باب في الاقتصاد في العبادة - من رياض الصالحين

 

14- باب في الاقتصاد في العبادة

 

1_ معنى الاقتصاد لغة:

 

وفي "لسان العرب" (3/ 353) لابن منظور:

"قصد: الْقَصْدُ: اسْتِقَامَةُ الطَّرِيقِ. قَصَد يَقْصِدُ قَصْدًا، فَهُوَ قاصِد." اهـ

 

وفي "المعجم الوسيط" (2/ 738):

"(اقتصد) فِي أمره فَلم يُفْرِطْ وَلم يُفَرِّطْ.

وَيُقَال: (اقتصد فِي النَّفَقَة) لم يُسْرِفْ وَلم يَقْتُرْ، (وَفُلَان كَانَ غير نحيف وَغير جسيم)." اهـ

 

الاقتصاد في العبادة:

هو التوسّط والاعتدال فيها، بحيث يؤدي العبدُ الطاعةَ بثباتٍ واستمرار من غير غلوّ ولا إفراط، ومن غير تكاسل ولا تفريط.

وهو معنى عظيم قرره القرآن والسنة، ودلت عليه أقوال السلف، وهو من أسباب دوام الخير وثبات العبد على الطاعة حتى الممات.

 

فالغلوّ في العبادة يُفضي إلى الملل والانقطاع، والتفريط يؤدي إلى الفتور والترك، وأما الاقتصاد فهو سبيل الاستقامة والمحافظة على العمل.

 

وقد جمع ذلك قوله ﷺ:

«القصدَ القصدَ تبلغوا».

 

إن العبد مأمور أن يعبد الله وفق طريقٍ مستقيمٍ معتدلٍ موافقٍ للسنة، دون غلو ولا ابتداع ولا إفراط ولا تفريط.

 

فالعبادة المقبولة ليست في كثرتها، بل في اتباع النبي ﷺ فيها.

ومن ثَمَّ، فالقليل الدائم الموافق للسنة خير من الكثير المبتدع، والثبات على الصراط المستقيم هو سرُّ النجاة.

 

فهذا الباب يرشد إلى أصلٍ عظيمٍ من أصول العبودية، وهو: سلوك طريق الاعتدال والاستقامة في العبادة، دون إفراط ولا تفريط، ودون غلو ولا تقصير.

 

فالعبادة التي تُقبَل عند الله وتثمر في القلب والجوارح ليست في كثرة العمل، وإنما في كون العمل موافقًا للسنة، ثابتًا على منهج النبي ﷺ وأصحابه.

 

فالاقتصاد:

هو سلوك الطريق الوسط المستقيم، الذي لا ميل فيه إلى الزيادة المبتدعة، ولا إلى النقص المفرِّط.

فالعبد يعبد الله على بصيرة، ويبذل جهده، ويأخذ من العمل ما يطيقه، مع التمسك بالسنة.

 

ولهذا جاءت الرواية في "سنن الدارمي" (1/ 296) (رقم: 223):

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «الْقَصْدُ فِي السُّنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْبِدْعَةِ»

أي: عملٌ قليلٌ موافقٌ للسنة، خيرٌ من اجتهادٍ كبيرٍ في شيءٍ لا أصل له في الدين.

 

2. الاقتصاد هو سلوك الصراط المستقيم

 

وفي "سنن ابن ماجه" (1/ 6) (رقم: 11):

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ _رضي الله عنهما_، قَالَ:

"كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَّ خَطًّا،

وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ فِي الْخَطِّ الْأَوْسَطِ، فَقَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ» ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] "

صححه الألباني _رحمه الله_ في "ظلال الجنة" (رقم: 16)

 

وفي "سنن الدارمي" (1/ 285) (رقم: 208):

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:

"خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا خَطًّا ثُمَّ قَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ» ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ،

ثُمَّ قَالَ: «هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ»

ثُمَّ تَلَا {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]." اهـ

صححه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 58) (رقم: 166)

 

وهذا الحديث وأمثاله تُبيّن أن السبيل الذي وضَع يدَه عليه هو سبيل الله، والخطوط المتشعّبة يمينًا وشمالًا هي طرق البدع والأهواء، وعلى كل طريق منها شيطانٌ يدعو إليه.

 

فالاقتصاد في العبادة هو الثبات على الخط الأوسط، الصراط المستقيم الذي أمر الله به: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ}

 

3. الاقتصاد هو لزوم السنة وترك البدعة

 

وقد أوصى السلف بذلك، فقال أُبيّ بن كعب:

«اقتصادٌ في سبيل وسنة خير من اجتهادٍ في خلاف سبيل وسنة»

أي: العمل القليل الموافق للسنة أفضل من العمل الكثير المخالف لها.

 

وقال أبو العالية:

«عليكم بالأمر الأول قبل أن يفترقوا»

أي: الزموا ما كان عليه الصحابة.

 

وقال الأوزاعي: «اصبر نفسك على السنة»

فالسنة تحتاج صبرًا وثباتًا، وليست أهواءً يتبعها الإنسان.

 

4. نصوص القرآن تؤكد هذا الأصل

 

وردت الآيات في القرآن الكريم تؤكد هذا الأصل،  وهي تدور على ثلاثة معانٍ عظيمة:

1/ وجوب اتباع أمر النبي ﷺ، والتحذير من مخالفته:

قال الله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة النور : الآية 63]

 

2/ الثبات على الاستقامة بعد توحيد الله:

{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31)} [فصلت: 30، 31]

 

3/ النهي عن الغلو واتباع الأهواء:

وَقَالَ تَعَالَى_:

{قل يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ غير الْحق وَلَا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيل} [سُورَة الْمَائِدَة 77]

 

وَقد قَالَ تَعَالَى:

{ثمَّ جعلناك على شَرِيعَة من الْأَمر فاتبعها وَلَا تتبع أهواء الَّذين لَا يعلمُونَ إِنَّهُم لن يغنوا عَنْك من الله شَيْئا وَإِن الظَّالِمين بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَالله ولي الْمُتَّقِينَ} [سُورَة الجاثية 18 19]

فالاقتصاد في العبادة هو أساس الاستقامة.

 

فكل محبة وذوق ووجد لا يشهد له الشرع، فهو من أهواء الذين لا يعلمون.

وأن السلف يعدّون كل من خالف الشريعة في الدين من أهل الأهواء والبدع، حتى لو أظهر علمًا وعبادة.

 

وأن دين الله وسط بين الغالي والجافي: لا غلوّ صوفية وبدع، ولا تفريط وترك للطاعة، بل توسط موافق للشرع.

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية _رحمه الله_ في "الاستقامة" (1/ 253_254):

"فالشريعة الَّتِي جعله عَلَيْهَا تَتَضَمَّن مَا أَمر بِهِ، وكل حب وذوق وَوجد لَا تشهد لَهُ هَذِه الشَّرِيعَة فَهُوَ من أهواء الَّذين لَا يعلمُونَ فَإِن الْعلم بِمَا يُحِبهُ الله إِنَّمَا هُوَ مَا أنزلهُ الله إِلَى عباده من هداه...

وَلِهَذَا كَانَ السّلف يعدون كل من خرج عَن الشَّرِيعَة فِي شئ من الدّين من أهل الْأَهْوَاء، ويجعلون أهل الْبدع هم أهل الْأَهْوَاء، ويذمونهم بذلك، ويأمرون بألا يغتر بهم، وَلَو أظهرُوا مَا أظهروه من الْعلم وَالْكَلَام وَالْحجاج أَو الْعِبَادَة وَالْأَحْوَال، مثل: المكاشفات وخرق الْعَادَات." اهـ

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية _رحمه الله_ في "الفتاوى الكبرى" (1 / 111):

"ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه." اهـ

 

طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) [طه : 1 ، 2]

 

أي: ما أنزل الله القرآن ليكلّف العبادَ ما لا يطاق، أو يوقعهم في المشقة والحرج الشديد، بل أنزله رحمةً وهدىً وتيسيرًا، ولذلك نهى النبي ﷺ عن التعمق والتشديد في الطاعات.

 

تفسير السعدي (1 / 501):

"أي: ليس المقصود بالوحي، وإنزال القرآن عليك، وشرع الشريعة، لتشقى بذلك، ويكون في الشريعة تكليف يشق على المكلفين، وتعجز عنه قوى العاملين.

وإنما الوحي والقرآن والشرع، شرعه الرحيم الرحمن، وجعله موصلا للسعادة والفلاح والفوز، وسهله غاية التسهيل، ويسر كل طرقه وأبوابه، وجعله غذاء للقلوب والأرواح، وراحة للأبدان،

فتلقته الفطر السليمة والعقول المستقيمة بالقبول والإذعان، لعلمها بما احتوى عليه من الخير في الدنيا والآخرة." اهـ

 

يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ  [البقرة : 185]

 

هذه قاعدة عظيمة في الشريعة، تشمل كل العبادات: الصلاة، الصوم، الحج، الذكر، وغير ذلك.

فالله عز وجل لا يريد من عباده المشقة المتكلّفة، وإنما يريد منهم الالتزام بما يقدرون عليه، وترك ما يشقّ ويعسر عليهم.

 

قال القرطبي _رحمه الله_ في "تفسيره" (2 / 301):

"قال مجاهد والضحاك:

(الْيُسْرَ): الفطر في السفر، و(الْعُسْرَ): الصوم في السفر. والوجه عموم اللفظ في جميع أمور الدين." اهـ

 

وفي "زاد المسير في علم التفسير" (1 / 174):

"وقال عمر بن عبد العزيز:

"أيُّ ذلك كان أيسرَ عليك، فافعل: الصومَ في السفر ، أو الفطرَ." اهـ

 

قال ابن عاشور _رحمه الله_ في "التحرير والتنوير" (2 / 175):

"يَكُونُ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الصِّيَامِ وَإِنْ كَانَتْ تَلُوحُ فِي صُورَةِ الْمَشَقَّةِ وَالْعُسْرِ فَإِنَّ فِي طَيِّهَا مِنَ الْمَصَالِحِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ بِهَا الْيُسْرَ أَيْ تَيْسِيرَ تَحْصِيلِ رِيَاضَةِ النَّفْسِ بِطَرِيقَةٍ سَلِيمَةٍ مِنْ إِرْهَاقِ أَصْحَابِ بَعْضِ الْأَدْيَانِ الْأُخْرَى أَنْفُسَهُمْ." اهـ

 

وقال ابن كثير في "تفسيره" – ت. سلامة (1/ 505):

"وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} أَيْ: إِنَّمَا أرْخَصَ لَكُمْ فِي الْإِفْطَارِ لِلْمَرَضِ وَالسَّفَرِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْأَعْذَارِ لِإِرَادَتِهِ بِكُمُ الْيُسْرَ، وَإِنَّمَا أَمَرَكُمْ بِالْقَضَاءِ لِتُكْمِلُوا عِدَّةَ شَهْرِكُمْ." اهـ

 

وقال القنوجي _رحمه الله_ في "فتح البيان في مقاصد القرآن" (1/ 369):

"(يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) فلذلك أباح الفطر للسفر والمرض، وفيه أن هذا مقصد من مقاصد الرب سبحانه ومراد من مراداته في جميع أمور الدين، ومثله قوله تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا " وهو في الصحيح (2)، واليسر السهل الذي لا عسر فيه، عن ابن عباس قال اليسر الإفطار في السفر، والعسر الصوم في السفر." اهـ

Komentar

Postingan populer dari blog ini

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

فضائل عشر ذي الحجة

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87