنَّ
اليهودَ غلوا في شأن الحائض حتى هجروها واعتزلوها مطلقًا، بينما جاءت الشريعةُ
بالإذن في المخالطة والمؤاكلة والمجالسة، مع تحريم الجماع فقط.
2- أنَّ الحيضَ أذًى عارضٌ لا يقتضي تنجيسَ
المرأة، فقد أباح النبي _صلى الله عليه وسلم_ مؤاكلتها ومشاربتها ومجالستها، فدلَّ
ذلك على أنَّ بدنَ الحائض طاهر، وأنَّ النجاسة ليست في ذاتها.
3- تحريمُ جماع الحائض في الفرج، لقوله
تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222]،
وقول النبي _صلى الله عليه وسلم_: «إلا النكاح»، أي:
الجماع.
4- جوازُ مباشرة الحائض فيما دون الفرج، لأنَّ
النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال:
«اصنعوا كلَّ شيء إلا النكاح»، فدلَّ على
إباحة سائر أنواع الاستمتاع المباحة.[10]
5- مشروعيةُ مؤاكلة الحائض ومشاربتها، وفي
رواية الترمذي: «أن يؤاكلوهن ويشاربوهن»، ففيه ردٌّ على أهل الغلوِّ والتنطُّع.
6- جوازُ مساكنة الحائض ومجالستها في البيت لقوله
في رواية أبي داود: «جامعوهنَّ في البيوت»، أي: خالطوهنَّ وساكنوهنَّ.
7- أنَّ الإسلام جاء بمخالفة أهل الباطل، حتى
قالت اليهود: "ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه"،
وذلك لأنَّ مخالفة أهل الانحراف من مقاصد الشريعة إذا
كانوا على باطل.
8- أنَّ المخالفة المشروعة تكون في حدود
الشرع، فلمَّا ظنَّ بعض الصحابة أنَّ المخالفة قد تقتضي جواز جماع الحائض، أنكر
النبي _صلى الله عليه وسلم_ ذلك، فدلَّ على أنَّ المقصود: مخالفتُهم فيما خالفوا
فيه الحق، لا مجرَّد المخالفة المطلقة.
9- حرصُ الصحابة على فهم الأحكام بدقَّة، فإنَّهم
لم يكتفوا بفهمهم الأول، بل سألوا واستثبتوا؛ طلبًا للعلم واحتياطًا للدين.
10- حسنُ تعليم النبيِّ _صلى الله عليه وسلم_
لأصحابه، فقد بيَّن الحكم بعبارة جامعة سهلة: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، وهذا من
بلاغته _صلى الله عليه وسلم_.
11- أنَّ القرآنَ يُفسِّره النبيُّ _صلى الله
عليه وسلم_ بسنَّته، فالآية فيها إجمال في معنى الاعتزال، فجاءت السنَّة، فبيَّنت
أنَّ المراد: اعتزالُ الجماع فقط.[11]
12- جوازُ سؤال أهل العلم عمَّا يُشكل من
الأحكام، فإنَّ الصحابة سألوا النبي _صلى الله عليه وسلم_ عن أمر الحيض، ففيه
الحثُّ على الرجوع إلى العلماء.
13- أنَّ الشريعةَ مبناها على اليسر ورفع
الحرج، فلو أُمر الناس باعتزال الحائض مطلقًا، لشقَّ ذلك وعظُم الحرج، فجاءت
الشريعة بالتيسير.
14- في الحديث ردٌّ على أهل التشدد والغلو، لأنَّ
النبي _صلى الله عليه وسلم_ أبطل ما كانت عليه اليهود من التنطُّع والمبالغة.
15- أنَّ الحياء لا يمنع من السؤال عن أحكام
الدين، فإنَّ الصحابة سألوا عن أمرٍ يتعلَّق بالنساء والمعاشرة الزوجية، ولم
يمنعهم الحياء من طلب العلم.
16- جوازُ إظهار الإنكار عند الخطأ في مسائل
الشرع، فقد تغيَّر وجه النبي _صلى الله عليه وسلم_ حين ظنَّ أنَّ السؤال قد يؤدِّي
إلى استباحة المحرَّم.
17- كمالُ رحمة النبي _صلى الله عليه وسلم_
وحسنُ خلقه، فلمَّا خشي الصحابيان أن يكون قد غضب عليهما، أرسل إليهما من اللبن؛
تطييبًا لخواطرهما.
18- استعمالُ الهديَّة والطعام في تأليف
القلوب، فإنَّ النبي _صلى الله عليه وسلم_ استعمل ذلك في إزالة ما وقع في النفوس.
19- أنَّ المفتي والمعلِّم قد يظهر عليه أثرُ
الإنكار دون أن يقصد إهانةَ السائل، فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ أنكر القول، لا
الشخصين، ولهذا أحسن إليهما بعد ذلك.
20- أنَّ الإسلام راعى الفطرة الإنسانية
والحياة الزوجية، فلم يمنع كلَّ صور الألفة بين الزوجين زمن الحيض، بل أبقى
المودَّة والمعاشرة الحسنة.
21- أنَّ الأحكام الشرعية مبنية على الحكمة
والمصلحة، فَمَنَعَ النبي _صلى الله عليه وسلم_ الجماع زمن الحيض لما فيه من الأذى
والضرر، وأباح ما عداه لانتفاء المفسدة.
22- فضلُ الصحابة _رضي الله عنهم_ وأدبُهُمْ
مع النبي _صلى الله عليه وسلم_، فقد خافا من تغيُّر وجهه، وخرجا متأدِّبين، مما
يدلُّ على تعظيمهم للنبي _صلى الله عليه وسلم_.
23- أنَّ السنَّة تُبطل عاداتِ الجاهليةِ
وأهلِ الكتاب إذا خالفت الحق، فليس كلُّ ما تعارف عليه الناس يكون صحيحًا، بل
الميزان هو الوحي.
24- أنَّ المسلم ينبغي أن يجمع بين تعظيم
النصوص وفهم مقاصدها، فلا يغلو حتى يحرِّم ما أحلَّ الله، ولا يتساهل حتى يستبيح
ما حرَّم الله.
25- في الحديث: دليلٌ على كمال هذا الدين
وشموله، فقد بيَّن أحكام العبادات والمعاشرة والأخلاق وآداب البيوت، فلم يترك
أمرًا تحتاجه الأمة إلا أوضحه.
[1] (إِذَا
حَاضَتِ الْمَرْأَةُ)، أي: نزل بها دمُ الحيض المعروف الذي كتبه الله على بنات آدم
في أوقات معلومة. (لَمْ يُؤَاكِلُوهَا)، أي:
لا يأكلون معها في إناءٍ واحدٍ ولا على مائدةٍ واحدة. وأصل المؤاكلة: المشاركة في
الأكل. (وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ)، أي: لا يُساكنونهنَّ ولا
يُخالطونهنَّ في البيوت، وليس المقصود هنا الجماع المعروف فقط؛ لأنَّ الروايات
الأخرى فسَّرت المراد بالمجانبة والمساكنة.
[2] (فَسَأَلَ
أَصْحَابُ النَّبِيِّ _صلى الله عليه وسلم_)، أي: استفسر الصحابةُ _رضي الله عنهم_
عن الحكم الشرعي في معاملة الحائض. (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى)، أي: أوحى اللهُ
إلى نبيِّه _صلى الله عليه وسلم_ هذه الآية من القرآن الكريم. (الْمَحِيضِ): يطلق
على الحيض نفسه، ويطلق أيضًا على موضع الحيض وزمنه، والمراد هنا: دم الحيض ووقته. (قُلْ
هُوَ أَذًى)، أي: الحيضُ أذًى وقذرٌ مستقذرٌ طبعًا، وفيه ضررٌ ومشقَّة، وليس
المقصود: أنَّ المرأة نفسها أذًى أو نجسة. (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي
الْمَحِيضِ)، أي: اجتنبوا جماعهنَّ في موضع الحيض زمن نزول الدم. (إِلَى آخِرِ
الْآيَةِ)، أي: إلى تمام الآية الكريمة المذكورة في سورة البقرة.
قال الشوكاني _رحمه الله_ في "نيل الأوطار"
(1/ 343):
"قَوْلُهُ:
(فَسَأَلَ) السَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ
بِشْرٍ، وَقِيلَ: إنَّ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ هُوَ أَبُو الدَّحْدَاحِ قَالَهُ
الْوَاقِدِيُّ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ كَمَا فِي الصَّحِيحِ." اهـ
[3] (اصْنَعُوا
كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ)، أي: افعلوا مع الحائض كلَّ أنواع المعاشرة
والمخالطة والمجالسة والاستمتاع المباح، إلا الجماع في الفرج. والمراد بالنكاح هنا: الوطء والجماع.
[4] (فَبَلَغَ
ذَلِكَ الْيَهُودَ)، أي: وصلهم خبرُ هذا الحكم الشرعي. (مَا يُرِيدُ هَذَا
الرَّجُلُ)، يعنون: النبيَّ _صلى الله عليه وسلم_، قالوه على جهة الحسد والاعتراض.
(أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ)، أي: لا يترك شيئًا
من عاداتنا وأحكامنا، إلا جاء بخلافه؛ لأنَّ الإسلام جاء بمخالفة أهل الباطل فيما
هم عليه من الغلوِّ والانحراف.
[5] (فَجَاءَ
أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ): هو أُسيد بن حضير، من فضلاء الصحابة. (وَعَبَّادُ بْنُ
بِشْرٍ): هو عباد بن بشر، وكان من أهل العبادة والفضل. (فَلَا نُجَامِعُهُنَّ؟)، أي:
أفلا نبالغ في مخالفة اليهود حتى نجامع النساء زمن الحيض؟. قالوه على جهة
الاستفهام والاستثبات، لا على جهة طلب الترخيص.
[6] (فَتَغَيَّرَ
وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_)، أي: ظهر عليه أثر الكراهة
والإنكار؛ لأنَّ الجماع زمن الحيض محرَّم. (حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ
عَلَيْهِمَا)، أي: ظنَّ الحاضرون أنَّ النبيَّ _صلى الله عليه وسلم_ غَضِبَ عليهما،
أو وَجَدَ في نفسه شيئًا بسبب هذا الكلام. ومعنى «وجد عليه»: غضب أو تأثَّر منه.
[7] (فَخَرَجَا)،
أي: خرج أُسيد وعباد _رضي الله عنهما_ من مجلس النبي _صلى الله عليه وسلم_. (فَاسْتَقْبَلَهُمَا
هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ)، أي: جاءت للنبي _صلى الله عليه وسلم_ هديةٌ فيها لبن. (فَأَرْسَلَ
فِي آثَارِهِمَا)، أي: أرسل مَن يدعوهما أو يلحقهما بعد خروجهما مباشرة. (فَسَقَاهُمَا)،
أي: أعطاهما من ذلك اللبن ليشربا. (فَعَرَفَا أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا)، أي:
عَلِمَا أنَّ النبيَّ _صلى الله عليه وسلم_ لم يغضب عليهما غضبَ مؤاخذة، وإنما كان
تغيُّر وجهه بسبب إنكار القول نفسِه وتعظيم الحكم الشرعي.
قال الطيبي _رحمه الله_ في "الكاشف عن حقائق
السنن" (3/ 856): "قوله: (فاستقبلتهما هدية)، أي: فاستقبل الرجلين شخص
معه هدية يهديها إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم والإسناد مجازي." اهـ
[8] قال الطيبي _رحمه الله_ في "الكاشف
عن حقائق السنن" (3/ 855): "(اصنعوا كل شيء إلا النكاح) أي الجماع،
إطلاقاً لاسم السبب علي المسبب؛ لأن عقد النكاح سبب للجماع." اهـ
[9]
أخرجه
أبو داود (1/ 55) (رقم: 212)، وصححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح أبي داود"
- الأم (1/ 383) (رقم: 207).
وفي "العرف الشذي شرح سنن الترمذي" (1/
154) للكشميري:
"وقيل:
إن النهي عن استمتاع ما تحت الإزار مفهوم الحديث لا منطوقه، وقال الشيخ ابن
الهمام: إنه وقع في جواب من سأل عن كل ما يحل له من زوجته، فيكون المعنى: لا يحل
لك إلا ما فوق الإزار، أي لا يحل ما تحت الإزار فيكون منطوقاً، ونقول: إن ما في
مسلم كناية عن نهي ما تحت الإزار." اهـ
وقال عبيد الله الرحمني _رحمه الله_ في "مرعاة
المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (2/ 244):
"والحديث
يدل على جواز المباشرة في ما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر. وإليه ذهب
أحمد ومحمد ورجحه الطحاوي. وقال العيني والسندهي: هو أقوى دليلاً. وقال النووي: هو
الأرجح دليلاً وهو اختيار أصبغ من المالكية، ويدل على الجواز أيضاً ما رواه
أبوداود بإسناد قوي عن عكرمة عن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه إذا
أراد من الحائض شيئاً ألقى على فرجها ثوباً، وحملوا حديث عائشة الآتي وما في معناه
على الاستحباب جمعاً بين الأدلة." اهـ
[10]
وقال
السندي _رحمه الله_ في "الحاشية على سنن ابن ماجه" (1/ 222):
"قَوْلُهُ
(اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الْجِمَاعَ) تَفْسِيْرٌ لِلْآيَةِ وَبَيَانٌ أَنَّ
لَيْسَ الْمُرَادُ بِالِاعْتِزَالِ مُطْلَقُ الْمُجَانَبَةِ بَلْ مُجَانَبَةٌ
مَخْصُوصَةٌ وَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَجَوَّزُوا الْمُبَاشَرَةَ
بِلَا إِزَارٍ وَحَمَلُوا فِعْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى
الْمَنْدُوبِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْإِزَارِ وَرَجَّحَ
النَّوَوِيُّ الْأَوَّلَ دَلِيلًا نَعَمِ الثَّانِي أَحْوَطُ وَأَوْلَى كَمَا لَا
يَخْفَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ
[11] وقال عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "فتح
الباري" (2/ 5_6):
"و(المحيض)،
قيل: إنَّهُ مصدر كالحيض، وقيل: بل هوَ اسم للحيض، فيكون اسم مصدر.
وقوله تعالى: {قُلْ هُوَ أَذىً} [البقرة:222]، فسر
الأذى بالدم النجس وبما فيهِ مِن القذر والنتن وخروجه مِن مخرج البول، وكل ذَلِكَ
يؤذي.
قالَ الخطابي: الأذى هوَ المكروه الذِي ليسَ بشديد
جداً؛ كقوله: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذى} [آل عمران:111] ، وقوله: {إِنْ كَانَ
بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ} [النساء: 102] ، قالَ: والمراد: أذى يعتزل منها موضعه
لا غيره، ولا يتعدى___ذَلِكَ إلى سائر بدنها، فلا يجتنبن ولا يخرجن مِن البيوت كفعل
المجوس وبعض أهل الكِتابِ، فالمراد: أن الأذى بهن لا يبلغ الحد الذِي يجاوزونه
إليه، وإنما يجتنب منهن موضع الأذى، فإذا تطهرن حل غشيانهن.
وقوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي
الْمَحِيض} [البقرة:222] ، قَد فسره النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
باعتزال النكاح، وسيأتي فيما بعد - إن شاء الله تعالى - ذكر ما يحرم مِن مباشرة
الحائض وما يحل منهُ في الباب الذِي يختص المباشرة مِن الكِتابِ.
وقد قيل: بأن المراد بالمحيض هاهنا: مكان الحيض، وهو
الفرج، ونص على ذَلِكَ الإمام أحمد، وحكاه الماوردي عَن أزواج النبي - صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وجمهور المفسرين، وحكى الإجماع على أن المراد بالمحيض
المذكور في أول الآية: الدم.
وقد خالف في ذَلِكَ ابن أبي موسى مِن أصحابنا في
((شرح الخرقي)) ، فزعم أن مذهب أحمد أنَّهُ الفرج - أيضاً -، وفيه بعد.
وجمهور أصحاب الشَافِعي على أن المراد بالمحيض في
الآية الدم، في الموضعين." اهـ
Komentar
Posting Komentar