شرح الحديث 3 (بَابُ مَا جَاءَ فِي خَلْقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من الشمائل المحمدية

 

[3] – (3) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ:

«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مَرْبُوعًا بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، عَظِيمَ الْجُمَّةِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ الْيُسْرَى، عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ»

 

رواة الحديث:

 

* حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ (ثقة: ت. 252 هـ بـ البصرة):

محمد بن بشار بن عثمان العبدي، أبو بكر البصري، الملقب "بُنْدَار"، المولود: سنة  167 هـ، كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خ م د ت س ق

 

* قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ثقة صحيح الكتاب إلا أن فيه غفلة: ت. 293 هـ أو 294 هـ):

محمد بن جعفر الهذلي مولاهم، أبو عبد الله البصري، المعروف بـ"غندر" (صاحب الكرابيس، وكان ربيبَ شعبة)، من صغار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ثقة حافظ متقن: ت. 160 هـ بـ البصرة):

شعبة بن الحجاج بن الورد العَتَكي مولاهم الأزدي، أبو بسطام الواسطي ثم البصري (مولى عبدة بن الأغر مولى يزيد بن المهلب)، من كبار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ (ثقة مكثر عابد، اختلط بأخرة: ت. 129 هـ بـ الكوفة):

عمرو بن عبد الله بن عبيد الهَمْدَاني، أبو إسحاق السبيعي الكوفي، من الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ (صحابي: ت. 72 هـ بـ الكوفة):

البراء بن عازب بن الحارث بن عَدِيّ الأنصاري الحارثي الأوسي، أبو عُمارة (ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو الطفيل)، المدني، روى له: خ م د ت س ق

 

نص الحديث وشرحه:

 

قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ:

«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ رَجُلًا مَرْبُوعًا بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، عَظِيمَ الْجُمَّةِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ الْيُسْرَى، عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ»

 

قول: (مربوعا) معتدل الطول. (بعيد ما بين المنكبين) عريض أعلى الظهر والمنكبان مثنى منكب، وهو ملتقى العضد بالكتف. (شحمة أذنه) ما لان من أسفل أذنه. (حلة) ثوبين من نوع واحد وتطلق على الثوب الجيد الجديد

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

وصف البراء بن عازب _رضي الله عنه_ في هذا الحديث جمال خِلقة النبي _صلى الله عليه وسلم_ وهيئته البهية. فأخبر أنه كان مربوع القامة؛ متوسطًا، لا بالطويل ولا بالقصير، وأنه _صلى الله عليه وسلم_ كان عريض المنكبين، وهي علامة قوة وهيبة.

 

كما ذكر أيضا أن جُمَّته - أي شعر رأسه - كانت طويلة تصل إلى شحمة أذنه، مما يزيده وقارًا وجمالًا.

 

وأشار البراء _رضي الله عنه_ إلى أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان يرتدي حُلَّةً حمراء في ذلك الموقف، وهي من أجمل ما يُلبس، فزادته بهاءً على بهائه.

 

ثم ختم البراء _رضي الله عنه_ بقوله المؤثر: «ما رأيت شيئًا قط أحسن منه»،

وهو تعبير عن إعجابه الشديد بجمال النبي _صلى الله عليه وسلم_ الخَلْقي، وأنه لم يرَ في حياته منظرًا يفوق جماله _صلى الله عليه وسلم_.

 

فالحديث يبيّن باختصار كمال هيئة النبي _صلى الله عليه وسلم_ وجمال صورته ولطف منظره بحيث لا يشبهه أحد في الحسن.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه الترمذي في "الشمائل المحمدية" – ط. المكتبة التجارية (ص: 30 و 48) (رقم: 3 و 26)، وفي "العلل الكبير" = "ترتيب علل الترمذي الكبير" (ص: 344) (رقم: 638)، والبخاري في "صحيحه" (4/ 188) (رقم: 3551)، ومسلم في "صحيحه" (4/ 1818/ 91) (رقم: 2337)، والنسائي في "سننه" (8/ 183) (رقم: 5232)، وفي "السنن الكبرى" (8/ 320) (رقم: 9277)، وأبو داود الطيالسي في "مسنده" (2/ 92) (رقم: 757)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (4/ 281) (رقم: 18473)، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده" (3/ 262) (رقم: 1714)، والروياني في "مسنده" (1/ 228) (رقم:320)، وابن حبان (14/ 195) (رقم: 6284)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (8/ 433) (رقم: 6053)، وفي "دلائل النبوة" – ت. عبد المعطي قلعجي (1/ 222 و 1/ 240).

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "مختصر الشمائل" (ص: 14) (رقم: 3)، و"تخريج مشكاة المصابيح" (3/ 1610) (رقم: 5783)، "التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (9/ 104) (رقم: 6251)

 

من فوائد الحديث :

 

قال ابن رجب _رحمه الله_ في كتابه "فتح الباري" (2/ 436):

"فدل على جواز الصلاة في الثوب الأحمر.

قال أبو عبيد: الخلة: برود اليمن من مواضع مختلفة منها. قال: والحلة إزار ورداء، لا يسمى حلة حتى يكون ثوبين. انتهى." اهـ

 

وقال ابن حجر _رحمه الله_ في كتابه "فتح الباري" (10/ 305) :

"وَقَدْ تَلَخَّصَ لَنَا مِنْ أَقْوَالِ السَّلَفِ فِي لُبْسِ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ :

الْأَوَّلُ : الْجَوَازُ مُطْلَقًا، جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَالْبَرَاءِ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَأَبِي قِلَابَةَ وَأَبِي وَائِلٍ وَطَائِفَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ.

الْقَوْلُ الثَّانِي : الْمَنْعُ مُطْلَقًا،

* لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيّ وَأخرج بن ماجة من حَدِيث بن عُمَرَ : "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُفَدَّمِ (وَهُوَ بِالْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ)، وَهُوَ الْمُشْبَعُ بِالْعُصْفُرِ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ،

* وَعَنْ عُمَرَ : "أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى عَلَى الرَّجُلِ ثَوْبًا مُعَصْفَرًا جَذَبَهُ وَقَالَ دَعُوا هَذَا___للنِّسَاء." أخرجه الطَّبَرِيّ

* وَأخرج بن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ : "الْحُمْرَةُ مِنْ زِينَةِ الشَّيْطَانِ، وَالشَّيْطَانُ يُحِبُّ الْحُمْرَةَ."

وَصَلَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَدِيٍّ وَمَنْ طَرِيقِ الْبَيْهَقِيِّ فِي الشُّعَبِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ رَافِعِ بْنِ يَزِيدَ الثَّقَفِيِّ رَفَعَهُ : "أَنَّ الشَّيْطَانَ يُحِبُّ الْحُمْرَةَ وَإِيَّاكُمْ وَالْحُمْرَةَ وَكُلَّ ثَوْبٍ ذِي شهرة وَأخرجه بن مَنْدَهْ وَأَدْخَلَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ بَيْنَ الْحَسَنِ وَرَافِعٍ رَجُلًا، فَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ، وَبَالَغَ الْجَوْزَقَانِيُّ فَقَالَ : "إِنَّهُ بَاطِلٌ."

وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى كِتَابِ الْجَوْزَقَانِيِّ الْمَذْكُور، وترجمه بالأباطيل وَهُوَ بِخَط بن الْجَوْزِيِّ، وَقَدْ تَبِعَهُ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي أَكْثَرِ كِتَابِهِ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ فَأَصَابَ.

* وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : "مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ رَجُلٌ، وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحْمَرَانِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_." أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْبَزَّارُ، وَقَالَ : "لَا نَعْلَمُهُ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِيهِ أَبُو يَحْيَى الْقَتَّاتُ، مُخْتَلَفٌ فِيهِ."

* وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ فِي سَفَرٍ، فَرَأَى عَلَى رَوَاحِلِنَا أَكْسِيَةً فِيهَا خُطُوطُ عِهْنٍ حُمْرٌ، فَقَالَ : "أَلَا أَرَى هَذِهِ الْحُمْرَةَ قَدْ غَلَبَتْكُمْ؟"

قَالَ : فَقُمْنَا سِرَاعًا فَنَزَعْنَاهَا حَتَّى نَفَرَ بَعْضُ إِبِلنَا." أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِي سَنَدِهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ،

* وَعَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ قَالَتْ : "كُنْتُ عِنْدَ زَيْنَبَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَنَحْنُ نَصْبُغُ ثِيَابًا لَهَا بِمَغْرَةٍ إِذْ طَلَعَ النَّبِيُّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَلَمَّا رَأَى الْمَغْرَةَ رَجَعَ. فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ زَيْنَبُ غَسَلَتْ ثِيَابَهَا، وَوَارَتْ كُلَّ حُمْرَةٍ. فَجَاءَ فَدَخَلَ." أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ.

الْقَوْلُ الثَّالِثُ : يُكْرَهُ لُبْسُ الثَّوْبِ الْمُشْبَعِ بِالْحُمْرَةِ دُونَ مَا كَانَ صَبْغُهُ خَفِيفًا،

جَاءَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجاهد وَكَأن الْحجَّة فِيهِ حَدِيث بن عُمَرَ الْمَذْكُورُ قَرِيبًا فِي الْمُفَدَّمِ،

الْقَوْلُ الرَّابِعُ : يُكْرَهُ لُبْسُ الْأَحْمَرِ مُطْلَقًا لِقَصْدِ الزِّينَةِ وَالشُّهْرَةِ، وَيَجُوزُ فِي الْبُيُوتِ وَالْمِهْنَةِ.

جَاءَ ذَلِكَ عَنِ بن عَبَّاسٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي بَابِ التَّزَعْفُرِ.

الْقَوْلُ الْخَامِسُ : يَجُوزُ لُبْسُ مَا كَانَ صُبِغَ غَزْلُهُ ثُمَّ نُسِجَ وَيُمْنَعُ مَا صُبِغَ بَعْدَ النَّسْجِ.

جَنَحَ إِلَى ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْحُلَّةَ الْوَارِدَةَ فِي الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي لُبْسِهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ الْحُلَّةُ الْحَمْرَاءُ، إِحْدَى حُلَلِ الْيَمَنِ. وَكَذَلِكَ الْبُرْدُ الْأَحْمَرُ وَبُرُودُ الْيَمَنِ يُصْبَغُ غَزْلُهَا ثُمَّ يُنْسَجُ.

الْقَوْلُ السَّادِسُ : اخْتِصَاصُ النَّهْيِ بِمَا يُصْبَغُ بِالْمُعَصْفَرِ[1]،

لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ وَلَا يُمْنَعُ مَا صُبِغَ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَصْبَاغِ،

وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ الْمُتَقَدِّمُ.

الْقَوْلُ السَّابِعُ : تَخْصِيصُ الْمَنْعِ بِالثَّوْبِ الَّذِي يُصْبَغُ كُلُّهُ، وَأَمَّا مَا فِيهِ لَوْنٌ آخَرُ غَيْرُ الْأَحْمَرِ مِنْ بَيَاضٍ وَسَوَادٍ وَغَيْرِهِمَا، فَلَا!

وَعَلَى ذَلِكَ تُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ، فَإِنَّ الْحُلَلَ الْيَمَانِيَّةَ غَالِبًا تَكُونُ ذَاتَ خُطُوطٍ حُمْرٍ وَغَيرهَا.

قَالَ بن الْقَيِّمِ: "كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَلْبَسُ ثَوْبًا مُشْبَعًا بِالْحُمْرَةِ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَتْبَعُ السُّنَّةَ وَهُوَ غَلَطٌ فَإِنَّ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ وَالْبُرْدُ لَا يُصْبَغُ أَحْمَرَ صِرْفًا كَذَا قَالَ وَقَالَ الطَّبَرِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ غَالِبَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّذِي أَرَاهُ جَوَازُ لُبْسِ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ بِكُلِّ لَوْنٍ إِلَّا أَنِّي لَا أُحِبُّ لُبْسَ مَا كَانَ مُشْبَعًا بِالْحُمْرَةِ وَلَا لُبْسَ الْأَحْمَرِ مُطْلَقًا ظَاهِرًا فَوْقَ الثِّيَابِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ لِبَاسِ أَهْلِ الْمُرُوءَةِ فِي زَمَانِنَا، فَإِنَّ مُرَاعَاةَ زِيِّ الزَّمَانِ مِنَ الْمُرُوءَةِ مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا وَفِي مُخَالَفَةِ الزِّيِّ ضَرْبٌ مِنَ الشُّهْرَةِ."[2]

وَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُلَخَّصَ مِنْهُ قَوْلٌ ثَامِنٌ،

وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ : أَنَّ النَّهْيَ عَنْ لُبْسِ الْأَحْمَرِ إِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لُبْسُ الْكُفَّارِ فَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ كَمَا سَيَأْتِي،[3]

وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ زِيُّ النِّسَاءِ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الزَّجْرِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ لَا لِذَاتِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ الشُّهْرَةِ أَوْ خَرْمِ الْمُرُوءَةِ فَيُمْنَعُ حَيْثُ يَقَعُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَيَقْوَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ المحافل والبيوت." اهـ

 

وقال القاضي عياض _رحمه الله_ في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (7/ 307):

وقوله: (في حلة حمراء): حجة لجواز لباس الثياب الحمر[4] والصبغ بالحمرة، وقد تقدم منه فى اللباس." اهـ

 

وقال ابن بطال _رحمه الله_ في "شرح صحيح البخاري" (2/ 39) :

"قال المهلب :

"فيه إباحة لباس الحمرة فى الثياب، والرد على من كره ذلك وأنه يجوز لباس الثياب الملونة للسيد الكبير والزاهد فى الدنيا،

والحمرة أشهر الملونات وأجل الزينة فى الدنيا، وقد قيل فى قوله تعالى: (فخرج على قومه فى زينته) [القصص: 79]، أنه خرج فى ثياب حُمر،

ويؤيد هذا قوله تعالى: (قل من حرم زينة الله) [الأعراف: 32] ،

فدخل فيه كل___زينة مباحة، وسيأتى قول من كره لباس الثياب الحمر، ومن أجازها فى كتاب اللباس إن شاء الله." اهـ

 

وقال ابن دقيق العيد القشيري _رحمه الله_ في "إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام" (2/ 295):

"فِيهِ: دَلِيلٌ عَلَى لُبْسِ الْأَحْمَرِ. وَالْحُلَّةُ عِنْدَ الْعَرَبِ: ثَوْبَانِ.

وَفِيهِ: دَلِيلٌ عَلَى تَوْفِيرِ الشَّعَرِ. وَهَذِهِ الْأُمُورُ الْخِلْقِيَّةُ الْمَنْقُولَةُ عَنْ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، يُسْتَحَبُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي هَيْئَتِهَا وَمَا كَانَ ضَرُورِيًّا مِنْهَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِأَصْلِهِ اسْتِحْبَابٌ، بَلْ بِوَصْفِهِ." اهـ

 

وقال ابن العطار _رحمه الله_ في "العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام" (3/ 1656_1657)

وفي الحديث دليل: على جواز لبس الأحمر.___

وأما الأحاديث الواردة في المنع من الثياب الحمر للرجال في "سنن أبي داود" وغيره، ففي أسانيدها مقال، ولو ثبتت، لكانت محمولة على خلاف الأولى، والله أعلم.

وفيه دليل: على اعتناء الصحابة -رضي الله عنهم- بضبط أحواله - صلى الله عليه وسلم - وهيئاته، ونقلِها إلى الناس تبركًا وتأسيًا.

وفيه: استحبابُ إرسال شعر الرأس للرجل. وكان لشعر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حالان؛ أحدهما: إلى المنكبين إذا طال. والثاني: إلى شحمة أذنيه إذا قصره، والله أعلم.

ويستحب الاقتداء به في هيئاته، وأموره الخلقية، وما كان منها ضروريًّا لم يتعلق به استحباب على وضعه. والله أعلم." اهـ

 

وقال أبو حفص الفاكهاني _رحمه الله_ في "رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام" (5/ 489)

فيه: دليلٌ على توفيرِ الشعر، وفَرْقه.

قال القاضي أبو بكر: الشعرُ في الرأس زينةٌ، وفرقُه سُنَّةٌ، وحلقُه بدعةٌ، وحاله مذمومةٌ، جعلها النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- شعارَ الخوارج، قال في "الصحيح": "سِيمَاهُمُ التَّسْبِيدُ"[5]، وهو الحَلْق.[6]

 

وقال عبد الله البسام _رحمه الله_ في "تيسير العلام شرح عمدة الأحكام" (ص: 731)

"ما يستفاد من الحديثين:

1- فيه جواز لبس الأحمر، وقد ورد النهي عنه، فحمله العلماء على محامل.

أحسنها ما قاله شمس الدين بن القيم:

(إن المراد بالأحمر الذي لبسه النبي صلى الله عليه وسلم، الحبرة. وهو الذي فيه أعلام حمر، وأعلام بيض، وليس المراد الأحمر الخالص الذي نهى عنه). .

2- وفيه دليل على حسن توفير الرأس حتى يبلغ المنكبين أو فوقهما أو تحتهما قليلا، ففيه جمال واقتداء، وليس منه ما يفعله بعض الشباب اليوم برؤوسهم بقص بعضه وترك البعض الآخر، تلك المثلة التي يسمونها "التواليت"،

فهذه بدعة مستقبحة ومثله مستبشعة، وهو القزع المكروه. ولكنه عمل الفرنج والمتفرنجة، وكفى بهم قدوة عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم في خَلْقِه وخُلُقِه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

3- في الحديث بيان خلْقِ النبي صلى الله عليه وسلم الظاهر من حسن الشعر ورحابة الصدر، وحسن القامة.

وحسن الْخَلْقِ عنوان حسن الْخلُق، وقد كمله الله تعالى بهما، صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً." اهـ

 

وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (38/ 33):

"فِي فوائده:

(منها) : ما ترجم له المصنّف _رحمه الله تعالى_، وهو بيان جواز اتّخاذ الشعر، فقد اتّخذ -صلى الله عليه وسلم- جمّة، وهو ما نزل منْ شعر الرأس عَلَى المنكبين.

(ومنها) : ما كَانَ عليه النبيّ -صلى الله عليه وسلم- منْ الجمال، فقد قَالَ الصحابيّ: لم أر قبله، ولا بعده مثله -صلى الله عليه وسلم-.

(ومنها): جواز لبس الحلّة، وهي البرود اليمنية، وتقدّم أنها لا تكون إلا ثوبين، منْ جنس واحد. (ومنها): جواز لبس الأحمر، وفيه خلاف للعلماء، يأتي تحقيقه فِي باب "لبس الحلل" 93/ 5316 - إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل." اهـ

 

وقال محمد الأمين الأرمي _رحمه الله_ في "الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم" (23/ 181)

وفيه : دليل على جواز لبس الأحمر من الثياب،

وقد أخطأ من كره لبسه مطلقًا غير أنه قد يختص بلبسه في بعض الأوقات أهل الفسق والبطالة والمجون فحينئذٍ يكره لأنه إذ ذاك تشبه بهم،

وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من تشبه بقوم فهو منهم" رواه أبو داود [4031]،

لكن ليس هذا مخصوصًا بالحمرة، بل هو جار في كل الألوان والأحوال حتى لو اختص أهل الظلم والفسق بشيء مما أصله سنة كالخاتم والخضاب والفَرْقِ لكان ينبغي لأهل الدين أن لا يتشبهوا بهم مخافة الوقوع فيما كرهه الشرع من التشه بأهل الفسق،

ولأنه قد يظن به من لا يعرفه أنه منهم فيعتقد فيه ذلك وينسبه إليهم فيظن به ظن السوء فيأثم الظان بذلك والمظنون به بسبب المعونة عليه اهـ من المفهم." اهـ

 

وفي "صحيح ابن حبان" (14/ 195): "بَابُ مِنْ صِفَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْبَارِهِ". اهـ

 

وفي "الشريعة" للآجري (3/ 1493):

"بَابُ صِفَةِ خَلْقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْلَاقِهِ الْحَمِيدَةِ الْجَمِيلَةِ الَّتِي خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا." اهـ

 

وفي "دلائل النبوة" للبيهقي (1/ 219)

بَابُ صِفَةِ شَعْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

 

وقال ابن دقيق العيد _رحمه الله_ في "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" (10/ 219):

"سادسها: في استحباب إرسال الشعر للرجال، وكان لشعر سيدي رسول الله - صلي الله عليه وسلم - حالتان: حالة إلى المنكبين إذا طال وأخرى إلى شحمة أذنه إذا قصره،

قال القاضي عياض:

وقد جاء أنه عليه الصلاة والسلام كانت له لمة، فإن انفرقت فرقها، وإلَّا تركها، قال : وقد اختلف السلف في تفريق الشعر، ففرق منهم جماعة، واتخذ اللمة منهم آخرون، وهي الشعر الذي يلم بالمنكبين، قال: وجاء عنه أنه سدل، وأنه فرق، وهو آخر الأمرين منه، حتى جعله بعضهم نسخًا، فعلى هذا لا يجوز السدل واتخاذ اللمة، ويحتمل أن يكون فرق ليرى الجواز أو للندب، ولذلك اختلف السلف فيه، والصحيح جوازهما واختيار الفرق.

سابعها: فيه توفير الشعر، وهذه الأمور الخلقية المنقوله عن الشارع، فيستحب الاقتداء به في هيئتها، وما كان ضروريَّا منها لم يتعلق بأصله استحباب بل بوصفه." اهـ

 

وقال الشيخ ابن باز _رحمه الله_ في "الإفهام في شرح عمدة الأحكام" (ص: 781):

"هذا يدل على أنه لا بأس بلبس الحلل إذا كانت من الملابس الحمر, فالأحمر لا بأس به، والأسود والأخضر والأزرق, لكن أفضلها البياض، أفضل الملابس البياض، والأنواع الثانية لا بأس بها، لا بأس أن يلبس أزرقَ، أو أخضرَ، أو أحمرَ، أو أسودَ، كما في هذا الحديث, كان عليه - صلى الله عليه وسلم - حلة حمراء.

 

ملحق الفوائد:

 

هذا الحديث العظيم من الشمائل المحمدية فيه فوائد كثيرة في جانب معرفة شمائل النبي _صلى الله عليه وسلم_، ومن أبرز الفوائد:

1_ فيه: إثبات صفة التوسّط والاعتدال في خلقته _صلى الله عليه وسلم_، فقد كان "مربوعًا"، أي ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، بل في أعدل المقادير، وهذا من كمال خَلقه.

2_ فيه: قوة بنيته _صلى الله عليه وسلم_ لقوله: "بعيد ما بين المنكبين"، وهو دليل على السعة والقوة، والرجولة التامة.

3_ فيه: حسن شعره _صلى الله عليه وسلم_ وجمال هيئته: لقوله "عظيم الجُمّة"، أي كثرة الشعر وتمامه، حتى بلغ شحمة أذنه، مما يدل على اعتناء الصحابة بوصفه _صلى الله عليه وسلم_ أدقّ الوصف.

4_ فيه: مشروعية العناية بالهيئة الظاهرة من غير تكلف ولا إسراف، إذ وُصف _صلى الله عليه وسلم_ بما يدل على جمال المظهر ونظافته من غير تكبّر.

5_ فيه: جواز لُبس الأحمر، لقول البراء: "عليه حلة حمراء"،

وقد بيّن أهل العلم أن المراد ثوب فيه خطوط حمراء أو منسوج بخيوط حمراء، لا الحمرة الصافية المنهي عنها للرجال.

6_ فيه: كمال جماله _صلى الله عليه وسلم_ وحسن صورته، إذ قال البراء: "ما رأيت شيئًا قط أحسن منه"، وهذه شهادة من الصحابة على أنه أجمل الخلْق وجهًا وهيئة.

7_ فيه: مشروعية الثناء على النبي _صلى الله عليه وسلم_ بوصف شمائله، فإن الصحابة كانوا يصفونه وصفًا دقيقًا ليزداد الناس به معرفةً ومحبةً.

8_ فيه: زيادة محبة المؤمن للنبي _صلى الله عليه وسلم_ كلما ازداد معرفةً بصفاته، إذ وصف جماله وكمال هيئته مما يملأ القلب شوقًا ومحبةً له ﷺ.

9_ فيه: إظهار المعجزة في جمعه _صلى الله عليه وسلم_ بين جمال الخَلق والخُلق، فقد جمع بين الصورة البهيّة والأخلاق الزكية، وهو أمر لم يُعطَ لأحد قبله ولا بعده.

10_ فيه: دلالة على صدقِ الصحابة في النقل والأمانةِ في الوصف حيث وصفوه أدق وصفٍ حتى في طول الشعر ولون الثوب.

11_ فيه: حرص الأمة على توثيق صورة نبيها _صلى الله عليه وسلم_ حتى تبقى محفوظة في القلوب والكتب، لتكون باعثًا على الاقتداء بهديه.

12_ فيه: إشارة إلى أن الحسن الظاهري نعمةٌ من الله، ولكن الحسن الأكمل هو ما اجتمع فيه مع كمال الباطن كما اجتمع في رسول الله _صلى الله عليه وسلم_.

13_ فيه: تقرير على أن الجمال الحقيقي ما اقترن بالوقار والهيبة، فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ لم يكن جميلاً فقط، بل كان جميلاً مهابا، وهذا من دلائل نبوته.



[1]  قلت : هذا هو الراجح، ذهب إليه الشوكاني _رحمه الله_ في السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار (ص: 102) :

"أقول : هذا المقام من المعارك والحق أنه يتوجه النهي عن المعصفر إلي نوع خاص من الأحمر وهو المصبوغ بالعصفر لأن العصفر يصبغ صباغا أحمر فما كان من الأحمر مصبوغا بالعصفر فالنهي متوجه إليه وما كان من الأحيمر غير مصبوغ بالعصفر فليس جائزا وعليه يحمل ما صح عنه صلى الله عليه وسلم من أنه لبس الحلة الحمراء وقد أطلنا الكلام في شرحنا للمنتفى على هذا البحث وذكرنا الأحاديث المختلفة والكلام عليها والجمع بينها فليرجع إليه." اهـ

وفي ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (39/ 63) للشيخ محمد بن علي بن آدم الأثيوبي :

"قَالَ الجامع _عفا الله تعالى عنه_ : الأرجح عندي ما ذهب إليه الشافعيّة، والمالكيّة، وبعض أهل العلم منْ جواز لبس الأحمر، إلا ما ورد النصّ الصحيح بتحريمه، كالميثرة الحمراء، فيحرم، وأما غير ما ورد به النصّ، فجائزٌ لبسه، للأحاديث الصحيحة الكثيرة منْ كونه -صلى الله عليه وسلم- لبس الحلة الحمراء، والأحاديث التي أوردها المانعون لا تصحّ، كما سبق لك بيان ذلك، وعلى تقدير صحّتها، فيُحمل النهي فيها عَلَى التنزيه؛ جمعًا بين الأدلّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". اهـ

وفي تحفة الأحوذي (5/ 321) : "قُلْتُ : الرَّاجِحُ عِنْدِي مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ هُوَ الْقَوْلُ السَّادِسُ." اهـ

[2]  وفي نيل الأوطار (2/ 114) :

"وَالْوَاجِبُ الْحَمْلُ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ الْحَمْرَاءُ الْبَحْتُ، وَالْمَصِيرُ إلَى الْمَجَازِ أَعْنِي كَوْنَ بَعْضِهَا أَحْمَرَ دُونَ بَعْضٍ لَا يُحْمَلُ ذَلِكَ الْوَصْفُ عَلَيْهِ إلَّا لِمُوجِبٍ.

فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَى الْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ لُغَةٌ فَلَيْسَ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِيهَا فَالْحَقَائِقُ الشَّرْعِيَّةُ لَا تَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَالْوَاجِبُ حَمْلُ مَقَالَةِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ عَلَى لُغَةِ الْعَرَبِ، لِأَنَّهَا لِسَانُهُ وَلِسَانُ قَوْمِهِ،

فَإِنْ قَالَ : إنَّمَا فَسَّرَهَا بِذَلِكَ التَّفْسِيرِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ فَمَعَ كَوْنِ كَلَامِهِ آبِيًا عَنْ ذَلِكَ لِتَصْرِيحِهِ بِتَغْلِيطِ مَنْ قَالَ: إنَّهَا الْحَمْرَاءُ الْبَحْتُ، لَا مُلْجَأَ إلَيْهِ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بِدُونِهِ كَمَا ذَكَرْنَا مَعَ أَنَّ حَمْلَهُ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ عَلَى مَا ذَكَرَ يُنَافِي مَا احْتَجَّ بِهِ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ مِنْ إنْكَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ رَأَى عَلَى رَوَاحِلِهِمْ أَكْسِيَةً فِيهَا خُطُوطٌ حُمْرٌ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهِيَةِ مَا فِيهِ الْخُطُوطُ وَتِلْكَ الْحُلَّةُ كَذَلِكَ بِتَأْوِيلِهِ." اهـ

[3]  وفي نيل الأوطار (2/ 113) للشوكاني :

"مِنْ أَقْوَى حُجَجِهِمْ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْمَيَاثِرِ الْحُمْرِ، وَكَذَلِكَ مَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ: «نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ وَالْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ» وَلَكِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ أَخَصُّ مِنْ الدَّعْوَى، وَغَايَةُ مَا فِي ذَلِكَ تَحْرِيمُ الْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ، فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِ مَا عَدَاهَا، مَعَ ثُبُوتِ لُبْسِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ مَرَّاتٍ." اهـ

[4]  بشرط ألا يكون اللباس مصبوغا بالعصفر على القول الراجح في المسألة.

[5]  رواه البخاري (7123)، كتاب : التوحيد، باب: قراءة الفاجر والمنافق، من حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-.

[6]  وفي رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام (5/ 490) للفاكهاني المالكي :

"قال أصحابنا : ويجوز أن يتخذ جُمة، وهي ما أحاط بمنابت الشعر، ووَفْرَةً، وهو ما زاد على ذلك حتى يبلغ شحمةَ الأذنين، ويجوز أن يكون أطولَ من ذلك.

وقد ذكر أبو عيسى في صفة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن عائشة : أن شعره كان فوقَ الجُمَّة، ودونَ الوَفْرَة.

قال: ويُكره القَزَعُ: وهو أن يحلق البعضَ، ويتركَ البعضَ، شبه بالقزع، وهو قِطَع السحاب.

قال أبو عبيد : يتخصص القزعُ بتعددِ مواضعِ الحلق حتى تتعدد مواضع الشعر، وبذلك تحصل المشابهة." اهـ

Komentar

Postingan populer dari blog ini

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة