شرح الحديث 226-227 (بَابُ إِنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ) من الأدب المفرد

 

226 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، أَنَّ أَبَا مُرَاوِحٍ الْغِفَارِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا ذَرٍّ أَخْبَرَهُ:

أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟

قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ» ،

قَالَ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟

قَالَ: «أَغْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا»،

قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟

قَالَ: «تُعِينُ ضَائِعًا، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ»،

قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَفْعَلَ؟

قَالَ: «تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَنْ نَفْسِكَ»

[قال الشيخ الألباني: صحيح]

 

رواة الحديث:

 

* حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (ثقة حافظ: 228 هـ):

مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مستورد الأسدي، أبو الحسن البصري، كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خ د ت س

 

* قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى (ثقة متقن حافظ إمام قدوة: 198 هـ):

يحيى بن سعيد بن فروخ القطان التميمي، أبو سعيد البصري، الأحول، الحافظ (يقال: مولى بنى تميم، ويقال: ليس لأحد عليه ولاء)، من صغار أتباع التابعين، روى له:  خ م د ت س ق 

 

عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ (ثقة فقيه ربما دلس : 145 هـ):

هشام بن عروة بن الزبير بن العوام القرشى الأسدي، أبو المنذر المدني، من صغار التابعين، روى له:  خ م د ت س ق

 

قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي (ثقة : 94 هـ):

عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد القرشي الأسدي، أبو عبد الله المدني، من الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق

 

أَنَّ أَبَا مُرَاوِحٍ الْغِفَارِيَّ أَخْبَرَهُ (له صحبة، وإلا فثقة من الثالثة):

أبو مراوح الغفاري (ويقال الليثي)، المدني (قيل اسمه سعد، قاله مسلم)، روى له: خ م س ق 

 

أَنَّ أَبَا ذَرٍّ أَخْبَرَهُ (صحابي: ت. 32 هـ بـ الربذة):

جندب بن جنادة أبو ذر الغفاري، (وهو أخو عمرو بن عبسة لأمه)، روى له: خ م د ت س ق

 

نص الحديث وشرحه:

 

أَنَّ أَبَا ذَرٍّ أَخْبَرَهُ:

أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟

قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ» ،

قَالَ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟

قَالَ: «أَغْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا»،

قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟

قَالَ: «تُعِينُ ضَائِعًا، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ»،

قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَفْعَلَ؟

قَالَ: «تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَنْ نَفْسِكَ»

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص: 86 و 88 و 114) (رقم: 220 و 226 و 305)، وفي "صحيحه" (3/ 144) (رقم: 2518)، ومسلم في "صحيحه" (1/ 89/ 136) (رقم: 84)، والحميدي في "مسنده" (1/ 224) (رقم: 131)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (5/ 336) (رقم: 26648)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (5/ 150 و 5/ 163 و 5/ 171) (رقم: 21331 و 21449 و 21500)، والبزار في "البحر الزخار" (9/ 428) (رقم: 4038)، ومحمد بن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (2/ 823) (رقم: 822)، والحسين بن حرب المروزي في "البر والصلة" (ص: 139) (رقم: 274)، وابن الجارود في "المنتقى" (ص: 244) (رقم: 969)، وابن حبان في "صحيحه" (10/ 148 و 10/ 456) (رقم: 4310 و 4596)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 135 و 6/ 446 و 9/ 456 و 10/ 461) (رقم: 11439 و 12595 و19081 و 21314)، وفي "شعب الإيمان" (6/ 81 و 6/ 184 و10/ 90) (رقم: 3908 و 4034 و 7211)، وغيرهم.

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (7/ 1717) (رقم: 3989)، و"تخريج مشكاة المصابيح" (2/ 1010) (رقم: 3383).

 

من فوائد الحديث :

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية _رحمه الله_ في "مجموع الفتاوى" (18/ 372):

"فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّهُ أَوْجَبَ الصَّدَقَةَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَجَعَلَهَا خَمْسَ مَرَاتِبَ عَلَى الْبَدَلِ:

الْأُولَى: الصَّدَقَةُ بِمَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ اكْتَسَبَ الْمَالَ___فَنَفَعَ وَتَصَدَّقَ.

وَفِيهِ: دَلِيلُ وُجُوبِ الْكَسْبِ؛ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَيُعِينُ الْمُحْتَاجَ بِبَدَنِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَيَكُفُّ عَنْ الشَّرِّ.

فَالْأُولَيَانِ تَقَعُ بِمَالِ إمَّا بِمَوْجُودِ أَوْ بِمَكْسُوبِ، وَالْأُخْرَيَانِ تَقَعُ بِبَدَنِ: إمَّا بِيَدِ، وَإِمَّا بِلِسَانِ." اهـ

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية _رحمه الله_ في "مجموع الفتاوى" (29/ 380):

"فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَكْتَسِبُونَ الْأَمْوَالَ بِالْوُجُوهِ وَاكْتِسَابُ الْمَالِ مَعَ إنْفَاقِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَمَلٌ صَالِحٌ." اهـ

 

وقال ابن حجر _رحمه الله_ في "فتح الباري" (5/ 149):

"قَوْلُهُ (تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ)

فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَفَّ عَنْ الشَّرِّ دَاخِلٌ فِي فِعْلِ الْإِنْسَانِ وَكَسْبِهِ حَتَّى يُؤْجَرَ عَلَيْهِ وَيُعَاقَبَ غَيْرَ أَنَّ الثَّوَابَ لَا يَحْصُلُ مَعَ الْكَفِّ إِلَّا مَعَ النِّيَّةِ وَالْقَصْدِ لَا مَعَ الْغَفْلَةِ وَالذُّهُولِ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ مُلَخَّصًا[1]." اهـ

 

وقال أبو العباس القرطبي _رحمه الله_ في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (2/ 38_39):

"قوله _صلى الله عليه وسلم_ وقد سُئِلَ عن أفضلِ الأعمال : (الإْيمَانُ بِاللهِ) يدلُّ على أنَّ الإيمانَ من جملة الأعمالِ، وداخلٌ فيها ، وهو إطلاقٌ صحيحٌ لغةً وشرعًا؛ فإنَّه عملُ القلب وكسبه ، وقد بَيَّنَّا أنَّ الإيمانَ هو التصديقُ بالقلب ، وأنَّهُ منقسمٌ إلى ما يكونُ عن برهان ، وعن غير برهان.

ولا يُلْتَفَتُ لخلافِ مَنْ قال : إنَّ الإيمانَ لا يسمَّى عملاً ؛ لجهله بما ذكرناه.___

ولا يخفَى أنَّ الإيمانَ بالله تعالى أفضلُ الأعمال كلِّها؛ لأنَّه متقدِّمٌ عليها، وشرطٌ في صحَّتها، ولأنَّه من الصفات المتعلِّقة، وشرفُهَا بحسب متعلَّقاتها، ومتعلَّقُ الإيمانِ: هو الله تعالى، وكتبُهُ، ورسلُهُ، ولا أشرَفَ من ذلك؛ فلا أشرَفَ في الأعمال من الإيمان، ولا أفضَلَ منه." اهـ

 

وقال ابن حجر في "فتح الباري" (5/ 149):

"وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ الْجِهَادَ أفضل الْأَعْمَال بعد الْإِيمَان." اهـ

 

وقال ابن حجر في "فتح الباري" (5/ 149):

"وَقِيلَ: قَرَنَ الْجِهَادَ بِالْإِيمَانِ هُنَا، لِأَنَّهُ كَانَ إِذْ ذَاكَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ،

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: تَفْضِيلُ الْجِهَادِ فِي حَالِ تَعَيُّنِهِ، وَفَضْلُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ لِمَنْ يَكُونُ لَهُ أَبَوَانِ، فَلَا يُجَاهِدُ إِلَّا بِإِذْنِهِمَا. وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْأَجْوِبَةَ اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ[2]

 

وقال ابن حجر في "فتح الباري" (5/ 149):

"وَفِي الْحَدِيثِ: حُسْنُ الْمُرَاجَعَةِ فِي السُّؤَالِ، وَصَبْرُ الْمُفْتِي وَالْمُعَلِّمِ عَلَى التِّلْمِيذِ وَرِفْقُهُ بِهِ[3].

وَقَدْ روى بن حِبَّانَ وَالطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ أَسْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ وَأَجْوِبَتُهَا تَشْتَمِلُ عَلَى فَوَائِدَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا سُؤَالُهُ____عَنْ :

أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْمَلُ، وَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ أَسْلَمُ، وَأَيُّ الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ وَالصَّدَقَةِ وَالصَّلَاةِ أَفْضَلُ،

وَفِيهِ ذِكْرُ الْأَنْبِيَاءِ وَعَدَدِهِمْ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ وَآدَابٌ كَثِيرَة من أوَامِر ونواهي وَغير ذَلِك." اهـ

 

وقال ابن حجر في "فتح الباري" (5/ 150):

"قَالَ بن الْمُنِيرِ :

"وَفِي الْحَدِيثِ: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ إِعَانَةَ الصَّانِعِ أَفْضَلُ مِنْ إِعَانَةِ غَيْرِ الصَّانِعِ لِأَنَّ غَيْرَ الصَّانِعِ مَظِنَّةُ الْإِعَانَةِ، فَكُلُّ أَحَدٍ يُعِينُهُ غَالِبًا بِخِلَافِ الصَّانِعِ فَإِنَّهُ لِشُهْرَتِهِ بِصَنْعَتِهِ يُغْفَلُ عَنْ إِعَانَتِهِ فَهِيَ مِنْ جِنْسِ الصَّدَقَةِ عَلَى المستور."[4] اهـ

 

وقال ابن هبيرة في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (2/ 171_172):

* في هذا الحديث من الفقه:

أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن جواب المسألة فبدأ بالأس، وقدم الأصل، فقال: حين سأله: أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله،

وهذا إن كان قد جاء جوابًا عن أقوال السائل أفضل؟ مع أن العرف ينصرف فيه إلى مفاضلة بين فاضلين، فإن معناها ها هنا ألزم وأوجب لأنه إنما يبتني باقي المسائل عليه.

* ثم أتبعه بالجهاد في سبيل الله وهو باب الله الأعظم، فإن الجهاد في سبيل الله على شدته ومشقته هو مقتضى الإيمان. وقد قال الله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا}.

* أما سؤاله أي الرقاب أفضل؟ فإنه أجابه - صلى الله عليه وسلم - بجواب الحق من أن الرقاب مال، وإن زيادة هذا المال بزيادة نفاسة الرقبة، فإنه قد يتفاوت في ذل التفاوت البين.

* وقوله: (قلت فإن لم أفعل؟) وهذا من حسن أدب أبي ذر، فإنه لما ذكر حال يقتضي التقصير من المؤمنين لم ير أن ينسبها إلى غيره. فقال (فإن لم أفعل؟) أي إن كانت نفسي أنا لا تسمح بأن تعتق أنفس الرقاب، ولم يقل ذلك عن غيره، فقال له: (تعين ضائعًا) الضائع قد يكون في ضلالة، وقد يكون من سوء تدبيره وهو شديد الحاجة إلى من يعينه وليس على معينه كبير خسران، فإنما يعينه بفاضل قوته أو بعزيز رأيه. وقد روي صانعًا (بالمهملة) وأتى بذلك نكرة ولم يقل تعين الصانع؛ لأنه قد يكون في الصناع من لا يحسن هذا المعين أن يعينه في صناعته، وإنما قال صانعًا من الصناع يمكنك أن تعينه (أو تصنع____لأخرق) الأخرق قد يكون في رأيه، ومعنى تصنع له أي ترقع له ما خرقه بخرقه ومطلع اللفظين أعني قوله: أن تعين صانعًا أو تصنع لأخرق، متقارب في الاحتمال ويكشفهما التفصيل. (والأخرق) هو المسيء التدبير.

* وقوله: أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس.

* في هذا من الفقه: إن الإنسان إذا ضعف عن أن يعمل الخير فينبغي أن يكون أقل أحواله الكف عن الشر، فإنه إذا لم يطق أن يعمل خيرًا فلا أقل من أن لا يعمل شرًا. وهذا من غاية تنبيهاته - صلى الله عليه وسلم - ولطفه في حسن الموعظة.

* وقوله: (فإنها صدقة منك على نفسك) في هذا من الفقه أن الإنسان إذا أتى شيئًا من الشر فقد عرض نفسه لاحتمال العقوبة على ذلك الشر، فإذا كف عنه فقد تصدق على نفسه بإراحتها من احتمال تلك العقوبة حين لم يمكنه أن يسعى في أن يحصل لنفسه الفوائد والغنائم، فلا أقل من أن يتصدق عليها بأن لا يعرضها من البلاء لما لا تطيقه." اهـ كلام ابن هبيرة

 

وقال ابن الجوزي في "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (1/ 364):

وَقَوله: " فَإِنَّهَا صَدَقَة مِنْك على نَفسك " وَذَاكَ أَنه إِذا كف عَن الشَّرّ. نجى النَّفس من الْإِثْم فَتصدق عَلَيْهَا بالسلامة.

 

وقال ابن الملك الحنفي في "شرح المصابيح" (4/ 83):

"وإنما جعل - عليه الصلاة والسلام - عدَم إيصال الشرِّ إلى الناس صدقًة على نفسه؛ لأن فيه حفظَها عما يؤذيها ويعود وبالُه عليها." اهـ

 

وقال شمس الدين البِرْماوي في "اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح" (8/ 20):

"فترْك الشَّرِّ خيرٌ موجِبٌ للثَّواب، والانكِفاف عن الشَّرِّ أقلُّ مراتب المؤمن، وإعتاق رقبتَين غير نفيسَتين خيرٌ من إعتاق رقبةٍ واحدةٍ نفيسة بخلاف الأُضحية، فالتَّضحية بشاةٍ سمينة أفضَل من شاتَين دونها؛ لأنَّ المقصود من الأُضحية اللَّحم، ولحم السَّمين أطيب، ومن العِتْق التَّخليص من الرِّقِّ، وتخليصان أفضل." اهـ

 

وقال محمود الزيداني في "المفاتيح في شرح المصابيح" (4/ 154):

"حاصل الحديث: أفضلُ الأعمال الإيمانُ بالله سبحانه والجهادُ في سبيله، ثم إعتاقُ مملوكٍ أحبَّ إلى أهله وقيمتُه أرفعُ، ثم معاونةُ ذوي الحاجات والضعفاء، ثم دفعُ شرِّك عن الناس، فإنك إذا دفعتَ شرَّك عنهم، تصدَّقتَ به على نفسك."

 

وقال الشيخ فيصل بن عبد العزيز آل متارك الحريملي في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 103):

"في هذا الحديث: بيان كثرة طرق الخير، وأن الإنسان إذا عجز عن خصلة من خصال الخير قدر على الأُخرى، فإذا عجز عن ذلك كفَّ شرّه عن الناس. وما لا يُدرك كلّه لا يترك جُلُّه." اهـ

 

وقال حمزة بن محمد بن قاسم المغربي _رحمه الله_ في "منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري" (3/ 389):

"فقه الحديث:

دل هذا الحديث على ما يأتي :

أولاً : أن أفضل الرقاب في العتق وأكثرها ثواباً أغلاها ثمناً وأحبها إلى نفس سيدها، لأن المعتق في هذه الحالة يفارق أعز الناس عنده، وذلك من أصعب الأمور وأشقها على النفس البشرية، وأعظمها جهاداً لها، فإذا تغلب عاد نفسه وهواه، وأعتق من يحبه ويهواه دل ذلك على قوة دينه وإيمانه ويقينه.

ثانياً : أن أفضل الأعمال على الإِطلاق الإِيمان بالله عقيدة وقولاً وعملاً، لأنه أساس كل خير ومصدر كل سعادة، وشرط في قبول جميع الأعمال الشرعية، وصحتها شرعاً، ويليه الجهاد، لما فيه من حماية الدين، سواء كان جهاداً للنفس أو جهاداً للعدو.

ثالثاً : الترغيب في الأعمال المهنية والدعوة إلى ممارستها ولو على سبيل المشاركة للصانع والمعاونة له، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " تعين صانعاً ".

رابعاً : الحث على حسن المعاملة والمعايشة السلمية مع الناس ما أمكن وكف الشر عنهم، فإن ذلك حسنة عظيمة يثاب عليها ثواب الصدقة." اهـ

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي الوَلَّوِي _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (23/ 308):

"إنما قدّم الجهاد على الحجّ مع أنه فرض كفاية، والحجّ فرض عين, لأنه كان أول الإسلام، ومحاربةِ أعدائه، والجدِّ في إظهاره.

وقيل: هو محمول على الجهاد في وقت الزحف الملجىء، والنفير العامّ، فإنه حينئذ يجب الجهاد على الجميع، وإذا كان هكذا فالجهاد أولى بالتحريض، والتقديم من الحجّ؛ لأنه يكون حينئذ فرض عين، ووقوعه فرضَ عين إذ ذاك متكرّر، فكان أهمّ منه.

وقيل: قُدّم لأن نفع الجهاد متعدّ؛ لما فيه من المصلحة العامّة للمسلمين، مع بذل النفس فيه بخلاف الحجّ فيهما؛ لأن نفعه قاصر، ولا يكون فيه بذل النفس." اهـ

 

وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (23/ 309):

"في فوائده:

(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الحجّ المبرور، حيث جُعل تاليًا لدرجة الجهاد في سبيل اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ-

(ومنها): أنه يدلّ على أن الإيمان من جملة الأعمال، وهو داخل فيها، وهو إطلاق صحيح لغة وشرعًا

(ومنها): أن الأعمال تتفاوت في الدرجات، فأفضلها على الإطلاق الإيمان باللَّه تعالى

(ومنها): بيان فضل الجهاد في سبيل اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب." اهـ

 

وقال ابن حبان في "صحيحه" (10/ 148):

"ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ خَيْرَ الرِّقَابِ وَأَفْضَلَهَا مَا كان ثمنها أعلا." اهـ

 

وقال ابن حبان في "صحيحه" (10/ 456):

"ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْجِهَادَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ إِنَّمَا هِيَ مَعَ الشَّهَادَةِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ." اهـ

 

وقال أبو عوانة في "المستخرج" (1/ 63):

"بَيَانُ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ وَالدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَأَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ وَالدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهَا أَعْلَى الْأَعْمَالِ إِذْ تَارِكُهَا يَصِيرُ بِتَرْكِهَا كَافِرًا." اهـ

 

وقال الخرائطي في "مكارم الأخلاق" (ص: 46):

"بَابُ مَا جَاءَ فِي اصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ مِنَ الْفَضْلِ." اهـ

 

وقال ابن منده في "الإيمان" (1/ 394):

"ذِكْرُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْإِيمَانِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالَّذِينَ جَاهِدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]." اهـ

 

وقال عبد الحق الإشبيلي في في "الأحكام الصغرى" (2/ 727):

"باب في العتق وصحبة المماليك." اهـ

 

وقال عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الكبرى" (1/ 101):

"بَاب تَسْمِيَة الْإِيمَان عملا وَالْعَمَل إِيمَانًا." اهـ

 

وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (2/ 649_650):

"في فوائده:

1 - (منها): بيان كون الإيمان أفضل الأعمال على الإطلاق.

2 - (ومنها): بيان كون الجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان، قال الإمام ابن حبان رحمه الله تعالى: الواو في حديث أبي ذر - رضي الله عنه - هذا بمعنى "ثُمّ"، وهو كذلك في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، أي المتقدم قبل هذا، وقد تقدم الكلام فيه على طريق الجمع بين ما اختلف من الروايات في أفضل الأعمال هناك، وقيل: قَرَن الجهاد بالإيمان هنا؛ لأنه كان إذ ذاك أفضل الأعمال، وقال القرطبيّ: تفضيل الجهاد في حال تعيّنه، وفضل بر الوالدين لمن يكون له أبوان، فلا يجاهد إلا بإذنهما، وحاصله أن الأجوبة اختَلَفَت باختلاف أحوال السائلين.

3 - (ومنها): أن فيه حسنَ المراجعة في السؤال، وصبر المفتي والمعلم على التلميذ، ورفقه به، وقد رَوَى ابن حبان، والطبريّ، وغيرهما من طريق أبي إدريس الخولاني وغيره، عن أبي ذرّ - رضي الله عنه - حدَّثنا حديثًا طويلًا، فيه أسئلة كثيرة وأجوبتها، تشتمل على فوائد كثيرة، منها سؤاله عن أيّ المؤمنين أكمل، وأيّ المسلمين أسلم، وأيّ الهجرة والجهاد والصدقة والصلاة أفضل، وفيه ذكر الأنبياء وعددهم، وما أنزل عليهم، وآداب كثيرة من أوامر ونواهي وغير ذلك.___

5 - (ومنها): ما قاله ابن الْمُنَيِّر: وفي الحديث إشارة إلى أن إعانة الصانع أفضل من إعانة غير الصانع؛ لأن غير الصانع مَظِنَّة الإعانة، فكل أحد يُعينه غالبًا، بخلاف الصانع، فإنه لشهرته بصنعته يَغْفُل عن إعانته، فهي من جنس الصدقة على المستور. انتهى [راجع: "الفتح" 5/ 178].

والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل." اهـ

 

 

227 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ وَاصِلٍ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ:

"قِيلَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ."

قَالَ: «أَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ وَتَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَبُضْعُ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»،

قِيلَ: فِي شَهْوَتِهِ صَدَقَةٌ؟

قَالَ: «لَوْ وُضِعَ فِي الْحَرَامِ، أَلَيْسَ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ ذَلِكَ إِنْ وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»

[قال الشيخ الألباني: صحيح]

 

رواة الحديث:

 

* حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ (ثقة ثبت تغير فى آخر عمره: 223 هـ أو 224 هـ):

محمد بن الفضل السدوسي، أبو النعمان البصري، المعروف بـ"عارم"، من صغار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق

 

* قَالَ: حَدَّثَنِي مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ (ثقة: ت. 172 هـ):

مهدى بن ميمون الأَزْدِيُّ، ثُمَّ المِعْوَلِيُّ مولاهم، أبو يحيى البصري، من الذين عاصروا صغار التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

عَنْ وَاصِلٍ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ (صدوق عابد: ت. 121 - 130 ه):

واصل الأزدي البصري مولى أبى عيينة (واسم أبى عيينة: عزرة بن المهلب بن أبى صفرة)، من الذين عاصروا صغار التابعين، روى له: بخ م د س ق 

 

عَنْ يَحْيَى بْنِ عَقِيلٍ (صدوق: ت. 111 - 120 ه):

يحيى بن عقيل الخزاعي البصري (نزيل مرو)، من الوسطى من التابعين، روى له: بخ م د س ق 

 

عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ (ثقة فصيح، وكان يرسل: ت. 129 هـ):

يحيى بن يعمر العَدْوَانِيُّ البصري، أبو سليمان (ويقال: أبو سعيد، ويقال أبو عدي، نزيل مرو، وقاضيها)، من الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

قال الزركلي _رحمه الله_ في "الأعلام" (8/ 177):

"يحيى بن يعمر الوشْقى العدوانيّ، أبو سليمان: أول من نقط المصاحف. ولد بالأهواز. وسكن البصرة. وكان من علماء التابعين، عارفا بالحديث والفقه ولغات العرب." اهـ

 

عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ (ثقة فاضل، مخضرم: ت. 69 هـ):

أبو الأسود الديلي أو الدُّؤَلِي البصري: ظالم بن عمرو بن سفيان أو عمرو بن ظالم أو عمرو بن عثمان أو عثمان بن عمرو، من كبار التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ (صحابي: ت. 32 هـ بـ الربذة):

جندب بن جنادة أبو ذر الغفاري، (وهو أخو عمرو بن عبسة لأمه)، روى له: خ م د ت س ق

 

نص الحديث وشرحه:

 

عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ:

"قِيلَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ."

قَالَ: «أَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ وَتَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَبُضْعُ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»،

قِيلَ: فِي شَهْوَتِهِ صَدَقَةٌ؟

قَالَ: «لَوْ وُضِعَ فِي الْحَرَامِ، أَلَيْسَ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ ذَلِكَ إِنْ وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص: 89) (رقم: 227) ومسلم في "صحيحه" (2/ 697) (رقم: 1006)، وأحمد في "مسنده" (35/ 291) (رقم: 21363، 21411، 21469، 21473، 21482)، والبزار في "مسنده" = "البحر الزخار" (9/ 352) (رقم: 3917)، وابن حبان في "صحيحه" (3/ 119) (رقم: 838)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (1/ 98) (رقم : 299)، وفي "مسند الشاميين" (1/ 458) (رقم: 810 و 1879)، وفي "الدعاء" (ص: 491) (رقم: 1728)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (4/ 316) (رقم: 7823، 11440)، و"السنن الصغير" (1/ 182) (رقم: 465) وفي "شعب الإيمان" (10/ 92) (رقم: 7213)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (4/ 383)

 

من فوائد الحديث :

 

وقال أحمد بن محمد بن علي بن حجر السعدي الأنصاري، المعروف بـ"الهيتمي" (المتوفى: 974 هـ) _رحمه الله_ في "الفتح المبين بشرح الأربعين" (ص: 441_442):

"وظاهر سياقه: أن الغني الشاكر - وهو من لا يبقي ممَّا يدخل عليه من ماله إلا ما يحتاج إليه حالًا أو ما يُرصده لأحوج أو نحوه - أفضلُ من الفقير الصابر، وهو الأصح كما بينته في أدلته وما فيه من الخلاف الطويل في "شرح العباب" وفي الكتاب السابق ذكره في (شرح الخامس عشر).

ووَجْه أن ذلك ظاهره: أن الفقراء ذكروا له صلى اللَّه عليه وسلم ما يقتضي فضل الأغنياء عليهم بالتصدُّق، فأقرَّهم ولم يجبهم بأنهم أفضلُ منهم، أو مساوون لهم، وإنما علَّمهم ما يشاركهم الأغنياء فيه، مع امتيازهم بما لا يشاركهم الفقراء فيه، وهو التصدُّق بفضول أموالهم.

ومن ثم لمَّا أشار الفقراء إلى هذا التمييز عليهم، قال لهم _صلى اللَّه عليه وسلم_: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء"

وحملُه على أنه أراد به إنكم فضلتم الأغنياء، أو__ساويتموهم، وإن لم تكن لكم قُرَبٌ ماليةٌ وذلك فضل اللَّه عليكم.

خلافُ ظاهر الحديث: فلا يعوَّل عليه.____....

فعلم أن الذي دل عليه ظاهره إنما هو أفضلية غني شارك الفقيرَ في عبادته، وزاد عليه بقُرَبٍ ماليةٍ،

وهذا لا شك فيه كما قاله شيخ الإسلام ابن دقيق العيد، وإنما الذي يتردَّد النظر فيه إذا تساويا في أداء الواجب فقط، وزاد الفقيرُ بنوافل الأذكار، والغنيُّ بنوافل الصدقات.

وقاعدة أن العمل المتعدي أفضل من القاصر غالبًا. . تشهد لأفضلية الغني هنا أيضًا، لكن وردت ظواهر تخالف ذلك، وتقتضي تفضيل الذِّكر على الصدقة بالمال؛ كحديث أحمد والترمذي:

(ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخيرٍ لكم من أن تَلْقَوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟!)، قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: (ذكر اللَّه _عز وجل_)." اهـ

 

وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (7/ 93)[5]

"وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ:

* فَضِيلَةُ التَّسْبِيحِ، وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ[6]، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَإِحْضَارِ النِّيَّةِ فِي الْمُبَاحَاتِ،

* وَذِكْرُ الْعَالِمِ دَلِيلًا لِبَعْضِ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَخْفَى،

* وَتَنْبِيهُ الْمُفْتَى عَلَى مُخْتَصَرِ الْأَدِلَّةِ،

* وَجَوَازُ سُؤَالِ الْمُسْتَفْتِي عَنْ بَعْضِ مَا يَخْفَى مِنَ الدَّلِيلِ إِذَا عَلِمَ مِنْ حَالِ الْمَسْئُولِ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ سُوءُ أَدَبٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ."

 

وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (7/ 92):

"فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى ثُبُوتِ حُكْمِ الصَّدَقَةِ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلِهَذَا نَكَّرَهُ،

وَالثَّوَابُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ، لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ وَلَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ نَفْلًا،

وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ وَالتَّهْلِيلُ نَوَافِلُ.

وَمَعْلُومٌ: أَنَّ أَجْرَ الْفَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ أَجْرِ النَّفْلِ، لِقَوْلِهِ _عَزَّ وَجَلَّ_:

"وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ." رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

وَقَدْ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ إِنَّ ثَوَابَ الْفَرْضِ يَزِيدُ عَلَى ثَوَابِ النَّافِلَةِ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً وَاسْتَأْنَسُوا فِيهِ بِحَدِيثٍ." اهـ

 

وقال ابن الجوزي _رحمه الله_ في "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (1/ 368):

"وَهَذَا الحَدِيث يتَضَمَّن شكوى الْفُقَرَاء وغبطتهم للأغنياء، كَيفَ ينالون الْأجر بِالصَّدَقَةِ، وهم لَا يقدرُونَ، فَأخْبرهُم أَنهم يثابون على تسبيحهم وتحميدهم وأفعالهم الْخَيْر كَمَا يُثَاب أُولَئِكَ على الصَّدَقَة." اهـ

 

وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (7/ 92):

"وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَاتِ تَصِيرُ طَاعَاتٍ بِالنِّيَّاتِ الصَّادِقَاتِ،

فَالْجِمَاعُ يَكُونُ عِبَادَةً[7] إِذَا نَوَى بِهِ قَضَاءَ حَقِّ الزَّوْجَةِ وَمُعَاشَرَتَهَا بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَوْ طَلَبَ وَلَدٍ صَالِحٍ أَوْ إِعْفَافَ نَفْسِهِ أَوْ إِعْفَافَ الزَّوْجَةِ وَمَنْعَهُمَا جَمِيعًا مِنَ النَّظَرِ إِلَى حَرَامٍ أَوَ الْفِكْرِ فِيهِ أَوِ الْهَمِّ بِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الصَّالِحَةِ." اهـ[8]

 

وفي شرح صحيح مسلم (11/ 78) للنووي:

"وَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا فَعَلَ شَيْئًا أَصْلُهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَقَصَدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ _تَعَالَى_، يُثَابُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ كَالْأَكْلِ بِنِيَّةِ التَّقَوِّي عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالنَّوْمِ لِلِاسْتِرَاحَةِ لِيَقُومَ إِلَى الْعِبَادَةِ نَشِيطًا، وَالِاسْتِمْتَاعِ بِزَوْجَتِهِ وَجَارِيَتِهِ لِيَكُفَّ نَفْسَهُ وَبَصَرَهُ وَنَحْوِهِمَا عن الحرام، وليقضي حقها، وليحصل وَلَدًا صَالِحًا. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: (وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ

 

وقال أبو حفص عمر بن علي الشافعي المصري، المعروف بـ"سِرَاج الدينِ ابنِ الْمُلَقِّنِ" (المتوفى: 804 هـ) _رحمه الله_ في "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" (2/ 199):

"وكذا ينبغي لمن عمل حرفة للمسلمين مما هو فرض كفاية أن يقصد إقامة فرض الكفاية ونفع المسلمين، كالزراعة وغيرها من الحرف التي هي قوام عيش المسلمين.

والضابط لحصول النية أنه متى قصد بالعمل امتثال أمر الشرع وبتركه الانتهاء بنهي الشرع كانت حاصلة مثابًا عليها وإلا فلا، وإن لم يقصد ذَلِكَ كان عملًا بهيميًّا، ولهذا قَالَ السلف: الأعمال البهيمية ما عملت بغير نية."[9]

 

وقال أبو حفص عمر بن علي الشافعي المصري، المعروف بـ"سِرَاج الدينِ ابنِ الْمُلَقِّنِ" (المتوفى: 804 هـ) _رحمه الله_ في "التوضيح لشرح الجامع الصحيح"

في "المعين على تفهم الأربعين ت دغش (ص: 309):

"الحديث دالٌّ على أنَّ تحسينَ النِّيَّات في أعمال الخير يَتَنَزَّلُ مَنْزِلةَ الصدقات والأجور، ولا سيما في حق من لا يقدِر على الصدقة،

 

وقال أبو حفص عمر بن علي الشافعي المصري، المعروف بـ"سِرَاج الدينِ ابنِ الْمُلَقِّنِ" (المتوفى: 804 هـ) _رحمه الله_ في "التوضيح لشرح الجامع الصحيح"

في "المعين على تفهم الأربعين ت دغش (ص: 309):

"ويُفهَمُ مِنهُ أنَّ الصدقةَ في حَقِّ القادر عليها أفضلُ من سائر الأعمال القاصرة على فاعِلِها، وسؤالهم سؤالُ مُنَافَسَةٍ لا حسد،

فلمَّا سَمِعَ الأغنياءُ ذلك فعلُوا مثله فقال الشارع: "ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتيهِ مَنْ يَشَاءُ" والفقراء نالُوا الرُّتبَةَ بحَسْرَةِ الفوت ألا يجدوا ما ينفقون، فقامت مقام النفقة، فَنِيَّةُ المؤمِن أبلغُ مِن عمله، وأين فوت الأرواح من فوت الأشباح؟" اهـ

 

 

وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (7/ 92_93):

"قَوْلُهُ: (قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟

قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ)

فِيهِ : جَوَازُ الْقِيَاسِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إِلَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ وَلَا يُعْتَدُّ بِهِمْ.

وَأَمَّا الْمَنْقُولُ عَنِ التَّابِعِينَ وَنَحْوِهِمْ مِنْ ذَمِّ الْقِيَاسِ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْقِيَاسَ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ الْفُقَهَاءُ الْمُجْتَهِدُونَ،

وَهَذَا الْقِيَاسُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ هُوَ مِنْ قِيَاسِ الْعَكْسِ وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي الْعَمَلِ بِهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ دليل___لِمَنْ عَمِلَ بِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ

 

وفي "التعيين في شرح الأربعين" (1/ 197) للطوفي:

"الاستدلال الَّذي ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - يُسَمَّى قياسَ العكس فهو: إثبات ضد الحكم في ضد الأصل، كإثبات الوزر الَّذي هو ضد الصدقة، في الزنا الَّذي هو ضد الوطء المباح، ومثله قول ابن مسعود: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنّة" وأنا أقول: "من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار" [خ]

والقياس على ضربين: قياس عكس، وهو ما ذكرناه، وقياس طرد، وهو إثبات مثل حكم الأصل في الفرع، ثم هو على ثلاثة أضرب: قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شَبَهٍ، فالأول: مثل قولنا: النبيذ مسكر فكان حراما كالخمر، والثاني: كقولنا: الذمي صحَّ طلاقه، فصح ظهاره، كالمسلم، والثالث: كقولنا: العبد يباع ويوهب فَلا يَمْلِكُ كالبهيمة. والله عزَّ وجلَّ أعلم بالصواب." اهـ

وقال محققه: انظر تعريف هذه الأضرب الثلاثة في التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب 1/ 24 – 29

 

وقال يحيى بن هُبَيْرَة بن محمد بن هبيرة الذهلي الشيبانيّ، أبو المظفر الحنبلي (المتوفى: 560 هـ) _رحمه الله_ في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (2/ 183_184):

"وأما قوله: (ففي بضع أحدكم صدقة)

ففيه من الفقه: أن الرجل المؤمن في مباضعة أهله قد يتصدق بذلك على من يباضعه من حلاله، فإنه يعفه به عن التطلع والتلفت.

* ويكون أيضًا قد تصدق على المسلمين بأن بذر لهم من يجوز أن يحضر يومًا من الأيام صفًّا من صفوف المشركين مجاهدًا في سبيل الله عز وجل واقفًا مع المسلمين، فيستنزل الشيطان صف المسلمين ببعض ما كسبوا فولوا الأدبار،____

فوفق الله ذلك الولد لأن خاف من الله عز وجل أن يولي، فرجع وحده إلى صف المشركين، ثم لزم قنطرة لا يقدر أن يعبر مشرك إلا عليها، فسلم المسلمون كلهم ببركته، فيكون في نيته بمباضعته أهله أن يتصدق على المسلمين بمثل ذلك الولد. وقد قالت امرأة عمران: {رب إني نذرت لك ما في بطني محررًا} أي وقفًا على خدمتك. " اهـ

 

وقال يحيى بن هُبَيْرَة بن محمد بن هبيرة الذهلي الشيبانيّ، أبو المظفر الحنبلي (المتوفى: 560 هـ) _رحمه الله_ في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (2/ 184):

* وقولهم: (أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ فقال: أرأيت لو وضعها في حرام)

وفيه من الفقه:

إجابة السائل برد القول بمثله فإنه سيجيب نفسه، لأن الشهوة إنما جعلها الله تعالى في الآدمي باعثة له من طبعه لقيام النسل.

فلو استعمل ما طبعه الله تعالى عليه في مسقط حرام، وأضاع نسبه وحرم ذريته ماله والانتماء إليه، وعرض ولده لأن يكون غاضبًا ظالمًا لحق رجل آخر، إلى غير ذلك من آفات الفاحشة، أليس كان يكون آثمًا؟

فإذا استعمل ذلك في مقره فوضع نطفته حيث أباح الله له وضعها، وصدق من ينتسب ولده إليه، وكان ما يتركه من مال ينصرف إلى وارثه بكتاب الله وقسمته، فهذه كلها عبادات لله سبحانه تقتضي الأجر." اهـ

 

وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 104) :

* "في هذا الحديث: فضل التنافس في الخير، والحرص على العمل الصالح[10]،

* وجبر خاطر من لا يقدر على الصدقة، ونحوها، وترغيبه فيما يقوم مقامها من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير.

* وفيه : أنَّ فعل المباحات إذا قَارنَهُ بنيَّة صالحة يؤجر عليه العبد." اهـ

 

وقال يحيى بن هُبَيْرَة الذهلي الشيبانيّ، أبو المظفر الحنبلي (المتوفى: 560 هـ) _رحمه الله_ في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (2/ 183):

"وفي بعض الأحاديث التي تأتي أن ذلك بلغ الأغنياء فقالوا كما قال الفقراء، واجتمع لهم فضل الإنفاق وفضل الذكر، فإن ذلك لما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء).

* وهذا إنما يكون لغني تكون حاله كحال الفقراء في تفرغه لعبادة ربه، ويكون الفقير الذاكر لله سبحانه الراضي بتدبير الله تعالى في إفقاره وإغناء غيره المتمني أن لو كان له ما ينفق لأنفقه، مع كونه قد اعتبر ذلك على نفسه بأن أنفق اليسير الذي فضل عن حاجته وإن كان يسيرًا فإنه ذو درجة فاضلة عالية." اهـ

 

وقال يحيى بن هُبَيْرَة الذهلي الشيبانيّ، أبو المظفر الحنبلي (المتوفى: 560 هـ) _رحمه الله_ في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (2/ 184):

"وفيه من الفقه في هذا الباب: أن يحسن المؤمن التأني في إعفاف قرينته بأن لا يعاجلها فقد جاء في الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بذلك، فأحب للإنسان أن يتطلع إلى مقدار كفاية زوجته، فيصبر لها حتى يعلم حصول الكفاية." اهـ

 

وقال سليمان بن عبد القوي الصرصري، أبو الربيع، الشهير بـ"نجم الدين الطوفي" (المتوفى: 716 هـ) في "الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية" (2/ 530_531):

بل هو من أحسن الأفعال، وجيد القرب، لأن فيه مصلحتين عظيمتين:

إحداهما: وجودية، وهي إقامة النوع الإنساني بتكثير العباد والعبادة.

والثانية: عدمية، وهي إعدام الزنا بالاكتفاء بالحلال،

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم____لأصحابه: «في فعل كذا صدقة، وفي كذا صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة» قالوا: يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ثم يثاب؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان يعاقب؟» قالوا: نعم. قال: (فكذلك)».

ثم يقال: إن كان هذا عارا، فالأنبياء المتقدمون أولى به، فقد كان لسليمان ألف من بين زوجة وسُرِّيَّةٍ، وطاف في ليلة واحدة على سبعين امرأة...،___وكان لداود تسع وتسعون امرأة."

 

وقال سليمان بن عبد القوي الصرصري، أبو الربيع، الشهير بـ"نجم الدين الطوفي" (المتوفى: 716 هـ) في "التعيين في شرح الأربعين" (1/ 194_195):

"إن أجر التسبيح والتكبير والتحميد كأجر الصلاة والصيام والصدقة في الجنس، لأن الجميع صادر عن رضى الله _عزَّ وجلَّ_ مكافأة على طاعته _عزَّ وجلَّ_.

أما في القدر والصفة، فيتفاوتان بتفاوت الأعمال في مقاديرها وصفاتها، فليس ثواب ركعتين، أو صوم يوم، كثواب أربع ركعات،___وصوم يومين، وليس ثواب عتق رقبة نفيسة، كثواب عتق رقبة دونها." اهـ

 

وقال زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "جامع العلوم والحكم" – ط. الرسالة (2/ 56_57):

"وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ_ لِشِدَّةِ حِرْصِهِمْ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَقُوَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِي الْخَيْرِ، كَانُوا يَحْزَنُونَ عَلَى مَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ مِنَ الْخَيْرِ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ،

فَكَانَ الْفُقَرَاءُ يَحْزَنُونَ عَلَى فَوَاتِ الصَّدَقَةِ بِالْأَمْوَالِ الَّتِي يَقْدِرُ عَلَيْهَا الْأَغْنِيَاءُ، وَيَحْزَنُونَ عَلَى التَّخَلُّفِ عَنِ الْخُرُوجِ___فِي الْجِهَادِ، لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى آلَتِهِ،

وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ:

{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة: 92] [التَّوْبَةِ: 92] ." اهـ

 

وقال زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "جامع العلوم والحكم" – ط. الرسالة (2/ 57):

"وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ الْفُقَرَاءَ غَبَطُوا أَهْلَ الدُّثُورِ - وَالدُّثُورُ: هِيَ الْأَمْوَالُ - مِمَّا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ أَجْرِ الصَّدَقَةِ بِأَمْوَالِهِمْ، فَدَلَّهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَدَقَاتٍ يَقْدِرُونَ عَلَيْهَا." اهـ

 

وقال زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "جامع العلوم والحكم" – ط. الرسالة (2/ 58):

"أَنَّ الْفُقَرَاءَ ظَنُّوا أَنْ لَا صَدَقَةَ إِلَّا بِالْمَالِ، وَهُمْ عَاجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ فِعْلِ الْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ صَدَقَةٌ....___

فَالصَّدَقَةُ تُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ فِعْلِ الْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ، حَتَّى إِنّ فَضْلَ اللَّهِ الْوَاصِلَ مِنْهُ إِلَى عِبَادِهِ صَدَقَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ.

وَقَدْ كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَيَقُولُ إِنَّمَا الصَّدَقَةُ مِمَّنْ يَطْلُبُ جَزَاءَهَا وَأَجْرَهَا، وَالصَّحِيحُ خِلَافُ ذَلِكَ،

وَقَدْ «قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ،

وَقَالَ: " «مَنْ كَانَتْ لَهُ صَلَاةٌ بِلَيْلٍ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ نَوْمٌ فَنَامَ عَنْهَا، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ صَلَاتِهِ،___وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً مِنَ اللَّهِ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ» " خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ." اهـ

 

حديث عائشة: أخرجه أبو داود في "سننه" (2/ 34) (رقم: 1314)، النسائي في "سننه" (3/ 257_258) (رقم: 1784 و 1785). صححه الألباني في "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (2/ 204) (رقم: 454)

 

وقال زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "جامع العلوم والحكم" – ط. الرسالة (2/ 59):

"وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ: إِنَّ اللَّهَ يَتَصَدَّقُ كُلَّ يَوْمٍ بِصَدَقَةٍ، وَمَا تَصَدَّقَ اللَّهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ بِشَيْءٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِذِكْرِهِ.

وَالصَّدَقَةُ بِغَيْرِ الْمَالِ نَوْعَانِ:

* أَحَدُهُمَا: مَا فِيهِ تَعْدِيَةُ الْإِحْسَانِ إِلَى الْخَلْقِ، فَيَكُونُ صَدَقَةً عَلَيْهِمْ، وَرُبَّمَا كَانَ أَفْضَلَ مِنَ الصَّدَقَةِ بِالْمَالِ، وَهَذَا كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنَّهُ دُعَاءٌ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَكَفٌّ عَنْ مَعَاصِيهِ، وَذَلِكَ خَيْرٌ مِنَ النَّفْعِ بِالْمَالِ، وَكَذَلِكَ تَعْلِيمُ الْعِلْمِ النَّافِعِ، وَإِقْرَاءُ الْقُرْآنِ، وَإِزَالَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالسَّعْيُ فِي جَلْبِ النَّفْعِ لِلنَّاسِ، وَدَفْعُ الْأَذَى عَنْهُمْ. وَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ لِلْمُسْلِمِينَ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ. وَخَرَّجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَلْيَتَصَدَّقْ مِنْ مَالِهِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ قُوَّةٌ، فَلْيَتَصَدَّقْ مِنْ قُوَّتِهِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ، فَلْيَتَصَدَّقْ مِنْ عِلْمِهِ» " وَلَعَلَّهُ مَوْقُوفٌ....___

 

ثم قال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" ت الأرنؤوط (2/ 66_67) :

"وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الصَّدَقَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مَالِيَّةً: مَا نَفْعُهُ قَاصِرٌ عَلَى فَاعِلِهِ، كَأَنْوَاعِ الذِّكْرِ: مِنَ التَّكْبِيرِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالتَّحْمِيدِ، وَالتَّهْلِيلِ، وَالِاسْتِغْفَارِ، وَكَذَلِكَ الْمَشْيُ إِلَى الْمَسَاجِدِ صَدَقَةٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْحَجَّ وَالْجِهَادَ أَنَّهُ صَدَقَةٌ.

وَأَكْثَرُ هَذِهِ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَاتِ الْمَالِيَّةِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا ذُكِرَ جَوَابًا لِسُؤَالِ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ سَأَلُوهُ عَمَّا يُقَاوِمُ تَطَوُّعَ الْأَغْنِيَاءِ بِأَمْوَالِهِمْ،

وَأَمَّا الْفَرَائِضُ، فَإِنَّهُمْ قَدْ كَانُوا كُلُّهُمْ مُشْتَرِكِينَ فِيهَا. وَقَدْ تَكَاثَرَتِ النُّصُوصُ بِتَفْضِيلِ الذِّكْرِ عَلَى الصَّدَقَةِ بِالْمَالِ وَغَيْرِهَا مِنَ___الْأَعْمَالِ،

كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

«أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ "

قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» " خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي " الْمُوَطَّأِ " مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ.[11]

وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:

«مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» .

وَفِيهِمَا أَيْضًا عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

«مَنْ قَالَهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلِدَ إِسْمَاعِيلَ." اهـ[12]

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (13/ 223):

"في فوائده:

1 - (منها): بيان فضل الذكر عقب الصلوات، واستدلّ به البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- على فضل الدعاء عقب الصلاة؛ لأنه في معناها، ولأنها أوقات فاضلة، يُرتَجَى فيها إجابة الدعاء.

2 - (ومنها): بيان جواز الغِبْطَة، وهي تمنّي مِثْلِ ما للغير من النعمة دون زوالها عنه، بخلاف الْحَسَد، فإنه تمني زوال النعمة عن المنعَم عليه، سواء تمناها لنفسه، أو لا، وقيل: مع تمنيها، وهو مذموم.

3 - (ومنها): استحباب المسابقة إلى الأعمال المحصّلة للدرجات العالية؛ لمبادرة الأغنياء إلى العمل بما بَلَغَهم، ولم ينكر عليهم النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.

4 - (ومنها): بيان أن العمل اليسير في الصورة قد يُدْرِك به صاحبه فضل العمل الشاقّ الذي يلحقه من بعده في الفضل ممن لا يعمل به.

5 - (ومنها): بيان أن العمل القاصر قد يُساوي المتعدّيَ، خلافًا لمن___قال: إن المتعدي أفضل مطلقًا، نبّه على ذلك الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام -رَحِمَهُ اللَّهُ-.

6 - (ومنها): ما قاله ابن بطّال -رَحِمَهُ اللَّهُ-: في هذه الأحاديث الحضّ على الذكر في أدبار الصلوات، وأن ذلك يوازي إنفاق المال في طاعة اللَّه تعالى؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تُدركون من سبقكم"، وسُئل الأوزاعيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: هل الذكر بعد الصلاة أفضل، أم تلاوة القرآن؟ ، فقال: ليس شيء يَعدِل القرآن، ولكن كان هدي السلف الذكر.

7 - (ومنها): بيان أن الذكر المذكور يلي الصلاة المكتوبة، ولا يؤخَّر عنها إلى أن تصلَّى الراتبة؛ لقوله: "دُبُر كلّ صلاة".

8 - (ومنها): بيان أن أدبار الصلوات أوقات فاضلة يُرجى فيها إجابة الدعوات، وقبول الطاعات، ويَصِل بها متعاطيها إلى الدرجات العالية، والمنازل الغالية.

9 - (ومنها): بيان أن العالم إذا سئل عن مسألة يقع فيها الخلاف يُجيب بما يَلْحَق به المفضول درجة الفاضل، ولا يُجيب بنفس الفاضل؛ لئلا يقع الخلاف، كذا قال ابن بطّال، وكأنه أخذه من كونه -صلى اللَّه عليه وسلم- أجاب بقوله: "ألا أدلّكم على أمر تساوونهم فيه"، وعَدَل عن قوله: نعم هم أفضل منكم بذلك.

10 - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب -رَحِمَهُ اللَّهُ-: في الحديث دليلٌ على قوّة رغبة الصحابة -رضي اللَّه عنهم- في الأعمال الصالحة الموجبة للدرجات العلى، والنعيم المقيم، فكانوا يَحْزنون على العجز عن شيء مما يَقدِر عليه غيرهم من ذلك، وقد وصفهم اللَّه عزَّ وجلَّ في كتابه بذلك بقوله: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92)} [التوبة: 92].

ولهذا قال النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-:

"لا حَسَدَ إلا في اثنتين. . . " الحديث،

فذكر منهما: "رجلٌ آتاه اللَّه مالًا، فهو ينفقه في وجهه، فيقول رجلٌ: لو أن لي مالًا لفعلت فيه كما فعل ذلك" [خ م]،

فلذلك كان الفقراء إذا رأوا أصحاب الأموال____يحجّون، ويَعتمرون، ويُجاهدون، ويتصدّقون، ويُنفقون حزِنُوا على عجزهم عن ذلك، وتأسّفوا على امتناعهم من مشاركتهم فيه، وشَكَوا ذلك إلى النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فدلّهم النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على عمل إن أخذوا به أدركوا من سبقهم، ولم يُدركهم أحدٌ بعدهم، وكانوا خير من هم بين ظهرانيهم، إلا من عَمِل مثله، وهو التسبيح، والتحميد، والتكبير خلف كلّ صلاة ثلاثًا وثلاثين. انتهى ["شرح البخاريّ" لابن رجب 7/ 405 - 406]،

واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب." اهـ

 

محمد بن علي اليمني، المعروف بـ"الشوكاني" (المتوفى: 1250هـ) _رحمه الله_ في "تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين" (ص: 366):

"وَفِي الحَدِيث:

* دَلِيل على أَن كل كلمة من هَذِه الْأَرْبَع تقوم مقَام الصَّدَقَة، وَقد ثَبت فِي "الصَّحِيح":

(أَنه يصبح على كل سلامي صَدَقَة أَي على كل مفصل من مفاصل الْإِنْسَان)،

وَفِي هَذَا الحَدِيث:

* دَلِيل على أَن كل وَاحِدَة من هَذِه الْأَرْبَع تُجزئ عَن صَدَقَة من هَذِه الصَّدقَات الَّتِي على الْإِنْسَان." اهـ

 

وقال إسماعيل بن محمد بن ماحي السعدي الأنصاري (المتوفى: 1417هـ) _رحمه الله_ في "التحفة الربانية في شرح الأربعين حديثا النووية" (ص: 57_58):

"يستفاد منه:

1 - حرص الصحابة على الأعمال الصالحة وقوة رغبتهم في الخير بحيث كان أحدهم يحزن على ما يتعذر عليه من الخير مما يقدر عليه غيره. لكان الفقراء يحزنون على فوات الصدقة بالمال التي يقدر عليها الأغنياء.

2 - أن الصدقة لا تختص بالمال بل ربما كانت الصدقة بغيره أفضل، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه دعاء إلى طاعة الله وكف عن معاصيه، وذلك خير من النفع بالمال، وكذلك تعليم العلم النافع، وإقراء القرآن، وإزالة الأذى عن الطريق، والسعي في جلب النفع للناس ودفع الأذى عنهم، والدعاء للمسلمين، والاستغفار لهم.

3 - فضيلة التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.___

4 - سؤال المستفتي عن بعض ما يخفى من الدليل، إذا علم من حال المسئول أنه لا يكره ذلك، ولم يكن فيه سوء أدب.

5 - ذكر العالم دليلا لبعض المسائل التي تخفى، وتنبيه المفتي على مختصر الأدلة.

6 - إحضار النية في المباحات، وأنها تصير طاعات بالنية الصادقة،:كأن ينوي بالجماع قضاء حق الزوجة، ومعاشرتها بالمعروف الذي أمر الله به، أو طلب ولد صالح، إو إعفاف نفسه، أو إعفاف زوجته، وغير ذلك من المقاصد الصالحة.

7 - جواز القياس. وما نقل عن السلف من ذم القياس: المراد به القياس المصادم للنص." اهـ

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح الأربعين النووية" (ص: 253_255)

"من فوائد هذا الحديث:

1_مسارعة الصحابة رضي الله عنهم وتسابقهم إلى العمل الصالح، لأن هؤلاء الذين جاؤوا يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم: إنه ذهب أهل الدثور بالأجور لا يريدون الحسد، لكن يريدون أن يفتح لهم النبي صلى الله عليه وسلم باباً يدركون به هذا السبق.

2_أن الصحابة رضي الله عنهم يستعملون أموالهم فيما فيه الخير في الدنيا والآخرة، وهو أنهم يتصدقون.

3_أن الاعمال البدنية يشترك فيها الغني والفقير، لقولهم: "يُصَلونَ كَمَا نُصَلي، وَيَصومُونَ كَمَا نَصوم" وهو كذلك، وقد يكون أداء الفقير أفضل وأكمل من أداء الغني.

4_أن النبي صلى الله عليه وسلم فتح للفقراء أبواباً من الخير، لقوله: "أَوَلَيسَ قَد جَعَلَ اللهُ لَكُم مَا تَصَّدَّقونَ بِهِ" وذكر الأبواب.

5_تقرير المخاطب بما لا يمكنه إنكاره، لقوله: "أَوَلَيسَ قَد جَعَلَ اللهُ لَكُم مَا تَصَدَّقونَ بِهِ" لأن هذا أبلغ في إقامة الحجة عليه.

6_أن ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من الأعمال كله صدقة، لكن هذه الصدقة منها واجب، ومنها غير واجب، ومنها متعدٍ، ومنها قاصر حسب ما سنذكره.___

7_أن الصحابة رضي الله عنهم لا يتركون شيئاً مشكلاً إلا سألوا عنه، لقولهم: "أَيأتي أَحَدنَا شَهوَتَهُ وَيَكَون لَهُ فيهَا أَجر".

وبه نعلم أن كل شيء لم يسأل عنه الصحابة مما يُظن أنه من أمور الدين فإن السؤال عنه بدعة، لأنه لو كان من دين الله لقيض الله من يسأل عنه حتى يتبين.

ومن ذلك: لما حدث النبي صلى الله عليه وسلم عن الدجال أن أول يوم من أيامه كسنة، قالوا يا___رسول الله هذا اليوم الذي كسنة يكفينا فيه صلاة واحدةـ فقال: "لاَ، اقدِروا لَهُ قَدرَهُ"

فكل شيء يحتاج إليه الناس في دينهم فإما أن يصدر من النبي صلى الله عليه وسلم ابتداءً، وإما أن يُسأل عنه، ومالم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ابتداءً ولا جواباً لسؤال وهو مما يتعلق بالدين فالسؤال عنه بدعة.

ومن ذلك: ما يفعله بعض المتنطعين في أسماء الله وصفاته، أو بعض المتنطعين فيما جاء الخبر عنه من أحوال يوم القيامة، نقول لهؤلاء: إنكم مبتدعة، أو نقول على الأقل إن هذا بدعة، لأنه قد يكون السائل لا يريد أن يبتدع فنقول: هذا السؤال بدعة وإن كنا لا نصف السائل بأنه مبتدع.

فقد يكون العمل بدعة وفاعله ليس بمبتدع لأنه لا يعلم، أو لتأويل أو ما أشبه ذلك.

8_حسن تعليم النبي _صلى الله عليه وسلم_ حيث ضرب المثل الذي يقتنع به المخاطب، وهذا من حسن التعليم أن تقرب الأمور الحسيّة بالأمور العقلية، وذلك في قوله: "أَرَأيتُمْ لَو وَضَعَهَا فِي الحَرامِ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزرٌ، فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الحَلالِ كَانَ لَهُ أَجرٌ".

9_أن القياس حجة، فقياس الموافقة كثير جداً ولا إشكال فيه بأن تقيس هذا الشيء على هذا الشيء في حكم من الأحكام يجب هذا قياساً على هذا، ويحرم هذا قياساً على هذا.

لكن قياس العكس صحيح أيضاً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاس هذا القياس قياس عكس، يعني فإذا كانت الشهوة الحرام وزراً فالشهوة الحلال أجر، وهذا واضح.

10_أن الاكتفاء بالحلال عن الحرام يجعل الحلال قربة وصدقة، لقوله: "وَفِي بُضْع أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ" والله الموفق." اهـ

 

وقال عبد الله بن صالح المحسن في "الشرحُ الْمُوْجَزِ الْمُفِيْدِ" = شرح الأحاديث الأربعين النووية مع ما زاد عليها ابن رجب وعليها" (ص: 50):

الفوائد:

(1) حرص الصحابة في المسابقة والتنافس في الأعمال الصالحة.

(2) إن الصدقة لا تختص بالمال بل ربما تكون في غيره أفضل.

(3) فضيلة التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

(4) إحضار النية الصالحة جما المباحثات فقد تصير طاعات.

(5) الترغيب في الجماع لما فيه من المنافع من البصر وكسر الشهوة عن الوقوع في المحرمات وتكثير الولد." اهـ

 

وقال شيخنا عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد البدر _حفظه الله_ في "فتح القوي المتين في شرح الأربعين وتتمة الخمسين للنووي وابن رجب رحمهما الله" (ص: 88_89):

1_أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرصُ الناس على كلِّ خير، وأسبقهم إلى كلِّ خير، يتنافسون في الأعمال الصالحة، ويحبُّ بعضُهم أن يلحق في الأجر بمن سبقه منهم، ولهذا ذكر جماعة من فقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشاركتهم للأغنياء بالصلاة والصيام، وكون الأغنياء تميَّزوا عليهم بالصدقة بفضول أموالهم، وقد أرشدهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى أنَّ هناك أنواعاً من الصدقات يقدر الفقراء على الإتيان بها، كالأذكار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

2_الصدقات التي أرشد النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الفقراء إلى الإتيان بها تنقسم إلى قسمين:

قسم يقتصر نفعه عليهم، وهو التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل، وقسم يتعدَّاهم إلى غيرهم، يكون نفعه لهم ولغيرهم، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجماع.___

3_أنَّ ما يأتيه الإنسان من المباحات التي فيها حظُّ للنفس تكون قربةً بالنيَّة الصالحة، مثل قضاء الإنسان شهوته إذا قصد بذلك إعفاف نفسه وإعفاف أهله وتحصيل الأولاد." اهـ

 

وقال شيخنا عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد البدر _حفظه الله_ في "فتح القوي المتين في شرح الأربعين وتتمة الخمسين للنووي وابن رجب _رحمهما الله_" (ص: 89):

"مِمَّا يُستفاد من الحديث:

1 حرص الصحابة على فعل الأعمال الصالحة والتنافس في الخيرات.

2 أنَّ الصدقة لا تقتصر على الصدقة بالمال، وإن كانت أصلاً في ذلك.

3 الحثُّ على التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل، وأنَّ ذلك صدقة من المسلم على نفسه.

4 أنَّ مَن عجز عن فعل شيء من الطاعات لعدم قدرته عليه، فإنَّه يُكثر من الطاعات التي يقدر عليها.

5 الحثُّ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنَّه صدقةٌ من المسلم على نفسه وعلى غيره.

6 أنَّ قضاءَ الإنسان شهوته بنيَّة صالحة يكون صدقة منه على نفسه وعلى غيره.

7 مراجعة العالِم فيما قاله للتثبُّت فيه.

8 إثبات القياس؛ لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم شبَّه ثبوت الأجر لِِمَن قضى شهوته في الحلال بحصول الإثم لِمَن قضاها في الحرام، والذي في هذا الحديث من قبيل قياس العكس." اهـ

 

وقال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (10/ 462):

"وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ عِنْدَ شَهْوَةِ النِّكَاحِ يَقْصِدُ أَنْ يَعْدِلَ عَمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ إلَى مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ؛ وَيَقْصِدُ فِعْلَ الْمُبَاحِ مُعْتَقِدًا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَهُ." اهـ

 

وقال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (10/ 534):

"ثُمَّ إنَّ هَذَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَصْدُ؛ فَإِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ يَقْصِدُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالْمُبَاحِ لِيَتْرُكَ الْمُحَرَّمَ مِثْلُ مَنْ يَشْتَغِلُ بِالنَّظَرِ إلَى امْرَأَتِهِ وَوَطْئِهَا لِيَدَعَ بِذَلِكَ النَّظَرَ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ وَوَطْئَهَا، أَوْ يَأْكُلُ طَعَامًا حَلَالًا لِيَشْتَغِلَ بِهِ عَنْ الطَّعَامِ الْحَرَامِ فَهَذَا يُثَابُ عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ وَالْفِعْلِ؛ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: " ((وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ))."

 

وقال محمد بن أبي بكر الدمشقي، المشهور بـ"ابن قيم الجوزية" (المتوفى: 751 هـ)  _رحمه الله_ في "روضة المحبين ونزهة المشتاقين" (ص: 158):

"فكل لذة أعانت على لذات الدار الآخرة، فهي محبوبة مرضية للرب _تعالى_، فصاحبها يلتذ بها من وجهَيْنِ من جهة تنعمه وقرةُ عينِه بها، ومن جهة إيصالها له إلى مرضاة ربه وإفضائها إلى لذة أكمل منها.

فهذه هي اللذة التي ينبغي للعاقل أن يسعى في تحصيلها، لا اللذةُ التي تعقبه غايةُ الألم وتفوت عليه أعظم اللذات.

ولهذا يثاب المؤمن على كل ما يلتذ به من المباحات إذا قصد به الإعانة والتوصل إلى لذة الآخرة ونعيمها، فلا نسبة بين لذة صاحب الزوجة أو الأمة الجميلة التي يحبها، وعينه قد قرت بها.

فإنه إذا باشرها والتذ قلبه وبدنه ونفسه بوصالها أثيب على تلك اللذة في مقابلة عقوبة صاحب اللذة المحرمة على لذته،

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وفي بضع أحدكم أجر"،

قالوا: "يا رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر"،

قال: (أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر)، قالوا: "نعم."

قال: "فكذلك إذا وضعها في الحلال يكون له أجر."

واعلم أن هذه اللذة تتضاعف وتتزايد بحسب ما عند العبد من الإقبال على الله وإخلاص العمل له والرغبة في الدار الآخرة." اهـ

 

وقال محمد بن أبي بكر الدمشقي، المشهور بـ"ابن قيم الجوزية" (المتوفى: 751 هـ)  _رحمه الله_ في "روضة المحبين ونزهة المشتاقين" (ص: 217_218):

"هذا عمدة المعاشرة ومقصودها. وقد أمر الله _سبحانه وتعالى_ أن يعاشرها بالمعروف فالوطء داخل في هذه المعاشرة ولا بد قالوا وعليه أن يشبعها وطئا إذا أمكنه ذلك كما عليه أن يشبعها قوتا وكان شيخنا رحمه الله تعالى يرجح هذا القول ويختاره

وقد حض النبي _صلى الله عليه وسلم_ على استعمال هذا الدواء، ورغَّب فيه، وعلّق عليه الأجر، وجعله صدقةً لفاعله، فقال: (وفي بضع أحدكم صدقة).

ومن تراجم النسائي على هذا الترغيب في المباضعة، ثم ذكر هذا الحديث،

ففي هذا كمالُ اللذة وكمالُ الإحسان إلى الحبيبة وحصولُ الأجر وثوابُ الصدقة، وفرَحُ النفس، وذهابُ أفكارِها الرديئة عنها، وخفةُ الروح، وذهابُ كثافتِها وغِلَظِهَا، وخفةُ الجسمِ، واعتدالُ المزاج، وجلْبُ الصحةِ، ودفْعُ الموادِّ الرديئةِ.

فإن صادف ذلك وجْهًا حَسَنًا، وخلْقًا دَمِثًا وعِشْقًا وافِرًا ورغبةً تامَّةً، واحتسابًا للثواب، فذلك اللذة التي لا يعادلها شيْءٌ،

ولا سيما إذا وافقت كمالَها، فإنها لا تكمُل حتى يأخذ كل جزء من البدن بقسطه من اللذة، فتلتذ العين بالنظر إلى المحبوبِ، والأذُنُ بسماع كلامه، والأَنْفُ بِشَمِّ رائحته، والفمُ بتقبيله، واليدُ بلمسه، وتعتكف كلُّ جارحةٍ على ما تطلُبه من لذتها، وتقابِلُه من المحبوب،

فإن فقد من ذلك شيء لم تزل النفس متطلعة إليه متقاضية له، فلا تسكُن كلَّ السكون،

ولذلك تسمى المرأة سكنا لسكون النفس إلينا،

قال الله _تعالى_:

{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم: 21]

ولذلك فضِّل___جماع النهار على جماع الليل، ولسببٍ آخرَ طبيعِيٍّ، وهو أن الليل وقت تبرد فيه الحواس وتطلب حظها من السكون.

والنهار محل انتشار الحركات، كما قال الله _تعالى_:

{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} [الفرقان: 47]،

وقال الله _تعالى_:

{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} [يونس: 67]،

وتمام النعمة في ذلك فرحةُ المحب برضاء ربه تعالى بذلك واحتسابُ هذه اللذة عنده ورجاءُ تثقيلِ ميزانِهِ،

ولذلك كان أحب شيء إلى الشيطان أن يفرق بين الرجل وبين حبيبه ليتوصل إلى تعويض كل منهما عن صاحبه بالحرام." اهـ

 

وقال أبوْ الْفَرَجِ عبد الرحمن بن علي الدمشقي، المعروف بـ"ابن الجوزيِّ" (المتوفى: 597 هـ) _رحمه الله_ في "تلبيس إبليس" (ص: 261_262):

"وقد لبس إبليس عَلَى كثير من الصوفية، فمَنَعَهُمْ من النكاح، فقدماؤُهم تركوا ذلك تشاغلا بالتعبد، ورأوا النكاح شاغلا عَنْ طاعة اللَّه _عز وجل_.

وهؤلاء وإن كانت بهم حاجة إِلَى النكاح أَوْ بهم نوعُ تشوقٍ إليه، فقد خاطروا بأبدانهم وأديانهم، وإن لم يكن بهم حاجةٌ إليه، فأتتهم الفضيلة.

وفي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة _رَضِيَ اللَّهُ عنه_:

عَنْ رَسُول اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ أَنَّهُ قَالَ: (وفي بضع أحدكم صدقة)،

قالوا: "يأتي أحدُنا شهوتَه ويكون لَهُ فيها أجر."

قَالَ: "أرأيتم لو وضعها فِي حرام أكان عَلَيْهِ وزر."

قالوا: "نعم." قَالَ: (وكذلك إذا وضعها فِي الحلال كان لَهُ أجر)،

ثم قَالَ: "أفتحتسبون الشر، ولا تحتسبون الخير."

ومنهم من قَالَ: "النكاح يوجب النفقة، والكسْبُ صعْبٌ."

وهذه حُجَّةٌ___للتَرَفُّهِ عَنْ تَعَبِ الْكَسْبِ.

وفي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة _رَضِيَ اللَّهُ عنه_:

عَنِ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ أَنَّهُ قَالَ:

(دِينَارٌ أنفقته فِي سبيل اللَّه، ودينارٌ أنفقته فِي رقبة، ودينارٌ أنفقته فِي الصدقة، ودينارٌ أنفقته عَلَى عيالك. أفْضلُها الدينار: الذي أنفقته عَلَى عيالك."

ومنهم من قَالَ: "النكاح يُوْجِبُ الميلَ إِلَى الدنيا.

فروينا عَنْ أبي سُلَيْمَان الداراني أنه قَالَ:

"إذا طلب الرَّجُل الحديثَ أَوْ سافر فِي طلب المعاشِ أَوْ تزوج، فقد ركن إِلَى الدنيا."

قال المصنف _رحمه اللَّه_:

قلت: وهذا كله مخالف للشرع، وَكَيْفَ لا يطلب الحديث، والملائكةُ تضع أجنحتها لطلب العلم، وَكَيْفَ لا يطلب المعاش، وَقَدْ قَالَ عُمَر بْن الخطاب _رَضِيَ اللَّهُ عنه_:

"لأن أموت من سعي عَلَى رِجْلَيَّ، أطلب كفافَ وجهِيْ أَحَبُّ إلي من أن أموت غازِيًا فِي سبيل اللَّه. وَكَيْفَ لا يتزوج، وصاحب الشرع يَقُول: (تناكحوا، تناسلوا).[13]

فما أرى هذه الأوضاع إلا عَلَى خلاف الشرع فأما جماعة من متأخري الصوفية فإنهم تركوا النكاح ليقال زاهد والعوام تعظم الصوفي إذا لم تكن لَهُ زوجة فيقولون مَا عرف امرأة قط فهذه رهبانية تخالف شرعنا قال أَبُو حامد ينبغي أن لا يشغل المريد نفسه بالتزويج فإنه يشغله عَنِ السلوك ويأنس بالزوجة ومن أنس بغير اللَّه شغل عَنِ اللَّه تعالى.

قَالَ المصنف رحمه اللَّه: وإني لأعجب من كلامه أتراه مَا علم أن من قصد عفاف نفسه ووجود ولد أَوْ عفاف زوجته فإنه لم يخرج عَنْ جادة السلوك أَوْ يرى الأنس الطبيعي بالزوجة ينافي أنس القلوب بطاعة اللَّه تعالى وَاللَّه تعالى قد من على الخلق بقوله وجعل لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً." اهـ



[1] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (2/ 41) :

"وقوله : تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ ؛ دليلٌ على أنَّ الكَفَّ فعلٌ للإنسان ، داخلٌ تحت كسبه يؤجَرُ عليه ، ويعاقَبُ على تركه ؛ خلافًا لبعض الأصوليِّين القائلِ : "إنَّ الترك نَفْيٌ محضٌ لا يدخُلُ تحتَ التكليف ولا الكَسْب" ؛ وهو قولٌ باطل بما ذكرناه هنا ، وبما بسطناه في "الأصول" ؛ غيرَ أنَّ الثواب لا يحصُلُ على الكَفِّ إلاَّ مع النيَّاتِ والقصود ، وأمَّا مع الغفلة والذهول ، فلا ، والله تعالى أعلم.

[2] وفي "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (2/ 39):

"وقوله: ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، ظاهرُ هذا الحديثِ: أنَّ الجهاد أفضلُ من سائر الأعمال بعد الإيمان، وظاهرُ حديثِ أبي ذَرٍّ _رضى الله عنه_ أنَّ الجهادَ مساوٍ للإيمان في الفضل، وظاهرُ حديثِ ابن مسعود ـ رضى الله عنه ـ : يخالفهما ؛ لأنَّه أخَّر الجهادَ عن الصلاةِ ، وعن بِرِّ الوالدَيْن ، وليس هذا أحوالِ ؛ لأنَّه إنَّما اختلفَتْ أجوبتُهُ لاختلاف أحوالِ السائلين ، وذلك أنَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يجيبُ كلَّ سائلٍ بالأفضل في حقِّه ، وبالمتأكِّد في وقته:

فمن كان متأهِّلاً للجهاد، وذا غَنَاءٍ فيه، كان الجهادُ في حقِّه أفضلَ مِنَ الصلاةِ وغيرها ، وقد يكونُ هذا الصالِحُ للجهاد له أبوانِ يحتاجان إلى قيامِهِ عليهما ، ولو تركهما لضاعا ؛ فيكونُ بِرُّ الوالدَيْنِ في حقِّه أفضَلَ من الجهاد ، كما قد استأذن رجلٌ النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الجهادِ ، فقال : أَحَيٌّ وَالِدَاكَ ؟ ، قال : نعم ، قال : فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ، وهكذا سائرُ الأعمال.

وقد يكونُ الجهادُ في بعضِ الأوقاتِ أفضلَ مِنْ سائر الأعمال ، وذلك في وقتِ استيلاءِ العَدُوِّ ، وغَلَبتِهِ على المسلمين ؛ كحالِ هذا الزمان ، فلا يخفَى على مَنْ له أدنى بصيرة : أنَّ الجهادَ اليومَ أوكَدُ الواجبات ، وأفضلُ الأعمال ؛ لما أصابَ المسلمين مِنْ قَهْرِ الأعداء ، وكثرةِ الاستيلاء ، شرقًا وغربًا ، - جَبَرَ اللهُ صَدْعنا وجدّد نصرنا - .

والحاصل من هذا البحث : أنَّ تلك الأفضليَّةَ تختلفُ بِحَسَبِ الأشخاصِ والأحوال ، ولا بُعْدَ في ذلك." اهـ كلام القرطبي

[3] وفي عمدة القاري شرح صحيح البخاري (13/ 81) :

"وَفِيه: حسن الْمُرَاجَعَة فِي السُّؤَال وصبر الْمُفْتِي والمعلم على المستفتي والتلميذ والرفق بهم." اهـ

[4] وفي عمدة القاري شرح صحيح البخاري (13/ 80) لبدر الدين العيني :

"وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن إِعَانَة الصَّانِع أفضل من إِعَانَة غير الصَّانِع، لِأَن غير الصَّانِع مَظَنَّة الْإِعَانَة، فَكل أحد يُعينهُ غَالِبا بِخِلَاف الصَّانِع، فَإِنَّهُ لشهرته بصنعته يغْفل عَن إعانته فَهُوَ من جنس الصَّدَقَة على المستور. انْتهى". اهـ

[5] وفي شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد (ص: 91)

"وفي هذا الحديث فضيلة التسبيح وسائر الأذكار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحضار النية في المباحات وإنما تصير طاعات بالنيات الصادقات."

[6] وفي الإفصاح عن معاني الصحاح (2/ 238) :

"ومن هذا المعروف أن يتصدق على زوجته بإعفافها كما قال - صلى الله عليه وسلم -: في بضع أحدكم صدقة، يعني على أهله؛ لأنه قد تشتد حاجتها ويعظم فقرها من ذلك إلى ما لا يمكنها الضعف أن تذكره ولا تبدي ما بها من الحاجة إليه." اهـ

[7] وفي العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (3/ 1230) :

"قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وفي بُضعِ أَحَدِكُم صدقةٌ"؛ فإن ذلك عند الإطلاق يقتضي حصولَ الأجر بمجرد إتيانه شهوته من غير قصد إلى شيء ممَّا ذكر، لكنه لما ثبت في الصحيح ذكرُ النفقة على الأهل والعيال يحتسبها، احتجنا إلى تقييدها بالنية؛ حيث إن الاحتساب لا يحصل، إلَّا بالنية، والله أعلم." اهـ

[8] وفي المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (9/ 21) :

"وفيه دليل: على أن النيات الصادقات تصرف المباحات إلى الطاعات ." اهـ

[9] وفي طرح التثريب في شرح التقريب (2/ 10) لأبي زرعة ولي الدين العراقي :

"الْأَعْمَالَ الْخَارِجَةَ عَنْ الْعِبَادَةِ قَدْ تُقَيِّدُ الثَّوَابَ إذَا نَوَى بِهَا فَاعِلُهَا الْقُرْبَةَ كَالْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ إذَا نَوَى بِهِمَا الْقُوَّةَ عَلَى الطَّاعَةِ، وَالنَّوْمِ إذَا قَصَدَ بِهِ تَرْوِيحَ الْبَدَنِ لِلْعِبَادَةِ، وَالْوَطْءِ إذَا أَرَادَ بِهِ التَّعَفُّفَ عَنْ الْفَاحِشَةِ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» الْحَدِيثَ." اهـ

[10] الإفصاح عن معاني الصحاح (2/ 182) لأبي العون ابن هبيرة الشيباني :

"* قولهم: (ذهب أهل الدثور) يعني أهل الأموال الكثيرة، ثم عللوا ذهاب القوم بالأجور، فقالوا: يتصدقون بفضول أموالهم. وهذا القول لم يصدر من أولئك السادة الذين وصفهم الله عز وجل بقوله: {الذين لا يجدون ما ينفقون} خارجًا مخرج الحسد للأغنياء على ما في أيديهم من الدنيا بل منافسة في الفضيلة،

لذلك وصفهم الله عز وجل فقال: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة: 92]

فنافسوا فيما يتنافس فيه المتنافسون، ولذلك قال عز وجل: {ألا يجدوا ما ينفقون}

ولم يقل : "ما يكنزون"،  ولا "ما يدخرون"،  دالًا بذلك جل دلاله : أن حزنهم إنما كان على فوت فضيلة الإنفاق في سبيل الله عز وجل.

وذلك أنهم لما رأوا أن أصحاب الدثور يصلون كما يصلون، ويسبحون كما يسبحون، ويفعلون من أفعال الخير كما يفعلون إلا أنهم يفضلونهم بالأنفاق غبطوهم ها هنا حتى شكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فأجابهم - صلى الله عليه وسلم - فقال (أليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟)."  اهـ

[11] حديث صحيح: أخرجه الترمذي في "سننه" – ت. شاكر (5/ 459 و 6/ 447) (رقم: 3377)، وأحمد في "المسند" – ط. عالم الكتب (5/ 195) (رقم: 21702 و 27525). صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2/ 204) (رقم: 1493)

[12] وفي "الفتح المبين بشرح الأربعين" (ص: 438) للهيتمي :

"وفيه إيماءٌ إلى أن الصدقة للقادر عليها أفضل من هذه الأذكار، ويؤيده: أن العمل المتعدي أفضل من القاصر غالبًا، وإلى أن تلك الأذكارَ إذا حسنت النية فيها. . ربما يساوي أجرها أجر الصدقة، سيما في حق من لا يقدر على الصدقة."

[13] لم نقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (6/ 173) (رقم: 10391) من حديث سعيد بن أبي هلال مرسلًا، ولفظه: (تناكحوا، تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة)

وهذا الحديث مما اشتهر على الألسنة، انظر: "كشف الخفاء" – ت. هنداوي (1/ 366) (رقم: 1021)، والمقاصد الحسنة (ص: 268) (رقم: 350).

وحديث سعيد بن أبي هلال ضعفه الألباني في "ضعيف الجامع الصغير وزيادته" (ص: 365) (رقم: 2484)،

روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "تَناكحُوا تَكْثُرُوا أُبَاهِي بِكُمْ الأمم يَومَ القِيامَة". أخرجه الديلمي في "فردوس الأخبار" (رقم: 2663): من طريق محمَّد بن الحارث، عن محمَّد بن عبد الرحمن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حجوا تَسْتَغْنَوْا، وَسَافِرُوا تَصِحُّوا، وَتَنَاكَحوا تَكْثُرُواْ، فَإنِّي أبَاهِي بِكمْ الأمَمَ".

والمحمدان ضعيفان. وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة" (7/ 478) (رقم: 3480)

وذكر البيهقي عن الشّافعي: أنه ذكره بلاغا، وزاد في آخره: "حَتَّى بِالسَّقْطِ".

وأخرج ابن ماجة (1863) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (انكحوا فإني مكاثر بكم).

خلاصة الكلام: أن الحديث ضعيف!

Komentar

Postingan populer dari blog ini

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

فضائل عشر ذي الحجة

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87