شرح الحديث 205 (الترغيب في السواك وما جاء في فضله) من صحيح الترغيب

 

10 - (الترغيب في السواك وما جاء في فضله)

 

205 - (1) [صحيح] عن أبي هريرة _رضي الله عنه_:

أنّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:

"لولا أنْ أَشُقَّ على أُمتي لأمرتُهم بالسِّواك مع كلِّ صلاةٍ".

رواه البخاري -واللفظ له- ومسلم؛ إلا أنّه قال: "عند كل صلاة".

 

[حسن صحيح] والنِّسائي وابن ماجه وابن حِبّان في "صحيحه"، إلا أنه قال:

"مع الوضوء عند كل صلاة".

 

[صحيح] ورواه أحمد وابن خُزيمة في "صحيحه" وعندهما:

"لأمرتُهم بالسِّواك مع كلِّ وضُوءٍ".

 

المعنى الإجمالي للحديث على ضوء رواياته الثلاث:

 

بيّن هذا الحديث عِظَمَ شأن السِّواك في الشريعة، وأنه من السنن المؤكَّدة التي رَغَّب فيها النبي _صلى الله عليه وسلم_ ترغيبًا بالغًا، حتى كاد أن يجعله واجبًا على الأمة، لولا خوف المشقّة عليهم.

 

ففي قوله _صلى الله عليه وسلم_: «لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك» دليلٌ على شدّة حرصه _صلى الله عليه وسلم_ على ما فيه مصلحة أمته، ومراعاتِه لأحوالهم، ورفع الحرج عنهم

 

ثم جاءت الروايات مبيّنة لمواضع استعماله:

«مع كل صلاة»

«عند كل صلاة»

«مع الوضوء عند كل صلاة»

«مع كل وضوء»

وكلّها تدلّ على أن السواك يُشرع عند إرادة الصلاة، وعند الوضوء، وأنه يتأكّد في هذه المواطن تأكّدًا شديدًا

 

فالسواك من أعظم السنن، وهو مستحبٌّ استحبابًا مؤكّدًا جدًا، حتى إن النبي _صلى الله عليه وسلم_ همَّ أن يأمر به أمر إيجاب، لولا ما في ذلك من المشقّة، ويُستحب المحافظة عليه خصوصًا عند الصلاة، والوضوء

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في "صحيحه" (2/ 4) (رقم: 887)، ومسلم في "صحيحه" (1/ 220/ 42) (رقم: 252)، والترمذي في "سننه" – ت. شاكر (1/ 34) (رقم: 22)، والنسائي في "سننه" (1/ 12) (رقم: 7)، وابن ماجه في "سننه" (1/ 105) (رقم: 287)، مسند أحمد - عالم الكتب (2/ 460) (رقم: 9928)، وابن حبان في "صحيحه" (3/ 350) (رقم: 1068)، وابن خزيمة "صحيحه" (1/ 73) (رقم: 140)، وغيرهم.

وصححه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 121) (رقم: 376)، و"إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (1/ 108) (رقم: 70)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 940) (رقم: 5315). و"التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (2/ 358) (رقم: 1065)

 

من فوائد الحديث:

 

وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 673)

السواك سنة بالإجماع. وهو مشروع في كل وقت، ويتأكَّد عند الصلاة، والوضوء، وقراءة القرآن، والانتباه من النوم، وتغير الفم.

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (1/ 229_230):

"قال [النووي]: ويتأكد استحبابه في خمسة أحوال:

أحدهما: عند القيام إلى الصلاة، سواء صلاة الفرض والنفل، وسواء صلى بطهارة ماء أو تيمم، أو بغير طهارة، كمن لم يجد ماء ولا ترابا، وصلى على حسب حاله.

الثاني: عند اصفرار الأسنان، ودليلُه حديث "السواك مَطهَرة للفم" وسيأتي.

الثالث: عند الوضوء ودليله حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء" وفي رواية "لفرضت عليهم السواك مع الوضوء"، وهو حديث صحيح رواه ابن خزيمة والحاكم في صحيحيهما، وصححاه، وأسانيده جيدة، وذكره البخاري في صحيحه في كتاب الصيام تعليقا بصيغة الجزم، وفيه حديث آخر في الصحيح ذكرته في جامع السنة تركته هنا لطوله.

الرابع: عند قراءة القرآن.

الخامس: عند تغير الفم، وتغيره قد يكون بالنوم، وقد يكون بأكل ما له رائحة كريهة، وقد يكون بترك أكل والشرب، وبطول السكوت، قال صاحب الحاوي: ويكون أيضا بكثرة الكلام. وفي صحيح مسلم عن عائشة "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك" اهـ المجموع باختصار جـ 1/ ص 272، 273." اهـ

 

وقال عبد الله بن عبد الرحمن البسام التميمي (المتوفى: 1423 هـ) _رحمه الله_ في "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 195_197):

"ما يؤخذ من الحديث:

1 - تأكد استحباب السواك مع كلِّ وضوءٍ، وأنَّ ثوابه قريبٌ من ثواب الواجبات.

2 - أنَّ السِّواك عند الوضوء وعند غيره من العبادات ليس بواجب، فقد منعه -صلى الله عليه وسلم- من إيجابه على أُمَّته مخافة مشقتهم.

3 - أنَّ الذي منع الأمر بوجوبه هو خشية عدم القيام به، ممّا يترتَّب عليه الإثمُ بتركه.

4 - هذا الحديث الشريف من أدلَّة القاعدة الكبرى: "المشقَّة تجلب التيسير"؛ فخشية المشقَّة سبب عدم فرضيته.

5 - كثير من العبادات الفاضلة يترك النَّبي -صلى الله عليه وسلم- فعلها مع أمته، أو أَمْرَهُمْ بها، خشيةَ فرضها عليها؛ وذلك مثل صلاة الليل في رمضان جماعة، والسواك، وتأخير صلاة العشاء إلى وقتها الفاضل؛ كل ذلك شفقةً على أمته ورحمةً بهم وخوفًا عليهم، وهذا من خُلُقِهِ الكريم الذي وصفه الله تعالى بقوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)}

6 - سعة هذه الشريعة وسماحتها، ومسايرتها للحالة البشرية الضعيفة؛ قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}.

7 - هذا الحديث العظيم دليلٌ على القاعدة الشرعية، وهي: "درء المفاسد مقدَّمٌ على جلب المصالح"؛ فمفسدة الوقوع بالإثم من ترك الواجب، مَنَعَتْ من مصلحة وجوب السِّواك عند كل وضوء.

8 - قال ابن دقيق العيد: السر أنا مأمورون في كلِّ حالةٍ من أحوال التقرُّب إلى الله عزَّ وجل، أنْ نكون في حالة كمال النظافة؛ لإظهار شرف العبادة.

وقيل: إن ذلك الأمر يتعلق بالمَلَكِ، فإنَّه يتأذى بالرائحة الكريهة.

قال الصنعاني: ولا يبعد أن السر مجموع الأمرين المذكورين؛ لما روى البخاري (854)، ومسلم (564) من حديث جابر مرفوعًا: "من أكل الثوم أو البصل أو الكراث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم".

9 - فحوى الحديث يدل على تعيين وقت السواك في الوضوء، وعند المضمضة.

10 - المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّه لا يجزىء في السِّواك إلاَّ استعمال العود، والرَّاجح: أنَّه يُجزىء بغيره من أصبع وخرقة وغيرهما؛ ولذا قال الموفق والنووي: يجزىء بأي شيءٍ يزيل التغير.

11 - يدل الحديث على قاعدة أصولية، وهي: أن الأمر المطلق يفيد الوجوب، ووجهه: أنَّه لو كان الأمر يفيد الاستحباب، لما امتنع -صلى الله عليه وسلم- من أمرهم بالسواك؛ ولكن ما يقتضيه الأمر، وما يفهمه الصحابة والعلماء من الأمرِ المجرَّدِ عن قرينة صارفة، هو الوجوب، وهو الذي منعه من أمرهم بالسواك.___

12 - إذا تعارضت الأدلة الشرعية بين الوجوب والاستحباب، أو بين التحريم والكراهة، وليس هناك أصلٌ يُبنى عليه -فإنَّ طبيعة الشريعة السمحة ومنهجها بالتخفيف على العباد، وورود النصوص العامَّة فيها، تجعل الأخذ بأيسر القولَيْنِ وأبعدهما عن التحريم والوجوب أقرَبَ وأرجَحَ؛ فقد جاء في الصحيحين: (أنَّه -صلى الله عليه وسلم- ما خُيِّر بين أمرين إلاَّ اختار أيسرهما)." اهـ

 

قال الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (المتوفى: 806 هـ) _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (2/ 63):

"اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ قَالَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا أَمَرَهُمْ بِهِ شَقَّ عَلَيْهِمْ أَوْ لَمْ يَشُقَّ انْتَهَى.

وَقَدْ حَكَى بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ دَاوُد أَوْجَبَهُ لِلصَّلَاةِ، وَكَذَا حَكَى أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ دَاوُد وُجُوبَهُ وَحَكَى أَيْضًا عَنْ إِسْحَاقَ وُجُوبَهُ وَأَنَّهُ إنْ تَرَكَهُ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ قَالَ النَّوَوِيُّ.

وَقَدْ أَنْكَرَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ نَقْلَ الْوُجُوبِ عَنْ دَاوُد، وَقَالُوا: (مَذْهَبُهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ كَالْجَمَاعَةِ)، قَالَ: وَلَوْ صَحَّ إيجَابُهُ عَنْ دَاوُد لَمْ تَضُرَّ مُخَالَفَتُهُ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْمُخْتَارِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ،

قَالَ: وَأَمَّا إِسْحَاقُ فَلَمْ يَصِحَّ هَذَا الْمَحْكِيُّ عَنْهُ." اهـ

 

قال الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (المتوفى: 806 هـ) _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (2/ 64):

"اُسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى_.

وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ جَعَلَ الْمَشَقَّةَ سَبَبًا لِعَدَمِ أَمْرِهِ، فَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ مُتَوَقِّفًا، لَكَانَ سَبَبُ انْتِفَاءِ أَمْرِهِ عَدَمَ وُرُودِ النَّصِّ، لَا وُرُودَ الْمَشَقَّةِ

قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَأَصْحَابِ الْأُصُولِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إنَّ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى ذَلِكَ احْتِمَالًا لِلْبَحْثِ، وَالتَّأْوِيلِ." اهـ

 

وقال أحمد بن عبد الرحيم، المعروف بـ«الشاه ولي الله الدِّهْلَوِيِّ» (المتوفى: سنة 1176 هـ) _رحمه الله_ في "حجة الله البالغة" (1/ 310):

"وَقد ورد بِهَذَا الأسلوب أَحَادِيث كَثِيرَة جدا، وَهِي دَلَائِل وَاضِحَة على أَن لاجتهاد النَّبِي _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ مدخلًا فِي الْحُدُود الشَّرْعِيَّة، وَأَنَّهَا منوطة بالمقاصد، وَأَن رفع الْحَرج من الْأُصُول الَّتِي بنى عَلَيْهَا الشَّرَائِع." اهـ

 

قال الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (المتوفى: 806 هـ) _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (2/ 64_65):

"اُسْتُدِلَّ بِعُمُومِ___رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ: (عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ).

وَرِوَايَةِ النَّسَائِيّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمِ: (عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ) عَلَى اسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَعِنْدَ الْوُضُوءِ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ.

وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالْمُزَنِيِّ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي "شَرْحِ الْمُهَذَّبِ":

"إنَّهُ الْمُخْتَارُ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَسَوَّكُ مَا لَا أُحْصِي، وَهُوَ صَائِمٌ»[1]

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكْرَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ لِلصَّائِمِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَيَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ بِهَذَا الْوَقْتِ يَخُصُّ بِهِ ذَلِكَ الْعُمُومَ، وَهُوَ حَدِيثُ الْخَلُوفِ وَفِيهِ بَحْثٌ انْتَهَى، وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي الصِّيَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ _تَعَالَى_." اهـ

 

قال الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (المتوفى: 806 هـ) _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (2/ 65):

"اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: (مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ) مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ السِّوَاكَ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا. قَالَ الرَّافِعِيُّ: (وَهُوَ الْوَجْهُ)، قَالَ: (وَلَمْ يَعُدَّهُ كَثِيرُونَ مِنْ سُنَنِهِ وَإِنْ كَانَ مَنْدُوبًا فِي ابْتِدَائِهِ)." اهـ

 

قال الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (المتوفى: 806 هـ) _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (2/ 65):

"فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ: اسْتِحْبَابُ السِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ. وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي "التَّمْهِيدِ" عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَمَّنْ أَدْرَكَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ تَأَكُّدَهُ عِنْدَ صَلَاتَيْ الصُّبْحِ، وَالظُّهْرِ." اهـ

 

قال الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (المتوفى: 806 هـ) _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (2/ 65):

"قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: السِّرُّ___فِي اسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ: أَنَّا مَأْمُورُونَ فِي كُلِّ حَالَةٍ مِنْ أَحْوَالِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ _تَعَالَى_ أَنْ نَكُونَ فِي حَالَةِ كَمَالٍ وَنَظَافَةٍ إظْهَارًا لِشَرَفِ الْعِبَادَةِ

قَالَ:

وَقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِأَمْرٍ مُتَعَلِّقٍ بِالْمَلَكِ، وَهُوَ أَنْ يَضَعَ فَاهُ عَلَى فِي الْقَارِئِ وَيَتَأَذَّى بِالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، فَسُنَّ السِّوَاكُ لِأَجْلِ ذَلِكَ." انْتَهَى

قُلْت: قَدْ وَرَدَ هَذَا مَرْفُوعًا رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الْعَبْدَ إذَا تَسَوَّكَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي قَامَ الْمَلَكُ خَلْفَهُ فَيَسْمَعُ لِقِرَاءَتِهِ فَيَدْنُو مِنْهُ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا حَتَّى يَضَعَ فَاهُ عَلَى فِيهِ فَمَا يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ شَيْءٌ، إلَّا صَارَ فِي جَوْفِ الْمَلَكِ فَطَهِّرُوا أَفْوَاهَكُمْ لِلْقُرْآنِ»[2]

وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إلَّا أَنَّ فِيهِ فُضَيْلٍ بْنَ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيَّ، وَهُوَ وَإِنْ أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ، فَقَدْ ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ.

وَآخِرُ الْحَدِيثِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ: (إنَّ أَفْوَاهَكُمْ طُرُقٌ لِلْقُرْآنِ فَطَيِّبُوهَا بِالسِّوَاكِ) وَفِيهِ بَحْرُ بْنُ كَثِيرٍ السَّقَّا ضَعِيفٌ جِدًّا.

وَقَدْ رَفَعَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ

(قُلْت): وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ حِكْمَتُهُ عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ مَا وَرَدَ أَنَّهُ يَقْطَعُ الْبَلْغَمَ، وَيَزِيدُ فِي الْفَصَاحَةِ[3]، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَائِدَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَ، وَتَقْطِيعُ الْبَلْغَمِ مُنَاسِبٌ لِلْقِرَاءَةِ لِئَلَّا يَطْرَأَ عَلَيْهِ فَيَمْنَعَهُ الْقِرَاءَةَ وَكَذَلِكَ الْفَصَاحَةُ.

 

قال الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (المتوفى: 806 هـ) _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (2/ 67):

"فِي فَوَائِدِ السِّوَاكِ مُطْلَقًا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «عَلَيْك بِالسِّوَاكِ فَإِنَّهُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ مَفْرَحَةٌ لِلْمَلَائِكَةِ يَزِيدُ فِي الْحَسَنَاتِ، وَهُوَ مِنْ السُّنَّةِ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُذْهِبُ الْخُضْرَةَ وَيَشُدُّ اللِّثَةَ وَيُذْهِبُ الْبَلْغَمَ وَيُطَيِّبُ الْفَمَ» وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَيُصِحُّ الْمَعِدَةَ وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ غَيْرِ الْبَيْهَقِيّ، وَيَزِيدُ فِي الْفَصَاحَةِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ الْخَلِيلُ بْنُ مُرَّةَ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ انْتَهَى.[4]

وَقَدْ قَالَ فِيهِ أَبُو زُرْعَةَ: شَيْخٌ صَالِحٌ وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ يَكْتُبُ حَدِيثَهُ وَضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ،

وَصَدْرُ الْحَدِيثِ صَحِيحُ رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ تَعْلِيقًا مَجْزُومًا بِهِ.

 

قال الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (المتوفى: 806 هـ) _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (2/ 67):

"فِيمَا يُسْتَحَبُّ السِّوَاكُ بِهِ وَيَصِحُّ، ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ السِّوَاكَ يَكُونُ بِقُضْبَانِ الْأَشْجَارِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاطِ لَكِنَّهَا أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا

قَالَ: وَالْأَوْلَى مِنْهَا الْأَرَاكُ قَالَ، وَالْأَحَبُّ أَنْ يَكُونَ يَابِسًا لُيِّنَ بِالْمَاءِ

قَالَ: وَأَصْلُ السُّنَّةِ تَتَأَدَّى بِكُلِّ خَشِنٍ يَصْلُحُ لِإِزَالَةِ الْقُلْحِ كَالْخِرْقَةِ، وَالْخَشَبَةِ وَنَحْوِهَا نَعَمْ لَوْ كَانَ جُزْءًا مِنْهُ كَأُصْبُعِهِ الْخَشِنَةِ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَظْهَرُهَا لَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى اسْتِيَاكًا.

وَالثَّانِي: يُجْزِئُ لِحُصُولِ مَقْصُودِ الِاسْتِيَاكِ بِهِ، وَالثَّالِثُ: إنْ قَدَرَ عَلَى الْعُودِ وَنَحْوِهِ فَلَا يُجْزِئُ وَإِلَّا فَيُجْزِئُ لِمَكَانِ الْعُذْرِ انْتَهَى." اهـ

 

قال الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (المتوفى: 806 هـ) _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (2/ 70):

"قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ:

فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ التَّيْسِيرِ فِي أُمُورِ الدِّيَانَةِ وَأَنَّ مَا يَشُقُّ مِنْهَا مَكْرُوهٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]

أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إثْمًا» [خ م]." اهـ

 

وقال أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النَّمَرِيُّ القرطبيُّ، المعروف بـ"ابن عبد البر الأَنْدَلُسِيُّ" (المتوفى: 463 هـ) _رحمه الله_ في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (7/ 199_202):

"هَذَا الْحَدِيثِ أَدَلُّ الدَّلَائِلِ عَلَى فَضْلِ السِّوَاكِ وَالرَّغْبَةِ فِيهِ،

وَفِيهِ أَيْضًا: دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ التَّيْسِيرِ فِي أُمُورِ الدِّيَانَةِ وَأَنَّ مَا يَشُقُّ مِنْهَا مَكْرُوهٌ

قَالَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ_: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)،

أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم_: لَمْ يُخَيَّرْ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا، كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ.

وَفَضْلُ السِّوَاكِ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَالصَّلَاةُ عِنْدَ الْجَمِيعِ بَعْدَ السِّوَاكِ أَفْضَلُ مِنْهَا قَبْلَهُ.

وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ _رَحِمَهُ اللَّهُ_:

أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ يُحَافِظُونَ عَلَى السِّوَاكِ مَعَ وُضُوءِ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ، وَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَهُ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ، وَكَانُوا أَشَدَّ مُحَافَظَةً عَلَيْهِ عِنْدَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ.

وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: (السِّوَاكُ شَطْرُ الْوُضُوءِ)،

وَقَالَ: (وَرَكْعَةٌ عَلَى أَثَرِ سِوَاكٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً بِغَيْرِ سِوَاكٍ)،

وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: لَا يَصِحُّ حَدِيثُ الصَّلَاةُ بِأَثَرِ السِّوَاكِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ سِوَاكٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أُحِبُّ السِّوَاكَ لِلصَّلَاةِ عِنْدَ كُلِّ حَالٍ تَغَيَّرَ فِيهَا الْفَمُ نَحْوَ الِاسْتِيقَاظِ مِنَ النَّوْمِ وَالْأَزْمِ وَكُلِّ مَا يُغَيِّرُ الْفَمَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ)،

قَالَ الشَّافِعِيُّ:

وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ شَقَّ أَوْ لَمْ يَشُقَّ وَرُوِّينَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

قَالَ: السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ

وَقَدْ كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ السِّوَاكَ الَّذِي يُغَيِّرُ الْفَمَ وَيَصْبُغُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الشَّبَهِ بِزِينَةِ النِّسَاءِ وَالسِّوَاكُ الْمَنْدُوبُ إِلَيْهِ هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَفِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

وَكَذَلِكَ الْأَرَاكُ وَالْبَشَامُ___وَكُلُّ مَا يَجْلُو الْأَسْنَانَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ صِبْغٌ وَلَوْنٌ فَهُوَ مِثْلُ ذَلِكَ مَا خَلَا الرَّيْحَانَ وَالْقَصَبَ فَإِنَّهُمَا يُكْرَهَانِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِنَّ الْأَصْبُعَ تُغْنِي مِنَ السِّوَاكِ وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ أَنَّهُ كَانَ يُدَلِّكُ أَسْنَانَهُ بِأُصْبُعِهِ وَيَسْتَجْزِي بِذَلِكَ مِنَ السِّوَاكِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ

 

قال الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (المتوفى: 806 هـ) _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (2/ 71):

"قَالَ النَّوَوِيُّ: (فِيهِ: بَيَانُ مَا كَانَ مِنْ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ مِنْ الرِّفْقِ بِأَمَتِهِ)." اهـ

 

قال الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (المتوفى: 806 هـ) _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (2/ 71):

"السِّوَاكُ الْمَأْمُورُ بِهِ: هَلْ الْأَوْلَى أَنَّهُ يُبَاشِرُهُ الْمُسْتَاكُ بِيَمِينِهِ أَوْ بِشِمَالِهِ؟

ذَكَرَ بَعْضُ مُتَأَخِّرَيْ الْحَنَابِلَةِ مِمَّنْ رَأَيْته أَنَّهُ يَسْتَاكُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَشْهُورِ «كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَتَطَهُّرِهِ وَسِوَاكِهِ» [خ م].

وَسَمِعْت بَعْضَ مَشَايِخِنَا الشَّافِعِيَّةِ يَبْنِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ التَّطْهِيرِ، وَالتَّطَيُّبِ أَوْ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الْقَاذُورَاتِ؟

* فَإِنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ بَابِ التَّطَيُّبِ، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَكُونَ بِيَمِينِهِ،

* وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الْقَاذُورَاتِ، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَلِيَهُ بِشِمَالِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْيُمْنَى لِطَهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ،[5]

وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ: «كَانَ يَجْعَلُ يَمِينَهُ لِطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَثِيَابِهِ، وَيَجْعَلُ شِمَالَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ» [د][6]

وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ بِالْيَمِينِ، لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْبُدَاءَةُ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ فِي التَّرَجُّلِ، وَالْبُدَاءَةُ بِلُبْسِ النَّعْلِ، وَالْبُدَاءَةُ بِالْأَعْضَاءِ الْيُمْنَى فِي التَّطَهُّرِ، وَالْبُدَاءَةُ بِالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ مِنْ الْفَمِ فِي الِاسْتِيَاكِ كَمَا تَقَدَّمَ.

وَأَمَّا كَوْنُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ، فَيَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ.

وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الْأَذَى، كَالِامْتِخَاطِ وَنَحْوِهِ، فَيَكُونُ بِالْيُسْرَى، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، فَقَالَ فِي "الْمُفْهِمِ" حِكَايَةً عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَا يَتَسَوَّكُ فِي الْمَسَاجِدِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الْقَذِرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ

 

وقال محمود بن محمد بن أحمد بن خطاب المالكي الأزهري، أبو محمد السّبكي (المتوفى 1352 هـ) _رحمه الله_ في "المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود" (1/ 169_179):

"فدلّ الحديث على انتفاء الأمر لثبوت المشقة لأن انتفاء النفي ثبوت فيكون الأمر منفيا لثبوت المشقة،

وفيه: دليل على أن الأمر للوجوب من وجهين:

(أحدهما) أنه نفي الأمر مع ثبوت الندبية ولو كان للندب لما جاز النفي

(ثانيهما) أنه جعل الأمر مشقة عليهم وذلك إنما يتحقق إذا كان الأمر للوجوب، إذ الندب لا مشقة فيه لأنه جائز الترك

وقال الشيخ أبو إسحاق في اللمع: في هذا الحديث دليل على أن الطلب على جهة الندب ليس بأمر حقيقة لأن السواك عند كل صلاة مندوب إليه وقد أخبر الشارع أنه لم يأمر به اهـ،

ويؤيده ما في رواية سعيد المقبرى عن أبى هريرة عند النسائى من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لفرضت عليهم السواك مع الوضوء بدل لأمرتهم، وقال الشافعى فيه دليل على أن السواك ليس بواجب___لأنه لو كان واجبا لأمرهم به شق أو لم يشق، وإلى القول بعدم وجوبه ذهب أكثر أهل العلم بل ادّعى بعضهم فيه الإجماع، لكن حكى الشيخ أبو حامد وتبعه الماوردى عن إسحاق بن راهويه أنه قال هو واجب لكل صلاة فمن تركه عامداً بطلت صلاته، وعن داود إنه واجب لكن ليس شرطا، واحتج من قال بوجوبه بورود الأمر به فعند ابن ماجه من حديث أبى أمامة مرفوعا تسوّكوا، ولأحمد نحوه من حديث العباس، وعن ابن عمر مرفوعا عليكم بالسواك فإنه مطيبة للفم مرضاة للرب رواه أحمد، ولا يثبت شئ منها، وعلى تقدير الصحة فالمنفى في مفهوم حديث الباب الأمر به مقيدا بكل صلاة لا مطلق الأمر ولا يلزم من نفي المقيد نفي المطلق ولا من ثبوت المطلق التكرار اهـ ببعض تصرف.

وقال النووى: (قد أنكر أصحابنا المتأخرون على الشيخ أبي حامد وغيره نقل الوجوب عن داود، وقالوا: مذهبه أنه سنة كقول الجماعة، ولو صح إيجابه عن داود، لم تضر مخالفته في انعقاد الإجماع. وأما إسحاق، فلم يصح هذا المحكي عنه اهـ

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 169_171):

"في هذا الحديث فوائد متعددة،

* منها: شفقة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر معلوم بالضرورة؛ لأنه يثبت بالتواتر لقوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة: 128].

* ومن فوائده: أن النبي صلى الله عليه وسلم له أن يجتهد في الأحكام لقوله: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم" ولم يقل: "لولا أن الله لم يأمرني لأمرتهم"، بل قال: "لولا أن أشق"، فالمانع له من الأمر الملزم ليس عدم أمر الله، ولكن المشقة.

إذن للنبي أن يجتهد ثم إن أقره الله عز وجل فالحكم شرعي بإقرار الله، وهذا هو الأصل وإن لم يقره الله ارتفع الحكم، فعفو النبي - عليه الصلاة والسلام- على المتخلفين لم يقره الله___عليه بل قال: {عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكذبين} [التوبة: 43]. فقوله: {عفا الله عنك} بدأ بالعفو عما حصل قبل أن يذكره، قال: "عفا الله عنك" وقال اللله تبارك وتعالى: {يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك} [التحريم: 1].

إذن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجتهد في الأحكام، ثم إن أقرع الله فهو الشرع من عند الله، وإن لم يقره الله - وهو نادر نادر نادر- فإنه يرتفع الحكم، أخذ الفداء من أسرى بدر لم يقره الله عز وجل بل قال: {لولا كتب من الله سبق} في تكميل الرسالة واستمرارها {لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} [الأنفال: 68].

وهذه المسألة طال فيها الجدل بين العلماء، وعندي أنه ليس فيها - والحمد لله- إشكال، وأنها واضحة أن الرسول يأمر وينهى سواء كان بوحي من الله أو بإقرار من الله.

* ومن فوائد هذا الحديث: تأكد استعمال السواك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنعه من الإلزام به إلا المشقة.

* ومن فوائد هذا الحديث: أن الأصل في الأمر الوجوب لقوله: "لأمرتهم" هكذا استدل بعض أهل العلم بذلك وقالوا: إن هذا يدل على أن الأمر المطلق يكون للوجوب، ولكن قد يناقش ويقال: إن قوله: "لأمرتهم" أمر إلزام، وإلا فمطلق الأمر ثابت، لكن كون الأمر للوجوب أو للاستحباب أو للإرشاد والتوجيه لا يمكن فيما تتبعته أن ينضبط بضابط؛ لأن بعض الأوامر تكون للوجوب بالاتفاق، وبعض الأوامر تكون لغير الوجوب بالاتفاق، وبعض الأوامر تكون محل نزاع، ولهذا اختلف فيها العلماء:

منهم من قال: الأصل في الأمر الوجوب، واستدل لقوله.

ومنهم من قال: الأصل في الأمر الاستحباب؛ واستدل لقوله.

ومنهم من قال: ما كان مقصودا به التعبد فالأمر فيه للوجوب، وما كان المقصود به التأدب فالأمر فيه للاستحباب، وهذا أقربها من حيث العموم وإلا فقد يكون من الآداب وهو واجب.

فإن قال قائل: أنا أريد أن أشق على نفسي وأتسوك عند كل وضوء، فهل هذا هو الأفضل أو الأفضل أن يأخذ برخصة الرسول - عليه الصلاة والسلام-؟ الثاني، وقد يقال: إن كان فيه مشقة بينة فالأفضل إتيان الرخصة، وإن لم يكن فيه إلا أن تخرج السواك من جيبك وتدلك أسنانك فافعل؛ لأن هذا في الحقيقة ليس فيه مشقة.

وقوله: -عليه الصلاة والسلام-: "وبالسواك" قلنا: المراد بذلك: التسوك، وبناء على هذا هل تحصل فضيلة السواك بغير العود، أي: بغير عود الأراك؟ فيه خلاف:___

من العلماء من يقول: إنه لا يحصل فضل السواك إلا إذا تسوك بالمسواك.

ومنهم من قال: بل يحصل له من السنة بقدر ما حصل من الإنقاء، وأنه يمكن أن يدرك السنة إذا تسوك بأصبعه أو خرقة، وهذا أقرب إلى الصواب أن يقال لا شك أن الأكمل والأفضل أن يكون بعود الأراك أو ما يقوم مقامه، ولكن لو تسوك بالإصبع أو الخرقة فإنه يحصل من السنة على قدر ما حصل له من التنظيف.

فيه أيضا بحث آخر: قول النبي - عليه الصلاة والسلام-: "مع كل وضوء" أين يكون محله؟ قبل الشروع في الوضوء، أو بعده أو في أثنائه؟

الحديث مطلق لم يبين لكن العلماء - رحمهم الله- اختاروا أن يكون التسوك عند المضمضة، قالوا: لأن هذا هو محل تنظيف الفم يكون المناسب أن يكون حال المضمضة والله أعلم." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

هذا الحديث برواياته الثلاث من أصول باب السِّواك، وقد تضمّن فوائد جمّة، نذكر منها جملةً وافرة بأسلوبٍ عربيٍّ قديم، مع بسط البيان:

1- فيه: شدّةُ تأكيدِ سنّةِ السِّواك لأنّ النبي _صلى الله عليه وسلم_ كاد أن يأمر به أمرَ إيجاب، لولا خشية المشقّة، وما كان كذلك فهو في غاية التأكيد.

2- فيه: أنَّ رفعَ الحرجِ أصلٌ عظيمٌ في الشريعة لقوله: «لولا أن أشقّ على أمتي»، فدلّ على أن التكاليف تُبنى على اليسر، وتُرفع مع المشقّة.

3- فيه: كمالُ شفقةِ النبي _صلى الله عليه وسلم_ على أمته حيث ترك الأمرَ مع محبته له، رعايةً لأحوالهم، وخوفًا من المشقّة عليهم.

4- أنَّ الأمرَ قد يُترك مع محبته إذا ترتّب عليه حرجٌ عام، وفيه فقه الموازنة والمقارنة بين المصالح والمفاسد.

5- فيه: أنَّ السِّواك مشروعٌ عند كل صلاة، كما في قوله: «مع كل صلاة» و«عند كل صلاة»، وهو من آكد مواطنه.

6- فيه: مشروعيته عند الوضوء أيضًا، كما في رواية: «مع كل وضوء»، فدلّ على استحبابه عند ابتداء الطهارة.

7- فيه: أنَّ اختلاف الروايات من باب التنويع لا التضاد، فكلّها تُشير إلى تعدّد المواطن التي يُستحب فيها السواك.

8- فيه: أنَّ العبادات يُستحب لها التهيؤ الحسيّ والمعنوي، فالسواك تطهيرٌ للفم، وهو محلّ الذكر والقراءة، فناسب تعظيمه قبل العبادة.

9- فيه: أنَّ الطهارةَ ليست مقصورةً على الظاهر، بل تشمل ما في الفم، فشرع السواك زيادةً في كمال الطهارة.

10- فيه: أنَّ القليلَ من الأعمال قد يُعظَّم شأنُه إذا تعلّق بالعبادة، فالسواك عمل يسير، ومع ذلك عُظّم أمره لهذا الاعتبار.

11- فيه: أنَّ من فقهِ الشريعة ربطَ العادات بالعبادات، فالسواك في أصله عادة، فلما قُرن بالصلاة صار عبادة.

12- فيه: أنَّ تكرار العمل الصالح سببٌ لزيادة الأجر، لأن السواك يُشرع عند كل صلاة وكل وضوء، فيتكرر في اليوم مرارًا.

13- فيه: أنَّ المحافظة على السنن من دلائل محبة النبي _صلى الله عليه وسلم_، لأنها من هديه الذي رغّب فيه ولم يوجبه.

14- فيه: أنَّ في السواك حفظًا للصحة ودفعًا للأذى، وإن لم يُذكر في الحديث، لكنه داخلٌ في حكمته، والشريعة جاءت بالمصالح.

15- فيه: أنَّ تركَ الإيجاب لا يدلّ على ضعفِ العمل، بل قد يكون لعارض المشقّة، كما في هذا الحديث.

16- فيه: أنَّ الشريعة تراعي عموم الناس لا خواصّهم، فلو أُمر بالسواك، لكان شاقًا على بعضهم، فترك الإيجاب لأجل ذلك.

17- فيه: أنَّ السنن المؤكدة يُحرص عليها كحرص الواجبات، لما فيها من القرب العظيم من الامتثال الكامل.

18- فيه: حثٌّ على النظافة وحسن الهيئة، خصوصًا عند الوقوف بين يدي الله _تعالى_.

19- فيه: أنَّ العبد ينبغي أن يتهيّأ للعبادة بأحسن حال ظاهرًا وباطنًا، ومن ذلك تنظيف الفم بالسواك.

20- فيه: أنَّ هذا الحديث أصلٌ في استحباب السواك في مواطن متعددة: كالصلاة والوضوء، بل كل موطن يُشرع فيه الذكر والقراءة.

 

فدل هذا الحديث برواياته على أن السواك سنّة مؤكدة عظيمة، حرص النبي ﷺ على إيجابها، لكن منعه رفعُ الحرج عن الأمة، وهو مشروعٌ عند الصلاة والوضوء، لما فيه من تطهير الفم وتعظيم شأن العبادة، وهو من محاسن الشريعة في الجمع بين الطهارة الحسية والمعنوية.

 



[1] ضعفه الألباني _رحمه الله_ في "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (1/ 107) (رقم: 68)، و"تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 625) (رقم: 2009)

[2]  أخرجه البزار في "البحر الزخار" (2/ 214) (رقم: 603)، وحسنه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (3/ 214) (رقم: 1213).

[3] ضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة" (8/ 312 و 9/ 21) (رقم: 3852 و 4016)

[4]  أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (4/ 281) (رقم: 2521)

[5] صححه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 112) (رقم: 348)

[6] صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح أبي داود" - الأم (1/ 61) (رقم: 25)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 883) (رقم: 4912)، و"التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (7/ 449) (رقم: 5204)

Komentar

Postingan populer dari blog ini

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة