شرح الحديث 118 (باب الحيض) من بلوغ المرام

 

118 - وَعَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ:

"كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَبِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ _صلى الله عليه وسلم_ أَسْتَفْتِيهِ[1]،

فَقَالَ:

(إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً أَيَّام، ثُمَّ اغْتَسِلِي. فَإِذَا اسْتَنْقَأْتِ، فَصَلِّي أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، أَوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ، وَصُومِي وَصَلِّي؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ. وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كُلَّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ[2].

فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِي حِينَ تَطْهُرِينَ وَتُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرِ جَمِيعًا[3]،

ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءِ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ)[4].

قَالَ: وَهُوَ أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ)[5]."

رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ.[6]

 

ترجمة حمنة بنت جحش الأسدية _رضي الله عنهما_:

 

قال ابن حجر _رحمه الله_ في "الإصابة في تمييز الصحابة" (8/ 88_89) (رقم: 11060):

حمنة بنت جحش الأسدية،

أخت أم المؤمنين زينب وإخوتها. تقدم نسبها في عبد اللَّه بن جحش،

وكانت زوج مصعب بن عمير، فقتل عنها يوم أحد، فتزوجها طلحة بن عبيد اللَّه فولدت له محمدا وعمران.

وأمهما وأم أختها زينب: أميمة بنت عبد المطلب.

قال أبو عمر: كانت من المبايعات، وشهدت أحدا، فكانت تسقي العطشى، وتحمل الجرحى، وتداويهم، وكانت تستحاض، كما أخرجه أبو داود والترمذي...

وقال ابن سعد: أطعمها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم من خيبر ثلاثين وسقا، وهي والدة محمد بن طلحة المعروف بالسجّاد.


نص الحديث وشرحه:


وَعَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ:

"كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَبِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ _صلى الله عليه وسلم_ أَسْتَفْتِيهِ،

فَقَالَ:

(إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً أَيَّام، ثُمَّ اغْتَسِلِي. فَإِذَا اسْتَنْقَأْتِ، فَصَلِّي أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، أَوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ، وَصُومِي وَصَلِّي؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ. وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كُلَّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ.

فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِي حِينَ تَطْهُرِينَ وَتُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرِ جَمِيعًا،

ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءِ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ).

قَالَ: وَهُوَ أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ)."

رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ.


سنن الترمذي ت شاكر (1/ 227)

وقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ فِي المُسْتَحَاضَةِ:

إِذَا كَانَتْ تَعْرِفُ حَيْضَهَا بِإِقْبَالِ الدَّمِ وَإِدْبَارِهِ، وَإِقْبَالُهُ أَنْ يَكُونَ أَسْوَدَ، وَإِدْبَارُهُ أَنْ يَتَغَيَّرَ إِلَى الصُّفْرَةِ، فَالحُكْمُ لَهَا عَلَى حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ،

وَإِنْ كَانَتِ المُسْتَحَاضَةُ لَهَا أَيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ قَبْلَ أَنْ تُسْتَحَاضَ، فَإِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي، وَإِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ وَلَمْ تَعْرِفِ الحَيْضَ بِإِقْبَالِ الدَّمِ وَإِدْبَارِهِ، فَالحُكْمُ لَهَا عَلَى حَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ.

 

وفي "سنن الترمذي" – ت. شاكر (1/ 228):

وقَالَ الشَّافِعِيُّ: المُسْتَحَاضَةُ إِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِي أَوَّلِ مَا رَأَتْ فَدَامَتْ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِذَا طَهُرَتْ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ حَيْضٍ، فَإِذَا رَأَتِ الدَّمَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِنَّهَا تَقْضِي صَلَاةَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ تَدَعُ الصَّلَاةَ بَعْدَ ذَلِكَ أَقَلَّ مَا تَحِيضُ النِّسَاءُ، وَهُوَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي أَقَلِّ الحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ:

* فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: أَقَلُّ الحَيْضِ ثَلَاثَةٌ، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الكُوفَةِ، وَبِهِ يَأْخُذُ ابْنُ المُبَارَكِ، وَرُوِيَ عَنْهُ خِلَافُ هَذَا.

* وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ، مِنْهُمْ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: أَقَلُّ الحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ." اهـ

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

بيَّن هذا الحديث حكمَ المرأة المستحاضة، وهي التي يستمرّ معها نزول الدم على غير صفة الحيض المعتاد، ويُوضّح كيفية تمييز عبادتها وتنظيم صلاتها وصيامها.

 

فقد أخبرت حمنة بنت جحش _رضي الله عنها_ أنها كانت تُصاب بنزيفٍ شديدٍ مستمر، فاستفتت النبي  الله عليه وسلم_، فبيّن لها أن هذا الدم ليس حيضًا حقيقيًا، وإنما هو دمُ عِلّةٍ يورث الشيطان به وسوسة، عبّر عنه بـ«ركضة من الشيطان»)، أي: ليس له حكم الحيض، وإنما هو وسوسة من الشيطان.[7]

 

ثم أرشدها إلى ما تعمل بأن تعتبر نفسها حائضًا مدةً معتادة (ستة أو سبعة أيام) في كل شهر، ثم تغتسلَ بعد ذلك، وتُعاملَ بقية الأيام على أنها طاهرة، فتصلّي وتصوم.

 

وبيّن لها _صلى الله عليه وسلم_ أنها تؤدي الصلوات في بقية الشهر، ويجوز لها - إن استطاعت - أن تجمع بين الصلاتين مع الغُسل تخفيفًا عليها، كجمع الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، وتغتسل أيضًا لصلاة الفجر

 

وختم _صلى الله عليه وسلم_ بأن هذا الترتيب (الجمع مع الاغتسال) أحبّ إليه لما فيه من مزيد احتياطٍ للطهارة.

 

فالمرأة المستحاضة تجعل لنفسها أيامًا تعدّها حيضًا، ثم تغتسل وتُصلّي في بقية الأيام، ويُرخَّص لها في الجمع بين الصلوات مع الغُسل تخفيفًا عليها

 

فدل الحديث على:

يسر الشريعة في أحكام الطهارة، ورفع الحرج عن أصحاب الأعذار، وتنظيم العبادة حتى مع وجود المرض، فهو أصلٌ عظيم في باب أحكام الاستحاضة والتيسير في العبادات.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه أبو داود (1/ 76) (رقم: 287)، والترمذي ت شاكر (1/ 221) (رقم: 128)، وابن ماجه (1/ 205) (رقم: 627)، وأحمد – ط. عالم الكتب (6/ 381 و 6/ 439) (رقم: 27144 و 27474_27475)

 

والحديث حسنٌ: حسنه الألباني _رحمه الله_ في "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (1/ 202) (رقم: 188)، و"تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 176) (رقم: 561)، و"صحيح أبي داود" - الأم (2/ 66) (رقم: 293)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (1/ 671) (رقم: 3585)

 

من فوائد الحديث:

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 385_390):

"يستفاد من هذا الحديث فوائد:

أولًا: أن الاستحاضة تعددت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في النساء؛ لأن الأولى من هي؟ فاطمة بنت أبي حبيش, وهذه حمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش, وقد ذكر بعض العلماء أن اللاتي استحضن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بلغن تسعًا من النسوة, وعدهن.

ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي لجاهل أن يستفتي العالم، بل يجب عليه, لكن___الوجوب لا نأخذه من هذا الحديث، إنما نأخذه من أدلة أخرى مثل قوله تعالى: {فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [الأنبياء: 7].

ومن فوائد هذا الحديث: جواز إطلاق الفتيا في سؤال النبي _صلى الله عليه وسلم_ بمعنى: أنه يصح أن نقول: إن الرسول مفت، وهذا أمر لا إشكال فيه؛ لأنه إذا جاز في حق الرب _عز وجل_، فجوازه في حق الرسول من باب أولى, أليس الله تعالى يقول: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن} [النساء: 127]. {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} [النساء: 176].

ومن فوائد هذا الحديث: أن الشيطان قد يسلط على بني آدم تسليطًا حسيًا، لكن التسليط المعنوي واضح؛ يعني: إلقاء الوسوسة في القلب بالوساوس الخبيثة الرديئة هذا ثابت ولا إشكال فيه،

لكن هذا تسليط حسي؛ لأن كونها تمرض بركضة من الشيطان يدل على أن للشيطان تسلطًا، وهو كذلك؛ ولذلك إذا ولد المولود، فإن الشيطان يضرب في خاصرته، ولذلك يبكي عند الولادة كما جاء في الحديث:

«إذا استهل المولود صارخًا ورث».[8]

وربما يكون أيضًا من تسليط الشيطان أن يغفل حتى يقع في حفرة أو يضربه حجرًا أو ما أشبه ذلك،

وهذا يقع كثيرًا يكون الإنسان ذكيًا فطنًا، لكن لا يدري في يوم من الأيام، إلا وهو قد صدم جدارًا أو وقع في حفرة، أو صدم حجرًا في غفلة منه، وهذا يمكن أن يكون من تسلط الشيطان يغفله حتى يوقعه في هذا الضرر.

وقد قال غلام موسى لموسى: {فإني نسيت الحوت وما أنسانيهُ إلا الشيطان أن أذكره} [الكهف: 63].

ومن فوائد هذا الحديث: رجوع المستحاضة إلى عادة النساء؛ لقوله _صلى الله عليه وسلم_: «كما تفعل النساء»،

ولكن متى يكون هذا؟ يكون في المرأة التي ليس لها عادة ولا تمييز، فهذه ترجع إلى عادة النساء، ولكن من أين تبتدئ من نصف الشهر، من أوله، من آخره؟

تبتدئ من أول يوم أتاها الدم فيه، مثلًا إذا كان أتاها أول مرة في اليوم العاشر من الشهر يكون الشهر الثاني تجلس من اليوم العاشر ستة أيام أو سبعة. وإن أتاها من أول يومٍ من الشهر، جلست من أول يوم،

فإن نسيت متى أتاها تبتدئ من أول الشهر الثاني؛ مثلًا هي علمت بأنه أتاها الحيض في محرم، واستحيضت من حين أتاها الحيض لا عادة ولا تمييز، ولكنها تقول: لا أدري هل أتاني في أول الشهر أو وسطه، أو آخره، تجعله من أوله ممن باب الاحتياط {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16].

ومن فوائد هذا الحديث: أن الصوم والصلاة يحرمان على الحائض لقوله: «وصومي وصلي»، وهذا أمر مجمع عليه, وظاهر هذا الحديث أنها لا تصوم حتى تغتسل وتستنقي؛ لأنه___قال: «فإذا استنقأْتِ أربعًا وعشرين فصومي وصلي»، لكنه باعتبار الصوم غير مراد؛ لأن الحائض يصح منها أن تصوم، إذا طهرت من الحيض قبل الاغتسال، كامرأة طهرت قبل الفجر بربع ساعة، ولم تغتسل، إلا بعد الفجر فهل لها أن تشرع في الصوم قبل الاغتسال؟ الجواب: نعم؛ لأن شأنها حينئذٍ كشأن الجنب. والجنبُ قد صح عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أنه كان يصبح صائمًا وهو جنب من جماع _صلوات الله وسلامه عليه_.

ومن فوائد هذا الحديث: أن عادة النساء قد تكون ستة أيام أو سبعة.

وهل المرأة مخيرة بين هذا وهذا؟ الجواب: لا؛ لأن تخييرها مشكل، لأنها في اليوم السابع إما أن نقول: إن الصلاة حرام عليها، أو نقول: واجبة عليها, وهذا تناقض، إذن كيف نعمل والرسول يقول: هذا أو هذا، نقول: «أو» هنا للتنويع وعليها أن تنظر إلى عادة نسائها, إما ستة أو سبعة وتعمل بذلك.

ومن فوائد هذا الحديث: الرجوع إلى الغالب, وهل يتناول هذا جميع الأحكام؟ الجواب: نعم، فمثلًا رجل حلف ألا يفعل شيئًا وفعله, ولكنه شك هل هو استثنى في الحلف وقال: إن شاء الله أو لا؛ لأنه إن استثنى فلا حنث عليه, وإن لم يستثن فقد حنث, وعليه الكفارة, نقول: انظر إلى الغالب, ما هو غالب أيمانك, هل الغالب أنك إذا حلفت استثنيت فالحكم للغالب, وأما إذا كان الغالب ألا تستثني أو ترددت أيهما أغلب فإنه تجب عليك الكفارة؛ لأن الأصل عدم الاستثناء.

ومن فوائد هذا الحديث: أن الغالب في النساء أن يحضن في كل شهر مرة؛ لقوله: «فافعلي كل شهر»،

وهذا هو الواقع أن الغالب في النساء أن يحضن كل شهر مرة, ويدل لذلك أن الله جعل عدة المطلقة التي تحيض ثلاث حيض, وعدة من لا تحيض ثلاثة أشهر, وهذا يدل على أن الحيض يأتي النساء في كل شهر.

ومن فوائد هذا الحديث: أن المستحاضة مخيرة بين أمرين, إما أن تغتسل عند انتهاء الحيض حكمًا، متى يكون هذا؟ إذا مرت ستة أيام أو سبعة، ثم تتوضأ لكل صلاة، وإما أن تغتسل لكل صلاة، ولكن فيما إذا طلبنا منها أن تغتسل لكل صلاة ينبغي لها أن ترفق بنفسها. وذلك بأن تجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء.

ومن فوائد هذا الحديث: بيان صراحة نساء الصحابة - رضي الله عنهم - حيث قالت حمنة: «كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة»،

ولقد قالت عائشة رضي الله عنها: «نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين».____قالت ذلك حين قالت أم سليم: «يا رسول الله، هل على المرأة من غسل إذا احتملت؟ قال: نعم, إذا هي رأت الماء».

ومن فوائد هذا الحديث: أن الأصل البناء على ما كان معروفاً؛ بمعنى: أن الدم الأصل فيه أنه حيض, ولذلك قالت: «أستحاض حيضة كثيرة شديدة»، ولم تقل: استحاضة. قالت: (حيضة)؛ لأنها بنت على الأصل أنها حيض، ولذلك كانت لا تصلي رضي الله عنها، وسيأتي بيان الفائدة التي تستنبط من هذا.

ومن فوائد هذا الحديث: أن مرجع الصحابة - رضي الله عنهم - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستفتاء، يعني: لا يحاولون أن يجتهدوا ما دام الرسول صلى الله عليه وسلم حيا بينهم, ويترتب على هذه الفائدة أن المرجع بالنسبة إلينا هو سنة الرسول صلى الله عليه وسلم والكتاب.

ومن فوائد هذا الحديث: أن الشيطان قد يسلط على الإنسان تسليطًا حسيًا؛ لقوله: «إنما هي ركضة من الشيطان» وهذا واقع.

فالشيطان قد يؤثر على الإنسان تأثيرًا حسيًا، كما في فعله في الإنسان حين الولادة، فإن المولود إذا سقط خرج فإن الشيطان يطعنه في خاصرته.

وكذلك أيضًا من التسلط الحسي: إلقاء الخيالات في قلب الإنسان، وأحيانًا في بصره يرى ويشاهد أشياء لا حقيقة لها، من أجل أن يدخل عليه الروع والخوف والحزن.

وقد أشار الله تعالى إلى هذا في قوله: {إنما النجوى من الشيطان ليجزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئًا إلا بإذن الله} [المجادلة: 10].

والآية التي سبقتها الآن تدل على أن الشيطان قد يباشر أذية الإنس، وقد يسلط أعداءه على أذيته لأن الذين يتناجون ليسوا شياطين هم بنو آدم, لكن يتناجون من أجل أن يحزنوا المؤمنين وذلك بأمر الشيطان.

ومن فوائد هذا الحديث: الرجوع إلى عادة النساء, ويترتب على ذلك العمل بالعرف الشائع بين الناس فيما لم تأت الشريعة بتحديده وهو كذلك.

ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الاغتسال على المستحاضة إذا تحيضت ستة أيام أو سبعة, وهذا الحديث - حديث حمنة - في أي المستحاضات؟ فيمن ليس لها عادة ولا تمييز.

ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجب الاغتسال لكل صلاة؛ لأنه قال: «ثم اغتسلي, فإذا استنقأت فصلي»، وقال: «إن ذلك يجزئك» ولم يذكر الغسل, وهذا أحد الأمرين, والأمر الثاني سيأتي إن شاء الله.

ومن فوائد هذا الحديث: أن العادة الغالبة في النساء أن تحيض كل شهر لقوله صلى الله عليه وسلم: «فافعلي كل شهر كما تحيض النساء» , وهو كذلك, ومن النساء من تحيض في الشهر مرتين، وقد___تحيض في الشهر ثلاث مرات لكن هذا نادر وقليل, وقد لا تحيض في الشهر بل تحيض في الشهر الثاني, وهو أيضًا موجود لكنه قليل.

ومن فوائد هذا الحديث: جواز الجمع من المستحاضة؛ لأنه يشق عليها أن تغتسل لكل صلاة بدون جمع, لو قلنا: تغتسل لكل صلاة بدون جمع لاغتسلت خمس مرات, فإذا قلنا: بالجمع لاغتسلت ثلاث مرات.

ومن فوائد هذا الحديث: ما ذهب إليه بعض العلماء من ثبوت الجمع الصوري؛ أي: أن الإنسان يصلي كل صلاة في وقتها, لكن كل صلاة قريبة من الأخرى فيكون جمعًا صوريًا؛ لأنه صلى كل صلاة في وقتها, فلم يجمع الصلاتين في وقت واحد منهما, بل صلى كل صلاة في وقتها, لكنه أخر الأولى وعجل الثانية, ولا يلزم من هذا أن تكونا متواليتين, قد يؤخر هذه في آخر الوقت، ويعجل هذه في أول الوقت, ويكون بينهما فاصل, فإذا قيل بالجمع الصوري في مثل هذا, بمعنى: أن يكون بينهما فاصل, فإنه ممكن؛ يعني: يمكن أن يقال بالجمع.

وأما ما قيل بـ"الجمع الصوري" مع الموالاة فهذا لا يمكن؛ لماذا لا يمكن؟ لأن الجمع الصوري معناه: أن تؤخر الصلاة - صلاة الظهر - إلى آخرها إلى أن يصير ظل كل شيء مثلها, ثم تعجل العصر, ومن الذي يرقب الشمس حتى يصير ظل كل شيء مثله؟ لو قلنا باللزوم لكان هذا أشق من أن يصلي كل صلاة في وقتها المتسع؛ ولهذا الجمع الصوري - كما ذكرنا لكم - إن كان المراد: أنه لا موالاة بينهما لكن الأولى يصليها في آخر الوقت, والثانية يصليها في أول الوقت, فهذا ممكن.

وأما إذا قيل: جمع بالموالاة؛ فهذا لا يمكن, وأشق من ذلك المغرب والعشاء متى يدخل وقت العشاء؟ بعد مغيب الشفق, ومن الذي يرقب مغيب الشفق حتى يدع صلاة المغرب آخر شيء قبل مغيب الشفق, ويجعل صلاة العشاء أول شيء, هذا صعب جدًا, ولاسيما إن قلنا في الشتاء؛ لأنه يلزمه أن يطلع إلى السطح أو أن يخرج إلى البرية من أجل أن يعرف متى يغيب الشفق.

على كل حال: الجمع الصوري الذي ذهب إليه بعض الناس واستدل بهذا الحديث نقول: إن كان المراد مع التفريق دون اشتراط الموالاة, فهذا ممكن, أما مع اشتراط الموالاة فهذا لا يمكن.

ولكن القول الراجح في هذه المسألة: أنه يجوز الجمع حتى الحقيقي إذا كان هناك مشقة ولسنا نستدل على هذا بحديث حمنة, ولكن بحديث ابن عباس رضي الله عنها حين قال: «جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر, وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر» , قالوا: ما___أراد بذلك؟ قال: «أراد ألا يحرج أمته». فدل هذا التعليل من ابن عباس وهو المفقه في الدين على أنه كلما كان الحرج في عدم الجمع جاز الجمع, وهذا هو الضابط.

ومن فوائد هذا الحديث: بيان تفاضل الأعمال لقوله: «وهو أعجب الأمرين إلي». «أعجب» بمعنى: أحسن, كما في حديث عائشة: «كان يعجبه التيمن». أي: يستحسنه,

ففيه دليل على تفاضل الأعمال, وأن بعضها أفضل من بعض, وهذا ثابت بالقرآن والسنة, ولا إشكال فيه أن بعض الأعمال أفضل من بعض,

قال الله تعالى: {فضَّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا} [النساء: 95]. مع أنهم كلهم في جهاد، يعني: القاعد لم يجاهد, لكن المجاهد بنفسه وماله يتفاضل جهاده بحسب ما بذل من نفس ومال." اهـ

 

وقال عبد الله بن عبد الرحمن البسام التميمي (المتوفى: 1423 هـ) _رحمه الله_ في "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 444_446):

"ما يؤخذ من الحديث:

1 - فيه وجودُ المستحاضات زمن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فكن يأتينه -عليه الصلاة والسَّلام- ويسألنه فيرشدهنَّ إلى ما شرعَ اللهُ في حقِّهنَّ، فكذا ينبغي لنساء المسلمين أنْ يسالنَ العلماء فيما يشتبه عليهنَّ في أمر دينهنَّ، حتَّى فيما يتعلَّق بالفروج.

2 - الاستحاضة ليسَتْ حيضًا طبيعيًّا، وإنَّما هو مرضٌ يصيب المرأة من الشيطان الَّذي يجري من ابن آدم مجرى الدم، ويريد أنْ يلبس عليه عباداته بكلِّ ما أقدره الله مِنْ وسائلِ الأذى والمَضَرَّة.

وهذه الركضةُ الشيطانية سمّاها النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الآخر: "عِرْقًا"، ويسمَّى هذا الشَّرْيان بالعاذل، وعلماءُ الطبِّ يفسِّرون الاستحاضة بأنَّها اضطراباتٌ تطرأ فتسبِّب هذا النزيف الَّذي ربما يكون حادًّا.

قال الدكتور الطبيب محمد علي البار: الاستحاضة دم يخرُجُ من الرحم أو مِنْ عُنُقِ الرحم أو المهبل، نتيجةَ وجودِ ورمٍ حميد أو خبيث، أو وجودِ التهابٍ في عنق الرحم أو المهبل أو غير ذلك من أمراض هذا الجهاز، وقد يكون من استخدامِ العقاقير، ولعلَّ هذا السببَ الأخيرَ مِنْ أكثرها شيوعًا؛ إذ إنَّ استخدام العقاقير تمنع التجلط "التخثر"، هذه أهم أسباب الاستحاضة.

3 - المرأة المصابة بالاستحاضة التي لا تعرف عادةَ حيضها الأصلية، وليس لها تمييزٌ صالح تَعرِفُ به دمَ الحيض من دم الاستحاضة، فتتحيض بترك الصلاة والصيام ونحوهما عادةَ النساء في أيَّام الحيض، وهي ستَّةُ أيَّام أو سبعة، تعتبر نفسها فيهنَّ حائضًا، عليها أحكامُ الحائض.

4 - إذا أتمَّتِ المستحاضةُ عادةَ النساء، اغتسلَتْ غُسْلَ الحيض -ولو أنَّ لم الاستحاضة معها- فصلَّتْ أربعةً وعشرين أو ثلاثة وعشرين يومًا، وصامت، وأجزأها عن ذلك الصلاةُ والصيامُ الواجبان عليها؛ لأنَّها أصبحت في حكم الطاهرات من الحيض.

5 - تفعل هذه الصفة كلَّ شهر؛ لأنَّ العادة الغالبة عند النساء أنَّ شَهْرَها في الحيض والطهر ثلاثون يومًا، ستَّة أو سبعة منها حيض، والباقي طهر، فهذه أقرب حالةٍ لها، والغالب أنْ يكون شهرها شهرًا هلاليًّا.

6 - أنَّ دم الاستحاضة لا يمنع من الصلاة، ونحوها من العبادات الواجب لها الطهارةُ.

7 - أنَّ دم الحيض يمنع مِنَ الصلاة، ونحوها ممَّا يشترط له الطهارة من الحيض، وإنَّ الصلاة المتروكة زمَنَ الحيض لا تُقْضَى.

8 - أنَّ الدم نجسٌ يجبُ غسله بإجماعِ العلماء.

9 - جمهور العلماء لا يوجبون الغُسْلَ على المستحاضة، فليس لديهم ما يعتمدون عليه في وجوبه، وإنَّما استحبُّوه لها استحبابًا،

فإذا أرادت المستحاضة أنْ تغتسلَ فبدلاً من أنْ تغتسِلَ لكلِّ صلاةٍ من الصلوات الخمس، ممَّا يسبِّب لها المشقَّة الكبيرة، لا سيَّما في زمن البرد -فإنَّ لها أنْ تؤخِّر الظهر إلى آخر وقتها، وتقدِّم العصر إلى أوَّل وقتها، وتصلِّيهما في وقتيهما بغسل واحد،

وكذلك المغرب والعشاء، وهذا ما يسمَّى: الجمع الصُّورِيَّ، أمَّا الفجر: فلها غسل مستحب واحد لانقطاعها عمَّا قبلها وما بعدها من الصلوات الخمس، ولا شكَّ أنَّ الغسل فيه كمالُ النظافة لولا المشقَّةُ العظيمة." اهـ

 

وقال الحسين بن محمد اللاعيّ، المعروف بـ"المَغرِبي" (المتوفى: 1119 هـ) _رحمه الله_ في "البدر التمام شرح بلوغ المرام" (2/ 178_179):

"واعلم أن الحديث المذكور يدل بظاهره على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بعادة النساء في الحيض والطهر، وأن الأمر بالاغتسال إنما ناطه بقوتها، فكان قرينة على أنه رخصة، وليس بعزيمة في حقها، ويدل على ذلك ما في___صدر هذا الحديث "(مرك بأمرين: أيهما صنعت أجزى عنك من الآخر)." اهـ

 

وقال محمد بن إسماعيل الحسني، الكحلاني، المعروف بـ"الأمير الصنعاني" (المتوفى: 1182 هـ) _رحمه الله_ في "سبل السلام" (1/ 150):

"هَذَا الْحَدِيثُ وَحَدِيثُ " حَمْنَةَ " الْآتِي، فِيهِ الْأَمْرُ بِالِاغْتِسَالِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقَدْ بَيَّنَ فِي حَدِيثِ " حَمْنَةَ " أَنَّ الْمُرَادَ إذَا أَخَّرَتْ الظُّهْرَ وَالْمَغْرِبَ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا إذَا وَقَّتَتْ اغْتَسَلَتْ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ." اهـ

 

وقال شيخنا عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد البدر _حفظه الله_ في "شرح سنن أبي داود" – تفريغ الشاملة (44/ 3):

"وتغتسل عند انتهاء الأيام الستة أو السبعة، وما زاد على ذلك وهو إما ثلاثة وعشرون يوماً أو أربعة وعشرون يوماً يكون حكمها حكم الطاهرات، وتتوضأ لكل صلاة وجوباً، وتغتسل لكل صلاة استحباباً،

وأرشدها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنها إذا قويت على أن تجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وتغتسل لكل صلاتين من هاتين الصلاتين المجموعتين غسلاً واحداً وتغتسل للفجر، فإنها تفعل." اهـ

 

 

ملحق الفوائد:

 

هذا الحديث أصلٌ عظيمٌ في باب الاستحاضة، وقد اشتمل على فوائد جليلة، نذكر جملةً:

1 ـ فيه: إثباتُ التفريقِ بين دمِ الحيضِ ودمِ الاستحاضة، وأنَّ الدماءَ الخارجةَ من المرأةِ ليستْ على مرتبةٍ واحدة، بل منها ما هو دمُ حيضٍ له أحكامُه، ومنها ما هو دمُ عِلَّةٍ وفسادٍ، وهو الاستحاضة؛ لقوله _صلى الله عليه وسلم_: "إنما هي ركضةٌ من الشيطان"، فنفى عنها حقيقةَ الحيض.

2 ـ فيه: أنَّ الاستحاضةَ لا تمنعُ الصلاةَ ولا الصيام، لما أمرها بالصلاة والصيام بعد تقدير أيام الحيض، فدلَّ على أنَّ المستحاضةَ في حكم الطاهرات، لا تسقُطُ عنها العبادات، بل تؤديها مع وجود الدم.

3 ـ فيه: الرجوعُ إلى العادةِ الغالبةِ عند فقدِ التمييز، وأنَّ المرأةَ إذا لم يكن لها تمييزٌ بين الدمين، فإنها ترجعُ إلى غالبِ عادةِ النساء، لقوله: "ستةَ أيامٍ أو سبعة"، وهذا من محاسن الشريعة في رفع الحرج.

4 ـ فيه: جوازُ الاجتهادِ في تقديرِ مدةِ الحيض، إذ خيَّرها بين الستة والسبعة، وأنَّ هذا التقديرَ مبنيٌّ على الاجتهادِ والنظر، لا على التحديدِ اللازمِ لكلِّ امرأة.

5 ـ فيه: وجوبُ الغسلِ عند انقضاءِ زمنِ الحيضِ المقدَّر، لقوله: "ثم اغتسلي"، فدلَّ على أنَّ الغسلَ إنما يجبُ بانتهاء زمن الحيض، ولو كان الدمُ باقياً من جهة الاستحاضة.

6 ـ فيه: أنَّ النقاءَ الحكميَّ يقومُ مقامَ النقاءِ الحقيقي، ففي قوله: "فإذا استنقأتِ"، إشارةٌ إلى أنَّ المرأةَ تُحكَمُ بطهارتها بعد مضيِّ زمن الحيض، وإن بقي الدمُ استحاضةً، فيكون هذا نقاءً حُكميًّا.

7 ـ فيه: أنَّ الدينَ يُبنى على التيسير ورفع الحرج حيثُ أرشدها إلى التقدير، ولم يُكلِّفها التمييزَ الدقيقَ مع العجز، وفيه شاهدٌ لقولِه تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}.

8 ـ فيه: مشروعيةُ الجمعِ الصوريِّ للمستحاضة، في قوله: "تؤخرين الظهر وتعجلين العصر..."، ففيه: دليلٌ على جواز الجمع الصوري، وهو أن تُؤخَّر الأولى إلى آخر وقتها، وتُقدَّم الثانية في أول وقتها، دفعًا للمشقة.

9 ـ فيه: استحبابُ كثرةِ الاغتسالِ لمن قدر عليه، لقوله: "وهو أعجبُ الأمرين إليَّ"، أي أحبُّهما، فدلَّ على أنَّ الإكثار من الطهارة مع المشقة يُثاب عليه، وهو أكملُ في التعبد.

10 ـ فيه: أنَّ المشقةَ تجلبُ التيسير، فإنه لما كانت حالُها شاقةً، رخَّص لها في الجمع، فكان ذلك أصلًا من أصول الفقه، وهو أنَّ المشقةَ سببٌ للتخفيف.

11 ـ فيه: نسبةُ بعضِ الأذى إلى الشيطان في قوله: "ركضةٌ من الشيطان"، ففيه بيانٌ أنَّ الشيطان له مدخلٌ في إيلام بني آدم وإفساد أحوالهم، إمّا حقيقةً أو على جهة التسبب.

12 ـ فيه: عنايةُ الشريعةِ بأحكامِ النساءِ وتفصيلِها، فهذا الحديثُ من أدقِّ ما ورد في بيان حال المستحاضة، مما يدل على كمال الشريعة، وتمام رحمتها، وإحاطتها بأحوال المكلفين.

13 ـ فيه: أنَّ الفتوى تختلفُ باختلافِ الأحوال، فقد خيَّرها بين حالين: حالٍ أيسر، وحالٍ أكمل، فدلَّ على أنَّ المفتي يراعي حالَ المستفتي قوةً وضعفًا.

14 ـ فيه: فضلُ سؤالِ أهلِ العلمِ عند النوازل، فإن حمنةَ _رضي الله عنها_ لما أشكل عليها الأمر، رجعت إلى النبي _صلى الله عليه وسلم_، ففيه الحثُّ على الرجوع إلى العلماء، وتركُ التخبّط والظنون.

15 ـ فيه: أنَّ العباداتِ لا تُتركُ بالشكوكِ والأوهام، إذ لم يجعل استمرار الدم عذرًا في ترك الصلاة، بل أوجب عليها العبادة بعد ضبط الحال، وفيه سدٌّ لباب الوسوسة.

16 ـ فيه: كمالُ نصحِ النبي _صلى الله عليه وسلم_ لأمته حيثُ لم يقتصر على بيان الحكم الواجب، بل دلَّها على الأكمل والأفضل، وهذا من تمام شفقته ورحمته _صلى الله عليه وسلم_.

 

فهذا الحديثُ من جوامع الكلم في باب الطهارة، جمع بين رفع الحرج، وضبط الأحكام، وفتح باب الفضل والكمال، فكان أصلًا يرجع إليه الفقهاء، وقاعدةً يُبنى عليها كثيرٌ من مسائل النساء.



[1] (كُنْتُ أُسْتَحَاضُ)، أي: كنتُ أُصاب بـ الاستحاضة، وهي نزول دم من المرأة في غير زمن الحيض، وهو دم عِلّةٍ ومرض، لا دم حيضٍ طبيعي. (حَيْضَةً كَبِيرَةً شَدِيدَةً)، أي: نزيفًا كثيرًا قويًّا، فشبَّهته بالحيض من شدته وكثرته، وليس المقصود أنه حيضٌ حقيقي. (أَسْتَفْتِيهِ)، أي: أطلب منه الفتوى، أي الحكم الشرعي في حالتي.

[2] (إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ)، رَكْضَةٌ: الركض في الأصل الضرب بالرِّجل. والمعنى هنا: دفعةٌ أو تأثيرٌ من الشيطان. أي: هذا الدم ليس دم حيض، بل هو دم فساد سببه اضطراب في البدن، ونُسب إلى الشيطان لأنه يسبب الأذى والوسوسة والتشويش. (فَتَحَيَّضِي)، أي: اعتبري نفسك حائضًا، واجعلي لكِ أيامًا تُعاملين فيها معاملة الحائض. (سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً)، أي: اجعلي مدة حيضك المعتادة بتقدير ستة أو سبعة أيام، وهو الغالب على النساء. (ثُمَّ اغْتَسِلِي)، أي: بعد انتهاء مدة الحيض المقدّرة، اغتسلي غسل الطهارة من الحيض. (فَإِذَا اسْتَنْقَأْتِ)، اسْتَنْقَأْتِ: أي حصل لكِ النقاء. أي: إذا انقطع دم الحيض المقدّر، أو تميّز عن دم الاستحاضة. (فَصَلِّي أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، أَوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ)، أي: صلّي بقية أيام الشهر نحو 24 أو 23 يومًا، بعد طرح مدة الحيض، نحو 6 أو 7 أيام. (فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ، أي: يكفيكِ هذا العمل، وتبرأ به ذمتكِ شرعًا. (كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ)، أي: على وفق العادة الغالبة عند النساء، في تقدير مدة الحيض.

[3] (فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ)، أي: إن استطعتِ أن تجمعي بين الصلاتين بأن تؤخرين الظهر إلى آخر وقته، وتصلين العصر في أول وقته. (ثُمَّ تَغْتَسِلِي)، أي: تغتسلين قبل الصلاة لتكوني على طهارة أكمل. (وَتُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرِ جَمِيعًا)، أي: تجمعين بينهما جمعًا صوريًا في الوقت، لا جمع تقديم أو تأخير حقيقة.

[4] (وَتُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ)، أي: تفعلين نفس الشيء مع المغرب والعشاء. (وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ)، أي: تصلين كل صلاتين معًا بغُسْل واحد، تيسيرًا عليكِ. (وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ)، أي: تغتسلين لصلاة الفجر أيضًا.

[5] (وَهُوَ أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ)، أي: هذا الفعل من كثرة الاغتسال والجمع أحبّ وأفضل عند النبي _صلى الله عليه وسلم_، لأنه أكمل في الطهارة والعبادة، مع أنه فيه مشقة.

قال العثيمين _رحمه الله_ في "فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 385):

"ما الأمر الأول؟

الأمر الأول: أن تغتسل مرة واحدة, متى؟ عند انتهاء الحيض, وبعد ذلك تتوضأ لكل صلاة.

الأمر الثاني: أمرها النبي _صلى الله عليه وسلم_ أن تغتسل لكل صلاة، لكن للمشقة تجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فيكون قوله: «أعجب الأمرين إلي»، يعني: أن تجمع وتغتسل، والأمر الآخر ما هو؟ أن تغتسل مرة واحدة عند انتهاء الأيام الستة أو السبعة." اهـ

[6] قال الترمذي في "سننه" – ت. شاكر (1/ 225_226):

"هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَشَرِيكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ___بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ، عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ جُرَيجٍ يَقُولُ: عُمَرُ بْنُ طَلْحَةَ، وَالصَّحِيحُ عِمْرَانُ بْنُ طَلْحَةَ. وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَهَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ." اهـ

[7] قال القاري _رحمه الله_ في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (2/ 502):

"(مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ): يُرِيدُ بِهِ الْإِضْرَارَ وَالْإِفْسَادَ، وَإِضَافَتُهَا إِلَى الشَّيْطَانِ ; لِأَنَّهُ وَجَدَ بِذَلِكَ طَرِيقًا إِلَى التَّلْبِيسِ عَلَيْهَا فِي أَمْرِ دِينِهَا وَقْتَ طُهْرِهَا وَصَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا حَتَّى أَنْسَاهَا ذَلِكَ، فَكَأَنَّهَا رَكْضَةٌ نَالَتْهَا مِنْ رَكَضَاتِهِ، أَوِ الْحَالَةُ الَّتِي ابْتُلِيَتْ بِهَا مِنَ الْخَبْطِ وَالتَّحَيُّرِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ." اهـ

[8] أخرجه أبو داود في "سننه" (3/ 128) (رقم: 2920)، وصححه الألباني _رحمه الله_ في "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (6/ 147) (رقم: 1707)

Komentar

Postingan populer dari blog ini

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة