شرح الحديث [104] (باب المجاهدة) من رياض الصالحين
|
[104] العاشر: عن أنس _رضي الله عنه_ : عن رَسُول
الله _صلى الله عليه وسلم_، قَالَ : «يَتْبَعُ
المَيتَ ثَلاَثَةٌ: أهْلُهُ، وَمَالُهُ،
وَعَملُهُ. فَيَرجِعُ
اثنَانِ، وَيَبْقَى وَاحِدٌ: يَرجِعُ أهْلُهُ وَمَالُهُ،
وَيَبقَى عَملُهُ». مُتَّفَقٌ
عَلَيهِ. |
ترجمة أنس بن مالك الأنصاري
الخزرجي النجاري _رضي الله عنه_:
وفي "سير
أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (3/ 395):
"أَنَسُ
بنُ مَالِكِ بنِ النَّضْرِ بنِ ضَمْضَمٍ الأَنْصَارِيُّ * (ع): ابْنِ زَيْدِ بنِ
حَرَامِ بنِ جُنْدُبِ بنِ عَامِرِ بنِ غَنْمِ بنِ عَدِيِّ بنِ النَّجَّارِ:
الإِمَامُ، المُفْتِي، المُقْرِئُ، المُحَدِّثُ، رَاوِيَةُ الإِسْلاَمِ، أَبُو حَمْزَةَ الأَنْصَارِيُّ، الخَزْرَجِيُّ،
النَّجَّارِيُّ، المَدَنِيُّ، خَادِمُ رَسُوْلِ اللهِ
-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَرَابَتُهُ مِنَ النِّسَاءِ،
وَتِلْمِيذُهُ، وَتَبَعُهُ، وَآخِرُ أَصْحَابِهِ مَوْتاً." اهـ
وفي "تاريخ
دمشق" لابن عساكر (9/ 361):
"عن
أنس قال: (شهدت مع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_
الحديبيةَ، وعُمْرَتَهُ، والحجَّ، والْفَتْحَ، وحُنَيْنًا، وخَيْبَر." اهـ
وفي "معرفة
الصحابة" لأبي نعيم (1/ 231):
"تُوُفِّيَ
سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ،
وَقِيلَ:
إِحْدَى وَتِسْعِينَ، وَقِيلَ: تِسْعِينَ،
آخِرُ
مِنْ تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ مِنَ الْصَّحَابَةِ،
وَدَعَا
لَهُ رَسُولُ اللهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ بِكَثْرَةِ الْمَالِ
وَالْوَلَدِ، وَكَانَتْ نَخْلَاتُهُ تُحْمَلُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، وَوُلِدَ لَهُ مِنْ صُلْبِهِ ثَمَانُونَ وَلَدًا، وَقِيلَ: بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ." اهـ
نص
الحديث وشرحه:
العاشر: عن أنس
_رضي الله عنه_ :
عن رَسُول الله
_صلى الله عليه وسلم_، قَالَ :
«يَتْبَعُ
المَيتَ ثَلاَثَةٌ:
مرقاة المفاتيح
شرح مشكاة المصابيح (8/ 3235)
وَقَالَ
الطِّيبِيُّ _رَحِمَهُ اللَّهُ_:
"اتِّبَاعُ الْأَهْلِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَاتِّبَاعُ الْمَالِ عَلَى الِاتِّسَاعِ، فَإِنَّ الْمَالَ حِينَئِذٍ لَهُ نَوْعٌ تَعَلَّقَ بِالْمَيِّتِ
مِنَ التَّجْهِيزِ وَالتَّكْفِينِ وَمُؤْنَةِ الْغُسْلِ وَالْحَمْلِ وَالدَّفْنِ،
فَإِذَا دُفِنَ، انْقَطَعَ تَعَلُّقُهُ بِالْكُلِّيَّةِ." اهـ
وفي لمعات
التنقيح في شرح مشكاة المصابيح (8/ 409):
"(يتبع
الميت ثلاثة) تبعه: مشى خلفه، ومرّ به فمضى معه، هذا حقيقة، والمراد هنا معنى
مجازي عام، وهو تعلقها به بعده، وكونها معه إلى حين، كأنها تمشي خلفه وتمضي معه،
فيرجع الأهل والمال وينقطع التعلق بينهما وبينه، ويبقى معه متصلًا به العمل،
فافهم." اهـ
أهْلُهُ، وَمَالُهُ، وَعَملُهُ.
وفي "الكوثر
الجاري إلى رياض أحاديث البخاري" (10/ 183) للكُوْرَانِيِّ:
"المراد
بـ(المال): الرقيق. والذي يكون على النفس من
الثياب وغيرِها. والمراد من (العمل): ثواب العمل، وقيل: بل يجعل الله عملَه في صورة أجملِ إنسانٍ يُؤْنِسُهُ
في قَبْرِهِ أوْ نَوَّرَ أرْضَ قَبْرِهِ." اهـ
وفي
"التوضيح لشرح الجامع الصحيح" لابن الملقن (29/ 611):
قال
الداودي: المراد بـ(المال): ما يلقى عليه من سريره، وما يلبسه أهله، وما يخرج
وراءه من رقيقه.
قلت:
الوجه الثاني الذي ذكره الكوراني، ورد ذلك في "مسند أحمد" – ط. عالم
الكتب (4/ 287_288):
قَالَ:
وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ،
فَيَقُولُ: (أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ)،
فَيَقُولُ لَهُ: "مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ
الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ." فَيَقُولُ: (أَنَا
عَمَلُكَ الصَّالِحُ)، فَيَقُولُ: "رَبِّ، أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّى
أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، وَمَالِي."
قَالَ: وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ
الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ
مَلاَئِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ___مَعَهُمُ الْمُسُوحُ[1]،
فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ، حَتَّى
يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: (أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ،
اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللهِ وَغَضَبٍ ...
وَيَأْتِيهِ
رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: (أَبْشِرْ
بِالَّذِي يَسُوءُكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: "مَنْ
أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ." فَيَقُولُ: (أَنَا
عَمَلُكَ الْخَبِيثُ)، فَيَقُولُ: "رَبِّ، لاَ تُقِمِ السَّاعَةَ."
أخرجه أحمد في
"المسند" – ط. عالم الكتب (4/ 287) (18534)، صححه الأرنؤوط في تعليقه
على مسند أحمد، ط. الرسالة (30/ 499) (رقم : 18534)
فَيَرجِعُ
اثنَانِ، وَيَبْقَى وَاحِدٌ: يَرجِعُ أهْلُهُ وَمَالُهُ،
وَيَبقَى عَملُهُ». مُتَّفَقٌ
عَلَيهِ.
وفي "فتح
الباري" لابن حجر (11/ 365):
"قَوْلُهُ
(يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ):
هَذَا يَقَعُ
فِي الْأَغْلَبِ، وَرُبَّ مَيِّتٍ لَا يَتْبَعُهُ، إِلَّا عَمَلُهُ فَقَطْ. وَالْمُرَادُ: مَنْ يَتْبَعُ جِنَازَتَهُ مِنْ أَهْلِهِ
وَرُفْقَتِهِ وَدَوَابِّهِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْعَرَبِ، وَإِذَا
انْقَضَى أَمْرُ الْحُزْنِ عَلَيْهِ، رَجَعُوا سَوَاء أَقَامُوا بَعْدَ الدَّفْنِ
أَمْ لَا." اهـ
وفي "التوضيح
لشرح الجامع الصحيح" (29/ 611) لابن الملقن:
"ومعنى (ويَبْقَى
عَمَلُهُ): يَدْخُلُ مَعَهُ الْقَبْرُ، فإن كان سعيدًا مُثِّلَ لَهُ أَحْسَنُ صورةٍ،
فيؤنسه ويبشره ما كان روحه معه في قبره، فيقول: من أنت يرحمك الله؟ فيقول: "عملك."
وإن كان سيئًا،
مُثِّلَ لَهُ في أَقْبَحِ صورةٍ، فيقول له: "من أنت؟" فيقول: "عملك."
ويصحبه كذلك حَتَّى يحشر." اهـ
مرقاة المفاتيح
شرح مشكاة المصابيح (8/ 3235)
"(وَيَبْقَى)
أَيْ: مَعَهُ (عَمَلُهُ) أَيْ: مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ، وَلِذَا قِيلَ: الْقَبْرُ صُنْدُوقُ الْعَمَلِ، وَفِي
الْحَدِيثِ: «الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ
حُفَرِ النِّيرَانِ» [ضعيف: ت][2]."
المعنى
الإجمالي لهذا الحديث:
هذا الحديث
العظيم من جوامع كَلِمِ النبي _صلى الله عليه وسلم_، وفيه تذكيرٌ بليغٌ بحقيقة
الدنيا، وتنبيهٌ للقلوب الغافلة إلى ما ينفع العبد بعد موته، وما يفارقه عند
انتقاله من هذه الدار إلى دار الجزاء.
فالنبي _صلى
الله عليه وسلم_ يبيّن أن الإنسان إذا مات وخرج من الدنيا، فإن الذي يتبعه إلى
قبره ثلاثة أشياء: أهله الذين كانوا يحيطون به في
حياته، وماله الذي كان يجمعه ويحرص عليه، وعمله الذي قدّمه من خيرٍ أو شر.
* فأما أهله:
فإنهم يشيّعونه إلى قبره، ويحضرون دفنه، ثم يرجعون إلى بيوتهم، وينقطع تعلقهم به
من جهة المصاحبة الدنيوية، وإن بقيت لهم الدعوات والرحمة.
* وأما ماله:
فإنه يفارقه كذلك، إذ ينتقل إلى الورثة، أو يبقى في الدنيا لا يملك منه شيئًا، فلا
يصحب العبدَ إلى قبره درهمٌ ولا دينار، ولا عقارٌ ولا متاع.
* وأما عمله:
فإنه لا يفارقه، بل يدخل معه قبره، ويلازمه في برزخه، ثم يكون سبب نجاته أو هلاكه
يوم القيامة، فإن كان صالحًا كان أنيسًا ورحمة، وإن كان فاسدًا كان حسرةً وعذابًا.
فلهذا قال _صلى
الله عليه وسلم_: «فيرجع اثنان ويبقى واحد»، أي: يرجع الأهل والمال، ويبقى العمل
وحده، لأنه هو الزاد الحقيقي للآخرة، وهو الذي يُوزن به العبد عند الله تعالى.
وفي هذا أعظمُ
دعوةٍ إلى الزهد في الاغترار بالدنيا، وعدم الانشغال بما يفنى عن ما يبقى، وأن
العاقل من قدّم لنفسه عملًا صالحًا يجده يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى
الله بقلبٍ سليم.
فالحديث يقرر في
القلب أن الصحبة الحقيقية بعد الموت ليست للأهل ولا للمال، وإنما للعمل، فمن أراد
أن يجد في قبره أنيسًا فليُحسن عمله، ومن أراد النجاة فليجعل همَّه فيما يبقى لا
فيما يفنى.
تخريج
الحديث :
أخرجه البخاري
في "صحيحه" (8/ 107) (رقم: 6514)، ومسلم في "صحيحه" (4/ 2273/
5) (رقم: 2960)، والترمذي في "سننه" (4/ 589) (رقم: 2379)، والنسائي في "سننه"
(4/ 53) (رقم: 1937)، وفي "السنن الكبرى" (2/ 426 و 10/ 376) (رقم: 2075
و 11760)، وأحمد في "المسند" – ط.
عالم الكتب (3/ 110) (رقم: 12080)، وابن المبارك في "الزهد والرقائق"
(1/ 224) (رقم: 636)، والحميدي في "المسند" (2/ 303) (رقم: 1220)، وابن
أبي شيبة في "المصنف" (7/ 133) (رقم: 34763)، وابن أبي حاتم في "الجرح
والتعديل" (1/ 338)، وابن حبان في "صحيحه" (7/ 374) (رقم: 3107)، والحاكم
في "المستدرك على الصحيحين" (1/ 146) (رقم: 249)، وابْنُ بشران في
"الأمالي" - الجزء الأول والجزء الثاني (ص: 240 و ص: 42) (رقم: 548 و 1037)،
وأبو نعيم في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (7/ 310 و9/ 397)، والبيهقي
في "شعب الإيمان" (5/ 42) (رقم: 3068)، وفي "الآداب" (ص: 329)
(رقم: 815)، و"الزهد الكبير" (ص: 268) (رقم: 695)، والخطيب في "تاريخ
بغداد" – ت. بشار (6/ 396) (رقم: 1834)، والبغوي في "شرح السنة"
(14/ 259) (رقم: 4056)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (58/ 378).
والحديث
صحيح: صححه
الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (7/ 879) (رقم: 3299)،
و"تخريج مشكاة المصابيح" (3/ 1429) (رقم: 5167)، و"صحيح الجامع
الصغير وزيادته" (2/ 1328) (رقم: 8017)، و"التعليقات الحسان على صحيح
ابن حبان" (5/ 91) (رقم: 3097)، و"صحيح الترغيب والترهيب" (3/ 260)
(رقم: 3230)
من
فوائد الحديث :
قال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 98):
"وفي هذا
الحديث دليل على أن الدنيا تزول، كل زينة الحياة الدنيا ترجع ولا تبقى معك في
قبرك، المال والبنون زينة الحياة الدنيا ترجع،___من الذي
يبقى؟ العمل فقط،
فعليك يا أخي أن
تحرص على مراعاة هذا الصاحب الذي يبقى ولا ينصرف مع من ينصرف،
وعليك أن تجتهد
حتى يكون عملك عملاً صالحاً يؤنسك في قبرك إذا انفردت به عن الأحباب والأهل
والأولاد. " اهـ
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 99):
"كثرة
العمل يوجب مجاهدة النفس، فإن الإنسان يجاهد نفسه على الأعمال الصالحة التي تبقى
بعد موته نسأل الله لنا ولكم حسن الخاتمة والعافية، وأن يتولانا وإياكم بعنايته
ورعايته. إنه جواد كريم." اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في
"البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (45/ 61):
"في
فوائده:
1 - (منها):
بيان أن العمل يدخل القبر مع الإنسان، فينتفع به إن كان صالحًا، ويتضرّر به، إن
كان غير صالح،
وقد ورد ذلك في
حديث البراء بن عازب -رضي الله عنهما- الطويل في صفة المسألة في القبر عند أحمد
وغيره، ففيه: "ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر
بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت تُوعَد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء
بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي
ومالي".
وقال في الكافر:
"ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، مُنتِنُ الريح، فيقول: أبشر بالذي
يسوءك، هذا يومك الذي كنت تُوعَد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر، فيقول:
أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تُقِم الساعة" ... الحديثَ.
وقد ذكرت الحديث
بطوله في غير هذا المحلّ.
2 - (ومنها):
التنبيه على الاهتمام بإصلاح العمل، حيث إنه لا يفارق
عامله في دار
البقاء.
3 - (ومنها): أن
مما يجب على العاقل عدمَ الاشتغال بالأهل والمال عن الأ. عمال الصالحات، إلا فيما
له تعلّق بالآخرة، كتعليم أهله دينهم، وتوجيههم إلى الخير، والقيام بماله، ليصل به
رحمه، ويواسي به الفقراء والمحتاجين، وينفقه في سبيل الله تعالى، فإن هذا يعدّ من
أعماله الصالحات التي تدخل معه الفير، وينتفع بها، وما عدا ذلك فهو فتنة، وقد حذّر
الله تعالى منها، حيث قال: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ
فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)} [الأنفال: 28]،
وقال:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ
عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن: 14]،
وقال: {يَاأَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ
اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9)} [المنافقون:
9]، والله تعالى أعلم." اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في
"ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (19/ 131_132):
"فى فوائده
:
"(منها):
أن العمل يدخل القبر مع الإنسان، فينتفع به إن كان صالحا، ويتضرّر به، إن كان غير
صالح،
وقد ورد ذلك في
حديث البراء بن عازب - رضي اللَّه عنهما - الطويل في صفة المسألة في القبر عند
أحمد وغيره، ففيه: "وبأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول:
أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت تُوعَد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء
بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي".
وقال في الكافر:
"ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، مُنتِنُ الريح، فيقول: أبشر بالذي
يسوءك، هذا يومك الذي كنت تُوعَد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر، فيقول:
أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة" ... الحديث.
وقد____ذكرت
الحديث بطوله في هذا الشرح في "باب ما يُلَقَّى به المؤمن من الكرامة عند
خروج نفسه" 9/ 1833. وباللَّه تعالى التوفيق.
(ومنها):
التنبيه على الاهتمام بإصلاح العمل، حيث إنه لا يفارق عامله في دار البقاء،
(ومنها): أن مما
يجب على العاقل عدمَ الاشتغال بالأهل والمال عن الأعمال الصالحات، إلا فيما له
تعلّق بالآخرة، كتعليم أهله دينهم، وتوجيههم إلى الخير، والقيام بماله، ليصل به
رحمه، ويواسي به الفقراء والمحتاجين، وينفقه في سبيل اللَّه تعالى، فإنه هذا يعدّ
من أعماله الصالحات التي تدخل معه القبر، وينتفع بها، وما عدا ذلك فهو فتنة، وقد
حذّر اللَّه تعالى منها، حيث قال:
{وَاعْلَمُوا
أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ
عَظِيمٌ} [الأنفال: 28]،
وقال:
{يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ
فَاحْذَرُوهُمْ} الآية [التغابن: 14]
وقال:
{يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ
اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المنافقون: 9].
واللَّه تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل." اهـ
وقال زين الدين
عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي،
ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه
الله_ في "أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور" (ص: 28):
"الباب
الرابع: في اجتماع أعمال الميت عليه من خير وشر ومدافعتها عنه وكلامها له، وما ورد
من تحسر الموتى على انقطاع أعمالهم، ومَنْ أُكْرِمَ منهم، تبقى أعماله عليه."
اهـ
وقال محمد بن محمد بن محمد، شمس الدين الْمَنْبِجِيُّ
(المتوفى: 785 هـ) _رحمه الله_ في "تسلية أهل المصائب" (ص: 52):
"البكاء لا
ينفع الميت، بل ينفعه العمل الصالح. وليعلم أن البكاء المجرد، ليس فيه منفعة للميت
البتة، وإنما ينفعه عملُه...فلا منفعة للميت بالبكاء والانزعاج." اهـ
وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في
"تطريز رياض الصالحين" (ص: 92):
"في هذا
الحديث: الحث على تحسين العمل ليكون أنيسه في قبره." اهـ
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (17/ 305):
"الأموات
الذين كانوا بالأمس معه على ظهر الأرض، يأكلون كما يأكل، ويشربون كما يشرب،
ويلبسون كما يلبس، ويتنعمون في الدنيا كما يتنعم، فأصبحوا الآن مرتهنين في قبورهم
بأعمالهم، ليس عندهم صديق ولا حميم، وإنما جليسهم عملهم." اهـ
وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في
"تطريز رياض الصالحين" (ص: 313):
"الغالب:
أنّ المرء إذا مات تبعه أهله، وما احتيج إليه من ماله في تجهيزه، وإذا دفن، رجعوا،
ودخل عمله معه في قبره، كما في حديث البراء. «ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب،
طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح» .
الحديثَ[3]."
اهـ
وقال محمود بن
أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه
الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (23/ 98):
"وَقَالَ
الْكرْمَانِي أَيْضا:
(وَفِيه: إِثْبَات
عَذَاب الْقَبْر وَالأَصَح أَنه للجسد، وَلَا بُد
من اعادة الرّوح فِيهِ، لِأَن الْأَلَم لَا يكون إِلَّا للحي)،
قلت:
إِثْبَات عَذَاب الْقَبْر لَا تداع، وَأما قَوْله (وَالأَصَح أَنه للجسد)، فَغير
مُسلم، لِأَن الْجَسَد يفنى. وتعذيب الَّذِي فني غير مُتَصَوّر،
وَأما قَوْله: (وَلَا
بُد من إِعَادَة الرّوح فِيهِ)، فَفِيهِ اخْتِلَاف: هَل تعود الرّوح فِيهِ
حَقِيقَة أَو تقرب من الْبدن بِحَسب مَا يعذب الْبدن بِوَاسِطَة أَو بِغَيْر
ذَلِك؟
فحقيقة ذَلِك
عِنْد الله، وَقد ضرب بعض الْعلمَاء لتعذيب الرّوح مثلا بالنائم، فَإِن روحه تتنعم
أَو تعذب والجسد لَا يحس بِشَيْء من ذَلِك،
وَاعْلَم أَن
نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة ويُعْرَضُ عَلَيْهِ مقعدُها غدْوَة
وعشيا، وأرواح الْكفَّار فِي أَجْوَافِ طيورٍ سُوْدٍ تَغْدُو على جَهَنَّم وَتَروح
كل يَوْم مرَّتَيْنِ، فَذَلِك عرضهَا. وَقد قيل: إِن أَرْوَاحهم فِي صَخْرَة
سَوْدَاء تَحت الأَرْض السَّابِعَة على شَفير جَهَنَّم فِي حواصل طيور سود."
اهـ
وفي "مجموع
فتاوى ابن باز" (13/ 177):
"السنة أن
المشيع يتبع الميت من بيته إلى المصلى، ومن المصلى إلى المقبرة ويبقى معه حتى يفرغ
من دفنه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:
«من تبع جنازة
مسلم إيمانا واحتسابا وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع بقيراطين
كل قيراط مثل جبل أحد» أخرجه البخاري في صحيحه. [خ م]
وفي "مجموع
فتاوى ورسائل العثيمين" (25/ 539):
"ينتقل
الإنسان من الدنيا، وما من___ميت يموت إلا ندم، إن كان محسناً ندم ألا يكون ازداد،
وإن كان مسيئاً ندم ألا يكون استعتب. ينتقل من الدنيا وهو يقول بلسان الحال أو
المقال ما ذكره الله تعالى في قوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ
قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ...}
[المؤمنون: 99، 100]
قال الله تعالى:
{...كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى
يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 100]،
ينتقل الإنسان
من الدنيا إلى الآخرة وكأنه لم يبق في الدنيا إلا ساعة واحدة مهما طالت به الدنيا
قال الله تعالى:
{كَأَنَّهُمْ
يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات:
46]
{كَأَنَّهُمْ
يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ
بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ } [الأحقاف: 35]،
واعتبر أيها
الأخ ما سيأتي بما مضى، كل ما خلَّفت من الزمن فإنه كأنه لحظة واحدة، كأنك لم تعش
في الدنيا إلا هذه اللحظة التي أنت عائش فيها الآن، وهكذا إذا حضر الموت فكأنك لم
تعش إلا تلك
اللحظة التي
أتاك فيها الموت، فالإنسان العاقل البصير ينتهز الفرصة في عمره، ولاسيما في مواسم
الخيرات مثل: شهر رمضان، وعشر ذي الحجة." اهـ
ملحق
الفوائد:
من الفوائد
المستنبطة من هذا الحديث:
1- فيه التحذير
من الاغترارِ بالدنيا وزينتِها،
فإنَّ المالَ
والأهلَ وإن عَظُمَ شأنُهما في أعينِ الناس، فإنهما لا يُغنيانِ عن العبدِ عند
نزولِ الموت، ولا يصحبانِه في قبرِه، فدلَّ ذلك على أنَّ الركونَ إليهما غرورٌ،
وأنَّ الباقي هو ما كان لله.
2- فيه: أنَّ
العملَ هو الزادُ الحقيقيُّ للآخرة، لأنَّه وحدَه الذي يبقى مع العبدِ بعد موتِه،
ويلازمُه في قبرِه وحشرِه، فإن كان صالحًا أنسَه وبشَّرَه، وإن كان فاسدًا آذاه
وأحزنَه، فالعاقلُ من أصلح زادَه قبل سفرِه.
3- فيه: الحثُّ
على المبادرةِ إلى الأعمالِ الصالحة،
إذ لا يدري
العبدُ متى يفجؤه الموت، فإذا عَلِمَ أنَّ عملَه هو صاحبُه الدائم، اجتهدَ في
تحصيلِ ما ينفعُه، ولم يُسوِّفْ بالتوبةِ والطاعة.
4- فيه: أنَّ
كثرةَ المالِ لا تدلُّ على النجاة،
فكم من جامعٍ
للمالِ تركَه لغيرِه، وانتقلَ إلى قبرِه مفلسًا من الحسنات، فليس الغِنى الحقيقيُّ
بكثرةِ العَرَض، وإنما الغِنى غِنى القلبِ والعملِ الصالح.
5- فيه: أنَّ
الأهلَ وإن عَظُمَت محبتُهم لا يملكونَ دفعَ الموت،
فهم يُشيِّعونَ
الميتَ إلى قبرِه، ثم يرجعونَ عنه، فلا يبقى له منهم إلا دعوةٌ صالحةٌ أو أثرُ
برٍّ سابق، وفي هذا تذكيرٌ بأنَّ الاعتمادَ الأعظمَ ينبغي أن يكونَ على الله لا
على الخلق.
6- فيه: بيانُ
حقيقةِ الصحبةِ النافعة،
فليس الصاحبُ
الحقُّ من يُؤانسُك في الدنيا فقط، بل من يُلازمُك بعد الموت، وليس ذلك إلا العملُ،
فطوبى لمن كان عملُه صالحًا، وويلٌ لمن كان عملُه خصمًا عليه.
7- فيه: أنَّ
الإنسانَ محاسبٌ على جميعِ أعمالِه
لأنَّ العملَ
باقٍ لا يضيع، وكلُّ صغيرةٍ وكبيرةٍ محفوظةٌ عليه، كما قال _تعالى_:
{وَوُضِعَ
الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ
يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً
إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ
أَحَدًا} [الكهف: 49]
ففيه: زجرٌ عن
الغفلةِ والاستهانةِ بالذنوب.
8- فيه: حسنُ
تعليمِ النبيِّ _صلى الله عليه وسلم_ بضربِ المعاني المحسوسة، فقد صوَّر حالَ
الميتِ وما يتبعُه تصويرًا بديعًا يستقر في القلب، حتى كأنَّ السامعَ يُشاهدُ
الجنازةَ ويرى انصرافَ الأهلِ والمالِ وبقاءَ العمل.
9- فيه: الحثُّ
على الإخلاصِ في الطاعات، لأنَّ العملَ الذي ينفعُ هو ما كان خالصًا لله موافقًا
لسنةِ رسولِه _صلى الله عليه وسلم_، أما الرياءُ والسمعةُ فلا يكونانِ زادًا، بل
يكونانِ وبالًا على صاحبِهما.
10- فيه: أنَّ
الموتَ يقطعُ تعلُّقَ العبدِ بأسبابِ الدنيا،
فكلُّ ما كان
يراه ملكًا له يصيرُ إلى غيرِه، ويقفُ وحدَه بين يدي ربِّه، وفي ذلك أعظمُ واعظٍ
لمن عقلَ وتفكَّر.
11- فيه: فضلُ
التفكُّرِ في أحوالِ القبورِ والآخرة،
فإنَّ استحضارَ
هذا المعنى يورثُ رقَّةَ القلبِ، ويُضعفُ سلطانَ الشهوةِ، ويبعثُ على محاسبةِ
النفسِ، ولذلك كان السلفُ يكثرونَ من ذكرِ الموت.
12- فيه: أنَّ
النجاةَ لا تكونُ بالنسبِ ولا بالمالِ، بل بالعمل
فقد يتركُ
الإنسانُ خلفَه أهلًا كثيرين ومالًا عظيمًا، ثم لا يجدُ عند الله إلا ما قدَّمت
يداه، فالسعيدُ من قَدِمَ على ربِّه بطاعةٍ، لا بمجردِ انتسابٍ أو مظاهرَ زائلة.
[1] قال الأرنؤوط _رحمه الله_ في "تخريج مسند أحمد" – ط.
الرسالة (30/ 505): "المُسُوح، بضمتين، جمع مِسح، بكسر الميم: كساء معروف،
وقال النووي: هو ثوب من الشعر غليظ معروف." اهـ
[2] صعيف جدا: أخرجه
الترمذي في "سننه" – ت. شاكر (4/ 639) (رقم: 2460): عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الخدري _رضي الله عنه_، ضعفه الألباني _رحمه الله_ في "ضعيف الترغيب
والترهيب" (2/ 344) (رقم: 1944)
[3] (الحديثَ) : مفعول به لفعل محذوف تقديره : اقرأ، أي : اقرأ
الحديثَ
Komentar
Posting Komentar