خير الناس مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ

 


خير الناس مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ

 

قال الله _تعالى_:

{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]

 

قال محمد صديق حسن خان القنوجي _رحمه الله_فتح البيان في مقاصد القرآن (13/ 153):

"(إن أكرمكم عند الله أتقاكم) أي إن التفاضل بينكم إنما هو بالتقوى فمن تلبس بها، فهو المستحق لأن يكون أكرم ممن لم يتلبس بها، وأشرف وأفضل فدعوا ما أنتم فيه من التفاخر بالأنساب فإن ذلك لا يوجب كرماً، ولا يثبت شرفاً، ولا يقتضي فضلاً، قرأ الجمهور بكسر إن وقرىء بفتحها أي لأن أكرمكم." اهـ

 

ففي "سنن الترمذي" – ت. شاكر (5/ 390) (رقم: 3271):

عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الحَسَبُ المَالُ، وَالكَرَمُ التَّقْوَى»

وراه ابن ماجه (2/ 1410) (رقم: 4219)، صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (1/ 607) (رقم: 3178)

 

وفي "تفسير الخازن" = "لباب التأويل في معاني التنزيل" (4/ 184)

وقال ابن عباس: (كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى)." اهـ

 

قال المباركفوري _رحمه الله_ تحفة الأحوذي (9/ 111_112):

قوله: (الحَسَبُ) بفحتين (الْمَالُ)، أَيْ: مَالُ الدُّنْيَا الْحَاصِلُ بِهِ الْجَاهُ غالبا___(وَالْكَرَمُ) أَيِ: الْكَرَمُ الْمُعْتَبَرُ فِي الْعَقِبِ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ الْإِكْرَامُ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى (التَّقْوَى) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

قَالَ الطِّيبِيُّ: (الْحَسَبُ): مَا يَعُدُّهُ مِنْ مَآثِرِهِ وَمَآثِرِ آبَائِهِ، (وَالْكَرَمُ) الْجَمْعُ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ وَالشَّرَفِ وَالْفَضَائِلِ، وَهَذَا بِحَسَبِ اللُّغَةِ، فَرَدَّهُمَا _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ إِلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ بَيْنَ النَّاسِ وَعِنْدَ اللَّهِ، أَيْ: لَيْسَ ذِكْرُ الْحَسَبِ عِنْدَ النَّاسِ لِلْفَقِيرِ حَيْثُ لَا يُوَقَّرُ وَلَا يُحْتَفَلُ بِهِ، بَلْ كُلُّ الْحَسَبِ عِنْدَهُمْ مَنْ رُزِقَ الثَّرْوَةَ، وَوُقِّرَ فِي الْعُيُونِ.

وَمِنْهُ: حَدِيثُ عُمَرَ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ_: "مِنْ حَسَبِ الرَّجُلِ إِنْقَاءُ ثَوْبَيْهِ"، أَيْ: إِنَّهُ يُوَقَّرُ لِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ دَلِيلُ الثَّرْوَةِ وَذُو الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ عِنْدَ النَّاسِ، وَلَا يُعَدُّ كَرِيمًا عِنْدَ اللَّهِ.

وَإِنَّمَا الْكَرِيمُ عِنْدَهُ مَنِ ارْتَدَى بِرِدَاءِ التَّقْوَى،

وَأَنْشَدَ: كَانَتْ مَوَدَّةُ سَلْمَانَ لَهُ نَسَبًا وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُوحٍ وَابْنِهِ رَحِمٌ انْتَهَى

وَقِيلَ: الْحَسَبُ مَا يَعُدُّهُ الرَّجُلُ مِنْ مَفَاخِرِ آبَائِهِ، وَالْكَرَمُ ضِدُّ اللُّؤْمِ، فَقِيلَ مَعْنَاهُ الشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الرَّجُلُ عَظِيمَ الْقَدْرِ عِنْدَ النَّاسِ هُوَ الْمَالُ،

وَالشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ عَظِيمَ الْقَدْرِ عِنْدَ اللَّهِ التَّقْوَى، وَالِافْتِخَارُ بِالْآبَاءِ لَيْسَ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا." اهـ

 

ففي "سنن الترمذي" ت شاكر (4/ 566) (رقم: 2330):

عن أَبِي بَكْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟"

قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ»،

قَالَ: "فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟"

قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ»

صحيح لغيره: صحيح الترغيب والترهيب (3/ 313) (رقم: 3363)

 

قال الحريملي _رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 94):

"في هذا الحديث: فضلُ طول العمر إذا أُحسن فيه العمل." اهـ

 

قال الطيبي _رحمه الله_ في "شرح مشكاة المصابيح" = "الكاشف عن حقائق السنن" (10/ 3328):

"الْأَوْقَاتِ وَالسَّاعَاتِ كَرَأْسِ الْمَالِ لِلتَّاجِرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتْجُرَ فِيمَا يَرْبَحُ فِيهِ، وَكُلَّمَا كَانَ رَأْسُ مَالِهِ كَثِيرًا كَانَ الرِّبْحُ أَكْثَرَ، فَمَنْ مَضَى لِطَيِّبِهِ فَازَ وَأَفْلَحَ، وَمَنْ أَضَاعَ رَأْسَ مَالِهِ لَمْ يَرْبَحْ وَخَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا." اهـ

 

قال عبيد الله الرحمني _رحمه الله_ في "مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (7/ 404):

"قال الطيبي:

(إن الأوقات والساعات كرأس المال للتاجر، فينبغي أن يتجر فيما يربح فيه وكلما كان رأس ماله كثيراً، كان الربح أكثر، فمن انتفع من عمره بأن حسن عمله، فقد فاز وأفلح، ومن أضاع رأس ماله، لم يربح وخسِر خسراناً مبيناً)." اهـ

 

مسند أحمد - عالم الكتب (2/ 333) (رقم: 8399):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:

كَانَ رَجُلَانِ مِنْ بَلِيٍّ حَيٌّ مِنْ قُضَاعَةَ أَسْلَمَا مَعَ النَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، وَاسْتُشْهِدَ أَحَدُهُمَا، وَأُخِّرَ الْآخَرُ سَنَةً،

قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ:

فَأُرِيتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ الْمُؤَخَّرَ مِنْهُمَا، أُدْخِلَ قَبْلَ الشَّهِيدِ، فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَأَصْبَحْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، أَوْ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_،

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«أَلَيْسَ قَدْ صَامَ بَعْدَهُ رَمَضَانَ، وَصَلَّى سِتَّةَ آلَافِ رَكْعَةٍ، أَوْ كَذَا وَكَذَا رَكْعَةً صَلَاةَ السَّنَةِ؟»

 

مسند البزار = البحر الزخار (3/ 143_144) (رقم: 929):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:

أَنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا مُتَوَاخِيَيْنِ، فَاسْتُشْهِدَ أَحَدُهُمَا، وَبَقِيَ الثَّانِي بَعْدَ الْمُسْتَشْهِدِ سَنَةً،

قَالَ طَلْحَةُ:

"فَرَأَيْتُ الْآخَرَ مِنَ الرَّجُلَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْمُسْتَشْهِدِ، فَحَدَّثْتُ النَّاسُ بِذَلِكَ فَبَلَغَتْ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَقَالَ:

«أَلَيْسَ هُوَ صَامَ بَعْدَهُ رَمَضَانَ وَصَلَّى بَعْدَهُ سِتَّةَ آلَافِ رَكْعَةً، وَمِائَةَ رَكْعَةٍ يَعْنِي صَلَاةَ السُّنَّةِ»

 

المعنى الإجمالي لهذا الحديث:

 

بين هذا الحديث قصة رجلين كانا متآخيين في الإسلام، أسلما مع النبي صلى الله عليه وسلم، فاستشهد أحدهما في سبيل الله، بينما عاش الآخر بعده سنةً كاملة.

فرأى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه في المنام أن الرجل الذي تأخر موته قد دخل الجنة قبل صاحبه الشهيد،

فتعجب من ذلك؛ لأن الشهادة في سبيل الله منزلة عظيمة يظن الناس أن صاحبها يتقدم غيره في الفضل.

فلما ذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم بيَّن سبب هذا التقدم، وهو أن الرجل الذي تأخر، عاش بعد صاحبه سنةً أخرى، أدرك فيها رمضان فصامه، وزاد فيها من الصلاة والطاعات حتى بلغ مجموع ما صلى من الصلوات الكثيرة في تلك السنة آلاف الركعات، فكانت تلك الأعمال الصالحة سببًا في علو درجته وتقدمه في دخول الجنة.

فالمقصود من الحديث بيان عظيم فضل الأعمال الصالحة، وأن طول العمر مع حسن العمل نعمة عظيمة يترقى بها العبد في درجات الجنة، حتى قد يسبق من هو أعظم منه عملًا في الظاهر، كمن مات شهيدًا، بسبب ما يزيده الله لمن طال عمره من فرص الطاعة والعبادة.

 

تنبيه:

 

الصلوات المفروضة في السنة

الصلوات المفروضة في اليوم والليلة خمس، وعدد ركعاتها:

الفجر: ركعتان

الظهر: أربع ركعات

العصر: أربع ركعات

المغرب: ثلاث ركعات

العشاء: أربع ركعات

فالمجموع في اليوم الواحد:

2 + 4 + 4 + 3 + 4 = 17 ركعة

فإذا ضربنا ذلك في عدد أيام السنة (تقريبًا 360 يومًا في الحساب العربي القديم)، يكون الناتج: 17 × 360 = 6120 ركعة

 

في هذا الحديث فوائد جليلة، ولطائف نفيسة، يستنبطها أهل العلم، ومن ذلك ما يأتي:

الفائدة الأولى: بيان فضل طول العمر مع حسن العمل

يدل الحديث على أن بقاء العبد في الحياة مع اشتغاله بالطاعة والعبادة نعمة عظيمة؛ إذ قد يسبق بذلك من سبقه في بعض الفضائل، فإن الرجل الذي تأخر موته سنةً أدرك فيها مواسم الطاعة فازداد بها عملاً، فارتفعت درجته حتى قُدِّم في دخول الجنة.

الفائدة الثانية: عظيم فضل صيام شهر رمضان

فيه دلالة على أن صيام رمضان من أعظم القربات، وأرفع الطاعات درجة، حتى كان من أسباب تفضيل من أدركه فصامه على من لم يدركه، لما في هذا الشهر من مضاعفة الأجور وكثرة المغفرة.

الفائدة الثالثة: كثرة الصلاة سبب لرفعة الدرجات

فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ما صلاه من الركعات الكثيرة في تلك السنة، وفي ذلك إشارة إلى أن كثرة الصلاة، فرضها ونفلها، مما يرفع العبد عند الله ويعلي منزلته.

الفائدة الرابعة: أن الأعمال الصالحة تتفاضل بها منازل العباد في الجنة

فليس أهل الجنة على مرتبة واحدة، بل تتفاوت درجاتهم بحسب ما قدموه من الأعمال الصالحة، كما قال تعالى: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ}.

الفائدة الخامسة: أن الشهادة على عظيم فضلها ليست مانعة من أن يسبق الشهيدَ غيرُه بزيادة عمل

فإن الشهيد صاحب منزلة رفيعة، ومع ذلك قد يسبقه غيره إذا زاد عليه في الطاعة والعمل الصالح، لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.

الفائدة السادسة: فضل اغتنام مواسم الطاعات

فإن إدراك رمضان، وكثرة الصلاة في العام، من المواسم العظيمة التي ينبغي للمؤمن أن يغتنمها، فإنها سبب لمضاعفة الحسنات ورفع الدرجات.

الفائدة السابعة: جواز التعجب من أمور الغيب إذا ظهر سببها

فإن طلحة رضي الله عنه تعجب لما رأى في المنام من تقديم غير الشهيد، فلما بُيِّن له السبب زال التعجب، وفيه أن التعجب إنما يزول ببيان الحكمة والسبب.

الفائدة الثامنة: فضل الأخوة في الله

إذ وصف الراوي الرجلين بأنهما كانا متآخيين، وفي ذلك إشارة إلى ما كان عليه الصحابة من التآخي والتآلف في سبيل الله.

الفائدة التاسعة: أن الرؤيا الصالحة قد تكون سببًا في تعليم الناس

فإن رؤيا طلحة رضي الله عنه صارت سببًا في بيان هذه الفائدة العظيمة، وهي فضل من طال عمره في طاعة الله.

الفائدة العاشرة: أن الميزان الحقيقي للتفاضل هو كثرة الطاعة والإخلاص فيها

فالعبرة عند الله بكثرة العمل الصالح ودوامه مع الإخلاص، لا بمجرد صورة العمل أو نوعه دون النظر إلى مجموعه وآثاره.

الفائدة الحادية عشرة: الحث على الاستكثار من النوافل بعد الفرائض

لأن ما ذكر في الحديث من كثرة الركعات يشمل الصلوات النافلة، وفيه دليل على أن النوافل تكمل الفرائض وتزيد في رفعة الدرجات.

الفائدة الثانية عشرة: أن المؤمن ينبغي له أن يحمد الله على بقاء عمره

لأن كل يوم يمر عليه في طاعة الله زيادة في رصيده من الحسنات، ورفعة في درجاته في الجنة.

الفائدة الثالثة عشرة: إثبات أن الأعمال سبب في نيل الدرجات في الآخرة

ففي الحديث دلالة ظاهرة على أن زيادة العمل الصالح سبب لزيادة المنزلة في الجنة، إذ إن الرجل الذي تأخر موته إنما تقدم بسبب ما ازداد من الطاعات، وهذا يدل على أن الله تعالى ربط الجزاء بالأعمال فضلاً منه وعدلاً.

الفائدة الرابعة عشرة: أن فضل الله واسع يؤتيه من يشاء

فإن الشهيد صاحب منزلة عظيمة، ومع ذلك قد يسبق غيره بفضل الله إذا هيأ له أسبابًا أخرى من الطاعة، وفي ذلك تنبيه إلى أن أبواب الخير كثيرة، وأن فضل الله لا يحدّه نوع واحد من الأعمال.

الفائدة الخامسة عشرة: أن بقاء العبد بعد غيره قد يكون خيرًا له

فقد يظن بعض الناس أن الموت المبكر خير له، ولكن هذا الحديث يدل على أن بقاء الإنسان زمنًا أطول في طاعة الله قد يكون سببًا لعلو درجته وازدياد حسناته.

الفائدة السادسة عشرة: الحث على اغتنام العمر وعدم إضاعته

فإن سنةً واحدة زادت في عمر الرجل كانت سببًا في رفع منزلته، فكيف بمن استثمر سنوات طويلة في الطاعة؟! وفي ذلك حثٌّ للمؤمن على حفظ وقته وعدم التفريط فيه.

الفائدة السابعة عشرة: أن العمل القليل إذا داوم عليه العبد عظم أثره

فإن الصلوات التي صلاها في تلك السنة كانت نتيجة مداومة يومية، حتى بلغ مجموعها آلاف الركعات، وفي هذا إشارة إلى أن الاستمرار على العمل الصالح يورث عظيم الأجر.

الفائدة الثامنة عشرة: فضل الصلوات السنن والنوافل

فإن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى ما صلاه من الركعات الكثيرة التي تشمل السنن الرواتب وغيرها، وفي ذلك دليل على أن المحافظة على النوافل سبب لرفعة المنزلة عند الله.

الفائدة التاسعة عشرة: أن الصحابة كانوا يسألون ويتثبتون في أمور الدين

فإن طلحة رضي الله عنه لما رأى ما رأى لم يكتمه، بل ذكره حتى يُعرف وجهه، فبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم الحكمة، وفي هذا دلالة على حرصهم على فهم الدين.

الفائدة العشرون: أن الرؤيا الصالحة قد تكون بشارة للمؤمنين

فالرؤيا التي رآها طلحة رضي الله عنه كانت من الرؤى الصادقة التي تضمنت إشارة إلى فضل الطاعة، وفيها تذكير للمؤمنين بفضل الأعمال الصالحة.

الفائدة الحادية والعشرون: بيان تفاوت الناس في مراتب الفضل

فليس مجرد نوع العمل هو الذي يحدد المنزلة، بل مجموع الأعمال وكثرتها مع الإخلاص لله تعالى، ولهذا قد يسبق صاحب العمل المتكرر غيره.

الفائدة الثانية والعشرون: الحث على سؤال الله طول العمر مع حسن العمل

فإن خير الناس – كما جاء في الأحاديث الأخرى – من طال عمره وحسن عمله، وهذا الحديث شاهد عملي على هذا المعنى.

الفائدة الثالثة والعشرون: أن مواسم الطاعات كرمضان تعد من أعظم أسباب رفعة الدرجات

لأن الأعمال فيها مضاعفة، ولهذا كان إدراك رمضان وصيامه سببًا في تفضيل من أدركه على غيره.

الفائدة الرابعة والعشرون: تربية النفوس على عدم الاغترار بالعمل

فإن العبد مهما بلغ في الطاعة فلا يدري بما يختم له ولا بمن يسبقه عند الله، وفي هذا تربية للنفس على التواضع وعدم الاغترار.

الفائدة الخامسة والعشرون: أن معيار التفاضل عند الله هو التقوى والعمل الصالح

فليس التفاضل بالمظاهر ولا بالأماني، وإنما بما يقوم في القلوب من الإيمان وما يظهر على الجوارح من الطاعات.

 

 

وفي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (1/ 163) (رقم: 1401):

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ:

أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ ثَلَاثَةً، أَتَوْا النَّبِيَّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَأَسْلَمُوا، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يَكْفِينِيهِمْ؟» قَالَ طَلْحَةُ: أَنَا. قَالَ: فَكَانُوا عِنْدَ طَلْحَةَ،

* فَبَعَثَ النَّبِيُّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ بَعْثًا، فَخَرَجَ فيه أَحَدُهُمْ فَاسْتُشْهِدَ،

* قَالَ: ثُمَّ بَعَثَ بَعْثًا، فَخَرَجَ فِيهِ آخَرُ فَاسْتُشْهِدَ،

* قَالَ: ثُمَّ مَاتَ الثَّالِثُ عَلَى فِرَاشِهِ،

قَالَ طَلْحَةُ:

"فَرَأَيْتُ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ كَانُوا عِنْدِي فِي الْجَنَّةِ، فَرَأَيْتُ الْمَيِّتَ عَلَى فِرَاشِهِ أَمَامَهُمْ، وَرَأَيْتُ الَّذِي اسْتُشْهِدَ أَخِيرًا يَلِيهِ، وَرَأَيْتُ الَّذِي اسْتُشْهِدَ أَوَّلَهُمِ آخِرَهُمْ."

قَالَ: فَدَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«وَمَا أَنْكَرْتَ مِنْ ذَلِكَ، لَيْسَ أَحَدٌ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَمَّرُ فِي الْإِسْلامِ لِتَسْبِيحِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ» - صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 947) (رقم: 5371)

Komentar

Postingan populer dari blog ini

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة