مشروعية الاعتكاف

 

مشروعية الاعتكاف

 

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ»

رواه البخاري في "صحيحه" (3/ 47) (رقم: 2025)، ومسلم (2/ 830/ 1_2) (رقم: 1171)

 

صحيح البخاري (3/ 51) (رقم: 2044):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا»

 

المعنى الإجمالي للحديثين:

 

دلّ هذان الحديثان على أنَّ من هدي النبيِّ _صلّى الله عليه وسلّم_ ودوامِ سنّته في شهر رمضان: أنَّه كان يلازم الاعتكاف في العشر الأواخر منه، متفرِّغًا للعبادة، مقبلاً على ربِّه، معتزلاً شواغل الدنيا، يبتغي بذلك تحصيل مزيد القرب من الله تعالى، وطلب ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر.

فكان اعتكافه _صلّى الله عليه وسلّم_ عبادةً مقصودةً يجمع فيها بين الصلاة، والذكر، وتلاوة القرآن، والدعاء، والتضرع، إحياءً لهذه الليالي المباركة.

وبيّن الحديث الثاني أنَّ هذه العبادة كانت عادةً مستمرةً للنبي _صلّى الله عليه وسلّم_ في كلِّ رمضان، حيث كان يعتكف عشرة أيام،

فلما كان العام الذي توفِّي فيه زاد في الاجتهاد، فاعتكف عشرين يومًا، وذلك يدلّ على عظيم عنايته بالعبادة عند قرب الأجل، وحرصه على الإكثار من الطاعات وختم حياته بمزيدٍ من القربات،

وفيه أيضًا إشارة إلى تأكيد مشروعية الاعتكاف وفضله، وأنه من السنن المؤكَّدة في العشر الأواخر من رمضان.

 

من فوائد الحديث:

 

قال ابن بطال _رحمه الله_ في "شرح صحيح البخارى" (4/ 181):

"وقوله: (كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يعتكف فى كل رمضان) فهذا يدل على أن الاعتكاف من السنن المؤكدة؛ لأنه مما واظب عليه النبى _عليه السلام_، فينبغى للمؤمنين الاقتداء فى ذلك بنبيهم،

وذكر ابن المنذر عن ابن شهاب أنه كان يقول:

(عجبًا للمسلمين تركوا الاعتكاف، وإن النبى عليه السلام لم يتركه منذ دخل المدينة كل عام فى العشر الأواخر حتى قبضه الله)." اهـ

 

وقال الدَّمَامِيْنِيُّ (المتوفى: 827 هـ) _رحمه الله_ في "مصابيح الجامع" (4/ 437):

"والحكمة في تخصيصه العام الأخير بالعشرين: أنه _عليه السلام_ اعتاد من جبريل أن يعارضه بالقرآن كل رمضان مرةً واحدة، فلما عارضه في العام الأخير مرتين، اعتكف _عليه السلام_ مِثْلَي ما كان يعتكف، قاله ابن المنير." اهـ

 

ملحق الفوائد من هذين الحديثين:

 

 1 – فيه: بيانُ مواظبةِ النبيِّ _صلى الله عليه وسلم_ على الاعتكاف، وأنَّه كان من هديِه الملازمةُ لهذه العبادة في العشر الأواخر من رمضان، وفي ذلك دليلٌ على تأكُّد سنيَّتها وعظيم منزلتها.

2 – فيه: استحبابُ الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خصَّ هذه الأيام بالملازمة والاعتكاف دون غيرها من أيام الشهر.

3 – فيه: دليلٌ على أنَّ الاعتكاف من العبادات المقصودة لذاتها، لما فيه من الانقطاع إلى الله تعالى، والإقبال على الطاعة، والتفرغ للذكر والدعاء وتلاوة القرآن.

4 – فيه: الحثُّ على تحرِّي ليلة القدر؛ فإن اعتكافه _صلى الله عليه وسلم_ في العشر الأواخر كان لأجل التماسها، كما ثبت ذلك في الأحاديث الأخرى.

5 – فيه: أنَّ هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان مبنيًّا على المداومة على العمل الصالح، فإنَّه لم يكن يترك الاعتكاف في رمضان، بل كان يلازمه كلَّ عام.

6 – فيه: جوازُ الازدياد في الطاعة عند القدرة عليها؛ إذ اعتكف النبي صلى الله عليه وسلم في العام الذي قُبِض فيه عشرين يومًا، فزاد على عادته المعروفة.

7 – فيه: دليلٌ على أنَّ العبد كلما دنا أجله، ازداد اجتهادًا في العبادة؛ اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإنَّه لما كان آخر عمره أكثر من الاعتكاف.

8 – فيه: أنَّ من شأن الصالحين اغتنامَ الأزمنة الفاضلة، فإن النبي _صلى الله عليه وسلم_ اختار أشرف ليالي السنة للاعتكاف والعبادة.

9 – فيه: أنَّ الاعتكاف سببٌ لجمع القلب على الله تعالى؛ لأن المعتكف يترك مخالطة الناس، ويتفرغ لمناجاة ربِّه.

10 – فيه: دلالةٌ على كمال عبودية النبي صلى الله عليه وسلم، وشدة حرصه على القرب من الله تعالى، مع أنَّ الله قد غفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر.

11 – فيه: تعليمُ الأمة بالقدوة العملية؛ فإن فعل النبي صلى الله عليه وسلم أبلغ في التعليم من مجرد القول.

12 – فيه: أنَّ الأعمال الصالحة يُستحبُّ ختمها بمزيدٍ من الاجتهاد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان آخر عام من حياته، زاد في الاعتكاف.

13 – فيه: أنَّ الاعتكاف عبادةٌ مشروعة في كل عام من رمضان، وليس خاصًّا بزمانٍ دون زمان.

14 – فيه: إشارةٌ إلى أنَّ العزلة في أوقاتٍ مخصوصة لأجل العبادة أمرٌ محمود، إذا كان المقصود به التفرغ لطاعة الله تعالى.

 

Komentar

Postingan populer dari blog ini

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة