شرح الحديث 102- 103 (باب المجاهدة) من رياض الصالحين
|
[102] الثامن: عن أبي عبد الله حُذَيفَةَ
بنِ اليمانِ _رضي الله عنهما_، قَالَ : "صَلَّيْتُ
مَعَ النَّبيّ _صلى الله عليه وسلم_ ذَاتَ لَيلَةٍ فَافْتَتَحَ البقَرَةَ،
فَقُلْتُ : "يَرْكَعُ عِنْدَ المئَةِ"، ثُمَّ مَضَى. فَقُلْتُ :
"يُصَلِّي بِهَا في ركعَة"، فَمَضَى، فقُلْتُ :
"يَرْكَعُ بِهَا"، ثُمَّ
افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا،
يَقرَأُ مُتَرَسِّلاً، إِذَا مَرَّ
بآية فِيهَا تَسبيحٌ سَبَّحَ، وَإذَا مَرَّ بسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإذَا مَرَّ
بتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ،
فَجَعَلَ يَقُولُ : «سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ»
فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحواً مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» ثُمَّ قَامَ قِيامًا
طَويلاً قَريباً مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ،
فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى»،
فَكَانَ سُجُودُهُ قَريباً مِنْ قِيَامِهِ." رواه
مسلم. |
ترجمة
حذيفة بن اليمان العبسي _رضي الله عنه_:
وفي "تاريخ
دمشق" لابن عساكر (12/ 259):
حذيفة بن اليمان
وهو حذيفة بن حِسْل (ويقال بن جابر) بن أُسيد بن عمرو بن مالك،
ويقال: اليمان
بن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جروة بن الحارث ابن مازن بن ربيعة بن قطيعة بن عبس بن
بغيض بن ريث، أبو عبد الله العبسي، حليف بني عبد
الاشهل، صاحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وصاحب سره من المهاجرين." اهـ
وفي "تاريخ
الإسلام" للذهبي – ت. بشار (2/ 277):
"حُذَيْفَة
بن اليَمَان، واسم اليَمان حِسْلٌ - ويقال: حُسَيْلٌ على التصغير - بن جابر بن
أُسَيْد، وقيل: ابن عَمْرو، أَبُو عبد الله العبْسيّ، [المتوفى:
36 ه]
حليف الأنصار،
وصاحب سرِّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأحد المهاجرين. وكان
أبوه أصاب دمًا في قومه، فهرب إلى المدينة وحالف بني عبد الأشهل، فسمّاه قومه
اليمان لحِلْفه لليَمَانية، فاستشهد يوم أُحُد.
وشهِدَ
حُذَيْفَة أحُدًا وما بعدها من المشاهد، واستعمله عمر - رضي الله عنه - على
المدائن، فبقي عليها إلى حين وفاته. وتُوُفّي بعد عثمان بأربعين يومًا." اهـ
نص
الحديث وشرحه:
الثامن: عن أبي
عبد الله حُذَيفَةَ بنِ اليمانِ _رضي الله عنهما_، قَالَ :
"صَلَّيْتُ
مَعَ النَّبيّ _صلى الله عليه وسلم_ ذَاتَ لَيلَةٍ فَافْتَتَحَ البقَرَةَ،
فَقُلْتُ : "يَرْكَعُ عِنْدَ المئَةِ"، ثُمَّ مَضَى.
فَقُلْتُ : "يُصَلِّي
بِهَا في ركعَة"، فَمَضَى،
وفي
شرح صحيح مسلم" (6/ 61) للنووي:
"قَوْلُهُ (فَقُلْتُ
يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ)،
مَعْنَاهُ: ظَنَنْتُ أَنَّهُ
يُسَلِّمُ بِهَا فَيَقْسِمُهَا عَلَى رَكْعَتَيْنِ وَأَرَادَ بِالرَّكْعَةِ
الصَّلَاةَ بِكَمَالِهَا وَهِيَ رَكْعَتَانِ وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ
فَيَنْتَظِمُ الْكَلَامُ بَعْدَهُ." اهـ
فقُلْتُ :
"يَرْكَعُ بِهَا"،
ثُمَّ افْتَتَحَ
النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا، يَقرَأُ
مُتَرَسِّلاً.
وفي "المفهم
لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (7/ 39) لأبي العباس القرطبي:
"قوله
(يقرأ مترسلاً)؛ أي: مترفِّقًا متمهِّلاً؛ من قولهم: (على رسلك)؛ أي : على رِفْقِكَ
." اهـ
وفي "دليل
الفالحين لطرق رياض الصالحين" (2/ 320) لابن علان:
"(يقرأ
مترسلاً) أي: مرتلاً بتبيين الحروف وأداء حقها." اهـ
الكوكب
الوهاج شرح صحيح مسلم (10/ 76) للأُرَمِيِّ :
"قال
في النهاية : (يقال: "ترسل الرجل في كلامه ومشيه"، إذا لم يَعْجَلْ، وهو
والترتيل سواءٌ." اهـ
وفي "الإتقان
في علوم القرآن" (1/ 368) للسيوطي:
"وَفِي "الْبُرْهَانِ"
لِلزَّرْكَشِيِّ:
"كَمَالُ
التَّرْتِيلِ: تَفْخِيمُ أَلْفَاظِهِ، وَالْإِبَانَةُ عَنْ حُرُوفِهِ، وَأَلَّا
يُدْغَمَ حَرْفٌ فِي حَرْفٍ. وَقِيلَ: هَذَا أَقَلُّهُ، وَأَكْمَلُهُ: أَنْ
يَقْرَأَهُ عَلَى مَنَازِلِهِ، فَإِنْ قَرَأَ تَهْدِيدًا، لَفِظَ بِهِ لَفْظَ
الْمُتَهَدِّدِ، أَوْ تَعْظِيمًا، لَفِظَ بِهِ عَلَى التَّعْظِيمِ." اهـ
ففي "البرهان
في علوم القرآن" (1/ 449_450) للزركشي:
وَكَمَالُ
تَرْتِيلِهِ تَفْخِيمُ أَلْفَاظِهِ وَالْإِبَانَةُ عن حروفه والإفصاح لجميعه
بالتدبر حَتَّى يَصِلَ بِكُلِّ مَا بَعْدَهُ___وَأَنْ
يَسْكُتَ بَيْنَ النَّفَسِ وَالنَّفَسِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِ نَفَسُهُ
وَأَلَّا يُدْغِمَ حَرْفًا فِي حَرْفٍ، لِأَنَّ أَقَلَّ مَا فِي ذَلِكَ أَنْ
يَسْقُطَ مِنْ حَسَنَاتِهِ بَعْضُهَا، وَيَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَرْغَبُوا فِي
تَكْثِيرِ حَسَنَاتِهِمْ فَهَذَا الَّذِي وَصَفْتُ أَقَلُّ مَا يَجِبُ مِنَ
التَّرْتِيلِ
وَقِيلَ:
أَقَلُّ التَّرْتِيلِ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يُبَيِّنُ مَا يَقْرَأُ بِهِ وَإِنْ
كَانَ مُسْتَعْجِلًا فِي قِرَاءَتِهِ وَأَكْمَلُهُ أَنْ يَتَوَقَّفَ فِيهَا مَا
لَمْ يُخْرِجْهُ إِلَى التَّمْدِيدِ وَالتَّمْطِيطِ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ
الْقُرْآنَ بِكَمَالِ التَّرْتِيلِ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى مَنَازِلِهِ فَإِنْ كَانَ
يَقْرَأُ تَهْدِيدًا لَفَظَ بِهِ لَفْظَ الْمُتَهَدِّدِ وَإِنْ كَانَ يَقْرَأُ
لَفْظَ تَعْظِيمٍ لَفَظَ بِهِ عَلَى التَّعْظِيمِ." اهـ
إِذَا مَرَّ
بآية فِيهَا تَسبيحٌ، سَبَّحَ، وَإذَا مَرَّ بسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإذَا مَرَّ
بتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ،
ثُمَّ رَكَعَ،
فَجَعَلَ يَقُولُ : «سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ»
فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحواً مِنْ قِيَامِهِ،
ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» ثُمَّ قَامَ قِيامًا
طَويلاً قَريباً مِمَّا رَكَعَ،
ثُمَّ سَجَدَ،
فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» فَكَانَ
سُجُودُهُ قَريباً مِنْ قِيَامِهِ." رواه مسلم.
وفي "دليل
الفالحين لطرق رياض الصالحين" (2/ 321) لابن علان:
"والحكمة
في جعل (العظيم) في الركوع، و(الأعلى) في السجود: أن (الأعلى) لكونه أفعل تفضيل
أبلغ من (العظيم)، والسجود أبلغ في التواضع من الركوع، فجعل الأبلغ للأبلغ."
اهـ
المعنى
الإجمالي لهذا الحديث:
وصف هذا الحديث
مشهدًا عظيمًا من صلاة النبي _صلى الله عليه وسلم_ في الليل، وبيّن كمال عبادته من
حيث الطول، والخشوع، وحسن الترتيل، وتدبّر القرآن، والتفاعل معه.
فقد أخبر حذيفة _رضي
الله عنه_ أنه صلّى مع النبي _صلى الله عليه وسلم_ ليلةً، فافتتح بسورة البقرة،
وأطال فيها إطالةً عظيمة حتى ظنّ حذيفة _رضي الله عنه_ أنه سيركع عند موضعٍ معيّن،
ثم استمرّ _صلى
الله عليه وسلم_ في القراءة حتى أتمّها في ركعةٍ واحدة، ثم قرأ بعدها سورة النساء،
ثم آل عمران، فجمع _صلى الله عليه وسلم_ هذه السور الطوال في ركعةٍ واحدة، مما يدل
على طول قيامه جدًا.
وكان _صلى الله
عليه وسلم_ يقرأ قراءةً متأنّية مرتّلة، لا يستعجل، بل يتدبّر، فإذا مرّ بآيةٍ
فيها تسبيح، نزّه الله، وإذا مرّ بآيةٍ فيها سؤال، سأل الله، وإذا مرّ بآيةٍ فيها
استعاذة، استعاذ بالله _تعالى_، وهذا من كمال تفاعله مع القرآن.
ثم ركع ركوعًا طويلًا، يذكر فيه ربّه بالتعظيم، وكان ركوعه
قريبًا من طول قيامه، ثم رفع، فاعتدل قائمًا طويلًا، ثم سجد سجودًا طويلًا كذلك،
حتى كانت أركان صلاته متقاربة في الطول، كلّها على هيئةٍ واحدة من الخشوع
والطمأنينة.
فالحديث يدل على
عظيم طول صلاة النبي _صلى الله عليه وسلم_
في الليل، وكمال ترتيله وتدبّره للقرآن، ومشروعية التفاعل مع الآيات
تسبيحًا وسؤالًا وتعوّذًا، واستحباب إطالة الركوع والسجود وجعلها قريبةً من القيام،
وتحقيق الطمأنينة في جميع أركان الصلاة.
فهو وصفٌ بديعٌ
لصلاةٍ كاملةٍ في ظاهرها وباطنها، تجمع بين طول العبادة، وكمال الخشوع، وحضور
القلب مع كلام الله _تعالى_.
تخريج
الحديث :
أخرجه مسلم في "صحيحه"
(1/ 536) (رقم: 772) واللفظ له، وأبو داود في "سننه"
(رقم: 871 و 874)، والترمذي في "سننه"
(2/ 48) (رقم: 262)، والنسائي
في "سننه" (3/ 225) (رقم: 1664)، وابن ماجه في "سننه" (1/
429) (رقم:1351).
والحديث
صحيح: صححه
الألباني _رحمه الله_ في كتابه "صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم –"
(ص: 118).
من
فوائد الحديث :
1/ في
هذا الحديث: فضلُ تطويل صلاة الليل
وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز
رياض الصالحين" (ص: 92):
"في هذا
الحديث: فضلُ تطويل صلاة الليل،
قال الله _تعالى_:
{أَمَّنْ هُوَ
قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو
رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا
يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [الزمر: 9]." اهـ[1]
2/
استحباب التسبيح، وسؤال الله، والتعوذ به في القراءة أثناء صلاة الليل
وقال النووي في
"شرح صحيح مسلم" (6/ 62) :
"قَوْلُهُ:
(يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ، فِيهَا تَسْبِيحٌ، سَبَّحَ. وَإِذَا
مَرَّ بِسُؤَالٍ، سَأَلَ. وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ، تَعَوَّذَ).
فِيهِ:
اسْتِحْبَابُ هَذِهِ الْأُمُورِ لِكُلِّ قَارِئٍ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا.
وَمَذْهَبُنَا: اسْتِحْبَابُهُ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ."
اهـ
وقال يحيى بن هُبَيْرَة بن محمد بن هبيرة الذهلي الشيبانيّ، أبو المظفر الحنبلي (المتوفى: 560 هـ) _رحمه
الله_ في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (2/ 237):
وفيه أيضًا من
الفقه: أنه إذا كان في صلاة، فمرت به آيةُ رحمةٍ،
فشاء أن يسألها الله _تعالى_ مغتنمًا ما في القرآن من مناسبة الطلب، سألها. فإن
القرآن وحي مجدد،
وإذا مر بآية
فيها تسبيحُ اللهِ _تعالى_، فإنه يسبّح الله بما روي في الأخبار، وليعلم أنه في
مقام كريم، لا يلائمه المطالب الدنيا،
وإذا مر بآية
عذاب للكافرين، استعاذ بالله تعالى مِنْ مِثْلِ أن يقرأ قوله: {وَاسْتَغْفِرْ
لِذَنْبِكَ} [غافر: 55]، فيقول الحديثَ المرويَّ، وهو:
(اللهم إني ظلمت
نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر
لي مغفرةً من عندِك، وارْحمني، إنك أنت الغفور
الرحيم)
ومثلِ أن يأتي
قوله _عز وجل_:
{مَا لَكُمْ لَا
تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نوح: 13]،
فيقول ها هنا:
(اللّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُوْلُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيْكَ)،
وفي مثل قوله _سبحانه_
في ذكر تسبيحه _سبحانه وتعالى_:
{يُسَبِّحُونَ
اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20]،
وقد سبق أن معنى
قولنا: (سبحان الله) أنه تنزيه له عز وجل عن كل ما لا يجوز عليه، ثم يقول:
(وبحمده) أي وبحمده سبحته، ولذلك يقول: (سبحان الله العظيم). وهذا فلا أراه إلا في
النافلة.
* فأما الفريضة
فيقصرها على أذكارها مع التفكر في كل ذكرٍ من أذكارها، فإنها حاوية شاملة جامعة،
وليكن في إنجازه بها مبادرًا الوسواس." اهـ
[تعليق]:
وفي "زاد
المسير في علم التفسير" (4/ 342) لابن الجوزي:
"قوله عزّ
وجلّ: (ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً)
فيه أربعة
أقوال:
أحدها: لا
تَرَوْن لله عظمة، قاله ابن عباس. والثاني: لا
تخافون لله عظمة، قاله الفراء وابن قتيبة. والثالث: لا
تَرَوْن لله طاعة، قاله ابن زيد. والرابع: لا ترجون
عاقبة الإيمان والتوحيد، قاله الزّجّاج." اهـ
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 94):
"جمع _عليه
الصلاة والسلام_ بين القراءة، وبين الذكر، وبين الدعاء، وبين التفكر؛ لأن الذي
يسأل عند السؤال، ويتعوّذ عن التعوذ، ويسبح عن التسبيح، لا شك أنه يتأمل قراءته،
ويتفكر فيها،
فيكون هذا
القيام روضةً من رياض الذكر؛ قراءةً وتسبيحاً ودعاءً وتفكراً،
والنبي _عليه
الصلاة والسلام_ في هذا كله، لم يركع.
فهذه السور
الثلاث: البقرة والنساء وآل عمران، أكْثَرُ من خمسةِ أجزاءٍ وربعٍ. إذا كان
الإنسان يقرؤها بترسل، ويستعين عند فتح الوعيد، ويسأل عن آية الرحمة، ويسبح عند
آية التسبيح، كم تكون المدةُ؟
لا شك أنها تكون
طويلة، ولهذا كان _عليه الصلاة والسلام_ يقوم حتى تتورم قدماه وتتفطر،
ولا خلاف أنه
يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الثانية سورةً قبل التي قرأها في الأولى، أفاده
القاضي عياض." اهـ
3/ فِيهِ:
اسْتِحْبَابُ تَكْرِيرِ ذكر الركوع والسجود
وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى:
676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (6/ 62):
"قَوْلُهُ
(ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ"،
وَقَالَ فِي السُّجُودِ : "سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى")
فِيهِ:
اسْتِحْبَابُ تَكْرِيرِ (سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ) فِي الرُّكُوعِ،
وَ(سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى) فِي السُّجُودِ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ
الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيِّينَ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَتَعَيَّنُ ذِكْرُ الِاسْتِحْبَابِ." اهـ
4/
فِيهِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ تَطْوِيلِ الِاعْتِدَالِ عَنِ الرُّكُوعِ
وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى:
676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (6/ 62)
قَوْلُهُ (ثُمَّ
قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا
قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ).
هَذَا فِيهِ
دَلِيلٌ___لِجَوَازِ تَطْوِيلِ الِاعْتِدَالِ عَنِ الرُّكُوعِ، وَأَصْحَابُنَا
يَقُولُونَ : "لا يَجُوزُ"، وَيُبْطِلُونَ بِهِ الصَّلَاةَ." اهـ
5/
فيه: حكم آداب القرآن
وقال عياض بن
موسى السبتي، المعروف بـ"القاضي عياض" اليحصبي
(المتوفى: 544 هـ) _رحمه الله_ في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (3/ 137):
"فيه: حكم
آداب القرآن فى الصلاة وغيرها، واستعمالُ حدودِ كتابِ اللهِ." اهـ
6/
الحض على الْقِرَاءَةِ بِالتَّدَبُّرِ وَالتَّفَهُّمِ
وقال عبد الرحمن
بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911 هـ)
_رحمه الله_ في "الإتقان في علوم القرآن" (1/ 368_369):
"وَتُسَنُّ
الْقِرَاءَةُ بِالتَّدَبُّرِ وَالتَّفَهُّمِ، فَهُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ
وَالْمَطْلُوبُ الْأَهَمُّ، وَبِهِ تَنْشَرِحُ الصُّدُورُ، وَتَسْتَنِيرُ
الْقُلُوبُ.
قَالَ تَعَالَى
: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29]___
وقال : {أَفَلَا
يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [محمد: 24]
وَصِفَةُ ذَلِكَ
أَنْ يَشْغَلَ قَلْبَهُ بِالتَّفْكِيرِ فِي مَعْنَى مَا يَلْفِظُ بِهِ، فَيَعْرِفُ
مَعْنَى كُلِّ آيَةٍ، وَيَتَأَمَّلُ الْأَوَامِرَ وَالنَّوَاهِيَ، وَيَعْتَقِدُ
قَبُولَ ذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ
مِمَّا قَصَّرَ عَنْهُ فِيمَا مَضَى، اعْتَذَرَ، وَاسْتَغْفَرَ، وَإِذَا مَرَّ
بِآيَةِ رَحْمَةٍ، اسْتَبْشَرَ وَسَأَلَ، أَوْ عَذَابٍ، أَشْفَقَ وَتَعَوَّذَ، أَوْ تَنْزِيهٍ نَزَّهَ وَعَظَّمَ، أَوْ دُعَاءٍ تَضَرَّعَ وَطَلَبَ." اهـ
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 94):
"جمع _عليه
الصلاة والسلام_ بين القراءة، وبين الذكر، وبين الدعاء، وبين التفكر؛ لأن الذي
يسأل عند السؤال، ويتعوّذ عن التعوذ، ويسبح عن التسبيح، لا شك أنه يتأمل قراءته،
ويتفكر فيها،
فيكون هذا القيام
روضةً من رياض الذكر؛ قراءةً وتسبيحاً ودعاءً وتفكراً،
والنبي _عليه
الصلاة والسلام_ في هذا كله، لم يركع.
فهذه السور
الثلاث: البقرة والنساء وآل عمران، أكْثَرُ من خمسةِ أجزاءٍ وربعٍ. إذا كان
الإنسان يقرؤها بترسل، ويستعين عند فتح الوعيد، ويسأل عن آية الرحمة، ويسبح عند
آية التسبيح، كم تكون المدةُ؟
لا شك أنها تكون
طويلة، ولهذا كان _عليه الصلاة والسلام_ يقوم حتى تتورم قدماه وتتفطر،
ولا خلاف أنه
يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الثانية سورةً قبل التي قرأها في الأولى، أفاده
القاضي عياض." اهـ
7/
فيه: جواز تطويل صلاة النوافل
وقال أبو العبَّاس أحمَدُ بنُ عُمَرَ بنِ إبراهيمَ،
الأنصاريُّ القرطبيُّ (المتوفى: 656 هـ) _رحمه
الله_ في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (7/ 39):
"وهذا
التطويل، وهذه الكيفية التي صدرت عنه في هذه الصلاة، إنما كانت منه بحسب وَقْتٍ صَادَفَهُ، وَوَجْدٍ
وَجَدَهُ، فاستطاب ما كان فيه، واستغرقه عما سواه." اهـ
[تعليق]
قال أبو فائزة
_غفر الله له_:
يبدو أن أبا
العباس القرطبي _رحمه الله_ يفهم أن هذه الصلاة هي صلاة الفرض، والصحيح: أنها صلاة
الليل، وهي من النوافل، والله أعلم.
وقال يحيى بن هُبَيْرَة بن محمد بن هبيرة الذهلي الشيبانيّ، أبو المظفر الحنبلي (المتوفى: 560 هـ) _رحمه
الله_ في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (2/ 236):
"* فيه من
الفقه: جواز تطويل الصلاة إذا كانت نافلةً يصلي بها الرجل لنفسه أو لمن يعلم أنه يُؤْثِرُ
تطويلَها معه،
فأما الفريضة، فالمستحب
له أن يُوْجِزَ فيها مع إتمامِ ركوعِها وسجودِها." اهـ
8/
جواز قراءة السورة أو السورتين في ركعة واحدة
وقال يحيى بن هُبَيْرَة بن محمد بن هبيرة الذهلي الشيبانيّ، أبو المظفر الحنبلي (المتوفى: 560 هـ) _رحمه
الله_ في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (2/ 237):
"وفيه أيضًا من الفقه: أنه يجوز أن يقرأ في الركعة
الواحدة السورة والسورتين والثلاثة.
9/
جواز تطويل الركوع والسجود
وقال يحيى بن هُبَيْرَة بن محمد بن هبيرة الذهلي الشيبانيّ، أبو المظفر الحنبلي (المتوفى: 560 هـ) _رحمه
الله_ في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (2/ 237):
"وفي هذا
الحديث من الفقه: جواز تطويل الركوع والسجود، وهذا فإنما يستحب مع أمن الضرر فيه،
فإن خاف ضررًا يؤول إلى أذى في سمعه أو بصره أو رأسه أو بدنه فلا يستحب له
ذلك." اهـ
10/
فيه: أن ترتيب السور باجتهاد المسلمين
الفتح الرباني
لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (4/ 245) للساعاتي :
"وفي
الحديث: دليل لمن يقول إن ترتيب السور باجتهاد المسلمين، وهو قول مالك وجمهور
العلماء، ومن قال بالتوقيف قال: "إن ذلك كان قبله"
[تعليق]:
وفي "فتح
الباري" لابن حجر (2/ 257):
"وَاخْتُلِفَ
هَلْ رَتَّبَهُ الصَّحَابَةُ بِتَوْقِيفٍ مِنَ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ أَوْ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُمْ؟
قَالَ الْقَاضِي
أَبُو بَكْرٍ: "الصَّحِيحُ الثَّانِي. وَأَمَّا
تَرْتِيبُ الْآيَاتِ، فَتَوْقِيفِيٌّ بِلَا خلاف." اهـ
وقال العثيمين
_رحمه الله_ في "أصول في التفسير" (ص: 17_19):
"ترتيب
القرآن: تلاوته تاليا بعضه بعضا حسبما هو مكتوب في المصاحف ومحفوظ في الصدور.___
وهو ثلاثة
أنواع:
النوع
الأول:
ترتيب الكلمات بحيث تكون كل كلمة في موضعها من الآية، وهذا ثابت بالنص والإجماع،
ولا نعلم مخالفا في وجوبه وتحريم مخالفته، فلا يجوز أن يقرأ: لله الحمد رب
العالمين بدلا من (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة: 2)
النوع
الثاني:
ترتيب الآيات بحيث تكون كلُّ آية في موضعها من السورة،
وهذا ثابت بالنص
والإجماع، وهو واجب على القول الراجح، وتحرم مخالفته ولا يجوز أن يقرأ: مالك يوم
الدين الرحمن الرحيم بدلا من: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (الفاتحة: 3) (مَالِكِ
يَوْمِ الدِّينِ) (الفاتحة: 4)
ففي صحيح
البخاري: أن عبد الله بن الزبير قال لعثمان بن عفان رضي الله عنهم في قوله تعالى:
(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً
لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) (البقرة: الآية 240)،
قد نسخها الآية
الأخرى يعني قوله تعالى:
(وَالَّذِينَ
يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ
أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) (البقرة: الآية 234)
وهذه قبلها في
التلاوة قال: فلم تكتبها؟ فقال عثمان رضي الله عنه: "يا ابن أخي لا أُغَيِّرُ
شيْئًا منه من مكانه."
وروي الإمام
أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث عثمان _رضي الله عنه_:
"أن النبي
صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه السور ذواتُ العدد، فكان إذا نزل عليه الشيءُ،
دعا بعض من كان يكتب، فيقول: (ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا
وكذا)."
النوع
الثالث:
ترتيب السور بحيث تكون كل سورة في موضعها من المصحف، وهذا ثابت بالاجتهاد، فلا
يكون واجبا.
وفي " صحيح
مسلم " عن حذيفة بن اليمان _رضي الله عنه_: أنه___صلّى مع النبي صلى الله
عليه وسلم ذات ليلة، فقرأ النبي _صلى الله عليه وسلم_ البقرة،
ثم النساء، ثم آل عمران."
وروى البخاري
تعليقا عن الأحنف: أنه قرأ في الأولى بالكهف، وفي الثانية بيوسف أو يونس، وذكر أن
صلى مع عمر بن الخطاب الصبح بهما.
قال
شيخ الإسلام ابن تيميه:
" تجور
قراءة هذه قبل هذه، وكذا في الكتابة. ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة _رضي الله عنهم_
في كتابتها، لكن لما اتفقوا على المصحف في زمن عثمان _رضي الله عنه_، صار هذا مما
سنه الخلفاء الراشدون، وقد دل الحديث على أن لهم سنة يجب اتِّبَاعُها " أهـ.
وفي "الفروع
وتصحيح الفروع" (2/ 182) لابن مفلح:
"وَعِنْدَ
شَيْخِنَا تَرْتِيبُ الْآيَاتِ وَاجِبٌ، لِأَنَّ
تَرْتِيبَهَا بِالنَّصِّ "ع"، وَتَرْتِيبُ
السُّوَرِ بِالِاجْتِهَادِ، لَا بِالنَّصِّ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ
الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ،
قَالَ
شَيْخُنَا:
فَيَجُوزُ
قِرَاءَةُ هَذِهِ قَبْلَ هَذِهِ، وَكَذَا فِي الْكِتَابَةِ، وَلِهَذَا تَنَوَّعَتْ
مَصَاحِفُ الصَّحَابَةِ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ_ فِي كِتَابَتِهَا، لَكِنْ
لَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى الْمُصْحَفِ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ صَارَ هَذَا مِمَّا
سَنَّهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ لَهُمْ
سُنَّةً يَجِبُ اتِّبَاعُهَا." اهـ
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 94):
"وهكذا كان
_عليه الصلاة والسلام_ يصلي فيجعل الصلاة متناسبة؛ إذا أطال القيام؛ أطال الركوع،
والسجود، والقيام الذي بعد الركوع والجلوس الذي بين السجدتين،
وإذا خفف
القراءةَ؛ خفف الركوعَ والسجود والقيامَ؛ من أجْل أن تكون الصلاة متناسبة،
وهذا فعله _صلوات
الله وسلامه عليه_ في الفرض، وفي النفل أيضاً، فكان _صلى الله عليه وسلم_ يجعل
صلاته متناسبة." اهـ
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 94):
"وفي هذا
الحديث عدة فوائد:
الفائدة
الأولى:
وهي التي ساق المؤلف الحديث من أجلها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعمل عملَ
المجاهدِ الذي يجاهد نفسه على الطاعة؛ لأنه يعمل هذا العمل الشاق؛
كل هذه ابتغاء
وجه الله ورضوانه، كما قال الله تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه
(تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً)
(الفتح: من الآية 29) .
ومنها:
جواز إقامة الجماعة في صلاة الليل، لكن هذا ليس دائماً، إنما يفعل أحياناً في غير
رمضان، أما في رمضان فإن من السنة أن يقوم الناس في جماعة.
ومنها: أنه
ينبغي للإنسان في صلاة الليل إذا مر بآية رحمة أن يقف ويسأل، مثل لو مر بذكر الجنة
يقف ويقول: (اللهم اجعلني من أهلها،____اللهم إني أسألك الجنة)،
وإذا مر وعيد
يقف، يقول: (أعوذ بالله من ذلك، أعوذ بالله من النار، وإذا مر بآية تسبيح، يعني
تعظيم لله سبحانه وتعالى؛ يقف ويسبح الله ويعظّمه؛
هذا في
صلاة الليل، أما صلاة الفريضة فلا بأس أن يفعل هذا، ولكنه ليس
بسنة. إن فعله، فإنه لا يُنْهَى عنه، وإن تركه، فإنه لا يؤمر به، بخلاف صلاة
الليل، فإن الأفضل أن يفعل ذلك، أي: يتعوذ عند آية الوعيد، ويسأل، عند آية الرحمة،
ويسبح عند آية التسبيح.
ومن
فوائد الحديث: جواز تقديم السور بعضها على بعض، فإن النبي _صلى
الله عليه وسلم_ قدم سورة النساء على سورة آل عمران،
والترتيب أن
سورة آل عمران مقدمةٌ على سورة النساء، ولكن هذا _والله أعلم_ كان قبل السنة
الأخيرة،
فإن السنة
الأخيرة كان النبي صلى الله عليه وسلم يقدم سورة آل عمران على سورة النساء؛ ولهذا
رتبها الصحابة _رضي الله عنهم_ على هذا الترتيب، أي أن آل عمران قبل سورة النساء.
وكان النبي _عليه
الصلاة والسلام_ يقرن بين البقرة وآل عمران؛ في مثل قوله عليه الصلاة والسلام:
(اقرؤوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان
أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما يوم القيامة)،
فالمهم أن
الترتيب في الأخير كان تقديم سورة آل عمران على سورة النساء." اهـ
[تعليق]:
وفي "صحيح
البخاري" (1/ 154_155):
"وَقَرَأَ
الأَحْنَفُ بِالكَهْفِ فِي الأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ بِيُوسُفَ - أَوْ يُونُسَ
- وَذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ_ الصُّبْحَ بِهِمَا."
اهـ[2]
وفي "ذخيرة
العقبى في شرح المجتبى" (18/ 13):
"وقوله:
"فافتتح النساء الخ"
فيه: عدم وجوب
الترتيب بين السور في القراءة، وقد تقدم البحث عنه مُستَوفى في أبواب القراءة.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع." اهـ
وفي "فتح
الباري" لابن حجر (9/ 40):
"قَالَ بن
بَطَّالٍ:
لَا نَعْلَمُ
أَحَدًا قَالَ بِوُجُوبِ تَرْتِيبِ السُّوَرِ فِي الْقِرَاءَةِ لَا دَاخِلَ
الصَّلَاةِ وَلَا خَارِجَهَا، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَ (الْكَهْفَ) قَبْلَ
(الْبَقَرَةِ)، وَ(الْحَجَّ) قَبْلَ الْكَهْفِ _مَثَلًا_،
وَأَمَّا مَا
جَاءَ عَنِ السَّلَفِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَنْكُوسًا، فَالْمُرَادُ بِهِ: أَنْ يَقْرَأَ مِنْ آخِرِ السُّورَةِ
إِلَى أَوَّلِهَا.
وَكَانَ
جَمَاعَةٌ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فِي الْقَصِيدَةِ مِنَ الشِّعْرِ مُبَالَغَةً فِي
حِفْظِهَا وَتَذْلِيلًا لِلِسَانِهِ فِي سَرْدِهَا. فَمَنَعَ السَّلَفُ ذَلِكَ فِي
الْقُرْآنِ، فَهُوَ حَرَامٌ فِيهِ).
وَقَالَ
الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي صَلَاتِهِ فِي اللَّيْلِ بِسُورَةِ
النِّسَاءِ قَبْلَ آلِ عِمْرَانَ"، هُوَ كَذَلِكَ فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ
كَعْبٍ.
وَفِيهِ حُجَّةٌ
لِمَنْ يَقُولُ إِنَّ تَرْتِيبَ السُّوَرِ اجْتِهَادٌ،
وَلَيْسَ بِتَوْقِيفٍ مِنَ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_،
وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيُّ.
قَالَ:
(وَتَرْتِيبُ
السُّوَرِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي التِّلَاوَةِ وَلَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي
الدَّرْسِ وَلَا فِي التَّعْلِيمِ. فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتِ الْمَصَاحِفُ. فَلَمَّا
كُتِبَ مُصْحَفُ عُثْمَانَ، رَتَّبُوهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ الْآنَ.
فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ تَرْتِيبُ مصاحف الصَّحَابَة).
ثمَّ ذكر نَحْو
كَلَام ابن بَطَّالٍ ثُمَّ قَالَ:
(وَلَا خِلَافَ
أَنَّ تَرْتِيبَ آيَاتِ كُلِّ سُورَةٍ عَلَى مَا
هِيَ عَلَيْهِ الْآنَ فِي الْمُصْحَفِ تَوْقِيفٌ مِنَ اللَّهِ _تَعَالَى_، وَعَلَى
ذَلِكَ نَقَلَتْهُ الْأُمَّةُ عَنْ نَبِيِّهَا _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_)." اهـ
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 96):
"ومن
فوائد هذا الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
يسبح ويكرر التسبيح؛ لأن حذيفة قال: كان يقول: سبحان ربي العظيم، وكان يطيل، ويقول
سبحان ربي الأعلى، وذكر أنه يطيل، ولم يذكر شيئاً أخر،
فدل هذا على أنك
مهما كررت من التسبيح في الركوع والسجود فإنه سنة، ولكن مع هذا كان النبي ـ عليه
الصلاة والسلام ـ يقول في ركوعه وفي سجوده، ويكثر من هذا القول: (سبحانك اللهم
ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) ، وكان يقول أيضاً: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح)،
فكل ما ورد عن
النبي صلى الله عليه وسلم من ذكر ودعاء؛ فإنه يسن للإنسان أن يقوله في صلاته. نسأل
الله تعالى أن يرزقنا وإياكم اتباع رسول صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً، وأن
يتولانا وإياكم في الدنيا والآخرة إنه جواد كريم." اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في
"ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (13/ 214):
"(ومنها) :
تقارب القيام، والركوع، والرفع منه، والسجود، والرفع منه في مقدار الطول. والله سبحانه
وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا
الإصلاح ما استطعت، ما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب." اهـ
وقال عبد العزيز بن محمد بن عبد
المحسن السلمان (المتوفى:
1422 هـ) _رحمه الله_ في "موارد الظمآن لدروس الزمان" (1/ 485):
"وَيُسْتَحَبُّ
إِذَا مَرَّ بآيةِ رَحْمَةٍ أَنْ يَسْأَلَ اللهَ مِنْ فَضْلِهِ، وَإِذَا مَرَّ
بآيةِ عَذَابٍ أَنْ يَسْتَعِيذَ باللهِ مِنْ الشَّرِّ أَوْ مِنْ العَذَابِ أَوْ
يَقُولَ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ العَافِيَةِ) أَوْ يَقُولَ: (أَسْأَلُكَ
الْمُعَافَاةِ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ) أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ." اهـ
وقال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر
_حفظه الله_ في "فقه الأدعية والأذكار" (3/ 137):
"ففي هذا
الحديث مشروعية أن يقولَ المسلمُ في ركوعه (سبحان
ربي العظيم) وفي سجوده (سبحان ربي الأعلى).
قال ابن القيم _رحمه
الله_ [في "كتاب الصلاة" (ص:176)]:
(فشُرعَ
للرَّاكع أن يَذكرَ عَظمة ربِّه في حال انخفاضه هو وتطامنه وخضوعه، وأنه سبحانه
يوصف بوصف عظمته عما يضاد كبرياءه وجلاله وعظمته،
فأفضل ما يقول
الراكع على الإطلاق: (سبحان ربي العظيم)، فإن الله _سبحانه_ أمر العباد بذلك، وعيَّن
المبلِّغُ عنه السفيرُ بينه وبين عباده هذا الْمَحَلَّ لهذا الذكرِ لما نزلت:
{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} 2 قال: "اجعلوها في ركوعكم" ...)."
اهـ
وقال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر
_حفظه الله_ في "فقه الأدعية والأذكار" (3/ 138)
وقال [يعني: ابن
القيم في "كتاب الصلاة" (ص:181)] عن السجود:
"وشرع فيه
من الثناء على الله ما يناسبه، وهو قول العبد (سبحان ربي الأعلى)، فهذا أفضل ما
يقال فيه،
ولم يرد عن
النَّبِيّ _صلى الله عليه وسلم_ أمْرُه في السجود بغيره حيث قال: (اجعلوها في سجودكم)،
وكان وصف الرب
بالعلو في هذه الحال في غاية المناسبة لحال الساجد الذي قد انحط إلى السُّفْلِ على وجهه، فذَكَرَ عُلُوَّ ربِّه في
حال سقوطه،
وهو كما ذكر
عظمته في حال خُضوعه في ركوعه، ونزَّه ربَّه عما لا يليق به مما يضاد عظمتَه وعُلُوَّه."
ملحق الفوائد:
هذا الحديث الشريف
من أعظم الأحاديث في وصف صلاة النبي _صلى الله عليه وسلم_، وقد اشتمل على فوائد
جليلة وأصولٍ عظيمة في باب العبادة، نذكر منها جملةً وافرةً على طريقة أهل العلم
المتقدمين:
1- بيان عِظَم اجتهاده _صلى الله عليه وسلم_
في قيام الليل، وأنه _صلى الله عليه وسلم_ أطال القيام إطالةً خارجةً عن المعتاد،
حتى جمع السور الطوال في ركعةٍ واحدة، وذلك دليلٌ على كمال عبوديته.
2- استحباب إطالة القراءة في قيام الليل، فإن
قراءته البقرة والنساء وآل عمران في ركعةٍ واحدة تدل على فضل التطويل لمن قدر
عليه.
3- استحباب الترتيل في القراءة لقوله: «يقرأ
مترسلاً»، وأن القراءة مع التؤدة والتدبّر أولى من الإسراع.
4- أن المقصود من القراءة التدبّرُ، لا مجرد
التلاوة، إذ كان يقف عند الآيات ويتفاعل معها، وهذا أبلغ في الانتفاع بالقرآن.
5- مشروعية التفاعل مع آيات القرآن، ففيه أنه
يُسبّح عند آيات التسبيح، ويسأل عند آيات الرحمة، ويتعوّذ عند آيات العذاب.
6- أن الصلاة موطنُ دعاءٍ ومناجاة، فلم يقتصر
_صلى الله عليه وسلم_ على القراءة، بل جمع بين التلاوة والدعاء، وهذا من كمال
العبادة.
7- استحباب إطالة الركوع حيث كان ركوعه
قريبًا من قيامه، وفيه دليلٌ على تعظيم هذا الركن.
8- استحباب الإكثار من ذكر «سبحان ربي
العظيم» في الركوع لقوله: «فجعل يقول»، ففيه: دلالة على التكرار.
9- تحقيق الطمأنينة في الركوع، فإطالته _صلى
الله عليه وسلم_ لركوعه دليلٌ على كمال الطمأنينة، وهي ركنٌ لا تصح الصلاة إلا
بها.
10- استحباب إطالة الاعتدال بعد الركوع، وأنه
_صلى الله عليه وسلم_ أطال القيام بعد الركوع، وهذا مما يغفل عنه كثيرٌ من الناس.
11- استحباب إطالة السجود حيث كان سجوده _صلى
الله عليه وسلم_ قريبًا من قيامه، وهذا يدل على عظيم شأن السجود.
12- أن السجود موضع قربٍ من الله _تعالى_، فلذلك
أطاله _صلى الله عليه وسلم_، لأنه محلّ الدعاء والخضوع.
13- استحباب الإكثار من «سبحان ربي الأعلى»
في السجود كما كرّر ذلك في سجوده _صلى الله عليه وسلم_.
14- أن هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_ تقارب
الأركان في الطول، فلم يكن هناك تفاوتٌ شديد، بل كانت متقاربة، وهذا من كمال
الصلاة.
15- أن العبرة في الصلاة بكيفيتها، لا
بكثرتها، فركعةٌ واحدة بهذه الصفة أعظم من ركعاتٍ كثيرة بلا خشوع.
16- بيان فقه حذيفة _رضي الله عنه_ حيث كان
يتأمّل صلاته _صلى الله عليه وسلم_ ويتتبع أحواله بدقّة.
17- جواز صلاة النافلة جماعة أحيانًا، لأن
حذيفة صلّى معه _صلى الله عليه وسلم_ في الليل.
18- أن قيام الليل محلّ إظهار الكمال في
العبادة، فإنه وقت الخلوة والمناجاة بين العبد وبين ربه _تبارك وتعالى_.
19- أن التدبّر يورث حضور القلب، فالتفاعل مع
الآيات دليلٌ على حياة القلب.
20- أن الذكر يتنوّع في الصلاة، فجمع _صلى
الله عليه وسلم_ بين القراءة، والتسبيح، والدعاء، والتعوّذ.
21- أن في هذا الحديث ردًّا على المستعجلين
في الصلاة، فإن هديه _صلى الله عليه وسلم_ قائمٌ على التأنّي والإطالة.
22- أن طول الصلاة من أسباب الخشوع، فإن
التأنّي يُورث سكون القلب وخضوعه.
23- أن من فقه العبادة إعطاءَ كل ركنٍ حقه، فلم
يُهمل ركنًا دون آخر، بل سوّى بينها في الطول.
24- أن هذه الصفة من الصلاة خاصةٌ بأهل القوة
والنشاط، فلا يُكلّف بها مَنْ عجز، بل يُراعى حاله.
25- أن هذا الحديث أصلٌ في باب كمال قيام
الليل، فمن أراد أن يعرف أكمل هيئةٍ للصلاة في قيام الليل، فلينظر إلى هذا الهدي.
26- أن القرآن يُتلى للعمل به، لا لمجرد
التلاوة، إذ كان _صلى الله عليه وسلم_ يتفاعل معه في الحال.
27- أن الخشوع ثمرةُ العلم والتدبّر، فكلما
ازداد العبد فهمًا، ازداد تأثرًا.
28- أن الليل موطن صفاء القلب، فلذلك ظهرت
فيه هذه المعاني من التدبّر والتفاعل.
29- أن المجاهدة في العبادة تُثمر الكمال، فهذا
الطول من النبي _صلى الله عليه وسلم_ لا يكون إلا مع صبرٍ ومجاهدة.
30- أن الاتباع الحقيقي هو في الكيفية، لا في
الصورة الظاهرة فقط، فليس المقصود مجرد القيام، بل كيفيته على هديه _صلى الله عليه
وسلم_.
فهذه جملةٌ من
الفوائد، والحديث بحرٌ زاخر، يدلّ على كمال صلاة النبي _صلى الله عليه وسلم_،
وأنها كانت جامعةً بين طول الظاهر، وحياة الباطن، ومن اقتدى به فيها، نال الحظّ
الأوفر من كمال العبودية.
|
[103] التاسع:
عن ابن مسعود _رضي الله عنه_ قَالَ : "صَلَّيْتُ
مَعَ النَّبيّ _صلى الله عليه وسلم_ لَيلَةً، فَأَطَالَ القِيامَ حَتَّى
هَمَمْتُ بأمْرِ سُوءٍ! قيل: "وَمَا
هَمَمْتَ بِهِ؟" قَالَ: "هَمَمْتُ أنْ أجْلِسَ وَأَدَعَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. |
ترجمة
عبد الله بن مسعود أبي عبد الرحمن الهذلي _رضي الله عنه_ :
وفي "تهذيب
الكمال في أسماء الرجال" (16/ 121) للمزي:
"عَبد
اللَّهِ بن مسعود بن غافل بن حبيب بْن____شمخ بن مخزوم، ويُقال: ابْن شمخ بْن فار
بْن مخزوم بْن صاهلة بْن كاهل بْن الحارث بْن تميم بْن سعد بْن هذيل بْن مدركة بْن إلياس بْن مضر بْن نزار بن معد بن عدنان، أبو
عَبْدِ الرَّحْمَنِ الهذلي، صاحب رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
وكان أبو مسعود بْن غافل، قد حالف عبد بْن الحارث بْن زهرة
فِي الجاهلية، وأمه أم عبد بنت ود بْن سواء من هذيل أَيْضًا، لها صحبة.
أسلم
بمكة قديما، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرا والمشاهد
كلها مع رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وهُوَ صاحب نعل
رَسُول اللَّهِ _صلى___الله عليه وسلم_. كَانَ يلبسه إياها إِذَا قام، فإذا
جلس، أدخلها فِي ذراعه. وكَانَ كثير الولوج عَلَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم."
اهـ
وفي تهذيب
الكمال في أسماء الرجال (16/ 127) : "
وَقَال أَبُو
بَكْر بْن أَبي خيثمة، عَن يحيى بْن مَعِين: مات سنة ثلاث أَوِ اثنتين
وثلاثين." اهـ
نص
الحديث وشرحه:
التاسع: عن ابن
مسعود _رضي الله عنه_ قَالَ :
"صَلَّيْتُ
مَعَ النَّبيّ _صلى الله عليه وسلم_ لَيلَةً، فَأَطَالَ القِيامَ حَتَّى هَمَمْتُ
بأمْرِ سُوءٍ! قيل: "وَمَا هَمَمْتَ
بِهِ؟" قَالَ: "هَمَمْتُ أنْ أجْلِسَ
وَأَدَعَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وفي "عمدة
القاري شرح صحيح البخاري" (7/ 184) للعيني:
"قَوْله:
(حَتَّى هَمَمْت) أَي: قَصَدْتُ." اهـ
وقال محمد
الأمين بن عبد الله الأُرَمي العَلَوي الهَرَري
الشافعي (المتوفى 1441 هـ) _رحمه الله_ في "الكوكب الوهَّاج والرَّوض
البَهَّاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (10/ 79):
"(وأدعه)،
أي: وأن أتركه قائمًا وحده،
وإنما جعله
سوءًا، وإن كان القعود في النفل جائزًا، لأن فيه تركَ الأدب معه _صلى الله عليه
وسلم_ وصورةَ مخالفتِهِ. وقد كان ابن مسعود قويًّا محافظًا على الاقتداء به _صلى
الله عليه وسلم_، فلولا أنه طوّل كثيرًا، لم يَهُمَّ بالقعود." اهـ
تخريج
الحديث:
أخرجه البخاري
في "صحيحه" (2/ 51) (رقم: 1135)، ومسلم في "صحيحه" (1/ 537)
(رقم: 773)، وابن ماجه في "سننه" (1/ 456) (رقم: 1418)، الشمائل
المحمدية للترمذي ط المكتبة التجارية (ص: 231) (رقم: 278)، مسند ابن أبي شيبة (1/
169) (رقم: 243)، مسند أحمد - عالم الكتب (1/ 385 و1/ 396 و 1/ 415 و 1/ 440)
(رقم: 3646 3766 و 3937 و 4199)، مسند أبي يعلى الموصلي (9/ 100) (رقم: 5165)، صحيح
ابن خزيمة (2/ 186) (رقم: 1154)، المسند للشاشي (2/ 71) (رقم: 581)، صحيح ابن حبان
(5/ 512) (رقم: 2141)، جزء الألف دينار للقطيعي (ص: 385) (رقم: 248)، السنن الكبرى
للبيهقي (3/ 12) (رقم: 4684)، تاريخ بغداد ت بشار (16/ 451) (رقم: 4779).
والحديث
صحيح:
صححه الألباني _رحمه الله_ في "مختصر الشمائل" (ص: 150) (رقم: 234)،
و"التعليقات الحسان" (4/ 36) (رقم: 2138)
من
فوائد الحديث :
1/ فِيهِ:
دَلِيل على طول الْقيام فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ
قَالَ
ابْن بطال _رَحمَه الله_ في "شرح صحيح البخارى" لابن بطال (3/ 124):
"وفى حديث
ابن مسعود: دليل على طول القيام فى صلاة الليل، لأن ابن مسعود أخبر أن النبى، (صلى
الله عليه وسلم) ، لم يزل قائمًا حتى همّ بالقعود، وهذا لا يكون إلا لطول القيام،
لأن ابن مسعود كان جلدًا مقتديًا بالرسول محافظًا على ذلك." اهـ
وقال يحيى بن هُبَيْرَة بن محمد بن هبيرة الذهلي الشيبانيّ، أبو المظفر الحنبلي (المتوفى: 560 هـ) _رحمه
الله_ في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (2/ 71):
"فيه: جواز
تطويل الصلاة وإن شق على بعض المأمومين، وهذا فلا أراه إلا في النافلة." اهـ
وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى:
676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (6/ 63):
"وفيه:
استحباب تطويل صلاة الليل." اهـ
وقال الحافظ أبو
الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى: 852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري"
(3/ 19):
"وَفِي
الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ عَلَى اخْتِيَارِ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_ تَطْوِيلَ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَقد كَانَ ابن مَسْعُودٍ قَوِيًّا
مُحَافِظًا عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_.
وَمَا هَمَّ بِالْقُعُودِ، إِلَّا بَعْدَ طُولٍ كَثِيرٍ، مَا اعْتَادَهُ."
اهـ
وفي "فتح
الباري" لابن حجر (3/ 19) :
"وَأَخْرَجَ
مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: "أَفْضَلُ
الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ."
فَاسْتُدِلَّ
بِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْقُنُوتِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ
الْخُشُوعُ.
وَذَهَبَ
كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّ كَثْرَةَ الرُّكُوعِ
وَالسُّجُودِ أَفْضَلُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ : "أَفْضَلُ
الْأَعْمَالِ كَثْرَةُ السُّجُودِ."
وَالَّذِي
يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ
وَالْأَحْوَالِ." اهـ
وفي "عمدة
القاري شرح صحيح البخاري" (7/ 185):
"وَذهب
قوم إِلَى أَن طول الْقيام أفضل، وَبِه قَالَ الْجُمْهُور من التَّابِعين
وَغَيرهم، وَمِنْهُم مَسْرُوق وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ
وَأَبُو حنيفَة. وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ فِي قَول،
وَأحمد فِي رِوَايَة،
وَقَالَ
أَشهب: "هُوَ أحب إِلَيّ لِكَثْرَة الْقِرَاءَة"، وَاحْتَجُّوا فِي
ذَلِك بِحَدِيث الْبَاب، وَبِمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر: (سُئِلَ رَسُول
الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَي الصَّلَاة أفضل؟ قَالَ: طول الْقُنُوت).
وَأَرَادَ
بِهِ طولَ الْقيامِ، وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
من حَدِيث عبد الله بن حبش الْخَثْعَمِي: (إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
سُئِلَ: أَي الصَّلَاة أفضل؟ فَقَالَ: طول الْقيام)
.
وَهَذَا
يُفَسر قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (طول الْقُنُوت) وَإِن كَانَ الْقُنُوت
يَأْتِي بِمَعْنى: الْخُشُوع وَغَيره." اهـ
وحديث عبد الله
بن حُبْشِي الخَثعَمِيِّ _رضي الله عنه_ صححه الألباني في "صحيح أبي داود"
(رقم : 1196).
2/
وَفِيه: أَنَّ مُخَالَفَةَ الْإِمَامِ فِي أَفْعَالِهِ مَعْدُودَةٌ فِي الْعَمَلِ
السَّيِّءِ
وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى: 852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري"
(3/ 19):
"وَفِي
الْحَدِيثِ: أَنَّ مُخَالَفَةَ الْإِمَامِ فِي أَفْعَالِهِ مَعْدُودَةٌ فِي
الْعَمَلِ السَّيِّءِ." اهـ
شرح النووي على
مسلم (6/ 63):
"فِيهِ:
أنه ينبغي الأدب مع الأئمة والكبار وأن لا يُخَالَفُوا بِفِعْلٍ وَلَا قَوْلٍ مَا
لَمْ يَكُنْ حَرَامًا." اهـ
3/
وَفِيهِ: تَنْبِيهٌ عَلَى فَائِدَةِ مَعْرِفَةِ مَا بَينهم من الْأَحْوَال
وَغَيرهَا
وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى: 852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري" (3/
19):
"وَفِيهِ:
تَنْبِيهٌ عَلَى فَائِدَةِ مَعْرِفَةِ مَا بَينهم من الْأَحْوَال وَغَيرهَا لِأَن
أَصْحَاب ابن مَسْعُودٍ مَا عَرَفُوا مُرَادَهُ مِنْ قَوْلِهِ: (هَمَمْتُ بِأَمْرِ
سُوءٍ) حَتَّى اسْتَفْهَمُوهُ عَنْهُ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمُ
اسْتِفْهَامَهُمْ عَنْ ذَلِكَ." اهـ
4/
جواز القعود للمأمون عند العجز عنه
وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى:
676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (6/ 63):
"وَاتَّفَقَ
الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا شَقَّ عَلَى الْمُقْتَدِي فِي فَرِيضَةٍ، أَوْ
نَافِلَةٍ الْقِيَامُ، وَعَجَزَ عَنْهُ، جَازَ لَهُ الْقُعُودُ. وَإِنَّمَا لَمْ
يقعد ابن مَسْعُودٍ لِلتَّأَدُّبِ مَعَ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_." اهـ
5/
فِيهِ: جَوَازُ الِاقْتِدَاءِ فِي غَيْرِ الْمَكْتُوبَاتِ
وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى:
676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (6/ 63)
"وَفِيهِ:
جَوَازُ الِاقْتِدَاءِ فِي غَيْرِ الْمَكْتُوبَاتِ." اهـ
6/
فيه: جوازُ أن يخبر الرجل عن نفسه
وقال يحيى بن هُبَيْرَة بن محمد بن هبيرة الذهلي الشيبانيّ، أبو المظفر الحنبلي (المتوفى: 560 هـ) _رحمه
الله_ في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (2/ 71):
"وفيه
أيضًا: جوازُ أن يخبر الرجل عن نفسه بما كان من همه بسوء وَوِقايَةِ الله _عز وجل_
إياه شرها." اهـ
7/ من
السنة: قيام الليل
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 97_98):
"ففي هذا:
دليل على أنه من السنة أن يقوم الإنسان في الليل، ويطيل القيام، وأنه إذا فعل ذلك
فهو مقتدٍ برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولكن، اعلم أنك
إذا أطلت القيام؛ فإن السنة أن تطيل الركوع، والسجود، والجلوس بين السجدتين،
والقيام بعد الركوع،
فإن من سنة
الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه كان يجعل صلاته متناسبة؛ إذا أطال القيام أطال
بقية الأركان، وإذا خفف القيام خفف بقية الأركان، هذا هو___السنة." اهـ
8/
الصلاة روضة من رياض العبادات
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (5/ 210):
"فالصلاة
روضة من رياض العبادات، فيها من كل زوج بهيج، قرآن وذكر ودعاء وتسبيح وتكبير
وتعوذ،
ولهذا كانت هي
أفضل العبادات البدنية، أفضل من الصيام، وأفضل من الزكاة، وأفضل من الحج، وأفضل من
كل العبادات، إلا التوحيد، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ,
لأن هذا هو مفتاح الإسلام.
فالحاصل: أن
هذه صفة صلاة النبي _صلى الله عليه وسلم_ من الليل، فاحرص أخي المسلم، أسأل الله
أن يعينني وإياك على اتباعه ظاهرا وباطنا، وأن يتوفانا على ملته ويحشرنا في زمرته،
ويدخلنا معه جنات النعيم." اهـ
9/
جواز صلاة النافلة جماعة أحياناً
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (14/ 334):
"صلاة
النافلة جماعة أحياناً لا بأس بها، لأن النبي _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_
صلى جماعةً في أصحابه في بعض الليالي،
فصلى معه ذاتَ
مرةٍ عبدُ الله بْنُ عباس _رضي الله عنهما_، وصلى معه مرةً عبدُ الله بْنُ مسعود
_رضي الله عنه_، وصلى معه مرةً حذيفةُ بْنُ اليمان _رضي الله عنه_." اهـ
وعليه بوّبه ابن
حبان في صحيحه (5/ 512)، وقال: "ذِكْرُ الْإِبَاحَةِ لِلْمَرْءِ أَنْ
يُصَلِّيَ بِغَيْرِهِ وَيُطَوِّلَ صَلَاتَهُ." اهـ
10/
يجب على العالم أن يكون من أسبق الناس إلى عبادة الله
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "اللقاء الشهري" (38/ 7) - بترقيم الشاملة:
"فالعالم
يجب عليه أولاً أن يكون من أسبق الناس إلى عبادة الله؛ لأنه يدعو الناس إلى
العبادةِ.
فكيف يدعوهم وهو
معرض عنها، ولهذا كان رسول الله _صلى الله عليه وعلى آله وسلم_ الذي حمَّله الله
أعظمَ رسالةٍ، كان أخشَى الناسِ وأتقاهم لله _عز وجل_ حتى إنه يقوم يتهجد، فتَتَوَرَّم
ساقاه وقدماه من طول القيام." اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في
"البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (16/ 123_124):
"في
فوائده:
1 - (منها):
بيان استحباب تطويل صلاة الليل.
2 - (ومنها):
بيان جواز الاقتداء في غير المكتوبات.
3 - (ومنها):
أنه ينبغي الأدب مع الأئمة والكبار، وأن لا يخالفوا بفعل، ولا قول، ما لم يكن
حرامًا، واتَّفَقَ العلماء على أنه إذا شَقَّ على المقتدي في فريضة أو نافلة
القيام، وعَجَزَ عنه جاز له القعود، وإنما لم يقعد ابن مسعود -رضي اللَّه عنه-؛
للتأدب مع النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قاله النوويُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-.
4 - (ومنها): أن
مخالفة الإمام في أفعاله معدودة في العمل السيِّئ.___
5 - (ومنها):
جواز استفهام الإمام ورئيس القوم إذا لم يفهم مراده؛ لأن أصحاب ابن مسعود -رضي
اللَّه عنه- ما عرفوا مراده من قوله: "هممت بأمرِ سَوْءٍ" حتى استفهموه
عنه، ولم ينكر عليهم استفهامهم عن ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل." اهـ
من
فوائد الحديث:
هذا الحديث من
دلائل عظيم اجتهاد النبي _صلى الله عليه وسلم_، وعلوّ همم أصحابه رضي الله عنهم،
وفيه فوائد كثيرة جليلة، نذكر منها:
1- فيه: بيان شدة اجتهاد النبي _صلى الله
عليه وسلم_ في قيام الليل، وأنه _صلى الله عليه وسلم_ كان يُطيل القيام إطالةً
خارجةً عن المعتاد، حتى يشقّ ذلك على من صلّى خلفه لكمال عبوديته.
2- فيه: استحباب إطالة القيام في صلاة الليل،
فإن فعله _صلى الله عليه وسلم_ يدل على أن التطويل في القيام من أفضل القُرُبات
لمن قوي عليه.
3- فيه: فضل قيام الليل وعِظم شأنه، إذ اختار
له النبي _صلى الله عليه وسلم_ هذه الإطالة، وما اختاره لنفسه إلا ما هو أفضل
وأكمل.
4- فيه: جواز صلاة النافلة جماعة أحيانًا، لأن
ابن مسعود _رضي الله عنه_ صلّى معه، فدلّ على جواز ذلك، لكن من غير مداومة.
5- فيه: حرص الصحابة على الاقتداء بالنبي _صلى
الله عليه وسلم_، فإن ابن مسعود _رضي الله عنه_ تحمّل المشقة في القيام متابعةً له
_صلى الله عليه وسلم_.
6- فيه: علوّ همم الصحابة _رضي الله عنهم_ حيث
عدّ مجرد الجلوس مع بقاء الصلاة تقصيرًا وسوءًا، وهذا من شدة تعظيمهم للسنة.
7- فيه: أن ترك الأكمل يُعدّ نقصًا عند أهل
الفضل، فما هو جائزٌ في أصل الشرع قد يراه أرباب الهمم تقصيرًا بالنسبة إلى
الأكمل.
8- فيه: جواز الجلوس في النافلة لمن عجز، فإنَّ
هّمَّ ابنِ مسعود _رضي الله عنه_ بالجلوس يدل على جوازه، إذ لو كان محرمًا لما خطر
بباله.
9- فيه: أن الهمّ بالشيء لا يُؤاخذ به العبد،
لأنه لم يفعل، وإنما خطر بقلبه، فدلّ على سعة رحمة الله _تعالى_.
10- فيه: أن طول القيام قد يبلغ حدّ المشقة،
وأن العبادة قد تشتدّ، لكن لا يُكلّف بها من لا يطيقها.
11- فيه: مراعاة أحوال المأمومين في صلاة
الفرض جماعة دون قيام الليل، فإن هذا الفعل كان في قيام الليل، لا في الفرائض، مما
يدل على أن التخفيف في الفرائض أولى.
12- فيه: أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان
يختار الأكمل لنفسه، ولو شقّ، بخلاف ما يُشرّعه للأمة من التيسير.
13- فيه: بيان صدق متابعة الصحابة _رضي الله
عنهم_، فلم يترك ابن مسعود _رضي الله عنه_ الصلاة، بل أراد أن يُخفف على نفسه مع
بقاء المتابعة في الأصل.
14- فيه: أن المشقة في العبادة إذا لم تُفضِ
إلى الانقطاع فهي محمودة، فإن ابن مسعود _رضي الله عنه_ صبر حتى كاد يعجز، وهذا من
المجاهدة.
15- فيه: أن في قيام الليل تربيةً للنفس على
الصبر، فإن طول القيام يُدرّب النفس على احتمال المشاق في طاعة الله _تعالى_.
16- فيه: أن الخشوع يقتضي التأنّي وعدم
العجلة، وطول قيامه _صلى الله عليه وسلم_ دليل على أنه كان يُرتّل ويتدبّر.
17- فيه: استحباب مصاحبة أهل الفضل في
العبادة، فإن الصلاة مع النبي _صلى الله عليه وسلم_ رفعت من همّة ابن مسعود _رضي
الله عنه_، وإن شقّت عليه.
18- فيه: أن من عجز عن الكمال لا يترك الأصل،
فابن مسعود _رضي الله عنه_ لم ينوِ قطع الصلاة، بل تخفيفها بالجلوس.
19- فيه: أن التعبير عن الأمور بحسب المقامات،
فقد سمّى ما همّ به «سوءًا» تعظيمًا للمقام، لا لكونه معصية.
20- فيه: أن هذا الحديث أصلٌ في باب المجاهدة،
ففيه أن العبد يجاهد نفسه على الطاعة، وإن وجد مشقة.
21- فيه: أن طول القيام أدعى لتدبّر القرآن، لأن
القراءة مع التأنّي تحتاج إلى زمنٍ طويل.
22- فيه: أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان
قدوةً في أعلى مراتب العبادة، فلا يُقاس عليه غيره في كل حال، بل يُنظر إلى هديه
العام.
23- فيه: أن من فقه الصحابة دقة التعبير عن
الأحوال، فكلام ابن مسعود _رضي الله عنه_ يحمل معاني دقيقة في وصف النفس وحالها.
24- فيه: أن العبادة لها مراتب، فمنها ما هو
جائز، ومنها ما هو أكمل، وأهل الفضل يطلبون الأكمل.
25- فيه: أن هذا الهدي يدل على علوّ مقام
الليل في العبادة، فإنه محلّ الإطالة والاجتهاد، بخلاف النهار.
فهذه جملةٌ من
الفوائد، والحديث شاهدٌ على عِظم عبودية النبي _صلى الله عليه وسلم_، وسموّ نفوس
أصحابه، وأن الطريق إلى الكمال إنما يكون بالصبر والمجاهدة، مع لزوم هدي خير
البرية _صلى الله عليه وسلم_.
[1] وفي "تطريز رياض الصالحين" (ص: 665_666): في هذا
الحديث: مشروعية التطويل في جميع أركان صلاة الليل،___
قال
الله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ
الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ
وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [الزمر
(9) ]." اهـ
[2] أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 180_181)
(رقم: 1082):
حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، قَالَ: ثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا
حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: ثنا بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ___عَبْدِ اللهِ
بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ:
"صَلَّى
بِنَا الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِعَاقُولِ الْكُوفَةِ، فَقَرَأَ
فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى الْكَهْفَ، وَالثَّانِيَةِ بِسُورَةِ يُوسُفَ، قَالَ:
وَصَلَّى بِنَا عُمَرُ _رَضِيَ اللهُ عَنْهُ_ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَقَرَأَ بِهِمَا
فِيهِمَا." [انظر: "إتحاف المهرة" لابن حجر (12/ 84) (رقم: 15129)]
Komentar
Posting Komentar