شرح الحديث الثامن والثلاثين - من كتاب الأبعين في التربية والمنهج للشيخ عبد العزيز بن محمد السدحان _حفظه الله_

  


الحديث الثامن والثلاثون

 

عن عبد الله بن عمرو _رضي الله عنه_، قال:

سمعت النبي _صلى الله عليه وسلم_، يقول:

«إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْزِعُ العِلْمَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاكُمُوهُ انْتِزَاعًا، وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ العُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ، فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ، يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ، فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ»

__________

(1) أخرجه الشيخان

(2) أصل الشرع الجذب والقلع، والانتزاع مثله (النهاية) (5/ 41)، والقاموس المحيطة (۳/ ٩٠)

 

وفي "صحيح مسلم" (4/ 2059):

أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعًا، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ، وَيُبْقِي فِي النَّاسِ رُءُوسًا جُهَّالًا، يُفْتُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ»

 

المعنى الإجمالي لهذا الحديث:

 

بيّن النبي ﷺ الطريقة التي يرفع الله بها العلم من الناس، ويحذّر من عاقبة ذلك على الأمة. فليس معنى ذهاب العلم أن يُنْزَعَ فجْأةً من صدور الناس بعد أن أُعطوه، بحيث يُمحى مباشرة، بل إن سنّة الله _تعالى_ أن يكون ذهاب العلم بموت العلماء؛ فإذا قبض الله العلماء، ذهب العلم الذي كانوا يحملونه ويبلّغونه.

 

وحينئذٍ يخلو الزمان من أهله الراسخين، فيبقى أناسٌ جُهّال يتصدّرون للفتوى والتعليم بغير علم، فيُسألون عن أحكام الدين، فيُجيبون بآرائهم وأهوائهم، لا اعتمادًا على الكتاب والسنة.

 

فينتج عن ذلك أمران خطيران:

* أنهم يُضلّون غيرهم بإفتائهم الفاسد.

* وأنهم يَضِلُّون هم أنفسهم بسبب جهلهم وجرأتهم على الدين.

 

فالحديث تحذير من فقدان العلماء، وبيان أن بقاء العلم مرتبط ببقائهم، وأن تصدّر الجهّال للفتوى من أعظم أسباب ضلال الناس، ولذلك يجب حفظُ مكانة العلماء، والرجوعُ إليهم، والحذَرُ من القول على الله بغير علم.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري (1/ 31 و 9/ 100) (رقم: 100 و 7307)، مسلم (4/ 2058_2059/ 13_14) (رقم: 2673)، والترمذي في "سننه" – ت. شاكر (5/ 31) (رقم: 2652)، والنسائي في "السنن الكبرى" (5/ 391) (رقم: 5876_5877)، وابن ماجه في "سننه" (1/ 20) (رقم: 52).

 

والحديث حسن صحيح: صرح بذلك الألباني _رحمه الله_ في "التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (9/ 395) (رقم: 6688).

 

قوله: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْزِعُ العِلْمَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاكُمُوهُ انْتِزَاعًا...»

* فيه: عظيم نعمة العلم

 

وقوله: «...وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ العُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ...»

* فيه: عظيم منزلة العلماء

* وفيه: أن قبض العلماء من أعظم المصائب

 

وقوله «...فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ، يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ...»

فيه: حرْصُ أهل الجهل والضلال على التصدر.

 

وقوله: «...يُسْتَفْتَوْنَ...»

فيه: حاجة الناس الدائمة إلى أهل العلم.

وفيه: حرص أهل الجهل والضلال على الظهور بمظهر العلماء لعلمهم بحاجة الناس إليهم

 

وقوله : «...فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ»

فيه: ضرر القول بلا علم، وأن ضرره لا يقصر على صاحبه، بل يتعدى إلى من بلَغه جهْلُه من الأفراد والمجتمعات، ويزيد انتشار ضرره إذا كان ممن يتصدر أو يحرص على نشر ما عنده من خلال وسائل الإعلام من مَرْئِيٍّ ومسموعٍ ومقروْءٍ.

 

قال البخاري في "صحيحه": باب كيف يُقْبَض العلم.

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم:

(انظر ما كان من حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فاكتبه، فإني خفت دروس العلم، وذهاب العلماء، ولا تَقْبَلْ إلا حَدِيثَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولتفشوا العلم، ولِتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًا)، وذكر الحديث.

 

وقال البخاري أيضًا: باب رفع العلم وظهور الجهل.

وقال ربيعة: لا ينبغي لأحدٍ عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه، وذكر حديث أنس، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنّ من أشراط الساعة أنْ يُرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا» .

 

وقال ابن حجر _رحمه الله_ في "فتح الباري" (1/ 178)

وَمُرَادُ رَبِيعَةَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِيهِ فَهْمٌ وَقَابِلِيَّةٌ لِلْعِلْمِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُهْمِلَ نَفْسَهُ فَيَتْرُكَ الِاشْتِغَالَ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَى رَفْعِ الْعِلْمِ أَوْ مُرَادُهُ الْحَثُّ عَلَى نَشْرِ الْعِلْمِ فِي أَهْلِهِ لِئَلَّا يَمُوتَ الْعَالِمُ قَبْلَ ذَلِكَ فَيُؤَدِّيَ إِلَى رَفْعِ الْعِلْمِ أَوْ مُرَادُهُ أَنْ يُشْهِرَ الْعَالِمُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّى لِلْأَخْذِ عَنْهُ لِئَلَّا يَضِيعَ عِلْمُهُ وَقِيلَ مُرَادُهُ تَعْظِيمُ الْعِلْمِ وَتَوْقِيرُهُ فَلَا يُهِينُ نَفْسَهُ بِأَنْ يَجْعَلَهُ عَرَضًا لِلدُّنْيَا وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ لَكِنَّ اللَّائِقَ بِتَبْوِيبِ الْمُصَنِّفِ مَا تَقَدَّمَ

 

وقال ابن حجر _رحمه الله_ في "فتح الباري" (1/ 195):

"وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ:

* الْحَثُّ عَلَى حِفْظِ الْعِلْمِ،

* وَالتَّحْذِيرُ مِنْ تَرْئِيسِ الْجَهَلَةِ،

* وَفِيهِ: أَنَّ الْفَتْوَى هِيَ الرِّيَاسَةُ الْحَقِيقِيَّةُ،

* وَذَمُّ مَنْ يُقْدِمُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ.

* وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى الْقَوْلِ بِخُلُوِّ الزَّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ، وَلِلَّهِ الْأَمْرُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَسَيَكُونُ لَنَا فِي الْمَسْأَلَةِ عَوْدٌ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ _تَعَالَى_." اهـ

 

وقال عياض اليحصبي _رحمه الله_ في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (8/ 167):

"فسّر _عليه السلام_ أنّ ما أخبر به فى الأحاديث المتقدمة من نقص العلم وقبضه، أنه ليس بمحوه من الصدور، ولكن بموت حملته، واتخاذ الناس رؤساء جهالاً، فيتحكمون فى دين الله بآرائهم، ويُفْتُوْنَ فيه بجهلهم كما أخبر، وكما قد وجد، نسأل الله السلامة والعافية." اهـ

 

وقال النووي _رحمه الله_ في "شرح صحيح مسلم" (16/ 224_225):

وفيه: التحذير من___اتخاذ الجهال رؤساء." اهـ

 

وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (41/ 657_660):

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 - (منها): أن فيه الحثَّ على حفظ العلم والاشتغال به.

2 - (ومنها): أن الفتوى هي الرئاسة الحقيقيّة، وذمّ من يُقْدِم عليها بغير علم.

3 - (ومنها): التحذير عن اتّخاذ الْجُهّال رؤساء.

4 - (ومنها): وجوب اجتناب الرأي والقياس، وهو محمول على الرأي

المذموم، كما سيأتي بيانه في المسألة التالية- إن شاء الله تعالى-.

5 - (ومنها): أن فيه دلالةً للقائلين بجواز خلوّ الزمان عن المجتهد، على ما هو مذهب الجمهور، خلافًا للحنابلة. 

ومسألة خلوّ الزمان عن المجتهد مشهورة في كتب الأصول، وحاصلها أن الجمهور يَرَوْن جوازه، وخالف في ذلك الحنابلة، وذهب العلامة ابن دقيق العيد إلى أنه لا يجوز ما لم تأت أشراط الساعة الكبرى، كطلوع الشمس من مغربها، فإذا أتت جاز الخلوّ عنه.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن دقيق العيد هو الأرجح؛ للحديث الآتي.

ثم على القول بالجواز أنه لم يثبُت وقوعه، وقيل: يقع؛ لحديث "الصحيحين": "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ حتى يأتي أمر الله"؛ أي: الساعة، والمراد به: إتيان الأشراط المذكورة.

ودليل الوقوع: حديث الباب المتّفق عليه، وحديث البخاريّ: "إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم، وَيثبُت الجهل"، والمراد برفع العلم: قَبْض أهله.

قال الجامع: لا خلاف بين الأحاديث، إذ هي على معنى واحد، وهو أن المراد بالحديثين الأخيرين: عند قرب الساعة، فيكونان بمعنى الحديث الأول؛ أي: أن قبض العلم ورفعه يكون عند قرب الساعة بظهور أشراطها المذكورة، والله تعالى أعلم...

6 - (ومنها): أن الداوديّ قال: هذا الحديث خرج مخرج العموم، والمراد به الخصوص؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ حتى يأتي أمر الله"، ويقال: هذا بعد إتيان أمر الله تعالى، إن لم يُفسّر إتيان الأمر بإتيان القيامة، أو عدم بقاء العلماء إنما هو في بعض المواضع كما في بيت المقدس مثلًا، إن فسَّرناه به، فيكون محمولًا على التخصيص جمعًا بين الأدلّة.

7 - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا الحديث بيّن كيفيةَ رفع العلم، وظهور الجهل، وهو نصّ في أن رفع العلم لا يكون بمحوه من الصدور، بل بموت العلماء، وبقاء الجهّال الذين يتعاطون مناصب العلماء في الفتيا والتعليم، يُفتون بالجهل، ويُعلّمونه، فينتشر الجهل، ويظهر، وقد ظهر ذلك، ووُجد على نحو ما أخبر - صلى الله عليه وسلم -، فكان ذلك دليلًا من أدلّة نبوّته، وخصوصًا في هذه الأزمان، إذ قد وَليَ المدارس والفتيا كثيرٌ من الجهّال والصبيان، وحُرِمها أهل ذلك الشأن. انتهى ["المفهم" 6/ 705]، والله تعالى أعلم." اهـ

 

 

وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (41/ 660_661):

"(المسألة الرابعة): في تقسيم الرأي على ثلاثة أقسام:

قال الإمام ابن القيّم رحمه الله في كتابه النافع "إعلام الموقّعين عن ربّ

العالمين":

الرأي ثلاثة أقسام: رأي باطل بلا ريب، ورأي صحيح، ورأي هو موضع الاشتباه، والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف، فاستعملوا الرأي الصحيح، وعملوا به، وأفتَوْا به، وسوّغوا القول به، وذمّوا الباطل، ومنعوا من العمل والفتيا والقضاء به، وأطلقوا ألسنتهم بذمّه وذمّ أهله.

والقسم الثالث سوّغوا العمل والفتيا والقضاء به عند الاضطرار إليه،___حيث لا يُوجد منه بدٌّ، ولم يُلزموا أحدًا العمل به، ولم يُحرّموا مخالفته، ولا جعلوا مخالفه مخالفًا للدين، بل غايته أنهم خَيَّروا بين قبوله وردّه، فهو بمنزلة ما أُبيح للمضطرّ من الطعام والشراب الذي يَحرُم عند عدم الضرورة إليه، كما قال الإمام أحمد:

سألت الشافعيّ عن القياس، فقال لي: عند الضرورة. وكان استعمالهم لهذا النوع بقَدْر الضرورة، لم يُفْرِطُوا فيه، ويُفَرّعوه، ويولّدوه، ويوسّعوه كما صنع المتأخّرون بحيث اعتاضوا به عن النصوص والآثار، وكان أسهل عليهم من حفظها، كما يوجد كثير من الناس يَضبط قواعد الإفتاء لصعوبة النقل عليه، وتعسّر حفظه، فلم يَتَعَدَّوا في استعماله قَدْر الضرورة، ولم يَبْغُوا العدول إليه مع تمكّنهم من النصوص والآثار، كما قال تعالى في المضطرّ إلى الطعام المحرّم: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 173]،

فالباغي: الذي يبتغي الميتة مع قدرته على التوصّل إلى المذكّى، والعادي: الذي يتعدّى قدرَ الحاجة بأكملها." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

هذا الحديث أصلٌ عظيم في باب العلم وأهله، وقد تضمّن فوائد جليلة، نذكر طائفةً منها:

1- فيه: بيانُ أنَّ العلمَ يُرفع بقبضِ العلماء، إذ لم يجعل ذهابَه بنزعٍ مفاجئٍ من الصدور، بل بقبضِ حَمَلته، فدلّ على شرفِ العلماء، وأنهم خزّانُ الشريعة.

2- فيه: تعظيمُ شأنِ العلماء في الأمة، لأن بقاءَ العلم ببقائهم، فإذا فُقِدوا، اختلّت الموازين، وعمّ الجهل.

3- فيه: الحثُّ على اغتنامِ حياةِ العلماء، إذ في وجودهم تُنال الفوائد، وتُضبط المسائل، فإذا ماتوا تعذّر ذلك أو عَسُر.

4- فيه: التحذيرُ من تَصدُّرِ الجهّال للفتيا، لقوله: «فيبقى ناسٌ جُهّال يُستفتون»، فدلّ على أن التصدّر بغير علم من أعظم أسباب الفساد.

5- فيه: ذمُّ القولِ في الدين بالرأي المجرّد، لقوله: «فيفتون برأيهم»، أي بغير دليل، وهو من التقول على الله بغير علم.

6- فيه: أنَّ الضلالَ نوعان: ذاتيّ ومتعدٍّ، لقوله: «فيضلّون ويُضلّون»، فجمع بين ضلال أنفسهم وإضلال غيرهم.

7- فيه: بيانُ أنَّ الجهلَ سببٌ للانحراف، إذ لما خلت الساحة من العلماء، قام الجهّال مقامهم، فوقع الخلل.

8- فيه: أنَّ الناسَ لا بدّ لهم من مرجعيةٍ في الفتوى لقوله: «يُستفتون»، فدلّ على أن الفتوى حاجةٌ لازمة، لكن الخطر فيمن يتولاها بغير علم.

9- فيه: التحذيرُ من تركِ طلبِ العلم، لأن قلةَ طالبيه تورث قلةَ علمائه، فيؤول الأمر إلى ما ذُكر من الجهل.

10- فيه: أنَّ العلمَ الحقيقيَّ ما كان قائمًا في الصدور، إذ عُلِّق ذهابُه بذهاب العلماء، لا بذهاب الكتب، فدلّ على أن العلم علمُ الرجال.

11- فيه: الحثُّ على نشرِ العلم وتعليمه، لئلا يُقبض مع أهله، بل يبقى متداولًا بين الناس.

12- فيه: أنَّ الفتوى منزلةٌ عظيمة لا تليق بكل أحد، إذ جعل التصدّي لها بغير علم سببًا للضلال العام.

13- فيه: أنَّ فسادَ العالِمِ أخطرُ من فساد الجاهل، لأن الجاهل إذا تصدّر صار بمنزلة العالم في أعين الناس، فيعظم ضرره.

14- فيه: بيانُ سنّةٍ إلهية في ذهاب الخير تدريجًا، وهو أن النقص يقع شيئًا فشيئًا، بقبض العلماء، لا دفعةً واحدة.

15- فيه: الحثُّ على التثبّت في أخذ الفتوى، لئلا يُؤخذ الدين عن غير أهله، فيقع السائل في الضلال.

16- فيه: أنَّ من أسباب الهلاك الجرأة على الفتوى، إذ تجرّؤوا على الإفتاء بغير علم، فجمعوا بين الجهل والتصدر.

17- فيه: أنَّ العلم أمانةٌ يُحفظ بحفظ أهله، فإذا ضُيّع أهله، ضاع ما بأيديهم من العلم.

18- فيه: أنَّ صلاح الأمة مرتبطٌ ببقاء علمائها، فبصلاحهم تصلح، وبذهابهم يكثر الفساد.

 

فهذا الحديث يقرّر قاعدةً عظيمة: أنَّ العلم حياةُ القلوب، والعلماءُ حُرّاسه، فإذا فُقدوا، تطرّق الجهل، وتصدّر من لا يُحسن، فاختلط الحق بالباطل، فكان لزامًا تعظيمُ العلم وأهله، والأخذُ عنهم، والحذرُ من مخالفة سبيلهم.

 

..............................

 

قال محمد بن علي الإثيوبي في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (41/ 668_669):

"قد نظمت أنواع الرأي الباطل التي تقدّم بيانها

في "التحفة المرضيّة"، فقلت:

أَنْوَاعُ الرَّأْيِ الْبَاطِل

أَحَدُهَا الرايُ الْمُخَالِفُ النُّصُوصْ ... وَلَا نَرَى فَرِيقَهُ سِوَى اللُّصُوصْ

بُطْلَانُهُ يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ ... مِنْ دِينِ الاسْلَامِ فَسِمْ بِفِرْيَةِ

وَثَانِهَا الْكَلَامُ فِي الدِّينِ بِلَا ... عِلْمٍ تَخَرُّصًا وَظَنًّا حُظِلَا

مُقَصِّرًا فِي فَهْمِهِ النُّصُوصَا ... مُسْتَعْمِلًا آرَاءَهُ خُصُوصَا

ثَالِثُهَا الرَّأْيُ الَّذِي تَضَمَّنَا ... تَعْطِيلَ أَسْمَاءِ الإِلَهِ عَلَنَا

مُتَّبِعًا آرَاءَ أَهْلِ الْبِدَعِ ... فِي رَدِّهِمْ نُصُوصَ شَرعٍ فَلْتَعِ

فَقَابَلُوا النُّصُوصَ بِالتَّحْرِيفِ .. وَغَيَّرُوا الْمَعْنَى إِلَى السَّخِيفِ

رَابِعُهَا الرَّأْيُ ائَذِي قَدْ أُحْدِثَتْ ... الْبِدَعُ الَّتِي بِهِ قَدْ ثَبَتَتْ

عَمَّ بِهِ الْبَلَا وَغُيِّرَ السُّنَنْ ... جَنَّبَنَا إلَهُنَا كُلَّ الْفِتَنْ

فَهَذِهِ الأَنْوَاعُ كُلُّهَا اتَّفَقْ ... سَلَفُ الأمَّةِ بِذَمٍّ مَا أَحَقّ

 

المعنى الإجمالي لهذه الأبيات:

 

بيّن الناظم _رحمه الله_ أنواع الرأي الباطل في الدين، ويحذّر منها، ويؤكد أن سلف الأمة قد اتفقوا على ذمّها وبيان خطرها.

فذكر _رحمه الله_ أن الرأي الباطل ليس نوعًا واحدًا، بل له صور متعددة، يجمعها أنها مخالفة للحق الذي جاء به الشرع.

* فبدأ _رحمه الله_ بالنوع الأول: وهو الرأي الذي يخالف النصوص الشرعية الصريحة من الكتاب والسنة، وهذا بطلانه واضح، لا يحتاج إلى كثير نظر، بل يُعلم بالضرورة من دين الإسلام، ولذلك شدّد في ذمّه. مثاله: أن يقول قائل: "الربا جائز في هذا العصر لأنه ضرورة اقتصادية"، مع وجود النصوص الصريحة في تحريمه.

فهذا رأي مصادم للنص، لا يُلتفت إليه، لأنه يعارض حكمًا ثابتًا بالكتاب والسنة.

 

* ثم يذكر النوع الثاني: وهو الكلام في الدين بغير علم، اعتمادًا على الظن والتخمين، مع التقصير في فهم النصوص الشرعية، وتقديم الآراء الشخصية عليها، وهذا من أعظم أسباب الانحراف. مثاله: شخص يفسّر آية أو حديثًا اعتمادًا على فهمه القاصر، دون الرجوع إلى تفسير العلماء، فيقول: "المقصود بالصلاة في الآية هو الدعاء فقط، فلا حاجة للصلاة المعروفة."

فهذا تكلّف وتخرّص ناشئ عن الجهل وقلة الفهم للنصوص.

 

* ثم ذكر النوع الثالث: وهو الرأي الذي يؤدي إلى تعطيل أسماء الله وصفاته، باتباع طرق أهل البدع، حيث يقابلون النصوص بالتحريف، ويغيّرون معانيها الصحيحة إلى معانٍ فاسدة.

مثاله: من يفسّر صفة "الاستواء" في قوله _تعالى_: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) بمعنى "استولى" فقط، نافيًا حقيقة الصفة، متأثرًا بمناهج أهل الكلام. فهذا تحريف للنصوص، وتعطيل لما دلّت عليه من صفات الله.

 

ثم ذكر النوع الرابع: وهو الرأي المحدث الذي نشأت عنه البدع في الدين، حتى عمّ بلاؤها، وتغيّرت بسببه السنن، فصار سببًا في انتشار الفتن. مثاله: من يقول: "نستحسن إحداث ذكرٍ جماعيٍّ بصيغة معيّنة بعد كل صلاة لم ترد عن النبي ﷺ، لأنه يزيد الخشوع."

فهذا رأي مُحدث أدّى إلى بدعة في الدين، مع أن الأصل في العبادات التوقيف.

 

وفي ختام الأبيات قرر الناظم _رحمه الله_ أن جميع هذه الأنواع من الرأي الباطل قد اتفق سلف الأمة على ذمّها والتحذير منها، لأنها تُفسد الدين وتُبعد عن منهج الحق.

 

فكل هذه الأمثلة تشترك في أمر واحد، وهو تقديم الرأي على الوحي، إما بمخالفته، أو بالجهل به، أو بتحريفه، أو بإحداث ما ليس منه. ولذلك شدّد السلف في التحذير من هذه المسالك، لأنها تفتح أبواب الانحراف في الدين.

 

فوائد الأبيات:

 

هذه الأبيات حافلة بفوائد علمية ومنهجية عظيمة، ومن تأمّلها خرج منها بجملة من القواعد في باب الاعتقاد والاستدلال، ومن أبرز تلك الفوائد:

1- فيه: التحذير من تقديم الرأي على النص، وأن الأصل في الدين هو الاتباع، لا الابتداع، وأن كل رأي خالف النصوص فهو مردود، مهما زخرفه قائله. لأن الشريعة مبناها على الوحي، والعقلُ تابع لهُ، لا حاكم عليه.

2- فيه: أن بطلان مخالفة النصوص أمر معلوم بالضرورة، فإن المسلم لا يحتاج إلى اجتهاد عميق ليعلم أن رد النصوص أو مخالفتها ضلال، بل هو من الواضحات التي يشترك في معرفتها عامة المسلمين.

3- فيه: خطورة القول في الدين بلا علم، لأن ذلك يفتح باب التقول على الله بغير حق، وهو من أعظم المحرمات، بل قدّمه الله على الشرك في الذكر في بعض الآيات.

4- فيه: أن الجهل بالنصوص أو سوء فهمها سبب رئيس للانحراف، فالمتكلم بغير علم إما لم يفهم النصوص، أو فهمها على غير مرادها، فوقع في الضلال من حيث لا يشعر.

5- فيه: ذم الاعتماد على الظن والتخرص في مسائل الدين، لأن العقائد والأحكام الشرعية تُبنى على اليقين، لا على الظنون، بخلاف أمور الدنيا التي قد يُتسامح فيها بالاجتهاد الظني.

6- فيه: بيان خطر تقديم الآراء الشخصية على النصوص، فإن ذلك من أعظم أسباب الابتداع، إذ يجعل الإنسان نفسه مشرّعًا مع الله.

7- فيه: التحذير من منهج أهل البدع في باب الأسماء والصفات، حيث يعتمدون على التأويل الفاسد والتحريف، فيردّون النصوص أو يغيّرون معانيها.

8- فيه: إثبات أن تعطيل صفات الله من أنواع الرأي الباطل، لأن الواجب إثبات ما أثبته الله لنفسه أو ما أثبته رسوله _صلى الله عليه وسلم_ من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل، ولا تكييف.

9- فيه: أن التحريف من أخطر وسائل الانحراف عن النصوص، إذ لا يُرد النص صراحة، ولكن يُفرَّغ من معناه الصحيح، فيبقى اللفظ ويضيع المقصود.

10- فيه: بيان أن البدع تنشأ غالبًا من آراء محدثة، فكل بدعة في الدين، أصلها: رأي مبتدع لم يدل عليه دليل شرعي.

11- فيه: أن البدع سبب لعموم البلاء في الأمة، لأنها تغيّر معالم الدين، وتُضعف التمسك بالسنة، فينتشر الجهل والفرقة.

12- فيه: أن البدع تؤدي إلى تغيير السنن واندثارها، فكلما ظهرت بدعة، ماتت في مقابلها سنة، كما قرره السلف.

13- فيه: الدعاء بالسلامة من الفتن منهج سلفي أصيل، حيث ختم الناظم بالدعاء، إشارة إلى أن النجاة من هذه الانحرافات بتوفيق الله.

14- فيه: أن السلف متفقون على ذم هذه الأنواع من الرأي، وهذا يدل على أن المسألة ليست محل خلاف معتبر، بل هي من أصول المنهج.

15- فيه: أهمية الرجوع إلى فهم السلف في مسائل الاعتقاد، لأنهم أعلم بالنصوص، وأصفى فهماً، وأبعد عن الأهواء.

16- فيه: تقسيم الباطل إلى أنواع يساعد على فهمه والتحذير منه، فالتفصيل يُعين على تشخيص الخطأ، وعدم الوقوع فيه.

17- فيه: أن الانحراف قد يكون صريحًا أو خفيًا، فبعضه ظاهر كمخالفة النص، وبعضه خفي كالتأويل والتحريف.

18- فيه: الجمع بين العلم والعمل في النصح، فالناظم لم يكتف بالتصنيف، بل قرنه بالتحذير والدعاء، وهذا من تمام النصيحة.

19- فيه: أن تقديم الرأي في باب الأسماء والصفات من أخطر أبواب الانحراف، لأنه متعلق بحق الله، وقد ضلّت فيه طوائف بسبب تقديم الرأي.

20- فيه: أن السلامة في لزوم النصوص وترك الأهواء، بيانها: فكلما كان العبد أقرب إلى النصوص، كان أبعد عن هذه الأنواع من الرأي الباطل.

 

هذه الأبيات ترسّخ قاعدة عظيمة: أن الدين يُؤخذ من الوحي بفهم السلف، وأن كل رأي يخرج عن هذا الأصل فهو على خطر عظيم، ولذلك كان السلف أشدّ الناس تحذيرًا من الرأي المجرّد عن الدليل.

 

................................

 

قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت أنواع الرأي المحمود التي تقدّمت

بيانها في "التحفة المرضيّة" أيضًا، فقلت:

أَنْوَاعُ الرَّأْيِ الْمَحْمُودِ

أَحَدُهَا رَأْيُ الصَّحَابَةِ الْكِرَامْ ... أَفْقَهُ الأمَّةِ وَقُدْوَةُ الأَنَامْ

أَبَرُّهَا قَلْبًا أَقَلُّ تَكْلِفَهْ ... قَدْ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ أَهْلُ مَعْرِفَهْ

وَعَرَفُوا تَأْوِيلَهُ وَفَهِمُوا ... مَقَاصِدَ الشَّرْعِ وَنِعْمَ الْمَغْنَمُ

فَرَأْيُهُمْ خَيْرٌ لَنَا مِنْ رَأْيِنَا ... وَكَيْفَ لَا وَقَدْ أَتَانَا عَلَنَا

أَيْ مِنْ قُلُوبٍ مُلِئَتْ إِيمَانَا ... وَحِكَمًا وَاتَّسَعَتْ إِيقَانَا

قُلُوبُهُمْ قَلْبً النَّبِيِّ شَاكَلَتْ ... وَسَائِطُ الْعُلُومِ عَنْهُمْ رُفِعَتْ

فَنَقَلُوا غَضًّا طَرِيًّا لَمْ يُشَبْ ... بِمَا يُدَنِّسُ نَقَاهُ مِنْ رِيَبْ

وَثَانِهَا الرَّأْيُ الَّذِي تُفَسَّرُ ... بِهِ النّصوصُ غَوْرُهَا يُبَعْثَرُ

ثَالِثُهَا الرَّأْيُ الَّذِي قَدْ أَجْمَعُوا ... عَلَيْهِ فَاكْتَسَى صَوَابًا يُقْطَعُ

رَابِعُهَا الرَّأْيُ الَّذِي أَتَاكَ مِنْ ... بُعَيْدِ بَحْثِكَ الشَّدِيدِ الْمُطْمَئِنّ

مِنَ الْكِتَابِ ثُمَّ سُنَّةٍ فَمَا ... الْخُلَفَا قَضَاؤُهُمْ بِهِ سَمَا

ثُمَّ بِمَا قَالَ الصّحَابُ الْبَرَرَهْ ... فَأَنْتَ بَعْدَ ذَا تَرَى مَا الْخِيَرَهْ؟

 

المعنى الإجمالي لهذه الأبيات:

 

بيّن الناظم  - عفا الله عنه - أنواع الرأي المحمود في الدين، وهو الرأي الصحيح المقبول الذي يُمدح صاحبه، لأنه قائم على أصول الشرع ومناهج السلف، بخلاف الرأي الباطل الذي سبق ذمّه.

 

* فبدأ ببيان أعظم هذه الأنواع، وهو رأي الصحابة الكرام _رضي الله عنهم_،

فقرر أنهم أفقه الأمة، وأكملها فهمًا، وأصدقها قصدًا، لأنهم شاهدوا نزول الوحي، وعرفوا أسباب التنزيل، وفهموا مقاصد الشريعة على وجهها الصحيح،

فكانت آراؤهم مبنية على علمٍ راسخ وإيمانٍ عميق. ولذلك أكّد الناظم _رحمه الله_ أن رأيهم مقدَّمٌ على آراء من بعدهم، لأنهم نقلوا الدين صافيًا نقيًا كما تلقّوه عن النبي صلى الله عليه وسلم_، دون تحريف ولا شبهة.

مثاله: اجتهاد عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى:

(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)، حيث فهم منها أنها نعيٌ لرسول الله _صلى الله عليه وسلم_ (أي اقتراب أجله)، مع أن ظاهرها فتح ونصر.

فهذا الفهم العميق مبني على شهود التنزيل ومعرفة المقاصد، ولذلك قُدّم رأيهم.

 

* ثم يذكر النوع الثاني: وهو الرأي الذي يُستعان به على تفسير النصوص وفهم معانيها، أي: الاجتهاد الصحيح المبني على العلم، الذي يكشف دقائق النصوص ويُظهر معانيها العميقة، لا الذي يعارضها.

مثاله: اجتهاد العلماء في تفسير قوله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»، فاستنبطوا منه قواعد فقهية عامة، مثل: إزالة الضرر، وتحريم الإضرار بالغير. فهذا رأي محمود لأنه خادم للنص، كاشف لمعناه، لا معارض له.

 

* ثم يذكر النوع الثالث: وهو الرأي الذي انعقد عليه إجماع العلماء، فيكون صوابًا مقطوعًا به، لا يُشك في صحته، لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة.

مثاله: إجماع العلماء على تحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها. فهذا الحكم صار مقطوعًا به، لأن الأمة أجمعت عليه، فلا يجوز مخالفته. ومثال آخر: إجماع الأمة على طهارة الماء إلا إن وقع عليه النجس، وتغير أحد أوصافه (أي: لونه أو ريحه أو طعمه) به.

 

* ثم يذكر النوع الرابع: وهو الرأي الاجتهادي المبني على البحث الصحيح، المستند إلى الكتاب والسنة، ثم إلى أقضية الخلفاء الراشدين، ثم إلى أقوال الصحابة، فهذا اجتهاد محمود لأنه منضبط بالأدلة، لا صادر عن هوى.

مثاله: اجتهاد الإمام الشافعي رحمه الله في مسائل فقهية لم يرد فيها نص صريح، كترتيب الأدلة، أو بعض مسائل البيوع، حيث بنى قوله على الكتاب ثم السنة ثم أقوال الصحابة.

البيان: هذا اجتهاد معتبر، لأنه منضبط بالأصول، صادر عن بحث عميق في الأدلة.

 

فهذه الأبيات تقرر أن الرأي المحمود هو ما كان تابعًا للوحي، مؤسسًا على فهم السلف، منضبطًا بالأدلة والإجماع، وأنه درجات أعلاها رأي الصحابة، ثم ما وافق النصوص وفسّرها، ثم ما أجمع عليه العلماء، ثم الاجتهاد المنضبط بأصول الشرع.

 

وهذه الأمثلة تبيّن أن الرأي المحمود ليس مجرد "تفكير شخصي"، بل هو علمٌ منضبط، يبدأ بفهم الصحابة، ثم تفسير النصوص، ثم مراعاة الإجماع، ثم الاجتهاد المبني على الأدلة. فكلما اقترب الرأي من هذه الأصول، كان أقرب إلى الصواب وأبعد عن الانحراف.

 

من فوائد الأبيات:

 

هذه الأبيات من جوامع الكلم في تقرير منهج السلف في الرأي المحمود، وفيها فوائد جليلة، نذكر طائفةً منها:

1- فيه: بيانُ شرفِ رأيِ الصحابةِ _رضي الله عنهم_، إذ جُعل رأيُهم مقدَّمًا، لكونهم أفقهَ الأمة، وأعلمَها بمراد الشارع، لما اختصّوا به من صحبة النبي ﷺ ومشاهدة التنزيل.

2- فيه: أنَّ صفاءَ القلبِ سببٌ في إصابةِ الحق، لقوله: «أبرّها قلبًا»، فدلّ على أن طهارة الباطن تورث نور الفهم، بخلاف من تكدّر قلبه بالشبهات.

3- فيه: ذمُّ التكلّفِ في فهم النصوص، لقوله: «أقل تكلفه»، فإنّ السلف كانوا أبعدَ الناس عن التعمّق المذموم، وأقربَهم إلى السداد.

4- فيه: أنَّ شهودَ أسبابِ النزول يعين على الفهم، لقوله: «قد شاهدوا التنزيل»، فمن عاين الوقائع أدرك من المعاني ما لا يدركه غيره.

5- فيه: إثباتُ أنَّ الصحابةَ أعلمُ بالتأويل الصحيح، لقوله: «وعرفوا تأويله»، أي: تفسيره الحق، لا التأويل المذموم المبني على الهوى.

6- فيه: أنَّ معرفةَ مقاصدِ الشرع أصلٌ في الفقه، لقوله: «وفهموا مقاصد الشرع»، فمن فاته هذا الأصل ضلّ في كثير من الفروع.

7- فيه: تقديمُ رأيِ الصحابةِ على من بعدهم، لقوله: «فرأيهم خير لنا من رأينا»، وهو أصلٌ عند أهل السنة في الترجيح.

8- فيه: أنَّ قوةَ الإيمان تورثُ سعةَ اليقين، لقوله: «ملئت إيمانًا...واتسعت إيقانًا»، فكلما قوي الإيمان ازداد اليقين.

9- فيه: بيانُ قربِ الصحابةِ من هدي النبي ﷺ، لقوله: «قلوبهم قلب النبي شاكلت»، أي وافقته في الإيمان والهدي.

10- فيه: شرفُ الأخذِ المباشر عن النبي ﷺ، لقوله: «وسائط العلوم عنهم رفعت»، فدلّ على علوّ إسنادهم وصفاء موردهم.

11- فيه: أنَّ العلمَ إذا كان قريبَ العهدِ كان أصفى، لقوله: «فنقلوا غضًّا طريًّا»، أي خاليًا من التحريف والتبديل.

12- فيه: التحذيرُ من الشبهات التي تُدنّس العلم، لقوله: «لم يُشب بما يُدنّس نقاه من ريب»، فالريب يفسد صفاء الفهم.

13- فيه: مشروعيةُ الاجتهادِ في تفسير النصوص، لقوله: «الرأي الذي تُفسَّر به النصوص»، وهو اجتهاد محمود إذا كان منضبطًا.

14- فيه: الحثُّ على التعمّق المحمود في الفهم، لقوله: «غوره يُبعثر»، أي: يستخرج عمق النص، لا ظاهرُه فقط.

15- فيه: حجيةُ الإجماع وكونُه قاطعًا للنزاع، لقوله: «قد أجمعوا عليه...صوابًا يُقطع»، فالإجماع حجة ملزمة.

16- فيه: مدحُ الاجتهاد المبني على البحث والتثبّت، لقوله: «من بعيد بحثك الشديد المطمئن»، أي: القائم على التحقيق، لا العجلة.

17- فيه: ترتيبُ الأدلة الشرعية في الاستدلال، فبدأ بالكتاب، ثم السنة، ثم أقضية الخلفاء، ثم أقوال الصحابة، وهذا ترتيب معتبر.

18- فيه: تعظيمُ قضاء الخلفاء الراشدين، لقوله: «فما الخلفاء قضاؤهم به سما»، أي ارتفع قدره واعتُدّ به.

19- فيه: الثناءُ على الصحابة بوصف البرّ، لقوله: «الصحاب البررة»، أي الجامعين للعلم والعمل.

20- فيه: أنَّ من سلك هذا المنهج، استغنى عن التخيّر المذموم، لقوله: «فأنت بعد ذا ترى ما الخيرة؟»، أي: لا يبقى له مجال لاتباع الهوى.

 

فهذه الأبيات تقرّر أنَّ الرأي المحمود هو ما انبنى على نور الوحي، وسار على طريقة السلف، واجتمع فيه صفاء المصدر، وصحة الفهم، وقوة اليقين، فمن تمسّك به نجا، ومن عدل عنه ضلّ وغوى.

 

 

Komentar

Postingan populer dari blog ini

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة