حكمة الاعتكاف
حكمة الاعتكاف
|
عن عائشة _رضي الله عنها_: "أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان يعتكف
العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله _عز وجل_ ثم اعتكف أزواجه من بعده."
رواه البخاري (1921) ومسلم (1171). |
|
قال ابن القيم _رحمه الله_ في "زاد المعاد في
هدي خير العباد" (2/ 82_83): "لَمَّا كَانَ
صَلَاحُ الْقَلْبِ وَاسْتِقَامَتُهُ عَلَى طَرِيقِ سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ
تَعَالَى، مُتَوَقِّفًا عَلَى جَمْعِيِّتِهِ عَلَى اللَّهِ، وَلَمِّ شَعَثِهِ
بِإِقْبَالِهِ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ شَعَثَ الْقَلْبِ
لَا يَلُمُّهُ إِلَّا الْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ فُضُولُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ،
وَفُضُولُ مُخَالَطَةِ الْأَنَامِ، وَفُضُولُ الْكَلَامِ، وَفُضُولُ الْمَنَامِ،
مِمَّا يَزِيدُهُ شَعَثًا، وَيُشَتِّتُهُ فِي كُلِّ وَادٍ، وَيَقْطَعُهُ عَنْ
سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ يُضْعِفُهُ أَوْ يَعُوقُهُ وَيُوقِفُهُ، اقْتَضَتْ رَحْمَةُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ بِعِبَادِهِ
أَنْ شَرَعَ لَهُمْ مِنَ الصَّوْمِ مَا يُذْهِبُ فُضُولَ الطَّعَامِ
وَالشَّرَابِ، وَيَسْتَفْرِغُ مِنَ الْقَلْبِ أَخْلَاطَ الشَّهَوَاتِ
الْمُعَوِّقَةِ لَهُ عَنْ سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَشَرْعِهِ بِقَدْرِ
الْمَصْلَحَةِ، بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بَهِ الْعَبْدُ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ،
وَلَا يَضُرُّهُ وَلَا يَقْطَعُهُ عَنْ مَصَالِحِهِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ. وَشَرَعَ لَهُمُ الِاعْتِكَافَ الَّذِي مَقْصُودُهُ
وَرُوحُهُ عُكُوفُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ _تَعَالَى_، وَجَمْعِيَّتُهُ
عَلَيْهِ، وَالْخَلْوَةُ بِهِ، وَالِانْقِطَاعُ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِالْخَلْقِ،
وَالِاشْتِغَالُ بِهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ ذِكْرُهُ
وَحُبُّهُ، وَالْإِقْبَالُ___عَلَيْهِ فِي مَحَلِّ هُمُومِ الْقَلْبِ
وَخَطَرَاتِهِ، فَيَسْتَوْلِي عَلَيْهِ بَدَلَهَا، وَيَصِيرُ الْهَمُّ كُلُّهُ
بِهِ، وَالْخَطَرَاتُ كُلُّهَا بِذِكْرِهِ، وَالتَّفَكُّرُ فِي تَحْصِيلِ
مَرَاضِيهِ وَمَا يُقَرِّبُ مِنْهُ، فَيَصِيرُ أُنْسُهُ بِاللَّهِ بَدَلًا عَنْ
أُنْسِهِ بِالْخَلْقِ، فَيَعُدُّهُ بِذَلِكَ لِأُنْسِهِ بِهِ يَوْمَ الْوَحْشَةِ
فِي الْقُبُورِ حِينَ لَا أَنِيسَ لَهُ، وَلَا مَا يَفْرَحُ بِهِ سِوَاهُ،
فَهَذَا مَقْصُودُ الِاعْتِكَافِ الْأَعْظَمِ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَقْصُودُ إِنَّمَا
يَتِمُّ مَعَ الصَّوْمِ، شُرِعَ الِاعْتِكَافُ فِي أَفْضَلِ أَيَّامِ الصَّوْمِ
وَهُوَ الْعَشْرُ الْأَخِيرُ مِنْ رَمَضَانَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اعْتَكَفَ مُفْطِرًا قَطُّ، بَلْ قَدْ
قَالَتْ عائشة: ( «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ» ) . وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الِاعْتِكَافَ
إِلَّا مَعَ الصَّوْمِ، وَلَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ إِلَّا مَعَ الصَّوْمِ. فَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ فِي الدَّلِيلِ الَّذِي
عَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ: أَنَّ الصَّوْمَ شَرْطٌ فِي الِاعْتِكَافِ،
وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُرَجِّحُهُ شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية." اهـ |
المعنى الإجمالي لكلام ابن القيم _رحمه
الله_:
بيّن ابن القيم _رحمه الله_ في هذا الكلام حقيقةً
عظيمةً من حقائق تربية القلوب، وهي أنَّ صلاح القلب واستقامته في سيره إلى الله
تعالى لا يتحققان، إلا إذا اجتمع القلب على الله، وانصرف بكليته إليه، بحيث
يتوجَّه العبد بباطنه وظاهره إلى طاعة ربِّه وطلب مرضاته. فإن القلب إذا تفرّق في
شهوات الدنيا وعلائقها تشتّت وضعُف سيره إلى الله، ولا يلتئم شعثه ولا تجتمع قواه
إلا بالإقبال الصادق على الله سبحانه وتعالى.
ثم بيّن _رحمه الله_ أنَّ من أعظم أسباب تشتّت القلب
وانشغاله عن الله كثرة التوسع في المباحات، مثل: فضول الطعام والشراب، وفضول
مخالطة الناس، وفضول الكلام، وفضول النوم؛
فهذه الأمور إذا زادت عن حدّ الحاجة، أورثت القلب
قسوةً وغفلةً، وقطعت العبد عن طريقه إلى الله، أو أضعفت عزيمته في السير إليه.
ولأجل رحمة الله بعباده، شرع لهم عبادة الصيام؛ لأن
الصيام يخفف من سلطان الشهوات، ويطهّر القلب من آثارها، ويعينه على التوجّه إلى
الله تعالى مع بقاء مصالح العبد في دنياه وآخرته.
ثم ذكر _رحمه الله_ أنَّ الله تعالى شرع كذلك عبادة
الاعتكاف، وحقيقته أن ينقطع العبد إلى الله تعالى بقلبه وجوارحه، فيعتزل شواغل
الناس، ويتفرغ لذكر الله وطاعته، حتى يمتلئ قلبه بمحبة الله وذكره، ويصبح همّه
كلّه متوجهاً إلى مرضاة ربه، فيستبدل الأنس بالله بدلاً من الأنس بالخلق.
وبهذا يتهيأ العبد للأنس بالله يوم يكون وحيداً في
قبره، حين لا يجد أنيساً ولا معيناً إلا عمله الصالح، وهذا هو المقصود الأعظم من
الاعتكاف.
ثم ختم ابن القيم رحمه الله كلامه ببيان أنَّ هذا
المقصود من الاعتكاف يكتمل بالصيام؛ لذلك شُرع الاعتكاف في أفضل أيام الصيام، وهي
العشر الأواخر من رمضان. ولم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف وهو
مفطر، بل كان اعتكافه دائماً مع الصيام، ولذلك رجّح كثير من السلف أن الصيام شرط في
صحة الاعتكاف، وهو القول الذي كان يميل إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
سنن أبي داود (2/ 333_334) (رقم: 2473):
عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ:
"السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ: أَنْ لَا
يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا
يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ، إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا
اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ
"، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: غَيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَا يَقُولُ فِيهِ:
قَالَتْ: السُّنَّةُ "، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «جَعَلَهُ قَوْلَ عَائِشَةَ»
فوائد ودروس:
فوائد مستنبطة من هذا الكلام:
1 – فيه: بيانُ أنَّ صلاحَ القلب أصلُ صلاحِ العبد،
وأنَّ استقامةَ الظاهر إنما تكون تابعةً لاستقامة الباطن، فإذا صلح القلب، صلحت
الجوارح تبعًا له.
2 – وفيه: أنَّ اجتماع القلب على الله من أعظم أسباب
الهداية، فإن القلب إذا تفرّق في علائق الدنيا ضعف سيره إلى الله تعالى.
3 – وفيه: أنَّ الإقبال على الله يجمع شعث القلب،
ويصلح تفرّقه واضطرابه، إذ لا يلمّ شعثه إلا ذكر الله وطاعته.
4
– وفيه: التحذير من فضول المباحات، فإن الإكثار منها
يورث الغفلة ويشتّت القلب عن مقصوده الأعلى.
5
– وفيه: التنبيه على أربعة أصول من آفات القلوب: وهي فضول
الطعام، وفضول الكلام، وفضول المنام، وفضول مخالطة الأنام.
6 – وفيه: أنَّ كثرة الطعام والشراب تقسي
القلب، وتضعّف عزيمة العبد في السير إلى الله تعالى.
7 – وفيه: أنَّ كثرة مخالطة الناس بغير حاجة
تورث قسوة القلب، وتشغل العبد عن ذكر ربه.
8 – وفيه: أنَّ كثرة الكلام بلا فائدة من
أسباب الغفلة، وأن سلامة القلب في حفظ اللسان.
9 – وفيه: أنَّ الإكثار من النوم يورث الكسل،
ويثبّط العبد عن الطاعات.
10 – وفيه: بيانُ رحمة الله بعباده، حيث شرع
لهم من العبادات ما يصلح قلوبهم ويهذب نفوسهم.
11 – وفيه: أنَّ الصيام من أعظم العبادات
تزكيةً للنفس، لما فيه من كسر الشهوة وتطهير القلب من أخلاطها.
12 – وفيه: أنَّ الصيام يضعّف سلطان الشهوات،
ويقوي إرادة العبد على الطاعة.
13 – وفيه: أنَّ الاعتكاف عبادةٌ: مقصودها
الأعظم جمْعُ القلب على الله، والانقطاع عن شواغل الدنيا.
14 – وفيه: أنَّ حقيقة الاعتكاف ليست مجرد
المكث في المسجد، بل المقصود الأعظم منه: عكوفُ القلب على الله تعالى.
15 – وفيه: فضل الخلوة بالله في أوقات
العبادة، لما فيها من صفاء القلب وقوة الإقبال على الله _تعالى_.
16 – وفيه: أنَّ من أعظم أسباب صلاح القلب
كثرةُ الذكر والتفكر، فإنهما يملآن القلب بمحبةِ الله _تعالى_ وتعظيمِه.
17 – وفيه: أنَّ الأنس بالله من أعظم نعم
الله على عباده الصالحين، وهو أعظم من الأنس بالخلق.
18 - وفيه أنَّ من أنِس بالله في الدنيا آنسه
الله في قبره، وخفف عنه وحشة الوحدة بعد الموت.
19 – وفيه: أنَّ الاعتكاف يهيئ العبد
للاستعداد للآخرة، ويعوّد القلب على الانقطاع إلى الله.
20 – وفيه: أنَّ أفضلَ أوقاتِ الاعتكافِ العشْرُ
الأواخر من رمضان، لأنها أشرف ليالي العام، وفيها ليلة القدر.
21 – وفيه: دلالة على ارتباط الاعتكاف
بالصيام، لأن الصيام يعين على تحقيق مقصود الاعتكاف.
22 – وفيه: أنَّ السلف _رحمهم الله_ كانوا
يعتنون بفقه مقاصد العبادات، لا بمجرد صورها الظاهرة.
23 - وفيه: أنَّ من فقه الشريعة الجمْعَ بين
إصلاح الظاهر والباطن، فإن العبادات شُرعت لإصلاح القلوب قبل الأبدان.
24 – وفيه: الإشارة إلى أنَّ طريق السير إلى
الله يحتاج إلى مجاهدةِ النفس، وترْكِ ما يشغل القلب عن مولاه.
25 – وفيه: أنَّ من أعظم أسباب النجاة يوم
القيامة أن يملأ العبد قلبه بمحبة الله وذكره، حتى يصير همّه كله لله تعالى.

Komentar
Posting Komentar