شرح الحديث 4 (بَابُ مَا جَاءَ فِي خَلْقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من الشمائل المحمدية

 

[4] – (4) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ:

«مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، لَهُ شَعْرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ، بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَمْ يَكُنْ بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ»

 

رواة الحديث:

 

* حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ (ثقة: ت. 239 هـ):

محمود بن غيلان العَدَوِيُّ مولاهم، أبو أحمد المروزي (نزيل بغداد)، كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خ م ت س ق 

 

* قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ثقة حافظ عابد: ت. 196 أو 197 هـ بـ فيد):

وكيع بن الجراح بن مليح الرُّؤاسي، أبو سفيان الكوفي (من قيس عيلان)، من صغار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة: ت. 161 هـ):

سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي (من ثور بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد)، المولود: سنة 97 هـ، من كبار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ (ثقة مكثر عابد، اختلط بأخرة: ت. 129 هـ بـ الكوفة):

عمرو بن عبد الله بن عبيد الهَمْدَاني، أبو إسحاق السبيعي الكوفي، من الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عن الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ (صحابي: ت. 72 هـ بـ الكوفة):

البراء بن عازب بن الحارث بن عَدِيّ الأنصاري الحارثي الأوسي، أبو عُمارة (ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو الطفيل)، المدني، روى له: خ م د ت س ق

 

نص الحديث وشرحه:

 

عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ:

«مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ[1] فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ[2]، لَهُ شَعْرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ[3]، بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ[4]، لَمْ يَكُنْ بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ[5]»

 

قال القاضي عياض _رحمه الله_ في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (7/ 304):

"قال الإمام [يعني: المازري]: قال شمر: الجمة أكبر من الوفرة، وهى الجمة إذا سقطت على المنكبين، والوفرة إلى شحمة الأذنين، واللمة هى التى ألمت بالمنكبين.

قال القاضى: وجميع هذه الألفاظ وتأليفها: أن ما يلى الأذن، هى التى تبلغ شحمة أذنيه، هو الذى بين أذنيه وعاتقه، وما خلفه منها هو الذى يضرب منكبيه. وقيل: بل ذلك لاختلاف الأوقات،

وإذا غفل عن تقصيرها بلغت المنكب، وإذا قصر كانت إلى أنصاف الأذنين، ويحسب ذلك بقصر وبطول. والعاتق: ما بين المنكب والعنق. وشحمة الأذن: ما لان من أسفلها، وهو معلق القرط.

ويوضح معنى اختلاف هذه الألفاظ ما جاء فى رواية الحربى: (كان شعر رسول الله _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ فوق الوفرة ودون الجمة)." اهـ[6]

 

وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (37/ 593):

"وقوله: (مِنْ ذِي لِمَّةٍ) بكسر اللام، وتشديد الميم،

قال الجزريّ في "النهاية":

(الجمة من شعر الرأس: ما سقط على المنكبين، واللِّمة من شعر الرأس: دون الجمة، سُمّيت بذلك؛ لأنها ألمَّت بالمنكبين، والوفرة من شعر الرأس: إذا وصل إلى شحمة الأذن). انتهى." اهـ

 

وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (37/ 593)

وقوله: (أَحْسَنَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-)

قال المجد: الحلة بالضم: إزار ورداء، بُرْدٌ أو غيره، ولا يكون حلة إلا من ثوبين، أو ثوب له بطانة. انتهى

 

وقال أبو العباس الفَيُّوْمِيُّ (المتوفى: نحو 770 هـ) _رحمه الله_ في "المصباح المنير في غريب الشرح الكبير" (1/ 110):

"وَ(الْجُمَّةُ) مِنْ الْإِنْسَانِ مُجْتَمَعُ شَعْرِ نَاصِيَتِهِ يُقَالُ هِيَ الَّتِي تَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ، وَالْجَمْعُ جُمَمٌ مِثْلُ: غُرْفَةٍ وَغُرَفٍ. وَجَمِمَتِ الشَّاةُ جَمَمًا مِنْ بَابِ (تَعِبَ) إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا قَرْنٌ. فَالذَّكَرُ أَجَمُّ، وَالْأُنْثَى جَمَّاءُ وَالْجَمْعُ جُمٌّ مِثْلُ: أَحْمَرَ وَحَمْرَاءَ وَحُمْرٍ." اهـ

 

وقال الفاكهاني _رحمه الله_ "رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام" (5/ 489):

"اللِّمَّة (بكسر اللام): الشَّعْرُ يُجاوز شحمةَ الأذن، فإذا بلغتِ المنكبين، فهي جُمَّة، والجمعُ: لِمَمٌ، ولِمَامٌ.

والحُلَّة: ثوبان.

والمنكِبُ: مجمَعُ عظمِ العَضُدِ والكَتِفِ." اهـ

 

وقال شيخنا عبد المحسن العباد _حفظه الله_ في "شرح سنن أبي داود" (470/ 3) بترقيم الشاملة:

"وقد أورد أبو داود جملة أحاديث تتعلق ببيان شعر الرسول _صلى الله عليه وسلم_، وأنه كان على هذه الأحوال الثلاث التي:

* هي: إلى شحمة الأذنين أو إلى الأذنين،

* ثم يليه إلى ما بين الكتفين: بين المنكبين وبين الأذنين،

* ثم ما كان إلى المنكبين، فهذه ثلاثة أحوال لشعر الرسول _صلى الله عليه وسلم_.

 

وفي "لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح" (9/ 266) لعبد الحق الدهلوي:

"وحلة كانت عليه _صلى اللَّه عليه وسلم_ من برود اليمن، فيه خطوط حمراء، ولذلك سميت "حمراء"، لا أنه كله أحمر. وغلط من توهم ذلك، كذا حققه المحدثون." اهـ

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

وصف البراء بن عازب _رضي الله عنه_ في هذا الحديث جمالَ منظر النبي _صلى الله عليه وسلم_ وهيئته الكاملة.

 

فذكر _رضي الله عنه_ أنه لم يرَ في حياته أحدًا له لِمَّةٌ – أيْ: شعرٌ يصل إلى المنكبين -، يرتدي حُلَّةً حمراء، أحسن ولا أبهى من رسول الله _صلى الله عليه وسلم_.

 

ثم وضّح البراء _رضي الله عنه_ أن شعره الشريف كان يصل إلى منكبيه، وأنه _صلى الله عليه وسلم_ كان بعيد ما بين المنكبين، وهي علامة قوة ووقار. وبيّن أنه كان متوسط القامة، لا بالطويل ولا بالقصير.

 

فالحديث يحكي صورةً تجمع جمال الشعر واللباس، وتناسق الخِلقة، وهيبة المنظر، مما يدل على أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ بلغ الغاية في الحسن والوقار والبهاء.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه الترمذي في "الشمائل المحمدية" – ط. المكتبة التجارية (ص: 30) (رقم: 4)، وفي "سننه" – ت. شاكر (4/ 219 و5/ 598) (رقم: 1724 و 3635)، ومسلم في "صحيحه" (4/ 1818/ 92) (رقم: 2337)، وأبو داود في "سننه" (4/ 81) (رقم: 4183)، والنسائي في "سننه" (8/ 183) (رقم: 5233)، وفي "السنن الكبرى" (8/ 320) (رقم: 9274)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (4/ 290 و 4/ 300) (رقم: 18558 و 18666)، والآجري في "الشريعة" (3/ 1495) (رقم: 1018).

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (3/ 1610) (رقم: 5783)

 

من فوائد الحديث:

 

وقال تاج الدين الفاكهاني (المتوفى: 734 هـ) _رحمه الله_ في "رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام" (5/ 489):

فيه: دليلٌ على توفيرِ الشعر، وفَرْقه.

قال القاضي أبو بكر: الشعرُ في الرأس زينةٌ، وفرقُه سُنَّةٌ، وحلقُه بدعةٌ، وحاله مذمومةٌ، جعلها النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- شعارَ الخوارج، قال في "الصحيح": "سِيمَاهُمُ التَّسْبِيدُ"، وهو الحَلْق." اهـ

 

وقال ابن دقيق العيد في "إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام" (2/ 295):

"فِيهِ: دَلِيلٌ عَلَى لُبْسِ الْأَحْمَرِ.

وَالْحُلَّةُ عِنْدَ الْعَرَبِ: ثَوْبَانِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَوْفِيرِ الشَّعَرِ.

وَهَذِهِ الْأُمُورُ الْخِلْقِيَّةُ الْمَنْقُولَةُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يُسْتَحَبُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي هَيْئَتِهَا وَمَا كَانَ ضَرُورِيًّا مِنْهَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِأَصْلِهِ اسْتِحْبَابٌ، بَلْ بِوَصْفِهِ.

 

وقال ابن العطار _رحمه الله_ في "العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام" (3/ 1656_1657):

"وفي الحديث دليل: على جواز لبس الأحمر.___

وفيه دليل: على اعتناء الصحابة -رضي الله عنهم- بضبط أحواله - صلى الله عليه وسلم - وهيئاته، ونقلِها إلى الناس تبركًا وتأسيًا.

وفيه: استحبابُ إرسال شعر الرأس للرجل. وكان لشعر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حالان؛ أحدهما: إلى المنكبين إذا طال. والثاني: إلى شحمة أذنيه إذا قصره، والله أعلم.

ويستحب الاقتداء به في هيئاته، وأموره الخلقية، وما كان منها ضروريًّا لم يتعلق به استحباب على وضعه. والله أعلم. اهـ

 

وقال عبد الله البسام _رحمه الله_ في "تيسير العلام شرح عمدة الأحكام" (ص: 731):

"ما يستفاد من الحديثين:

1- فيه جواز لبس الأحمر، وقد ورد النهي عنه، فحمله العلماء على محامل.

أحسنها ما قاله (شمس الدين بن القيم) : [إن المراد بالأحمر الذي لبسه النبي صلى الله عليه وسلم، الحبرة. وهو الذي فيه أعلام حمر، وأعلام بيض، وليس المراد الأحمر الخالص الذي نهى عنه] .

2- وفيه دليل على حسن توفير الرأس حتى يبلغ المنكبين أو فوقهما أو تحتهما قليلا، ففيه جمال واقتداء، وليس منه ما يفعله بعض الشباب اليوم برؤوسهم بقص بعضه وترك البعض الآخر، تلك المثلة التي يسمونها

[التواليت] فهذه بدعة مستقبحة ومثله مستبشعة، وهو القزع المكروه. ولكنه عمل الفرنج والمتفرنجة، وكفى بهم قدوة عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم في خَلْقِه وخُلُقِه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

3- في الحديث بيان خلْقِ النبي صلى الله عليه وسلم الظاهر من حسن الشعر ورحابة الصدر، وحسن القامة.

وحسن الْخَلْقِ عنوان حسن الْخلُق، وقد كمله الله تعالى بهما، صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً." اهـ

 

وقال أحمد بن يحيى النجمي في "تأسيس الأحكام بشرح عمدة الأحكام" (5/ 193):

"وصف البراء بن عازب _رضي الله عنه_ نبي الله _صلوات الله وسلامه عليه_ في هذا الحديث وصفاً يدل على حسنه وجماله وأنه كان جميل منظره يضاف ذلك إلى جميل مخبره صلوات الله وسلامه عليه الذي قال فيه ربه سبحانه وتعالى (وإنك لعلى خلق عظيم)." اهـ

 

وقال أحمد بن يحيى النجمي _رحمه الله_ في "تأسيس الأحكام بشرح عمدة الأحكام" (5/ 193_195):

"فقه الحديث:

أولاً: يؤخذ من هذا الحديث مشروعية اتخاذ اللمة وهو الشعر بأن يترك الإنسان شعره حتى يطول ويلم بالمنكب يعني يكاد يصل إليه

ثانياً: كان كعادة العرب له شعر طويل يؤخذ منه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توفي قبل أن يشيب وأن شعره كان أسود،

وقد جاء ذلك في بعض الأحاديث ( فعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ شَيْبُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَحْوَ عِشْرِينَ شَعَرَةً )

ثالثاً: يؤخذ من قوله في حلة حمراء مشروعية لبس الحلة. والحلة: إزار ورداء من البرود اليمنية وهو كما نقول: مصنف ولحاف___

رابعاً : وصف الحلة بأنها حمراء دليل على جواز لبس الأحمر،

وفي ذلك معارضة لأحاديث النهي عن لبس الأحمر لأنه قد ورد في النهي عن لبس الأحمر أحاديث لكن فيها ضعف، فمن أهل العلم من ضعفها أي الأحاديث التي فيها النهي

وقال بجواز لبس الأحمر من غير تحريم ولا كراهة وإلى ذلك مال الألباني رحمه الله ومن أهل العلم من جمع بين الأحاديث الواردة في النهي عن لبس الأحمر لأنه رأى أنها بمجموعها تصل إلى درجة الصحة.

وهؤلاء جمعوا بين هذه الأحاديث وبين حديث البراء بن عازب بأن حملوا النهي على ما كان أحمر صرفاً وحملوا الجواز على ما كان مخططاً بحمرة مع خطوط غيرها وهذا هو الأقرب في رأي .

خامساً: قوله أحسن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي لم أر أحداً أحسن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الجمال الذي شرحته

سادساً: قوله له شعر يضرب منكبه أي له شعر طويل يصل إلى منكبيه علماً بأن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قد وصفه بأن له شعر يبلغ شحمة الأذن وكانه عليه الصلوات والسلام يقصر شعره أحياناً ويتركه يطول أحياناً وهذا دليل على الجواز

سابعاً: يؤخذ من قوله بعيد ما بين المنكبين أنه - صلى الله عليه وسلم - كان عريض الصدر وقد وصف صلوات الله وسلامه عليه بأنه كان عظيم المشاش أو عظيم الكتد والمشاش هو رؤوس العظام والكتد مجتمع الكتفين

ثامناً: يؤخذ من قوله ليس بالقصير ولا بالطويل أنه رجل بين الرجلين أي لا يوصف بطول ولا قصر بل هو بين الطول والقصر

ملحوظة: تعرض الشارح ابن الملقن رحمه الله تعالى للسدل والفرق وقال وجاء عنه أنه سدل وأنه فرق وهو آخر الأمرين منه حتى جعله بعضهم نسخاً، فعلى هذا لا يجوز السدل واتخاذ اللمة ويحتمل أن يكون فرق ليرى الجواز أو للندب ولذلك اختلف السلف فيه والصحيح جوازهما واختيار الفرق أهـ___

أقول : هذا القول فيه نظر والقول الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سدل في أول أمره تأسياً بأهل الكتاب فلما هاجر إلى المدينة ونهاه الله عز وجل عن التأسي بأهل الكتاب أخذ الفرق الذي هو عادة العرب والفرق يكون في وسط الرأس من أوله إلى ما بين القرنين

أما ما يعمله بعض الناس الآن من الفرق من الجانب الأيسر في الرأس فهذا مذموم ومنهي عنه واذكر أنني قلت في صيحة حق

وفرق رأس جانباً في الأيسر تدعي بموضة سبيل المفتري

وعلى هذا فإن الواجب على أمة محمد رجالاً ونساءاً أن يفرقوا في الوسط ولا منافاة بين الفرق في الوسط واللمة بل يفرق في وسط الرأس ويكون له لمة أو جمة وبالله التوفيق .

ملحوظة أخرى : قال ابن الملقن رحمه الله كان من معجزاته - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يمشي معه أحد من الناس ينسب إلى الطول إلا طاله يعني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا مشى مع إنسان طويل يكون في طوله فإذا فارقه عاد إلى حاله

وأقول : هذا الكلام غير صحيح ولو كان كذلك لاشتهر هذا الأمر والنبي - صلى الله عليه وسلم - كل من وصفه يقول بأنه - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن ولا القصير ربعة بينهما وبالله التوفيق." اهـ كلام النجمي.

 

ملحق الفوائد:

 

هذا الحديث الشريف فيه فوائد عظيمة جدًا في جانب الشمائل المحمدية، وفيه من دقائق الوصف ما يُقرِّب صورة النبي _صلى الله عليه وسلم_ في القلوب، ويزيد المحبة له، ومن أهم الفوائد المستنبطة منه:

1_ فيه: إثبات عناية الصحابة الكرام بوصف النبي _صلى الله عليه وسلم_ حتى ينقلوه للأمة؛ لأن وصفه يزيد الإيمان والمحبة.

2_ فيه: إثبات جمال النبي _صلى الله عليه وسلم_ خَلقًا وخُلقًا، وأنه أجمل الناس صورة، حتى قال البراء: «ما رأيت...أحسن من رسول الله _صلى الله عليه وسلم_».

3_ فيه: جواز الثناء على النبي _صلى الله عليه وسلم_ بالوصف الحسي من غير غلو ولا تجاوز، بل على وجه التعظيم المشروع.

4_ فيه: بيان طول شعر النبي _صلى الله عليه وسلم_ وأنه كان يختلف باختلاف الأوقات، تارة إلى شحمة الأذنين (وفرة)، وتارة إلى ما بين الأذنين والمنكبين (لِمّة)، وتارة إلى المنكبين (جُمّة).

5_ فيه: إثبات التوسط والاعتدال في خلقته _صلى الله عليه وسلم_، فلم يكن بالطويل جدًا ولا بالقصير جدًا، بل وسطًا، وهو أكمل الأحوال.

6_ فيه: بيان سَعة ما بين منكبيه _صلى الله عليه وسلم_، وهو من دلائل قوته وبنيته الكاملة، وفيه دلالة على كمال الرجولة.

7_ فيه: جواز لبس الحُلّة الحمراء، والمقصود ما فيه خطوط أو نقوش حمراء، لا أن الثوب كله أحمر خالص.

8_ فيه: دلالة على جواز لبس الثياب المزينة بالألوان إذا لم تكن من ثياب الشهرة أو التشبه بالكفار.

9_ فيه: معرفة ألفاظ الشعر: الوفرة، واللِّمّة، والجُمّة، وكلها واردة في وصف شعر النبي _صلى الله عليه وسلم_.

10_ فيه: أن شعره الشريف كان طبيعيًا يتركه ينمو، وليس متكلّفًا، مما يوافق الفطرة.

11_ في الحديث: شاهد على التواضع النبوي؛ فلم يكن يتكلف هيئة خاصة، بل هيئته طبيعية ومع ذلك هي أجمل هيئة.

12_ فيه: دلالة على أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ جمع بين جمال الباطن والظاهر، وهذا من أعظم ما يرسخ المحبة في القلوب.

13_ فيه: بيان أن الوصف الظاهري يزيد المعرفة به _صلى الله عليه وسلم_ لمن لم يره، وكأنه حاضر أمام القارئ.

14_ فيه: إظهار كمال الخَلق والخُلق معًا، فخَلقه حسن، وخُلقه أحسن، قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]

15_ فيه: جواز لبس الحُلّة (إزار ورداء)، إن كانت من غير الحرير للرجال، ففيه فقه في اللباس.

16_ فيه: رد على من زعم أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان لا يهتم بالهيئة، بل كان يهتم بها من غير تكلف ولا إسراف.

17_ فيه: مشروعية نقل الصفات النبوية كما هي من غير زيادة أو نقص، وهذا من كمال الأمانة.

18_ فيه: إظهار عظمة النعمة ببعثته _صلى الله عليه وسلم_؛ فكما أنه أكملُ الناسِ في الدين والخلق، فهو أيضًا أكملهم في الصورة.

 

 

 

 



[1] (مِنْ ذِي لِمَّةٍ)، اللِّمَّة: بكسر اللام وتشديد الميم. بيَّن العلماء أنها شعر الرأس إذا جاوز شحمة الأذن ولم يبلغ المنكبين.

فالحاصل: أن الوفرة: إلى شحمة الأذن، اللِّمَّة: بين شحمة الأذن والمنكبين، الجُمَّة: ما بلغ المنكبين

[2] (فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ)، الحُلَّة: ثوبان من إزار ورداء، كما قال المجد والفاكهاني. لا تُسمّى حُلّة إلا إذا كانت مكوَّنة من قطعتين. أما وصفها بـ حمراء: فليس المراد أنها حمراء خالصة، بل كما قال عبد الحق الدهلوي: كانت من برود اليمن فيها خطوط حمراء، فسُمِّيت حمراء لذلك. إذًا: الحُلّة الحمراء = ثوبان فيهما خطوط أو نقوش حمراء، لا أنه أحمر صرفًا.

[3] (لَهُ شَعْرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ)، أي: يصل شعره إلى منكبيه ويمسّهما. وهذا يوافق ما قاله القاضي عياض: ما خلف الأذن من الشعر هو الذي يضرب المنكبين. والمعنى: أن شعره _صلى الله عليه وسلم_كان أحيانًا يبلغ المنكبين.

[4] (بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ)، المنكب: مجتمع عظم العضد والكتف. والمعنى: أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان عريض المنكبين، وهذا من كمال الخِلقة والقوة.

[5] (لَمْ يَكُنْ بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ)، أي كان _صلى الله عليه وسلم_ معتدل القامة: ليس قصيرًا مُزريًا، ولا طويلًا مفرطًا. وهذا من كمال الاعتدال في خَلقه _صلى الله عليه وسلم_.

[6] بيَّن القاضي عياض أن اختلاف هذه الألفاظ له تفسيران:

* اختلاف الأحوال: فأحيانًا يقصر شعره فيكون وفرة، وأحيانًا يطول فيكون لِمّة أو جُمّة

* اختلاف الأوصاف بحسب النظر: فما يلي الأذن، فهو وفرة، ما بين الأذن والمنكب، فهو لِمّة، وما وصل المنكب، فهو جُمّة

Komentar

Postingan populer dari blog ini

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة