شرح الحديث 188-189 (بالترغيب في الوضوء وإسباغه) من صحيح الترغيب
|
188 - (14) [صحيح لغيره] وعن ثعلبة بن عباد عن أبيه _رضي الله
عنه_، قال: ما
أدري كم حدَّثنيه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أزواجاً أو
أفراداً قال: "ما من عبدٍ يتوضّأ، فَيُحسِنُ الوضوءَ، فيغسلُ وَجْهَهُ حتى يَسيلَ الماءُ على ذَقَنِهِ، ثم يغسل ذِراعيه حتى يَسيلَ الماءُ على مِرْفَقَيْه، ثم غسل رجليه حتى يَسيلَ الماءُ من كَعْبَيْه، ثم يقومُ، فيصلي؛ إلا غُفِرَ له ما سَلَفَ من
ذَنبه". رواه
الطبراني في "الكبير" بإسناد لَيِّنٍ. (الذقن) بفتح الذال المعجمة والقاف أيضاً: هو مجتمع اللَّحيَيْن
من أسفلهما. |
ترجمة الراوي:
ثعلبة بن عباد العبدى البصري، من طبقة تلى الوسطى
من التابعين، روى له: عخ د ت س ق (عج: البخاري
في خلق أفعال العباد)، وهو مقبول
وقال الحافظ ابن حجر _رحمه الله_ في "الإصابة
في تمييز الصحابة" (3/ 503) (رقم: 4503):
"عبّاد العبديّ: والد ثعلبة. قال ابن حبّان:
يقال إن له صحبة." اهـ
المعنى الإجمالي للحديث:
بين النبي _صلى الله عليه وسلم_ في هذا الحديث
العظيم:
أن من أحسن الوضوء، فأتى به كاملًا على الوجه
المشروع من غسل الوجه حتى يسيل الماء على الذقن، وغسل الذراعين حتى يبلغ المرفقين وينحدر الماء عنهما، وغسل الرجلين حتى يسيل الماء من الكعبين،
ثم قام يصلي لله تعالى صلاةً خاشعةً، فإن الله
سبحانه وتعالى يكرمه بمغفرة ذنوبه الماضية.
فالحديث يوضح أن الوضوء الكامل والصلاة سببٌ لمغفرة
الذنوب، وأن العبد إذا أتى بالعبادة بإتقان، وخشع فيها لله، جوزي على ذلك بأعظم
الجزاء، وهي المغفرة والستر.
وهذا من واسع فضل الله ورحمته بعباده، حيث جعل لهم
أبوابًا كثيرة للتوبة والغفران ونيل الأجور، ومنها: الوضوء والصلاة لمن أداها
بإحسان وإخلاص.
تخريج الحديث:
أخرجه عبد الرزاق الصنعاني في "المصنف" (1/
54) (رقم: 156)، الطحاوي في "أحكام القرآن" (1/ 85) (رقم: 49)، وفي "شرح
معاني الآثار" (1/ 37) (رقم: 182_183)، والطبراني في "المعجم
الكبير" كما في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (1/ 224) (رقم: 1134)،
وأبو نعيم "معرفة الصحابة" (4/ 1931) (رقم: 4861).
والحديث صحيح لغيره: صححه
الألباني _رحمه الله_ في صحيح الترغيب والترهيب (1/ 194) (رقم: 188)
من فوائد الحديث:
قال الطحاوي _رحمه الله_ في "أحكام القرآن"
(1/ 85):
قَالُوا: فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ ذُكِرَ الثَّوَابُ
عَلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ. وَلَوْ كَانَ فَرْضُهُمَا غَيْرَ___الْغَسْلِ، إِذًا
لَمَا كَانَ فِي غَسْلِهِمَا ثَوَابٌ،
* أَلَا تَرَى مَنْ غَسَلَ
رَأْسَهُ فِي وُضُوئِهِ، لَمْ يَكُنْ مُثَابًا عَلَى ذَلِكَ، إِذْ كَانَ
فَرْضُهُ فِيهِ غَيْرَ الْغَسْلِ،
* فَلَوْ كَانَتِ الْقَدَمَانِ
فِي الْمَسْحِ مِثْلَ الرَّأْسِ، إِذًا لَمَا كَانَ غَاسِلُهُمَا مُثَابًا
عَلَى ذَلِكَ، وَلَكَانَ كَغَاسِلِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ ."
اهـ
وقال محمد بن علي الشوكاني اليمني (المتوفى: 1250 هـ)
_رحمه الله_ في "الدراري المضية شرح الدرر البهية" (1/ 45):
"وهذا بيان لما في القرآن فأفاد أن
الغاية داخله فيما قبلها." اهـ
من فوائد الحديث:
إليك جملة من الفوائد العظيمة التي اشتمل عليها هذا
الحديث:
1. فيه: بيان فضل الوضوء الكامل المتقن،
فالحديث يدل على أن الإحسان في الوضوء ليس مجرد
مستحب، بل هو باب عظيم للمغفرة ورفعة الدرجات.
2. فيه: أن الوضوء سبب لمغفرة الذنوب،
فجعل الله تعالى هذا العمل اليسير مفتاحًا لمغفرة
الذنوب الماضية، وهذا يدل على عظم رحمة الله بعباده.
3. فيه: أهمية إيصال الماء إلى حدود الأعضاء
كاملاً،
فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ ذكر سيلان الماء من
الذقن والمرفقين والكعبين، إشارة إلى وجوب إيصال الماء وإحسان غسله.
4. فيه: أن العمل القليل قد يعظم أجره
بالإخلاص والإتقان، فالوضوء عمل يسير، لكن ثوابه عظيم لأنه يقدَّم لله تعالى
بالصورة التي يحبها.
5. فيه: فضل الجمع بين الطهارة والصلاة، فالحديث
يؤكد ارتباط الطهارة بالصلاة، وأن الفضائل تتضاعف عندما يجتمع العملان.
6. فيه: إثبات أن الصلاة بعد الوضوء تكمل
المغفرة، فالغفران متعلّق بمجموع العملين: وضوء متقن، ثم صلاة قائمة على الخشوع.
7. فيه: أنّ المغفرة هنا تشمل الذنوب الصغائر،
وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو يدل على سعة فضل الله لعباده المطيعين.
8. فيه: أن الشريعة تحث على العناية بالظاهر
والباطن معًا، فالوضوء طهارة الظاهر، والصلاة طهارة الباطن؛ ومن جمعهما نال
المغفرة.
9. فيه: بيان رحمة الله الواسعة، فجعل الله
باب المغفرة مفتوحًا في كل يوم وليلة، بمجرد أداء وضوء وصلاة على الوجه المشروع.
10. فيه: الحث على إحسان العبادة وعدم
الاكتفاء بالحد الأدنى،
فذكر النبي صلى الله عليه وسلم "يُحْسِنُ
الوضوءَ" دليل أن الإتقان مطلوب، وبه يكون كمال الأجر.
11. فيه: دلالة الحديث على أن الذنوب تثقل
العبد وأن الطاعات تزيلها،
فالوضوء والصلاة ليست مجرد عبادات، بل تطهّر القلب
وتخفف أثر الذنوب على النفس.
12. فيه: أن كثرة الوضوء والصلاة من أسباب
ثبات القلب، فمن اعتاد الوضوء المتقن والصلاة الخاشعة كان أقرب للسداد والابتعاد
عن المعاصي.
13. فيه: إشارة إلى أن العبادة التي تترك
أثرًا محسوسًا تكون أعظم ثوابًا، فسيلان الماء إشارة إلى عمل متقن تترتب عليه آثار
مباركة.
14. فيه: أن الوضوء ليس مجرد طهارة حسية بل
عبادة مستقلة، فالحديث جعل الوضوء بنفسه سببًا للمغفرة قبل أن يتبعه الصلاة.
15. فيه: أن كمال العبادة يكون باتباع الرسول
_صلى الله عليه وسلم_، لأن الجمهور فهموا تفاصيل الوضوء من أمثال هذه النصوص،
وفيها اتباع للسنة الظاهرة.
|
189
- (15) [صحيح] وعن أبي مالك الأشعريِّ _رضي الله
عنه_، قال: قال
رسول الله _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: "الطَّهور شَطْرُ الإيمان، والحمدُ لله تملأُ الميزان، وسبحان
الله والحمدُ لله تملآن -أو تملأُ- ما بين السماء والأرضِ، والصلاةُ نورٌ، والصدقةُ بُرهانٌ،
والصبرُ ضِياءٌ، والقرآنُ
حُجَّة لك أو عليك، كُلُّ الناس يَغدو، فبائعٌ
نفسَه، فمعتقُها أو مُوبقُها". رواه
مسلم والترمذي وابن ماجه، إلا أنه قال: "إسباغُ
الوضوء شطرُ الإيمان". ورواه
النسائي دون قوله: "كل الناس يغدو. .
." إلى آخره. قال
الحافظ عبد العظيم: "وقد أفردتُ لهذا الحديث وطرقه وحكمه وفوائده جزءاً مفرداً. |
ترجمة أبي مالك الأشعري _رضي
الله عنه_:
وفي "الإصابة في تمييز الصحابة" (2/
165):
"الحارث بن عاصم: ذكر النووي في "الأذكار"
عند ذكر حديث أبي مالك الأشعري: «الطّهور شطر الإيمان»:
أن اسمه الحارث بن عاصم، وهذا
وهم، وإنما هو كعب بن عاصم، أو الحارث بن الحارث." اهـ
وفي "معرفة الصحابة" لأبي نعيم (2/ 800):
"الْحَارِثُ بْنُ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيُّ
أَبُو مَالِكٍ، وَقِيلَ: كَعْبُ بْنُ عَاصِمٍ،
مُخْتَلَفٌ فِيهِ، يُعَدُّ فِي الشَّامِيِّينَ." اهـ
وفي "تاريخ الإسلام" – ت. بشار (2/ 744):
"أَبُو مَالِكٍ الأَشْعَرِيُّ [الوفاة: 61 -
70 ه]:
لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ. وَاسْمُهُ مختلف فيه، فقيل: كعب بن عاصم، وَقِيلَ:
عَامِرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَقِيلَ: عَمْرُو بْنُ
الْحَارِثِ. رَوَى أَحَادِيثُ." اهـ
نص الحديث وشرحه:
وعن أبي مالكٍ الحارث بن عاصم الأشعريِّ
_رضي الله عنه_ قَالَ:
قَالَ رسولُ الله _صلى الله عليه وسلم_ :
«الطُّهُورُ
[تعليق]:
وفي
رواية الترمذي في "سننه" (5/ 535) (رقم : 3517):
عَنْ
أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الوُضُوءُ شَطْرُ الإِيمَانِ»
شَطْرُ الإِيمان،
[تعليق]:
وقال
النووي _رحمه الله_ في "شرح صحيح مسلم" (3 / 100):
"(الطهور شطر الايمان):
فقيل
معناه: أن الأجر فيه ينتهى تضعيفه إلى نصف أجر الايمان
وقيل:
معناه: أن الايمان يجب ما قبله من الخطايا وكذلك الوضوء لأن الوضوء لا يصح الا مع
الايمان فصار لتوقفه على الايمان في معنى الشطر
وقيل:
المراد بالايمان هنا الصلاة كما قال الله تعالى :
((وما كان الله ليضيع ايمانكم))
والطهارة
شرط في صحة الصلاة فصارت كالشطر وليس يلزم في الشطر أن يكون نصفا حقيقيا وهذا
القول أقرب الأقوال،
ويحتمل أن يكون معناه: أن الايمان تصديق بالقلب وانقياد بالظاهر وهما
شطران للايمان والطهارة متضمنة الصلاة فهي انقياد في الظاهر والله أعلم." اهـ
والحَمدُ لله تَمْلأُ
الميزَانَ،
[تعليق]:
وقال
النووي _رحمه الله_ في "شرح صحيح مسلم" (3 / 100) :
"(والحمد لله تملأ الميزان):
فمعناه:
عظم أجرها وأنه يملأ الميزان وقد تظاهرت نصوص القرآن والسنة على وزن الأعمال وثقل
الموازين وخفتها
قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ
لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ
حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ
[الأنبياء/47]." اهـ
وَسُبْحَانَ الله والحَمدُ
لله تَملآن - أَوْ تَمْلأُ - مَا بَينَ السَّماوات وَالأَرْضِ،
[تعليق]:
وقال
النووي _رحمه الله_ في "شرح صحيح مسلم" (3 / 100):
"(وسبحان الله والحمد لله تملان أو تملأ ما بين السماوات والأرض)
وأما
معناه، فيحتمل أن يقال: لو قدر ثوابهما جسما، لملأ ما بين السماوات والأرض
وسبب عظم فضلهما: ما اشتملتا عليه من التنزيه لله
تعالى بقوله سبحان الله والتفويض والافتقار إلى الله تعالى بقوله الحمد لله والله
أعلم."
والصَّلاةُ نُورٌ،
[تعليق]:
وقال
النووي _رحمه الله_ في "شرح صحيح مسلم" (3 / 100):
"والصلاة نور"
فمعناه:
*
أنها تمنع من المعاصي وتنهى عن الفحشاء والمنكر وتهدي إلى الصواب كما أن النور
يستضاء به
*
وقيل: معناه أنه يكون أجرها نورا لصاحبها يوم القيامة
* وقيل: لأنها سبب لاشراق أنوار المعارف
وانشراح القلب ومكاشفات الحقائق لفراغ القلب فيها واقباله إلى الله تعالى بظاهره
وباطنه وقد قال الله تعالى :
{وَاسْتَعِينُوا
بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ } [البقرة: 45]
* وقيل: معناه أنها تكون نورا ظاهرا على وجهه
يوم القيامة ويكون في الدنيا أيضا على وجهه البهاء بخلاف من لم يصل والله أعلم."
اهـ
والصَّدقةُ بُرهَانٌ،
[تعليق]:
وقال
النووي _رحمه الله_ في "شرح صحيح مسلم" (3 / 101):
"(والصدقة برهان):
*
فقال صاحب "التحرير": معناه يفزع اليها كما يفزع إلى البراهين كأن العبد
إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله كانت صدقاته براهين في جواب هذا السؤال فيقول
تصدقت به
* قال: ويجوز أن يوسم المتصدق بسيماء يعرف
بها فيكون برهانا له على حاله ولا يسأل عن مصرف ماله
* وقال غير صاحب "التحرير":
معناه:
الصدقة حجة على إيمان فاعلها فإن المنافق يمتنع منها لكونه لا يعتقدها فمن تصدق
استدل بصدقته على صدق ايمانه والله أعلم." اهـ
والصَّبْرُ ضِياءٌ،
[تعليق]:
وقال
النووي _رحمه الله_ في "شرح صحيح مسلم" (3 / 101):
"(والصبر ضياء):
*
فمعناه: الصبر المحبوب في الشرع وهو الصبر على طاعة الله تعالى والصبر عن معصيته
والصبر أيضا على النائبات وأنواع المكاره في الدنيا
والمراد:
أن الصبر محمود ولا يزال صاحبه مستضيئا مهتديا مستمرا على الصواب،
قال
إبراهيم الخواص: "الصبر: هو الثبات على الكتاب والسنة."
وقال
ابن عطاء: "الصبر الوقوف مع البلاء بحسن الأدب."
وقال
الأستاذ أبو عليٍّ الدقَّاق _رحمه الله تعالى_: "حقيقة الصبر: أن لا يعترض
على المقدور، فأما إظهار البلاء، لا على وجه الشكوى، فلا ينافي الصبر، قال الله _تعالى_
في أيوب _عليه السلام_: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ
أَوَّابٌ} [ص: 44]، والله أعلم." اهـ
والقُرْآنُ حُجةٌ لَكَ أَوْ
عَلَيْكَ.
[تعليق]:
وفي
"التعيين في شرح الأربعين" (1/ 180) للطوفي:
"قوله:
"والقرآن حجة لك أو عليك"،
يعني:
إن عَمِلْتَ بِهِ، واهتديتَ بأنوارِهِ، كان حجةً لك، وإن أعرضتَ عنه، كان حجةً
عليك...وإنما تقوم الحجة بالقرآن لمن اتبعه عملًا، وإن حَفِظَهُ تَذَكرَهُ
وتَعَاهَدَهُ تلاوةً." اهـ
كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو
فَبَائعٌ نَفسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُها» . رواه مسلم.
[تعليق]:
وقال النووي _رحمه الله_ في "شرح صحيح مسلم"
(3/ 102):
"وَأَمَّا قَوْلُهُ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_: (كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ
فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا)،
فَمَعْنَاهُ: كُلُّ إِنْسَانٍ يَسْعَى بِنَفْسِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَبِيعُهَا لِلَّهِ تَعَالَى
بِطَاعَتِهِ، فَيُعْتِقُهَا مِنَ الْعَذَابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ
يَبِيعُهَا لِلشَّيْطَانِ وَالْهَوَى بِاتِّبَاعِهِمَا، فَيُوبِقُهَا، أَيْ:
يُهْلِكُهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ
المعنى الإجمالي للحديث:
بين النبي _صلى الله عليه وسلم_ في هذا
الحديث الجامع:
* مكانة الطهارة والذكر والصلاة والصدقة
والصبر والقرآن،
* وأنها أعمال عظيمة تُهذِّب النفس
وتزكيها، وترفع درجات صاحبها عند الله تعالى.
فالطهارة نصف الإيمان لأنها أساس
العبادات، وذكر الله من تسبيح وحمد يملأ الميزان
بالأجر العظيم، والصلاة نور تهدي صاحبها، والصدقة برهان على صدق إيمانه، والصبر
نور شديد يثبت العبد على الطاعة، وأما القرآن فهو
شاهدٌ للعبد إن عمل به، أو شاهدٌ عليه إن تركه.
ثم يختتم النبي _صلى الله عليه وسلم_
ببيان أن كل إنسان يسير في يومه: إما على طريق النجاة أو على طريق الهلاك بحسب
أعماله،
فهو يبيع نفسه بالأعمال، فإمّا يحررها بطاعة الله، وإما يوردها المهالك بالمعصية.
فالحديث يقرر أن العبادات الظاهرة
والباطنة هي أسباب النجاة والفلاح، وأن هذه الأعمال تؤثر على مصير العبد في الدنيا
والآخرة، وأن كل إنسان مسؤول عن نفسه: إمّا أن يسير بها في طريق الإيمان والطاعة
فيعتقها، أو يوردها موارد الهلاك بترك الطاعة واتباع الهوى.
تخريج الحديث :
أخرجه مسلم في "صحيحه" (1/
203) (رقم : 223)، والترمذي في "سننه" (5/ 535) (رقم : 3517)، والنسائي في
"سننه" (5/ 5) (رقم: 2437)، وفي "السنن الكبرى" (3/ 6) (رقم: 2229)،
وابن ماجه في "سننه" (1/ 102) (رقم: 280)
منزلة الحديث:
قال النووي _رحمه الله_ في "شرح صحيح
مسلم" (3/ 100)
هَذَا حَدِيثٌ
عَظِيمٌ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْإِسْلَامِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى مُهِمَّاتٍ مِنْ
قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ
وقال ابن دقيق العيد _رحمه
الله_ في "شرح الأربعين النووية" (ص: 84):
"هذا الحديث أصل
من أصول الإسلام وقد اشتمل على مهمات من قواعد الإسلام والدين." اهـ
وقال فيصل بن عبد العزيز آل مبارك الحريملي
_رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 36):
"وسببُ عظم فضل هذه
الكلمات: ما اشتملت عليه من التنزيه لله تعالى،
وتوحيده، والافتقار إِليه." اهـ
وقال ابن الجوزي _رحمه الله_ في "التبصرة"
(2/ 206_209):
"اعْلَمْ أَنَّ الطَّهَارَةَ عَلَى
أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ:
الضَّرْبُ الأَوَّلُ: تَطْهِيرُ
الْبَدَنِ عَنْ نَجَسٍ أَوْ حَدَثٍ أَوْ فَضْلَةٍ مِنَ الْبَدَنِ. فَأَمَّا
طَهَارَةُ الأَنْجَاسِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ
فَقَالَ: " إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ:
أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ ".
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ
أَنَّهُمَا لَمْ يُعَذَّبَا فِي أَمْرٍ كَانَ بِكَبِيرٍ عَلَيْهِمَا فِعْلُهُ أَوْ
يَشُقُّ.____
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: تَطْهِيرُ
الْجَوَارِحِ عَنِ الآثَامِ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ السَّمْعَ
وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كل أولئك كان عنه مسئولا} .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَوَارِحَ
كَالسَّوَاقِي تُوصِلُ إِلَى الْقَلْبِ الصَّافِي وَالْكَدِرِ، فَمَنْ كَفَّهَا
عَنِ الشَّرِّ جَلَّتْ مَعِدَةُ الْقَلْبِ بِمَا فِيهَا مِنَ الأَخْلاطِ
فَأَذَابَتْهَا وَكَفَى بِذَلِكَ حِمْيَةٌ، فَإِذَا جَاءَ الدَّوَاءُ صَادَفَ
مَحَلا قَابِلا.
وَمَنْ أَطْلَقَهَا فِي الذُّنُوبِ
أَوْصَلَتْ إِلَى الْقَلْبِ وَسَخَ الْخَطَايَا وَظُلْمَ الْمَعَاصِي، فَلَوْ
وُضِعَ الدَّوَاءُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَلْبِ حِجَابٌ، فَلا تَكَادُ
الْجَوَارِحُ تَسْلَمُ مِنَ الْخَطَايَا إِلا بِالْعُزْلَةِ، فَمَنْ أَمْكَنَهُ
فَمَا أَحْسَنَهُ، وَمَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ تَحَفَّظَ فِي مُخَالَطَتِهِ لِلْخَلْقِ
تَحَفُّظَ الْمُجَاهِدِ فِي الْحَرْبِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: تَطْهِيرُ
الْقَلْبِ عَنِ الأَخْلاقِ الْمَذْمُومَةِ مِنَ الْحِرْصِ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ
وَالْكِبْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلا يُمْكِنُ مُعَالَجَتُهُ مِنْ أَدْوَائِهِ
بِدَوَائِهِ حَتَّى تَقَعَ الْحِمْيَةُ الَّتِي وَصَفْنَاهَا فِي كَفِّ
الْجَوَارِحِ، ثُمَّ يُعَالَجُ كُلُّ دَاءٍ بِدَوَائِهِ. وَكَمْ مِنْ مُتَعَبِّدٍ
يُبَالِغُ فِي كَثْرَةِ الصَّلاةِ وَالصَّوْمِ وَلا يُعَانِي صَلاحَ الْقَلْبِ،
وَقَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ الْكِبْرُ وَالرِّيَاءُ وَالنِّفَاقُ وَالْجَهْلُ
بِالْعِلْمِ وَلا يُحِسُّ بِذَلِكَ، وَقَدْ يَكُونُ تَطَلُّعُهُ إِلَى تَقْبِيلِ
يَدِهِ وَإِجَابَةِ دُعَائِهِ، وَهَذِهِ آفَاتٌ لا دَوَاءَ لَهَا إِلا
الرِّيَاضَةَ بِالْعِلْمِ لِيَقَعَ التَّهْذِيبُ بِإِصْلاحِ دَائِهِ، وَإِنَّمَا
تَنْفَعُ الْعِبَادَةُ وَتَظْهَرُ آثَارُهَا وَتَبِينُ لَذَّاتُهَا مَعَ إِصْلاحِ
أَمْرَاضِ الْقَلْبِ.___
الضَّرْبُ الرَّابِعُ: تَطْهِيرُ
السِّرِّ عَمَّا سِوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ الْعُلْيَا
وَلَمْ تَحْصُلْ إِلا لِمَنْ تَجَلَّتْ لَهُ أَوْصَافُ الْحَبِيبِ فَدَخَلَ فِي
دَائِرَةِ الْمَحَبَّةِ.
أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظَفْرٍ
بِسَنَدِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ
أَبِي الْحَوَارِيِّ قَالَ: سَأَلَ مَحْمُودٌ أَبَا سُلَيْمَانَ وَأَنَا حَاضِرٌ :
"مَا أَقْرَبُ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟"
فَبَكَى أَبُو سُلَيْمَانَ ثُمَّ قَالَ :
"مثلي يسأل عن هذا! أقرب مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى
قَلْبِكَ وَأَنْتَ لا تُرِيدُ مِنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلا هُوَ.
قَالَ ابْنُ جَهْضَمٍ: وَحَدَّثَنَا
عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلا يَقُولُ: مَنْ نَظَرَ
إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَرِيبًا مِنْهُ بَعُدَ عَنْ قَلْبِهِ كُلُّ شَيْءٍ
سِوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ طَلَبَ مَرْضَاتَهُ أَرْضَاهُ اللَّهُ عَزَّ
وَجَلَّ وَمَنْ أَسْلَمَ قَلْبَهُ إِلَيْهِ تَوَلَّى اللَّهُ جَوَارِحَهُ.
قَالَ ابْنُ جَهْضَمٍ: وَحَدَّثَنِي
أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
الْهَاشِمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ عَبْدِ
اللَّهِ يَقُولُ : "مَا مِنْ سَاعَةٍ إِلا وَاللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى
قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَأَيُّ قَلْبٍ رَأَى فِيهِ غَيْرَهُ سَلَّطَ عَلَيْهِ
إِبْلِيسَ." اهـ بتصرف غير مخل
وقال ابن رجب _رحمه الله_ في "جامع
العلوم والحكم" – ت. الأرنؤوط (2/ 17_18):
"وَبِكُلِّ حَالٍ فَالتَّسْبِيحُ
دُونَ التَّحْمِيدِ فِي الْفَضْلِ كَمَا جَاءَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ
وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، «وَالرَّجُلِ مِنْ بَنِي
سُلَيْمٍ أَنَّ التَّسْبِيحَ نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَؤُهُ»
، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ التَّحْمِيدَ إِثْبَاتُ الْمَحَامِدِ كُلِّهَا لِلَّهِ،___فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ إِثْبَاتُ صِفَاتِ الْكَمَالِ
وَنُعُوتِ الْجَلَالِ كُلِّهَا، وَالتَّسْبِيحُ هُوَ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ
النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ وَالْآفَاتِ، وَالْإِثْبَاتُ أَكْمَلُ مِنَ السَّلْبِ
وقال ابن رجب _رحمه الله_ في "جامع
العلوم والحكم" – ت. الأرنؤوط (2/ 28):
"وَقَالَ أَبُو مُوسَى
الْأَشْعَرِيُّ:
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ كَائِنٌ لَكُمْ
أَجْرًا، وَكَائِنٌ عَلَيْكُمْ وِزْرًا، فَاتَّبَعُوا الْقُرْآنَ، وَلَا
يَتْبَعُكُمُ الْقُرْآنُ، فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ الْقُرْآنَ هَبَطَ بِهِ عَلَى
رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمَنِ اتَّبَعَهُ الْقُرْآنُ زَجَّ فِي قَفَاهُ، فَقَذَفَهُ
فِي النَّارِ." اهـ
من فوائد الحديث :
وقال ابن رجب _رحمه الله_ في "جامع
العلوم والحكم" – ت. الأرنؤوط (2/ 28_29):
"وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ
كُلَّ إِنْسَانٍ فَهُوَ سَاعٍ فِي هَلَاكِ نَفْسِهِ، أَوْ فِي فَكَاكِهَا، فَمَنْ
سَعَى فِي طَاعَةِ اللَّهِ، فَقَدْ بَاعَ نَفْسَهُ لِلَّهِ، وَأَعْتَقَهَا مِنْ
عَذَابِهِ، وَمَنْ سَعَى فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَقَدْ بَاعَ نَفْسَهُ
بِالْهَوَانِ، وَأَوْبَقَهَا بِالْآثَامِ الْمُوجِبَةِ لِغَضَبِ اللَّهِ
وَعِقَابِهِ،
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ
اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ
لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111] إِلَى قَوْلِهِ : {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ
الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111]
[التَّوْبَةِ: 111][1]،
وَقَالَ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ
مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ
بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207] [الْبَقَرَةِ: 207]___
وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّ
الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الزمر: 15] [الزُّمَرِ: 15]."
اهـ
وقال ابن رجب _رحمه الله_ في "جامع
العلوم والحكم" – ت. الأرنؤوط (2/ 21)
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: " «وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ
ضِيَاءٌ» "، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ " صَحِيحِ مُسْلِمٍ ": "
«وَالصِّيَامُ ضِيَاءٌ» "
فَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ
الثَّلَاثَةُ مِنَ الْأَعْمَالِ أَنْوَارٌ كُلُّهَا، لَكِنَّ مِنْهَا مَا
يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ النُّورِ، فَالصَّلَاةُ نُورٌ مُطْلَقٌ،
وَيُرْوَى بِإِسْنَادَيْنِ فِيهِمَا نَظَرٌ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الصَّلَاةُ نُورُ الْمُؤْمِنِ»، فَهِيَ
لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا نُورٌ فِي قُلُوبِهِمْ وَبَصَائِرِهِمْ، تُشْرِقُ
بِهَا قُلُوبُهُمْ، وَتَسْتَنِيرُ بَصَائِرُهُمْ وَلِهَذَا كَانَتْ قُرَّةَ عَيْنِ
الْمُتَّقِينَ...___
وَهِيَ نُورٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي
قُبُورِهِمْ، وَلَاسِيَّمَا صَلَاةُ اللَّيْلِ، كَمَا قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ:
صَلُّوا رَكْعَتَيْنِ فِي ظُلَمِ اللَّيْلِ لِظُلْمَةِ الْقُبُورِ...___
وَهِيَ فِي الْآخِرَةِ نُورٌ
لِلْمُؤْمِنِينَ فِي ظُلُمَاتِ الْقِيَامَةِ، وَعَلَى الصِّرَاطِ، فَإِنَّ
الْأَنْوَارَ تُقَسَّمُ لَهُمْ عَلَى حَسَبِ أَعْمَالِهِمْ." اهـ
وقال أبو حفص عمر بن علي الشافعي المصري، المعروف
بـ"سِرَاج الدينِ ابنِ الْمُلَقِّنِ" (المتوفى:
804 هـ) _رحمه الله_ في "المعين على تفهم
الأربعين" – ت. دغش (ص: 276):
"وهذا الحديث ظاهِرٌ في ثبوت
الميزان[2]
ذي الكفَّتين واللِّسان في المعاد، وحقيقتهُ كما قُلناه."[3]
وقال محمد بن إسماعيل الحسني، الكحلاني، المعروف بـ"الأمير الصنعاني" (المتوفى: 1182 هـ) _رحمه
الله_ في "التنوير شرح الجامع
الصغير" (7/ 181):
"ولما كانت الأعمال كلها لابدَّ
لها من الصبر ولا يتم إلا به كان ضياء للمتصف به يقوده إلى كل طاعة وتذوده عن كل
معصية." اهـ
وقال إسماعيل بن محمد بن
ماحي السعدي الأنصاري (المتوفى: 1417هـ) _رحمه
الله_ في "التحفة الربانية في شرح الأربعين حديثا النووية"
(ص: 51):
"يستفاد منه:
1 - فضل الطهور.
2 - فضل التسبيح والتحميد.
3 - إثبات الميزان الذي توزن به الأعمال
يوم القيامة.
4 - عظم ثواب الصلاة والصدقة والصبر.
5 - أن من تبع القرآن قاده إلى الجنة،
ومن جعله خلف ظهره وأعرض عنه قذف في النار.
6 - إن كل إنسان إما ساع في إهلاك نفسه،
أو في فكاكها، فمن سعى في طاعة الله فقد باع نفسه لله. وأعتقها من عذابه، ومن سعى
في معصية الله فقد باع نفسه بالهوان، وأوبقها بالآثام الموجبة لغضب الله وعقابه."
اهـ
وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح
الأربعين النووية" (ص: 231_233):
"من فوائد هذا الحديث:
1_الحث على الطهور الحسي والمعنوي، وجه
ذلك أنه قال: "الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيْمَانِ"
2_أن الإيمان يتبعض، فبعضه فعل وبعضه
ترك، وهو كذلك.
3_فضيلة حمد الله عزّ وجل حيث قال: إنها
تملأ الميزان.
4_إثبات الميزان، والميزان جاء ذكره في
القرآن عدة مرات، جاء ذكره مجموعاً وذكره مفرداً فقال الله عزّ وجل: (وَنَضَعُ
الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) (الأنبياء: 47) وقال تعالى:
(فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) (القارعة: 6) وجاء ذكره في السنة صريحاً في
قوله صلى الله عليه وسلم:
"كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلى
اللِسانِ، ثَقِيلَتَانِ في المِيزَانِ، حَبيبَتَانِ إلى الرَّحمَنِ: سُبحَانَ الله
وَبِحَمدِهِ سُبحَانَ الله العَظيم" وكذلك في هذ الحديث...
فالمهم أن نقول: إن الميزان يوم القيامة
حسي، حقيقي، توزن به الأعمال، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه
فقد خسروا أنفسهم.
5_فضيلة الجمع بين سبحان الله والحمد
لله لقوله "سُبحَانَ الله وَالحَمدُ لِلهِ تَملآنِ مَا بَينَ السَمَاءِ
وَالأَرضِ" ووجه ذلك أن الجمع بينهما جمع بين نفي العيوب والنقائص وإثبات
الكمالات.
ففي "سُبحَانَ الله" نفي
العيوب والنقائص، وفي "الحَمدُ لِلهِ" إثبات الكمالات.
6_أن الصلاة نور ويتفرع على هذا:____
الحث على كثرة الصلاة. ولكن يرد علينا
أن كثيراً من المصلين وكثيراً من الصلوات من المصلي الواحد لا يشعر الإنسان بأنها
نور، فما الجواب؟
الجواب أن نقول: إن كلام الرسول صلى
الله عليه وسلم حق لا إشكال فيه، لكن عدم استنارة القلب لخلل في السبب أو وجود
مانع.
فمن خلط صلاته برياء فهنا خلل في السبب،
لأنه لم يخلص.
ومن صلى لكن قلبه يتجول يميناً وشمالاً
فهنا مانع يمنع من كمال الصلاة فلا تحصل النتيجة، وقس على هذا كل شيء رتب الشرع
عليه حكماً وتخلف فاعلم أن ذلك إما لوجود مانع، أو لاختلال سبب، وإلا فكلام الله
عزّ وجل حق وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم حق.
7_الحث على الصدقة، لقوله:
"الصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ".[4]
8_أن بذل المحبوب يدل على صدق الباذل،
والمحبوب الذي يُبذَل في الصدقة هو المال.
9_الحث على الصبر وأنه ضياء وإن كان فيه
شيء من الحرارة، لكنه ضياء ونور لقوله: "وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ".[5]
10_أن حامل القرآن إما غانم وإما غارم،
وليس هناك مرتبة لا له ولا عليه، إما للإنسان وإما على الإنسان، ويتفرع على هذه
الفائدة:
أن يحاسب الإنسان نفسه هل عمل بالقرآن
فيكون حجة له، أو لا، فيكون حجة عليه فليستعتب.
11_عظمة القرآن وأنه لن يضيع هكذا سدىً،
بل إما للإنسان وإما على الإنسان.
12_بيان حال الناس وأن كل الناس يعملون
من الصباح، وأنهم يبيعون أنفسهم،___فمن باعها بعمل
صالح فقد أعتقها، ومن باعها بعمل شيء فقد أوبقها.
13_أن الحرية حقيقة هي القيام بطاعة
الله عزّ وجل، وليس إطلاق الإنسان نفسه ليعمل كل سيء أراده." اهـ
وقال عبد الله بن صالح
المحسن في "الشرحُ الْمُوْجَزِ الْمُفِيْدِ" = "شرح الأحاديث
الأربعين النووية مع ما زاد عليها ابن رجب وعليها"
(ص: 45):
"الفوائد :
(1) إثبات الميزان الذي توزن به أعمال
العباد يوم القيامة.
(3) فضل الطهور وأنه نصف الإيمان.
(3) فضل التسبيح والتحميد.
(4) عظم ثواب الصلاة والصدقة والصبر.
(5) إن من عمل بالقرآن العزيز قاده إلى
الجنة ومن أعرض عنه ولم يعمل به قذف في النار.
(6) إن كل إنسان إما ساع في هلاك نفسه
أو ساع في سعادتها." اهـ
وقال شيخنا عبد المحسن بن
حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد
البدر _حفظه الله_ في "فتح
القوي المتين في شرح الأربعين وتتمة الخمسين" (ص: 81):
"مِمَّا يُستفاد من الحديث:
1. بيان فضل الطُّهور.
2. بيان فضل التحميد والتسبيح.
3. إثبات الميزان ووزن الأعمال.
4. فضل الصلاة، وأنَّها نورٌ في الدنيا
والآخرة.
5. فضل الصدقة، وأنَّها علامةٌ على
إيمان صاحبها.
6. فضل الصبر، وأنَّه ضياءٌ للصابرين.
7. الحثُّ على العناية بالقرآن تعلُّماً
وتدبُّراً وعملاً؛ ليكون حُجَّة للإنسان.
8. التحذيرُ من الإخلال بما يجب نحو
القرآن؛ لئلاَّ يكون حجَّة عليه.
9. الحثُّ على كلِّ عمل صالح يُعتق
الإنسانُ نفسَه به من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
10. التحذير من كلِّ عمل سيِّء يجعل
صاحبَه من أولياء الشيطان، ويُفضي بصاحبه إلى النار." اهـ
وقال شيخنا عبد المحسن بن
حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد
البدر _حفظه الله_ في "قطف
الجني الداني" = "شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني" (ص: 133):
"تُحصَى أعمال العباد ثمَّ توزَن،
فمَن ثقلت موازينه، نجا. ومن خفَّت موازينه، هلك.
والأعمالُ وإن كانت أعراضاً، فالله
يجعلها أجساماً توضَع في الميزان،
والحكمة من وزن أعمال العباد:
إظهار عدل الله وإيقاف العبد على
أعماله؛ فإنَّه _سبحانه وتعالى_ عليمٌ بكلِّ شيء." اهـ
ملحق الفوائد:
حديث أبي مالك الأشعري _رضي الله عنه_
حديث عظيم اشتمل على فوائد كثيرة، منها:
1. بيان عِظَم شأن الطهارة وأنها نصف
الإيمان، لأن الإيمان يشمل الظاهر والباطن، والطهارة إصلاح للظاهر كما أن الاعتقاد
إصلاح للباطن.
2. فضل الذكر عامة، وخصوصًا: الحمد لله
و سبحان الله، وأنهما من أعظم ما يملأ ميزان العبد بالأجر العظيم.
3. أن الأعمال اليسيرة باللسان قد تكون
أثقل في الميزان من كثير من الأعمال البدنية.
4. بيان أن الصلاة نورٌ للعبد؛ فهي تضيء
له طريق الهداية، وتمنعه من الوقوع في الفواحش والمنكرات.
5. أن الصدقة برهان على الإيمان؛ لأنها
دليل عملي على صدق القلب وإخلاصه.
6. وصف الصبر بأنه ضياءٌ أي نورٌ مع
حرارة ومشقة، للدلالة على أن الصبر عبادة شاقة لكنها ضرورية لسلامة الإيمان.
7. أن القرآن إمّا حجة للعبد أو عليه،
فالسعيد من عمل بما فيه، والشقي من خالفه أو هجره.
8. إثبات مسؤولية الإنسان عن نفسه، وأن
كل إنسان يعمل في يومه عملاً يبيع به نفسه.
9. أن العبد قد يعتق نفسه من النار
بالطاعة، أو يُهلكها بالمعصية.
10. بيان شمولية الإسلام في تهذيب
الظاهر والباطن؛ طهارة، ذكر، صلاة، صدقة, صبر، قرآن، سلوك يومي.
11. تأكيد أن النجاة مرتبطة بالعمل لا
بمجرد الانتساب أو التمني.
12. التحفيز على استثمار الأعمال
اليومية التي تعود على العبد بالنور والضياء والبرهان يوم القيامة.
13. أن الطاعات نورٌ لصاحبها في الدنيا
قبل الآخرة؛ فهي تهدي القلب وتشرح الصدر.
14. أن المعاصي سبب للهلاك والإهلاك،
لأنها تبِيع النفس بثمن بخس.
15. والحديث جامع لأصول أعمال القلوب
والجوارح، مما يدل على كثرة خير النبي صلى الله عليه وسلم في التعليم والتبليغ.
[1] وتمام الآية :
{إِنَّ
اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ
لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ
وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ
فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ} [التوبة: 111]
[2] الميزان هو: "مَا
يَنصِبُهُ الله يومَ القِيامة لوزنِ أعمالِ العِبادِ ليُجازيهم على أعمالهم، وهو
ميزان حِسِّيٌّ لهُ كِفَّتان مُشاهَدَتَان". "شرح الطحاوية" (2/
609).
والميزان
ثابتٌ بالكتاب والسُّنة، وهو مِن عقائِد أهل السنة المُتَّفقِ عليها، ولا يكاد
يخلو كتاب من كُتب أهل السنة في الاعتقاد إلا ويذكُرُ إيمان السلف به. ولهم فيه
مصنَّفات مفردة: انظر المطبوع منها: "مِنْهَاج السَّلامة في ميزان
القيامة" للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (842 هـ)، و"تحرير المقال
والبيان في الكلام على الميزان" للحافظ السّخاوي (902 هـ)، و"تحقيق
البرهان في إثبات حقيقة الميزان" للعلّامة مرعي الكرمي الحنبلي (1033 هـ).
[3] قال دغش بن شبيب العجمي محقق
"المعين على تفهم الأربعين" (ص: 276) :
"أَمَّا
الكفَّتان فنعم، لورود السنة به من مثل حديث البطاقة، أمَّا اللسان فلا أعلم فيه
سنة ثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما ورد فيه أثر عن الحسن البصري
أنه قال: "له لسان وكِفَّتان" رواه حرب في "مسائله عن أحمد"
(402)، واللالكائي في "السنة" (6/ 1245 رقم 2210)." اهـ
[4] جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 23) :
"وَأَمَّا الصَّدَقَةُ،
فَهِيَ بُرْهَانٌ، وَالْبُرْهَانُ: هُوَ الشُّعَاعُ الَّذِي يَلِي وَجْهَ
الشَّمْسِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى أَنَّ رُوحَ الْمُؤْمِنِ تَخْرُجُ مِنْ
جَسَدِهِ لَهَا بُرْهَانٌ كَبُرْهَانِ الشَّمْسِ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْحُجَّةُ
الْقَاطِعَةُ بُرْهَانًا، لِوُضُوحِ دِلَالَاتِهَا عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ،
فَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ عَلَى صِحَّةِ الْإِيمَانِ، وَطِيبُ النَّفْسِ
بِهَا عَلَامَةٌ عَلَى وُجُودِ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ وَطَعْمِهِ." اهـ
[5] وفي جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 24) :
وَأَمَّا الصَّبْرُ فَإِنَّهُ
ضِيَاءٌ، وَالضِّيَاءُ: هُوَ النُّورُ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ نَوْعُ حَرَارَةٍ
وَإِحْرَاقٍ كَضِيَاءِ الشَّمْسِ بِخِلَافِ الْقَمَرِ، فَإِنَّهُ نُورٌ مَحْضٌ،
فِيهِ إِشْرَاقٌ بِغَيْرِ إِحْرَاقٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {هُوَ الَّذِي
جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا} [يونس: 5] [يُونُسَ: 5] وَمِنْ
هُنَا وَصَفَ اللَّهُ شَرِيعَةَ مُوسَى بِأَنَّهَا ضِيَاءٌ، كَمَا قَالَ:
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا
لِلْمُتَّقِينَ} [الأنبياء: 48] [الْأَنْبِيَاءِ: 48]
Komentar
Posting Komentar