شرح الحديث 236 (باب الخروج إلى الضيعة) من الأدب المفرد
|
119- باب الخروج إلى الضيعة 236 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ:
حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، وَكَانَ لِي
صَدِيقًا، فَقُلْتُ: أَلَا تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ؟ فَخَرَجَ،
وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ لَهُ [قال الشيخ الألباني: صحيح] |
رواة الحديث:
* حَدَّثَنَا
مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ (ثقة: بعد 210 هـ)
معاذ بن فضالة الزهراني (ويقال:
الطفَاوِيّ، ويقال: القرشي) مولاهم، أبو زيد البصري، كبار الآخذين عن تبع الأتباع،
روى له: خ
* قَالَ:
حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ (ثقة ثبت ، و قد رمى بالقدر: ت. 154 هـ):
هشام بن أبي عبد الله سَنْبَرٍ
الدَّسْتُوَائِيُّ، أبو بكر البصري، الربعي (وقيل:
الجحدري، ويقال له: صاحبُ الدستوائي)، من كبار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق
* عَنْ يَحْيَى
بْنِ أَبِي كَثِيرٍ (ثقة ثبت لكنه يدلس و يرسل: ت. 132 هـ):
يحيى بن أبى كثير الطائي
مولاهم، أبو نصر اليمامي (اسم أبي كثير: صالح بن
المتوكل، وقيل: يسار، وقيل: غير ذلك)، من صغار التابعين، روى
له: خ م د ت س ق
* عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ قَالَ (ثقة مكثر: ت. 94 أو 104 هـ بـ المدينة):
أبو سلمة بن عبد الرحمن بن
عوف القرشى الزهري، المدني (قيل: اسمه عبد الله،
وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه وكنيته واحد)، من الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق
* عن أَبَي سَعِيدٍ
الْخُدْرِيّ (صحابي: 63
أو 64 أو 65 هـ و قيل 74 هـ بـ المدينة):
سعد بن مالك بن سنان بن عبيد
بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر (وهو: خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج) الأنصاري، أبو
سعيد الخدري، روى له: خ
م د ت س ق
نص
الحديث وشرحه:
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ:
أَتَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، وَكَانَ لِي
صَدِيقًا، فَقُلْتُ: أَلَا تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ؟ فَخَرَجَ، وَعَلَيْهِ
خَمِيصَةٌ لَهُ
وفي "صحيح البخاري" (1/ 162) (رقم: 813):
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ:
انْطَلَقْتُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ فَقُلْتُ:"
أَلاَ تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ نَتَحَدَّثُ"، فَخَرَجَ،
فَقَالَ: قُلْتُ:
"حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّبِيِّ _صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ"، قَالَ:
"اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ،
* فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: "إِنَّ الَّذِي
تَطْلُبُ أَمَامَكَ، فَاعْتَكَفَ العَشْرَ الأَوْسَطَ"، فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ،
* فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ
أَمَامَكَ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا
صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ:
«مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلْيَرْجِعْ، فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، وَإِنِّي
نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فِي وِتْرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُ
كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ»
وَكَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ، وَمَا نَرَى
فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزَعَةٌ، فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا
النَّبِيُّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ
وَالمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ."
المعنى الإجمالي لهذا الحديث:
يذكر أبو سلمة أنه جاء إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه،
وكان بينهما صداقة، فطلب منه أن يخرجا معًا إلى النخل للجلوس والحديث، فوافق أبو
سعيد وخرج معه وهو يرتدي خميصة له.
هذا الجزء من الحديث يبيّن جانبًا من الأخوة والصداقة بين
الصحابة، وحسن علاقتهم، وتواضعهم في مخالطة الناس والخروج معهم، كما يدل على بساطة
حياتهم وأن لقاءاتهم كانت مملوءة بالفائدة، حيث كان أبو سلمة يريد أن يسمع من أبي
سعيد شيئًا من علمه ومن أخبار النبي ﷺ.
ثم يروي أبو سعيد الخدري _رضي الله عنه قصة_ اجتهاد النبي ﷺ
في طلب ليلة القدر، وأنه كان يعتكف في رمضان تحريًا لها. فقد بدأ باعتكاف العشر
الأوائل.
ثم جاءه جبريل عليه السلام يخبره أن ما يطلبه من ليلة القدر
ليس في هذه العشر، فتركها واعتكف العشر الوسطى،
ثم جاءه جبريل مرة أخرى ليخبره أنها ليست فيها أيضًا، وأنها
أمامه في العشر الأواخر.
فخطب النبي ﷺ الناس يوم العشرين من رمضان، وأمر من كان معه
في الاعتكاف أن يرجعوا إلى معتكفهم؛ لأن ليلة القدر في العشر الأواخر، وتحديدًا في
الليالي الوتر.
ثم أخبرهم أنه رآها في المنام، وأن من علاماتها أنه يسجد في
ماء وطين. وفي نفس الليلة أمطرت السماء وكان سقفُ المسجد من جريد النخل، فتسربت
المياه إلى موضع الصلاة، فرأى الصحابة أثر الطين والماء على جبهة النبي ﷺ وأنفِه
أثناء سجوده، فكان ذلك تصديقًا لرؤياه.
فالحديث يبيّن اجتهاد النبي ﷺ العظيم في العبادة، وفضل
الاعتكاف، وحرصه على تعليم أمته، وكونَ ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان،
وأنها من الليالي الوتر، وأن من آيات النبوة موافقة الواقع لرؤياه ﷺ.
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص: 92) (رقم: 236)،
وفي "صحيحه" (1/ 162 و 3/ 46) (رقم: 813 و 2016)، ومسلم في
"صحيحه" (2/ 826/ 216) (رقم: 1167).
ومن فوائد الحديث:
قال الإثيوبي _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح
المجتبى" (16/ 9):
"في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى, وهو ترك مسح
الجبهة بعد التسليم من الصلاة.
ومنها: جواز السجود على الحائل، وحَمَلَهُ الجمهورُ على
الأثر الخفيف، لكن يعكر عليه قوله: "ووجهه ممتلء طينا وماء". وأجاب
النووي بأن الامتلاء المذكور لا يستلزم ستر جميع الجبهة. وفيما قاله نظر، إذ هو
خلاف الظاهر.
ومنها: جواز السجود في الطين.
ومنها: الأمر بطلب الأولى، والإرشاد إلى تحصيل الأفضل.
ومنها: جواز النسيان على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا
نقص عليه في ذلك، لاسيما فيما لم يؤذن له في تبليغه،، وقد يكون في ذلك مصلحة تتعلق
بالتشريع، كما في السهو في الصلاة، أو بالاجتهاد في العبادة، كما في هذه القصّة،
لأن ليلة القدر لو عُيّنت في ليلة بعينها حصل الاقتصار عليها، ففاتت العبادة في
غيرها، وكأن هذا هو المراد بقوله في حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه-:
"وعسى أن يكون خيراً لكم".
ومنها: استحباب الاعتكاف في رمضان، وترجيح اعتكاف العشر
الأخير منه.
ومنها: أن بعض الرؤيا يقع تعبيره مطابقاً له.
ومنها: ترتب الأحكام على الرؤيا الأنبياء، لأنه وحي. والله _تعالى
أعلم بالصواب_." اهـ
ومن فوائد الحديث أيضا:
وحديث أبي سعيد الخدري _رضي الله عنه_ يتضمن فوائد كثيرة:
1_ فيه: جواز الخروج إلى الضيعة أو البساتين للتنزه المباح، وترويح
النفس بالمباح، إذا كان ذلك لا يلهي عن ذكر الله.
2_ فيه: جواز الخروج مع الصديق الصالح للحديث النافع والمذاكرة
العلمية، كما فعل أبو سلمة مع أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما.
3_ فيه: فضل صحبة الصالحين الذين يعينون على الخير ويحثون على طلب
العلم، وهذا ظاهر في طلب أبي سلمة لسماع الحديث من صاحبه.
4_ فيه: تعليم التواضع وحسن الاستجابة؛ فقد استجاب أبو سعيد لطلب
صاحبه وخرج معه، مما يدل على أخلاق الصحابة العالية.
5_ فيه: حرص السلف على سماع الحديث مباشرة من أهل العلم والثقات،
كما قال أبو سلمة: "حدِّثني ما سمعتَ من النبي ﷺ..."
6_ فيه: جواز المذاكرة في الأماكن المفتوحة إذا كانت لا تخل بالأدب
وتعين على حضور القلب.
7_ فيه: جواز طلب الْمُعَيَّنِ من العالم: "حدّثني بما سمعتَ
في ليلة القدر"؛ وفيه طريقة السؤال المحدد، لا المشتت.
8_ فيه: أن العالم يذكر من العلم ما يحتاجه السامع ويطلبه، فحدثه
أبو سعيد بما تعلق بالسؤال تحديدًا.
9_ فيه: مشروعية الاعتكاف، وأن النبي ﷺ اعتكف أولًا العشر الأول،
ثم الأوسط، ثم استقر على العشر الأواخر.
10_ فيه: أن الاجتهاد يكون في العشر الأواخر؛ لأنها مظنة ليلة
القدر.
11_ فيه: مشروعية متابعة الوحي في الأحكام؛ فترك النبي ﷺ الاعتكاف
الأول والأوسط لما أعلمه جبريل أن المطلوب أمامه.
12_ فيه: أن ليلة القدر في العشر الأواخر، في الوتر منها؛ كما نص
عليه الحديث.
13_ فيه: أن النسيان من صفات البشر، وقد يقع للنبي ﷺ فيما ليس
تبليغًا للشرع، لقوله: "وإني نُسِّيتها".
14_ فيه: حكمة نسيان تحديد ليلة القدر أن يجتهد الناس في العشر
كله، ولا يتكلوا على ليلة معينة.
15_ فيه: ثبوت الرؤيا الصادقة للنبي ﷺ، وأنها وحي، لقوله: "وإني
رأيت كأني أسجد في طين وماء."
16_ فيه: أن الرؤيا قد تأتي على ظاهرها، فقد تحقق ذلك بنزول المطر
وسجود النبي ﷺ في الطين.
17_ فيه: بساطة مسجد النبي ﷺ؛ فكان سقفه جريدًا، مما يدل على زهده ﷺ
وزهد أصحابه.
18_ فيه: إظهار تواضع النبي ﷺ في العبادة حتى إنه سجد في الطين
والماء من غير تكلّف ولا ترفع.
19_ فيه: عظمة امتثال الصحابة؛ فلما قال: "فليرجع" رجعوا
دون تردد.
20_ فيه: أن دلائل النبوة تتجلى في تحقق الرؤيا مباشرة بآثار الطين
على جبهته ﷺ.
21_ فيه: حثّ المسلم على الاجتهاد في العشر الأواخر وعدم التفريط
فيها.
22_ فيه: بيان فضل ليلة القدر وأنها مطلب عظيم حتى كان النبي ﷺ
يعتكف من أجلها.
23_ فيه: وجوب الاستعداد للطاعات كما كان النبي ﷺ يستعد للاعتكاف
عامًا بعد عام.
Komentar
Posting Komentar