شرح الحديث 103 (باب المجاهدة) من كتاب رياض الصالحين

 

[103] التاسع: عن ابن مسعود _رضي الله عنه_ قَالَ :

"صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيّ _صلى الله عليه وسلم_ لَيلَةً، فَأَطَالَ القِيامَ حَتَّى هَمَمْتُ بأمْرِ سُوءٍ! قيل: "وَمَا هَمَمْتَ بِهِ؟" قَالَ: "هَمَمْتُ أنْ أجْلِسَ وَأَدَعَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

 

ترجمة عبد الله بن مسعود أبي عبد الرحمن الهذلي _رضي الله عنه_ :

 

وفي "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (16/ 121) للمزي:

"عَبد اللَّهِ بن مسعود بن غافل بن حبيب بْن____شمخ بن مخزوم، ويُقال: ابْن شمخ بْن فار بْن مخزوم بْن صاهلة بْن كاهل بْن الحارث بْن تميم بْن سعد بْن هذيل بْن مدركة بْن إلياس بْن مضر بْن نزار بن معد بن عدنان، أبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الهذلي، صاحب رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

وكان أبو مسعود بْن غافل، قد حالف عبد بْن الحارث بْن زهرة فِي الجاهلية، وأمه أم عبد بنت ود بْن سواء من هذيل أَيْضًا، لها صحبة.

أسلم بمكة قديما، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وهُوَ صاحب نعل رَسُول اللَّهِ _صلى___الله عليه وسلم_. كَانَ يلبسه إياها إِذَا قام، فإذا جلس، أدخلها فِي ذراعه. وكَانَ كثير الولوج عَلَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم." اهـ

 

وفي "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (16/ 127):

"وَقَال أَبُو بَكْر بْن أَبي خيثمة، عَن يحيى بْن مَعِين: مات سنة ثلاث أَوِ اثنتين وثلاثين." اهـ

وفي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (1/ 379) (رقم: 3598):

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنِي عَاصِمٌ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:

"كُنْتُ أَرْعَى غَنَمًا لِعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ وَأَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ، هَلْ مِنْ لَبَنٍ؟»

قَالَ: قُلْتُ: "نَعَمْ، وَلَكِنِّي مُؤْتَمَنٌ"،

قَالَ: «فَهَلْ مِنْ شَاةٍ لَمْ يَنْزُ عَلَيْهَا الْفَحْلُ؟» فَأَتَيْتُهُ بِشَاةٍ، فَمَسَحَ ضَرْعَهَا، فَنَزَلَ لَبَنٌ، فَحَلَبَهُ فِي إِنَاءٍ، فَشَرِبَ، وَسَقَى أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ لِلضَّرْعِ: «اقْلِصْ» فَقَلَصَ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُهُ بَعْدَ هَذَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، قَالَ: فَمَسَحَ رَأْسِي، وَقَالَ: «يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَإِنَّكَ غُلَيِّمٌ مُعَلَّمٌ»." حسنه الأرنؤوط.

 

نص الحديث وشرحه:

 

التاسع: عن ابن مسعود _رضي الله عنه_ قَالَ :

"صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيّ _صلى الله عليه وسلم_ لَيلَةً، فَأَطَالَ القِيامَ حَتَّى هَمَمْتُ بأمْرِ سُوءٍ! قيل: "وَمَا هَمَمْتَ بِهِ؟" قَالَ: "هَمَمْتُ أنْ أجْلِسَ وَأَدَعَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

 

وفي "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (7/ 184) للعيني:

"قَوْله: (حَتَّى هَمَمْت) أَي: قَصَدْتُ." اهـ

 

وقال محمد الأمين بن عبد الله الأُرَمي العَلَوي الهَرَري الشافعي (المتوفى 1441 هـ) _رحمه الله_ في "الكوكب الوهَّاج والرَّوض البَهَّاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (10/ 79):

"(وأدعه)، أي: وأن أتركه قائمًا وحده،

وإنما جعله سوءًا، وإن كان القعود في النفل جائزًا، لأن فيه تركَ الأدب معه _صلى الله عليه وسلم_ وصورةَ مخالفتِهِ. وقد كان ابن مسعود قويًّا محافظًا على الاقتداء به _صلى الله عليه وسلم_، فلولا أنه طوّل كثيرًا، لم يَهُمَّ بالقعود." اهـ

قوله: «هَمَمْتُ أَنْ أَجْلِسَ وَأَدَعَهُ»

«أجلس»: أي أترك القيام وأقعد من شدة التعب.

«وأدعه»: أي أترك متابعة النبي ﷺ في القيام، مع بقائي في الصلاة أو انفرادي.

المعنى: أردتُ أن أترك القيام خلفه من طول الصلاة، فأجلس وأخفف عن نفسي.

تنبيه لطيف:

وصف ابن مسعود هذا الفعل بأنه «سوء» ليس لأنه محرَّم، بل من باب الأدب مع النبي ﷺ وتعظيم شأن عبادته، إذ رأى أن الأولى هو الصبر على متابعته.

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

بيَّن هذا الحديثُ حالَ عبادة النبي _صلى الله عليه وسلم_ في قيام الليل، وأنه كان يُطيل القيام إطالةً عظيمة، حتى إن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود _رضي الله عنه_ - مع قوته وصبره - شقّ عليه طول القيام.

 

فقد صلّى معه ليلةً، فاستمرّ النبي _صلى الله عليه وسلم_ في القراءة والقيام زمنًا طويلًا، حتى خطر في نفس ابن مسعود أن يجلس ويترك متابعة النبي _صلى الله عليه وسلم_ من شدّة المشقة،

ثم عبّر عن ذلك بقوله: «هممتُ بأمر سوء»، أي أراد أن يجلس ويترك القيام خلفه، وسمّى ذلك سوءًا تأدّبًا مع النبي _صلى الله عليه وسلم_ واستعظامًا لمخالفة فعله.

 

فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ كان شديد الاجتهاد في العبادة، طويل القيام في الليل، وأن الصحابة - مع حرصهم - قد يشقّ عليهم ذلك، ومع ذلك كانوا يستعظمون التقصير في متابعته، حتى يعدّون مجرد الجلوس وترك القيام أمرًا عظيمًا من باب الأدب والتوقير.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في "صحيحه" (2/ 51) (رقم: 1135)، ومسلم في "صحيحه" (1/ 537) (رقم: 773)، وابن ماجه في "سننه" (1/ 456) (رقم: 1418)، والترمذي في "الشمائل المحمدية" – ط. المكتبة التجارية (ص: 231) (رقم: 278)، وابن أبي شيبة في "مسنده" (1/ 169) (رقم: 243)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (1/ 385 و1/ 396 و 1/ 415 و 1/ 440) (رقم: 3646 3766 و 3937 و 4199)، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده" (9/ 100) (رقم: 5165)، وابن خزيمة في "صحيحه" (2/ 186) (رقم: 1154)، والشاشي في "مسنده" (2/ 71) (رقم: 581)، ابن حبان في "صحيحه" (5/ 512) (رقم: 2141)، والقطيعي في "جزء الألف دينار" (ص: 385) (رقم: 248)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (3/ 12) (رقم: 4684)، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" – ت. بشار (16/ 451) (رقم: 4779).

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "مختصر الشمائل" (ص: 150) (رقم: 234)، و"التعليقات الحسان" (4/ 36) (رقم: 2138)

 

من فوائد الحديث :

 

1/ فِيهِ: دَلِيل على طول الْقيام فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ

 

قَالَ ابْن بطال _رَحمَه الله_ في "شرح صحيح البخارى" لابن بطال (3/ 124):

"وفى حديث ابن مسعود: دليل على طول القيام فى صلاة الليل، لأن ابن مسعود أخبر أن النبى، (صلى الله عليه وسلم) ، لم يزل قائمًا حتى همّ بالقعود، وهذا لا يكون إلا لطول القيام، لأن ابن مسعود كان جلدًا مقتديًا بالرسول محافظًا على ذلك." اهـ

 

وقال يحيى بن هُبَيْرَة بن محمد بن هبيرة الذهلي الشيبانيّ، أبو المظفر الحنبلي (المتوفى: 560 هـ) _رحمه الله_ في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (2/ 71):

"فيه: جواز تطويل الصلاة وإن شق على بعض المأمومين، وهذا فلا أراه إلا في النافلة." اهـ

 

وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (6/ 63):

"وفيه: استحباب تطويل صلاة الليل." اهـ

 

وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى:  852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري" (3/ 19):

"وَفِي الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ عَلَى اخْتِيَارِ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ تَطْوِيلَ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَقد كَانَ ابن مَسْعُودٍ قَوِيًّا مُحَافِظًا عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_. وَمَا هَمَّ بِالْقُعُودِ، إِلَّا بَعْدَ طُولٍ كَثِيرٍ، مَا اعْتَادَهُ." اهـ

 

وفي "فتح الباري" لابن حجر (3/ 19) :

"وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ."

فَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْقُنُوتِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْخُشُوعُ.

وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّ كَثْرَةَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَفْضَلُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ : "أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ كَثْرَةُ السُّجُودِ."

وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ." اهـ

 

وفي "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (7/ 185):

"وَذهب قوم إِلَى أَن طول الْقيام أفضل، وَبِه قَالَ الْجُمْهُور من التَّابِعين وَغَيرهم، وَمِنْهُم مَسْرُوق وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَأَبُو حنيفَة. وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ فِي قَول، وَأحمد فِي رِوَايَة،

وَقَالَ أَشهب: "هُوَ أحب إِلَيّ لِكَثْرَة الْقِرَاءَة"، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث الْبَاب، وَبِمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر: (سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَي الصَّلَاة أفضل؟ قَالَ: طول الْقُنُوت).

وَأَرَادَ بِهِ طولَ الْقيامِ، وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبد الله بن حبش الْخَثْعَمِي: (إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِلَ: أَي الصَّلَاة أفضل؟ فَقَالَ: طول الْقيام) .

وَهَذَا يُفَسر قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (طول الْقُنُوت) وَإِن كَانَ الْقُنُوت يَأْتِي بِمَعْنى: الْخُشُوع وَغَيره." اهـ

وحديث عبد الله بن حُبْشِي الخَثعَمِيِّ _رضي الله عنه_ صححه الألباني في "صحيح أبي داود" (رقم : 1196).

 

2/ وَفِيه: أَنَّ مُخَالَفَةَ الْإِمَامِ فِي أَفْعَالِهِ مَعْدُودَةٌ فِي الْعَمَلِ السَّيِّءِ

 

وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى:  852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري" (3/ 19):

"وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ مُخَالَفَةَ الْإِمَامِ فِي أَفْعَالِهِ مَعْدُودَةٌ فِي الْعَمَلِ السَّيِّءِ." اهـ

 

شرح النووي على مسلم (6/ 63):

"فِيهِ: أنه ينبغي الأدب مع الأئمة والكبار وأن لا يُخَالَفُوا بِفِعْلٍ وَلَا قَوْلٍ مَا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا." اهـ

 

3/ وَفِيهِ: تَنْبِيهٌ عَلَى فَائِدَةِ مَعْرِفَةِ مَا بَينهم من الْأَحْوَال وَغَيرهَا

 

وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى:  852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري" (3/ 19):

"وَفِيهِ: تَنْبِيهٌ عَلَى فَائِدَةِ مَعْرِفَةِ مَا بَينهم من الْأَحْوَال وَغَيرهَا لِأَن أَصْحَاب ابن مَسْعُودٍ مَا عَرَفُوا مُرَادَهُ مِنْ قَوْلِهِ: (هَمَمْتُ بِأَمْرِ سُوءٍ) حَتَّى اسْتَفْهَمُوهُ عَنْهُ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمُ اسْتِفْهَامَهُمْ عَنْ ذَلِكَ." اهـ

 

4/ جواز القعود للمأمون عند العجز عنه

 

وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (6/ 63):

"وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا شَقَّ عَلَى الْمُقْتَدِي فِي فَرِيضَةٍ، أَوْ نَافِلَةٍ الْقِيَامُ، وَعَجَزَ عَنْهُ، جَازَ لَهُ الْقُعُودُ. وَإِنَّمَا لَمْ يقعد ابن مَسْعُودٍ لِلتَّأَدُّبِ مَعَ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_." اهـ

 

5/ فِيهِ: جَوَازُ الِاقْتِدَاءِ فِي غَيْرِ الْمَكْتُوبَاتِ

 

وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (6/ 63)

"وَفِيهِ: جَوَازُ الِاقْتِدَاءِ فِي غَيْرِ الْمَكْتُوبَاتِ." اهـ

 

6/ فيه: جوازُ أن يخبر الرجل عن نفسه

 

وقال يحيى بن هُبَيْرَة بن محمد بن هبيرة الذهلي الشيبانيّ، أبو المظفر الحنبلي (المتوفى: 560 هـ) _رحمه الله_ في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (2/ 71):

"وفيه أيضًا: جوازُ أن يخبر الرجل عن نفسه بما كان من همه بسوء وَوِقايَةِ الله _عز وجل_ إياه شرها." اهـ

 

7/ من السنة: قيام الليل

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 97_98):

"ففي هذا: دليل على أنه من السنة أن يقوم الإنسان في الليل، ويطيل القيام، وأنه إذا فعل ذلك فهو مقتدٍ برسول الله _صلى الله عليه وسلم_.

ولكن، اعلم أنك إذا أطلت القيام؛ فإن السنة أن تطيل الركوع، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والقيام بعد الركوع،

فإن من سنة الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه كان يجعل صلاته متناسبة؛ إذا أطال القيام أطال بقية الأركان، وإذا خفف القيام خفف بقية الأركان، هذا هو___السنة." اهـ

 

8/ الصلاة روضة من رياض العبادات

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (5/ 210):

"فالصلاة روضة من رياض العبادات، فيها من كل زوج بهيج، قرآن وذكر ودعاء وتسبيح وتكبير وتعوذ،

ولهذا كانت هي أفضل العبادات البدنية، أفضل من الصيام، وأفضل من الزكاة، وأفضل من الحج، وأفضل من كل العبادات، إلا التوحيد، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله , لأن هذا هو مفتاح الإسلام.

فالحاصل: أن هذه صفة صلاة النبي _صلى الله عليه وسلم_ من الليل، فاحرص أخي المسلم، أسأل الله أن يعينني وإياك على اتباعه ظاهرا وباطنا، وأن يتوفانا على ملته ويحشرنا في زمرته، ويدخلنا معه جنات النعيم." اهـ

 

9/ جواز صلاة النافلة جماعة أحياناً

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (14/ 334):

"صلاة النافلة جماعة أحياناً لا بأس بها، لأن النبي _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ صلى جماعةً في أصحابه في بعض الليالي،

فصلى معه ذاتَ مرةٍ عبدُ الله بْنُ عباس _رضي الله عنهما_، وصلى معه مرةً عبدُ الله بْنُ مسعود _رضي الله عنه_، وصلى معه مرةً حذيفةُ بْنُ اليمان _رضي الله عنه_." اهـ

 

وعليه بوّبه ابن حبان في "صحيحه" (5/ 512)، وقال: "ذِكْرُ الْإِبَاحَةِ لِلْمَرْءِ أَنْ يُصَلِّيَ بِغَيْرِهِ وَيُطَوِّلَ صَلَاتَهُ." اهـ

 

10/ يجب على العالم أن يكون من أسبق الناس إلى عبادة الله

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "اللقاء الشهري" (38/ 7) - بترقيم الشاملة:

"فالعالم يجب عليه أولاً أن يكون من أسبق الناس إلى عبادة الله؛ لأنه يدعو الناس إلى العبادةِ. فكيف يدعوهم وهو معرض عنها،

ولهذا كان رسول الله _صلى الله عليه وعلى آله وسلم_ الذي حمَّله الله أعظمَ رسالةٍ، كان أخشَى الناسِ وأتقاهم لله _عز وجل_ حتى إنه يقوم يتهجد، فتَتَوَرَّم ساقاه وقدماه من طول القيام." اهـ

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (16/ 123_124):

"في فوائده:

1 - (منها): بيان استحباب تطويل صلاة الليل.

2 - (ومنها): بيان جواز الاقتداء في غير المكتوبات.

3 - (ومنها): أنه ينبغي الأدب مع الأئمة والكبار، وأن لا يخالفوا بفعل، ولا قول، ما لم يكن حرامًا، واتَّفَقَ العلماء على أنه إذا شَقَّ على المقتدي في فريضة أو نافلة القيام، وعَجَزَ عنه جاز له القعود، وإنما لم يقعد ابن مسعود -رضي اللَّه عنه-؛ للتأدب مع النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قاله النوويُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-.

4 - (ومنها): أن مخالفة الإمام في أفعاله معدودة في العمل السيِّئ.___

5 - (ومنها): جواز استفهام الإمام ورئيس القوم إذا لم يفهم مراده؛ لأن أصحاب ابن مسعود -رضي اللَّه عنه- ما عرفوا مراده من قوله: "هممت بأمرِ سَوْءٍ" حتى استفهموه عنه، ولم ينكر عليهم استفهامهم عن ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

هذا الحديث من دلائل عظيم اجتهاد النبي _صلى الله عليه وسلم_، وعلوّ همم أصحابه رضي الله عنهم، وفيه فوائد كثيرة جليلة، نذكر منها:

1- فيه: بيان شدة اجتهاد النبي _صلى الله عليه وسلم_ في قيام الليل، وأنه _صلى الله عليه وسلم_ كان يُطيل القيام إطالةً خارجةً عن المعتاد، حتى يشقّ ذلك على من صلّى خلفه لكمال عبوديته.

2- فيه: استحباب إطالة القيام في صلاة الليل، فإن فعله _صلى الله عليه وسلم_ يدل على أن التطويل في القيام من أفضل القُرُبات لمن قوي عليه.

3- فيه: فضل قيام الليل وعِظم شأنه، إذ اختار له النبي _صلى الله عليه وسلم_ هذه الإطالة، وما اختاره لنفسه إلا ما هو أفضل وأكمل.

4- فيه: جواز صلاة النافلة جماعة أحيانًا، لأن ابن مسعود _رضي الله عنه_ صلّى معه، فدلّ على جواز ذلك، لكن من غير مداومة.

5- فيه: حرص الصحابة على الاقتداء بالنبي _صلى الله عليه وسلم_، فإن ابن مسعود _رضي الله عنه_ تحمّل المشقة في القيام متابعةً له _صلى الله عليه وسلم_.

6- فيه: علوّ همم الصحابة _رضي الله عنهم_ حيث عدّ مجرد الجلوس مع بقاء الصلاة تقصيرًا وسوءًا، وهذا من شدة تعظيمهم للسنة.

7- فيه: أن ترك الأكمل يُعدّ نقصًا عند أهل الفضل، فما هو جائزٌ في أصل الشرع قد يراه أرباب الهمم تقصيرًا بالنسبة إلى الأكمل.

8- فيه: جواز الجلوس في النافلة لمن عجز، فإنَّ هّمَّ ابنِ مسعود _رضي الله عنه_ بالجلوس يدل على جوازه، إذ لو كان محرمًا لما خطر بباله.

9- فيه: أن الهمّ بالشيء لا يُؤاخذ به العبد، لأنه لم يفعل، وإنما خطر بقلبه، فدلّ على سعة رحمة الله _تعالى_.

10- فيه: أن طول القيام قد يبلغ حدّ المشقة، وأن العبادة قد تشتدّ، لكن لا يُكلّف بها من لا يطيقها.

11- فيه: مراعاة أحوال المأمومين في صلاة الفرض جماعة دون قيام الليل، فإن هذا الفعل كان في قيام الليل، لا في الفرائض، مما يدل على أن التخفيف في الفرائض أولى.

12- فيه: أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان يختار الأكمل لنفسه، ولو شقّ، بخلاف ما يُشرّعه للأمة من التيسير.

13- فيه: بيان صدق متابعة الصحابة _رضي الله عنهم_، فلم يترك ابن مسعود _رضي الله عنه_ الصلاة، بل أراد أن يُخفف على نفسه مع بقاء المتابعة في الأصل.

14- فيه: أن المشقة في العبادة إذا لم تُفضِ إلى الانقطاع فهي محمودة، فإن ابن مسعود _رضي الله عنه_ صبر حتى كاد يعجز، وهذا من المجاهدة.

15- فيه: أن في قيام الليل تربيةً للنفس على الصبر، فإن طول القيام يُدرّب النفس على احتمال المشاق في طاعة الله _تعالى_.

16- فيه: أن الخشوع يقتضي التأنّي وعدم العجلة، وطول قيامه _صلى الله عليه وسلم_ دليل على أنه كان يُرتّل ويتدبّر.

17- فيه: استحباب مصاحبة أهل الفضل في العبادة، فإن الصلاة مع النبي _صلى الله عليه وسلم_ رفعت من همّة ابن مسعود _رضي الله عنه_، وإن شقّت عليه.

18- فيه: أن من عجز عن الكمال لا يترك الأصل، فابن مسعود _رضي الله عنه_ لم ينوِ قطع الصلاة، بل تخفيفها بالجلوس.

19- فيه: أن التعبير عن الأمور بحسب المقامات، فقد سمّى ما همّ به «سوءًا» تعظيمًا للمقام، لا لكونه معصية.

20- فيه: أن هذا الحديث أصلٌ في باب المجاهدة، ففيه أن العبد يجاهد نفسه على الطاعة، وإن وجد مشقة.

21- فيه: أن طول القيام أدعى لتدبّر القرآن، لأن القراءة مع التأنّي تحتاج إلى زمنٍ طويل.

22- فيه: أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان قدوةً في أعلى مراتب العبادة، فلا يُقاس عليه غيره في كل حال، بل يُنظر إلى هديه العام.

23- فيه: أن من فقه الصحابة دقة التعبير عن الأحوال، فكلام ابن مسعود _رضي الله عنه_ يحمل معاني دقيقة في وصف النفس وحالها.

24- فيه: أن العبادة لها مراتب، فمنها ما هو جائز، ومنها ما هو أكمل، وأهل الفضل يطلبون الأكمل.

25- فيه: أن هذا الهدي يدل على علوّ مقام الليل في العبادة، فإنه محلّ الإطالة والاجتهاد، بخلاف النهار.

 

فهذه جملةٌ من الفوائد، والحديث شاهدٌ على عِظم عبودية النبي _صلى الله عليه وسلم_، وسموّ نفوس أصحابه، وأن الطريق إلى الكمال إنما يكون بالصبر والمجاهدة، مع لزوم هدي خير البرية _صلى الله عليه وسلم_.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة