خطر اللسان وسوء الخلق في إفساد العمل

 


خطر اللسان وسوء الخلق في إفساد العمل

 

عن أَبي هُرَيْرَةَ _رضي الله عنه_، يَقُولُ:

* قِيلَ لِلنَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:

"يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلَانَةً تَقُومُ اللَّيْلَ، وَتَصُومُ النَّهَارَ، وَتَفْعَلُ، وَتَصَّدَّقُ، وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟"

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:

«لَا خَيْرَ فِيهَا، هِيَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»،

* قَالُوا: "وَفُلَانَةٌ تُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ، وَتَصَّدَّقُ بِأَثْوَارٍ، وَلَا تُؤْذِي أَحَدًا؟"

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: «هِيَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ»

 أخرج البخاري في "الأدب المفرد" (ص: 54) (رقم: 119) – صحيح: "الصحيحة" (رقم: 190).


المعنى الإجمالي للحديث:

 

دلّ هذا الحديث على أنَّ حقيقةَ صلاحِ العبد ليست بكثرة العبادات الظاهرة فقط، كالصلاة والصيام والصدقة، بل لا بدَّ مع ذلك من حُسن الخُلُق وسلامة الناس من أذاه.

فقد سأل الصحابةُ النبيَّ _صلى الله عليه وسلم_ عن امرأةٍ تجتهد في العبادات؛ فهي تقوم الليل، وتصوم النهار، وتتصدق، ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها من سبٍّ أو غيبةٍ أو شتمٍ أو نحو ذلك، فبيَّن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أنَّ هذه الأعمال لا تنفعها مع هذا الأذى، وأنها بسبب ظلمها للناس وسوءِ خُلُقها تكون مستحقَّةً للعقوبة، فقال: «لا خير فيها، هي من أهل النار»؛ لأن أذى المسلمين من كبائر الذنوب، ولأن حقوق العباد مبنية على المشاحَّة.

 

ثم ذكروا للنبي _صلى الله عليه وسلم_ امرأةً أخرى لا تكثر من النوافل، لكنها تحافظ على الفرائض، وتتصدق بشيءٍ يسير، ولا تؤذي أحدًا، فبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّها من أهل الجنة؛ لأن سلامة الصدر وحفظ اللسان وترك أذى الناس من أعظم أسباب النجاة.

 

فالمقصود من الحديث: أنَّ العبادة الحقيقية هي التي تُصلح القلب والخلق معًا، وأنَّ سوء الخلق وأذية الناس قد تفسد كثيرًا من الأعمال الصالحة، بينما حسن الخلق وكف الأذى من أعظم القُرَب إلى الله _تعالى_.

 

فوائد ودروس:

 

في هذا الحديث الشريف جملةٌ عظيمةٌ من الفوائد الجليلة، والدلالات البديعة، التي تُبيِّن كمال الشريعة واعتناءها بإصلاح الظاهر والباطن، وفيما يلي ذكرُ طائفةٍ من فوائده مع بيانها:

1 – فيه: بيان أن العبرة بكمال الدين، لا بكثرة العمل فقط.

فإن المرأة الأولى كانت كثيرة العبادة من قيام الليل وصيام النهار والصدقة، ومع ذلك لم تنفعها تلك الأعمال لما اقترنت بسوء الخلق وأذى الجيران؛ فدلَّ ذلك على أن كمال الدين إنما يكون باجتماع العبادة مع حسن المعاملة.

 

2 – فيه: التحذير الشديد من أذى الجيران.

فقد جعل النبي _صلى الله عليه وسلم_ أذى الجار سببًا للهلاك، وهذا يدل على عِظم حق الجار في الإسلام، وأن إيذاءه من كبائر الذنوب التي قد تَذْهَبُ بحسنات العبد.

 

3 - فيه: أن حسن الخلق من أعظم أسباب دخول الجنة.

فالمرأة الثانية لم تكن كثيرة النوافل، لكنها كانت محافظة على الفرائض وتكف أذاها عن الناس، فشهد لها النبي _صلى الله عليه وسلم_ بالجنة، ففي هذا دليل على أن حسن الخلق باب عظيم من أبواب النجاة.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

سُئلَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أكْثَرِ ما يُدخِلُ الناسَ الجنَّةَ؟ فقال:

"تَقْوى الله وحُسنُ الخُلُقِ".

وسُئِلَ عن أكْثَرِ ما يُدخِلُ الناسَ النارَ؟ فقال:  "الفَمُ والفَرْجُ".

رواه الترمذي – صحيح: صحيح الترغيب والترهيب (3/ 8) (رقم: 2642)

 

4 - فيه: أن حقوق العباد مبنية على المشاحة.

أي: أن الله تعالى لا يتركها حتى يقتص للمظلوم من الظالم، ولهذا كان ظلم الناس وأذيتهم خطرًا عظيمًا، لأن العبد قد يأتي يوم القيامة بحسنات كثيرة فتؤخذ منه لأجل المظالم.

 

5 - فيه: أن العبادة إذا لم تُصلح أخلاق صاحبها، فهي عبادة ناقصة.

فالمقصود من الصلاة والصيام والصدقة: تزكيةُ النفس وتهذيب الأخلاق، فإذا لم يظهر أثرها في سلوك العبد، دلَّ ذلك على نقصٍ في فهمه أو إخلاصه.

 

6 - فيه: عظم شأن اللسان وخطرُه.

فإن الأذى المذكور في الحديث كان أذى اللسان، ومع ذلك كان سببًا في الوعيد بالنار، مما يدل على أن الكلمة قد ترفع صاحبها أو تهوي به في المهالك.

 

7 - فيه: أن القليل من العمل مع سلامة القلب قد يكون سببًا للنجاة.

فالمرأة الثانية كانت تتصدق بالقليل، ومع ذلك نالت البشارة بالجنة؛ لأن عملها كان مقرونًا بسلامة الصدر وكف الأذى عن الناس.

 

8 - فيه: أن الفرائض مقدَّمة على النوافل.

فالمرأة الثانية كانت تحافظ على الصلاة المكتوبة، وهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، فدلَّ الحديث على أن إقامة الفرائض أصل النجاة، وأن النوافل تكميلٌ لها.

 

9 - فيه: أن الشريعة جاءت بجمع المصالح ودفع المفاسد.

فقد نهت عن أذى الناس لما فيه من فساد المجتمع وتفريق القلوب، وأمرت بحسن المعاملة لما فيه من الألفة والمودة بين المسلمين.

 

10 - فيه: أن العبد ينبغي له أن يجمع بين عبادة الله والإحسان إلى الخلق.

فكمال العبودية لا يتحقق إلا بهذين الأصلين:

* الأول: الإخلاص لله _تعالى_ في عبادته.

* والثاني: الإحسان إلى عباده وكف الأذى عنهم.

 

11 - فيه: أن حسن الخلق قد يرفع درجة العبد عند الله.

فقد يبلغ العبد بحسن خلقه منزلةً عظيمةً، وإن كان عمله قليلاً بالنسبة لغيره، لأن صلاح المعاملة دليل على صلاح القلب.

قال رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

"إنَّ المؤمنَ ليُدرِكُ بحُسْنِ خُلُقِه درَجةَ الصائمِ القائمِ". رواه أبو داود

صحيح: صحيح الترغيب والترهيب (3/ 8) (رقم: 2643).

 

الفائدة الثانية عشرة: أن الدين ليس مظهرًا تعبديًّا مجردًا، بل هو سلوك ومعاملة.

فالحديث يبين أن التدين الحقيقي يظهر أثره في اللسان والأخلاق والتعامل مع الناس، لا في كثرة العبادات الظاهرة فقط.

 

Komentar

Postingan populer dari blog ini

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة