تفسير الآيات الكريمة في (باب المحافظة عَلَى الأعمال) من كتاب رياض الصالحين
|
15- باب المحافظة عَلَى الأعمال قَالَ الله
تَعَالَى : {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ
لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ
قُلُوبُهُمْ} [الحديد: 16][1] |
تفسير
الآية :
وقال أبوْ
الْفَرَجِ عبد الرحمن بن علي الدمشقي، المعروف بـ"ابن
الجوزيِّ" (المتوفى: 597 هـ) _رحمه الله_ في "زاد المسير في علم
التفسير" (5 / 487):
"اختلفوا
فيمن نزلت على قولين .
* أحدهما: أنها
نزلت في المؤمنين.
قال ابن مسعود:
ما كان بين إسلامنا، وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، فجعل المؤمنون
يعاتب بعضهم بعضاً.
* والثاني: أنها
نزلت في المنافقين، قاله أبو صالح عن ابن عباس.
قال مقاتل: سأل
المنافقون سلمان الفارسي، فقالوا: "حدِّثنا عن التوراة، فإن فيها
العجائب." فنزلت هذه الآية .
* وقال الزجاج:
نزلت هذه الآية
في طائفة من المؤمنين حَثُّوا على الرِّقَّة والخشوع. فأما من كان وصفه الله _عز
وجل بالخشوع_، والرِّقَّة ، فطبقة من المؤمنين فوق هؤلاء. فعلى الأول: يكون
الإيمان حقيقة. وعلى الثاني: يكون المعنى: «ألم يأن للذين آمنوا» بألسنتهم."
اهـ
وقال السعدي _رحمه
الله_ في "تيسير الكريم الرحمن" (ص: 840):
لما ذكر حال
المؤمنين والمؤمنات والمنافقين والمنافقات في الدار الآخرة، كان ذلك مما يدعو
القلوب إلى الخشوع لربها، والاستكانة لعظمته، فعاتب الله المؤمنين [على عدم ذلك] ،
فقال: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ
اللَّهِ وَمَا نزلَ مِنَ الْحَقِّ}...
فالقلوب تحتاج
في كل وقت إلى أن تذكر بما أنزله الله، وتناطق بالحكمة، ولا ينبغي الغفلة عن ذلك،
فإن ذلك سبب لقسوة القلب وجمود العين." اهـ
وقال ابن عاشور
_رحمه الله_ في "التحرير والتنوير" (27/ 390):
"وَالْمَقْصُود
من لِلَّذِينَ آمَنُوا: إِمَّا بَعْضٌ مِنْهُمْ رُبَّمَا كَانُوا مُقَصِّرِينَ
عَنْ جُمْهُورِ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ فَأَرَادَ اللَّهُ إِيقَاظَ
قُلُوبِهِمْ بِهَذَا الْكَلَامِ الْمُجْمَلِ عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ وَأَقْوَالِ
الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّعْرِيضِ مِثْلَ قَوْلِهِ:
«مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَفْعَلُونَ كَذَا»." اهـ
وقال ابن كثير
_رحمه الله_ في "تفسيره" – ت. سلامة (8/ 19)
يَقُولُ اللَّهُ
تَعَالَى: أَمَا آنَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ،
أَيْ: تَلِينَ عِنْدَ الذِّكْرِ وَالْمَوْعِظَةِ وَسَمَاعِ الْقُرْآنِ،
فَتَفْهَمَهُ وتنقادُ لَهُ وَتَسْمَعَ لَهُ وَتُطِيعَهُ.
وقال الشنقيطي
_رحمه الله_ في "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" (7/ 547):
"وَالْخُشُوعُ
فِي الشَّرْعِ خَشْيَةٌ مِنَ اللَّهِ تُدَاخِلُ الْقُلُوبَ، فَتَظْهَرُ آثَارُهَا
عَلَى الْجَوَارِحِ بِالِانْخِفَاضِ وَالسُّكُونِ، كَمَا هُوَ شَأْنُ الْخَائِفِ.
وَقَوْلُهُ:
لِذِكْرِ اللَّهِ، الْأَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ خُشُوعُ قُلُوبِهِمْ
لِأَجْلِ ذِكْرِ اللَّهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى:
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [8
\ 2] ، أَيْ خَافَتْ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ، فَالْوَجَلُ الْمَذْكُورُ فِي آيَةِ
الْأَنْفَالِ هَذِهِ، وَالْخَشْيَةُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ.
وَقَالَ بَعْضُ
الْعُلَمَاءِ: الْمُرَادُ بِذِكْرِ اللَّهِ الْقُرْآنُ،
المعنى
الإجمالي لهذه الآية:
بين الله _تعالى_
في هذه الآية عتابًا رقيقًا للمؤمنين، يحثهم فيه على إحياء قلوبهم بالمحافظة على
الأعمال الصالحة، ولا سيما ذكر الله وتدبر ما أنزل من الحق.
فليس من شأن
المؤمن أن يضعف خشوع قلبه مع مرور الزمن، أو أن يفتر عن الطاعة حتى تقسو نفسه، كما
وقع للأمم السابقة حين طال عليهم الأمد، فأهملوا العمل، وضعف تعظيمهم للوحي، فآل
بهم ذلك إلى قسوة القلوب والانحراف عن الصراط المستقيم.
فالآية دعوة
صريحة إلى دوام العمل، وتجديد الإيمان، والمحافظة على الطاعات حتى يبقى القلب
حيًّا خاشعًا، سالمًا من القسوة والغفلة.
فوائد
ودروس:
إليك فوائد
عديدة مستنبطة من هذه الآية الكريمة:
1 - الحث على
المحافظة على الأعمال الصالحة، لأن ترك العمل أو التفريط فيه مع مرور الزمن سبب
لضعف الإيمان وقسوة القلب.
2 - أن الخشوع
ثمرة من ثمرات الذكر والوحي،
فالقلوب لا تخشع
إلا بذكر الله وتدبر ما نزل من الحق، لا بكثرة الكلام ولا المجرد من العمل.
3 - التحذير من
طول الأمد بلا عمل،
فطول الزمان إذا
لم يصحبه تجديد للإيمان والطاعة يؤدي إلى الفتور ثم القسوة.
4 - أن قسوة
القلب عقوبة معنوية خطيرة،
وهي من أعظم
العقوبات؛ لأنها تحجب العبد عن الانتفاع بالمواعظ والآيات.
5 – الحض على الاعتبار
بأحوال الأمم السابقة،
ففي ذكر أهل
الكتاب تحذير لهذه الأمة من سلوك مسلكهم في إهمال العمل بالوحي.
6 - أن الإيمان
يزيد وينقص، يزيد بالطاعة والذكر، وينقص بالغفلة وترك العمل، وهو ظاهر من خطاب
العتاب للمؤمنين.
7 - مشروعية
عتاب المؤمن تربيةً له، فالآية فيها عتاب رفيق يقصد به الإصلاح، لا الذم ولا
التوبيخ المجرد.
8 - التحذير من
التشبه بأهل الانحراف في الدين، سواء كان التشبه في الأقوال أو الأفعال أو في ترك
العمل بالعلم.
9 - أن الفسق
نتيجة لقسوة القلب، فإذا قسا القلب، سهل على صاحبه مخالفة أمر الله والخروج عن
طاعته.
10 - أن الذكر
الحقيقي مؤثر في السلوك، فالذكر الذي لا يورث خشوعًا ومراقبةً دليل على خلل في
القلب أو في طريقة التلقي.
11 - دعوة إلى
تجديد الإيمان باستمرار، وذلك بالمداومة على الطاعات، ومحاسبة النفس، والرجوع إلى
القرآن.
12 - أن أعظم
أسباب الانحراف إهمال العمل بالعلم، كما وقع لأهل الكتاب، إذ لم يكونوا جاهلين،
وإنما تركوا الامتثال.
13 - أن الخطاب
القرآني يجمع بين الترغيب والترهيب: الترغيب في الخشوع والعمل، والترهيب من القسوة
ومصير الغافلين.
14 - أن
المحافظة على الأعمال سبب لحياة القلب، فالقلب الحي هو الذي يداوم صاحبه على
الطاعة ولا يقطعها مع مرور الأيام.
|
وَقالَ _تَعَالَى_:
{وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا
فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً
ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ
فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27][2] |
قال ابن عاشور
في "التحرير والتنوير" - (27 / 421)
وَمَعْنَى
جَعْلِ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ:
أَنَّ
تَعَالِيمَ الْإِنْجِيلِ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ عِيسَى أَمَرَتْهُمْ
بِالتَّخَلُّقِ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ فَعَمِلُوا بِهَا، أَوْ أَنَّ
ارْتِيَاضَهُمْ بِسِيرَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَرْسَخَ ذَلِكَ فِي
قُلُوبِهِمْ وَذَلِكَ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِهِ
وَيَسَّرَهُ عَلَيْهِمْ.
ذَلِكَ أَنَّ
عِيسَى بُعِثَ لِتَهْذِيبِ نُفُوسِ الْيَهُودِ وَاقْتِلَاعِ الْقَسْوَةِ مِنْ
قُلُوبِهِمُ الَّتِي تَخَلَّقُوا بِهَا فِي أَجْيَالٍ طَوِيلَةٍ قَالَ _تَعَالَى_:
(ثُمَّ قَسَتْ
قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) فِي
سُورَةِ الْبَقَرَةِ [74] .
وَالرَّأْفَةُ:
الرَّحْمَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِدَفْعِ الْأَذَى وَالضُّرِّ فَهِيَ رَحْمَةٌ
خَاصَّةٌ، وَتَقَدَّمَتْ فِي قَوْلِهِ _تَعَالَى_:
(إِنَّ اللَّهَ
بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [143]
وَفِي قَوْلِهِ:
(وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) فِي سُورَةِ النُّورِ [2]
.
وَالرَّحْمَةُ:
الْعَطْفُ وَالْمُلَايَنَةُ، وَتَقَدَّمَتْ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ.
فَعَطْفُ
الرَّحْمَةِ عَلَى الرَّأْفَةِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ
لْاسْتِيعَابِ أَنْوَاعِهِ بَعْدَ أَنِ اهْتَمَّ بِبَعْضِهَا." اهـ
وقال في "التحرير
والتنوير" (27 / 422):
"وَأَمَّا
اسْم الراهب الَّذِي نُسِبَتْ إِلَيْهِ الرَّهْبَانِيَّةُ فَهُوَ وَصْفٌ عُومِلَ
مُعَامَلَةَ الِاسْمِ، وَهُوَ العابد من النَّصَارَى الْمُنْقَطِعِ لِلْعِبَادَةِ،
وَهُوَ وَصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّهَبِ: أَيِ الْخَوْفِ، لِأَنَّهُ شَدِيدُ
الْخَوْفِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى أَو من مُخَالَفَةِ دِينِ
النَّصْرَانِيَّةِ.
وَيَلْزَمُ
هَذِهِ الْحَالَةَ فِي عُرْفِ النَّصَارَى الْعُزْلَةُ عَنِ النَّاسِ تَجَنُّبًا
لِمَا يَشْغَلُ عَنِ الْعِبَادَةِ، وَذَلِكَ بِسُكْنَى الصَّوَامِعِ
وَالْأَدْيِرَةِ وَتَرْكِ التَّزَوُّجِ تَجَنُّبًا لِلشَّوَاغِلِ، وَرُبَّمَا
أَوْجَبَتْ بَعْضُ طَوَائِفِ الرُّهْبَانِ عَلَى الرَّاهِبِ تَرْكَ التَّزَوُّجِ
غُلُوًّا فِي الدِّينِ." اهـ
وقال في "التحرير
والتنوير" (27 / 423):
وَالْمعْنَى:
وَابْتَدَعُوا لِأَنْفُسِهِمْ رَهْبَانِيَّةً مَا شَرَعْنَاهَا لَهُمْ،
وَلَكِنَّهُمُ ابْتَغَوْا بِهَا رِضْوَانَ اللَّهِ فَقَبِلَهَا اللَّهُ مِنْهُمْ،
لِأَنَّ سِيَاقَ حِكَايَةِ ذَلِكَ عَنْهُمْ يَقْتَضِي الثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ فِي
أَحْوَالِهِمْ.
تفسير السعدي -
(1 / 842)
والرهبانية:
العبادة، فهم ابتدعوا من عند أنفسهم عبادة، ووظفوها على أنفسهم، والتزموا لوازم ما
كتبها الله عليهم ولا فرضها، بل هم الذين التزموا بها من تلقاء أنفسهم،
قصدهم بذلك رضا
الله تعالى، ومع ذلك {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} أي: ما قاموا بها ولا
أدوا حقوقها، فقصروا من وجهين: من جهة ابتداعهم، ومن جهة عدم قيامهم بما فرضوه على
أنفسهم. فهذه الحال هي الغالب من أحوالهم." اهـ
المعنى
الإجمالي لهذه الآية:
بين الله تعالى
في هذه الآية حال أتباع عيسى _عليه السلام_، وأنه _سبحانه_ أرسل عيسى ابن مريم
مؤيَّدًا بالإنجيل، وجعل في قلوب من صدقوه واتبعوه رقةً ورحمةً ورأفة.
ثم أخبر أن من
جملة ما أحدثوه من العبادات الرهبانية التي لم يشرعها الله لهم، وإنما ابتدعوها من
عند أنفسهم بزعم طلب رضوان الله تعالى، لكنها لم تكن قائمة على هديٍ صحيح ولا
التزامٍ بشرعٍ مأذون به، فلم يحسنوا القيام بها ولم يداوموا عليها حق المداومة.
فالآية تدل على
أن العبادة لا تصح إلا إذا كانت مشروعة ومُحافَظًا عليها، وأن الانحراف قد يقع
إمّا بابتداع أعمال لم يأذن بها الله، أو بعدم الثبات والاستمرار على ما يُقصد به
القرب من الله،
وفيها تحذير
لهذه الأمة من ترك الوسطية المشروعة، والتنبيه إلى أن المحافظة على الأعمال تكون
باتباع الشرع والثبات عليه، لا بالغلو ولا بالابتداع.
فوائد
ودروس من الآية:
هذه فوائد
متعددة مستنبطة من الآية الكريمة:
1 - بيان سنّة
الله في إرسال الرسل متتابعين،
فقوله:
{وَقَفَّيْنَا} يدل على أن الله يرسل الرسل متعاقبين لهداية الخلق، وكلهم على أصل
واحد في الدعوة إلى التوحيد، وطاعة الله والبراءة من الكفر وأهله.
2 - إثبات شرف
عيسى _عليه السلام_ وكتابِه،
فالآية تثبت
نبوته، وأن الإنجيل كتاب منزل من عند الله _تبارك وتعالى_، لا كما يزعم أهل
التحريف.
3 - أن الأصل في
أتباع الرسل الرحمة والرأفة، فالدين الحق يورث لين القلب، وحسن الخلق، والشفقة على
الخلق.
4 - التحذير من
الابتداع في الدين، فالرهبانية عبادة أحدثوها ولم يشرعها الله، فدلّ على أن كل
عبادة بلا دليل، فهي مردودة.
5 - أن حسن
النية لا يبرر فساد العمل، فمع أنهم قصدوا - في زعمهم - رضوان الله، لم يُقبل
عملهم لعدم مشروعيته.
6 - أن الابتداع
سبب لعدم الثبات على العمل، فمن سنن الله أن العمل غير المشروع لا يُوفَّق صاحبه
للمداومة عليه.
7 - أن المحافظة
على العمل من تمام قبوله،
فقوله: {فَمَا
رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} يدل على أن العمل يحتاج إلى رعاية واستمرار.
8 - التحذير من
الغلو والتشديد على النفس، فالرهبانية غلوٌّ في التعبد، والغلو يؤدي غالبًا إلى
الانقطاع وترك العمل.
9 - أن الشريعة
مبنية على اليسر والاعتدال بخلاف ما أحدثوه من تكاليف لم يأذن بها الله، فلم
يثبتوا عليها.
10 - أن أعظم
أسباب الانحراف ترك الاتباع، فالخروج عن هدي الوحي، ولو بقصد حسن، يؤدي إلى
الضلال.
11 - أن
العبادات التوقيفية لا مجال للرأي فيها، فلا يُتعبد لله إلا بما شرعه، لا بما
استحسنه الناس.
12 - أن من سنن
الابتداع زوال أثره الصالح، إذ لم تبق الرهبانية سببًا للهداية، بل كانت سببًا
للانحراف والتقصير.
13 – الحض على الاعتبار
بأحوال الأمم السابقة، وفي ذكر حالهم تحذيرٌ لهذه الأمة من سلوك طريقهم.
14 - أن
المحافظة على الأعمال تكون باتباع السنة، فالدوام والثبات إنما يكونان على العمل
المشروع الموافق لهدي الأنبياء.
15 - أن أعظم
الأعمال ما داوم عليه صاحبه، وإن كان قليلاً، بخلاف العمل الشاق المبتدع الذي
ينقطع.
16 - بيان خطر
الابتداع على الفرد والأمة، فهو يفسد القلوب، ويقطع طريق الاستقامة، ويورث الضعف
والتفرق.
17 - أن العمل
المقبول ما كان خالصًا صوابًا: خالصًا لله، وصوابًا على السنة، كما دلّت عليه هذه
الآية بوضوح.
|
وَقالَ
تَعَالَى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ
غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً} [النحل: 92] "Dan janganlah kamu seperti
seorang perempuan yang menguraikan benangnya yang sudah dipintal dengan kuat,
menjadi cerai berai kembali, " |
وتمام
الآية:
{وَلَا
تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا
تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى
مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [النحل: 92][3]
تفسير
الآية :
قال الطبري
_رحمه الله_ في "تفسيره" (17 / 283):
"يقول _تعالى
ذكره_ ناهيا عباده عن نقض الأيمان بعد توكيدها، وآمرًا بوفاء العهود، وممثلا ناقض
ذلك بناقضة غزلها من بعد إبرامه وناكثته من بعد إحكامه
وقال السعدي
_رحمه الله_ في "تفسيره" (1 / 447):
"وهذا يشمل
جميع ما عاهد العبد عليه ربه من العبادات والنذور والأيمان التي عقدها إذا كان
الوفاء بها برا،
ويشمل أيضا ما
تعاقد عليه هو وغيره كالعهود بين المتعاقدين، وكالوعد الذي يعده العبد لغيره
ويؤكده على نفسه،
فعليه في جميع
ذلك الوفاء وتتميمها مع القدرة، ولهذا نهى الله عن نقضها فقال: {وَلا تَنْقُضُوا
الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}." اهـ
وقال السعدي _رحمه
الله_ في "تفسيره" (1 / 447):
"فتعبت على
الغزل ثم على النقض، ولم تستفد سوى الخيبة والعناء وسفاهة العقل ونقص الرأي، فكذلك
من نقض ما عاهد عليه فهو ظالم جاهل سفيه ناقص الدين والمروءة.
المعنى
الإجمالي لهذه الآية الكريمة:
نهى الله _تعالى_
في هذه الآية عن نقض العهود والمواثيق، وضرب لذلك مثلًا بليغًا بامرأةٍ كانت تغزل
خيطها حتى يشتد ويقوى، ثم تعود فتنقضه وتجعلـه قطعًا متفرقة، فيكون عملها كله
ضائعًا بلا ثمرة.
وهذا المثل يُحذِّر
المؤمنين من إفساد أعمالهم بعد إحكامها، سواء بنقض العهود، أو بالرجوع عن الطاعة،
أو بعدم الثبات على العمل الصالح.
وبيّن _سبحانه_
أن من أسباب هذا النقض اتباع الأهواء والمصالح الدنيوية، كطلب الغلبة والكثرة، وأن
ذلك كله ابتلاء واختبار من الله لعباده، وسيُظهر يوم القيامة الحق ويحاسب كل إنسان
على ما كان فيه يختلف ويعمل.
فالآية دعوة
صريحة إلى المحافظة على الأعمال، والثبات على الطاعة، وعدم إبطال الجهود بعد
بذلها، وتحذير من التقلّب وعدم الوفاء الذي يذهب ببركة العمل وثمرته.
فوائد
ودروس من الآية
وفيما يلي فوائد
عديدة مستنبطة من هذه الآية الكريمة:
1 - التحذير
الشديد من نقض الأعمال بعد إحكامها،
فالآية شبّهت من
ينقض عمله بعد إتمامه بمن تُفسد غزلها بعد قوته، وهو تشبيه يدل على قبح الفعل
وضياع الجهد.
2 - أن عدم
الثبات يذهب ببركة العمل، فالعمل الصالح لا يُثمر إلا بالمداومة والاستمرار، لا
بالتقلّب والانقطاع.
3 – أن ضرب
الأمثال وسيلة مؤثرة في التربية، إذ استخدم القرآن مثلًا محسوسًا لتقريب المعنى
وترسيخه في النفوس.
4 - النهي عن
الغش والخديعة في المعاملات والعهود، فجعْل الأيمان دخلاً بين الناس سبب لفساد
الثقة وانتشار الظلم.
5 - أن نقض
العهود من صفات أهل الانحراف، وهو سلوك مذموم شرعًا وأخلاقًا، ويؤدي إلى انهيار
العلاقات.
6 - التحذير من
تقديم المصالح الدنيوية على الطاعة، كطلب الكثرة أو القوة أو الغلبة على حساب
الحق.
7 - أن الكثرة
ليست معيارًا للحق، فقد تكون الأمة أكثر عددًا أو قوة، ومع ذلك لا يجوز ترك الوفاء
والحق لأجلها.
8 - أن الله
يبتلي عباده بتفاوت الأحوال من قوة وضعف، وغنى وفقر، ليظهر الصادق من المتلاعب.
9 - أن الوفاء
بالعهود من كمال الإيمان، وهو داخل في المحافظة على الأعمال والالتزام بالشرع.
10 - التحذير من
التقلّب في الطاعة، فالرجوع عن العمل الصالح بعد البدء فيه سبب للحرمان والخذلان.
11 - أن نقض
العمل قد يكون بسبب الهوى، لا بسبب الجهل، كما دل عليه قوله: {أَنْ تَكُونَ
أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ}.
12 - التذكير
باليوم الآخر باعث على الثبات، فذكر يوم القيامة يردع النفس عن الخيانة ونقض
الأعمال.
13 - أن الله
سيُظهر الحق يوم القيامة، ويفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه من أعمال ومواثيق.
14 - أن
المحافظة على الأعمال تحتاج إلى مراقبة النفس، لئلا تُفسد ما بُني بصعوبة وجهد.
15 - أن
الانتكاس بعد الاستقامة أشد خطرًا، لأنه يدل على خلل في الصدق أو ضعف في التعظيم.
16 - أن الأعمال
الصالحة رأس مال العبد، ونقضها كإضاعة أعز ما يملك الإنسان.
17 - الحث على
الإخلاص والثبات، فالإخلاص يمنع من نقض العمل لأجل مصالح دنيوية.
18 - أن هذه
الآية أصل في باب الوفاء والاستمرار، سواء في العبادة، أو العلم، أو الدعوة، أو
المعاملات.
19 - أن الثبات
على الحق علامة التوفيق، أما التذبذب ونقض العمل، فدليل على الخذلان.
20 - أن من أعظم
أسباب النجاح دوام العمل الصالح، ولو كان قليلًا، مع الحذر من كل ما يُفسده بعد
إحكامه.
|
وَقالَ
تَعَالَى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ
الْيَقِينُ} [الحجر:99] . |
قال الطبري _رحمه
الله_ في "تفسيره" (17 / 159):
"يقول
تعالى ذكره لنبيه _صلى الله عليه وسلم_: (واعبد ربك حتى يأتيك الموت)، الذي هو
مُوقَن به. وقيل: يقين، وهو موقَن به." اهـ
المعنى
الإجمالي لهذه الآية الكريمة:
أمر الله تعالى
في هذه الآية نبيَّه _صلى الله عليه وسلم_، ومِن ورائه أمته، بلزوم عبادة الله
والاستمرار عليها دون انقطاع، والثبات على الطاعة في جميع أحوال الحياة، إلى أن
يأتي اليقين وهو الموت.
فالعبادة في
الإسلام ليست مرحلة مؤقتة، ولا مرتبطة بحالٍ دون حال، بل هي ملازِمة للعبد ما دام
حيًّا.
ودلت الآية على
أن كمال العبد وسلامته يكون في المداومة على الأعمال الصالحة، وعدم تركها أو
التخفف منها بزعم بلوغ مرتبةٍ أو وصولٍ إلى حالٍ يسقط معها التكليف،
وفيها ردٌّ على
من يترك العبادة بعد الاستقامة، وتنبيه إلى أن الثبات على الطاعة إلى آخر العمر هو
سبيل النجاة والفلاح.
فوائد
ودروس من الآية الكريمة:
وفيما يلي فوائد
عديدة مستنبطة من هذه الآية الكريمة:
1 - وجوب
الاستمرار على العبادة وعدم الانقطاع، فالآية نصٌّ صريح في لزوم العبادة إلى آخر
العمر.
2 - أن العبادة
لا تنتهي ببلوغ درجة أو مقام، فلا يسقط التكليف عن أحد مهما بلغ من العلم أو
الصلاح.
3 - الرد على
أهل الانحراف القائلين بسقوط التكاليف، كالذين يزعمون من الصوفية أن من وصل إلى "اليقين"
سقط عنه الأمر والنهي.
4 - أن الموت هو
نهاية العمل لا غيره، فما دام الإنسان حيًّا، فهو مكلَّف بالعبادة.
5 - فضل
المداومة على الأعمال الصالحة، إذ أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ.
6 - أن الثبات
على الطاعة من أعظم أسباب حسن الخاتمة، فالعبد يُبعث على ما مات عليه.
7 - أن العبادة
شاملة لكل أعمال الدين، وليست مقصورة على الصلاة أو الذكر فقط.
8 - أن العبد
محتاج إلى ربه في كل لحظة، فلا يستغني عن عبادته وطاعته طرفة عين.
9 - أن حقيقة
العبودية في الاستمرار لا في بعض الأوقات، فالعبادة ليست مرتبطة بزمن دون زمن.
10 - أن في
الآية تربية للنفس على الصبر، لأن المداومة على الطاعة تحتاج إلى مجاهدة وصبر.
11 - أن الأمر
بالعبادة جاء مطلقًا، فيدخل فيه الفرائض والنوافل، الظاهرة والباطنة.
12 - أن كل
انقطاع عن العبادة نقصان وخطر، وقد يكون سببًا للفتور أو الانتكاس.
13 - بيان كرامة
الإنسان بالعبودية، فأشرف أوصافه أن يكون عبدًا لله حتى الممات.
14 - أن العمل
الصالح رأس مال العبد، ولا يُحافَظ عليه إلا بالثبات والاستمرار.
15 - أن هذه
الآية أصل في باب المحافظة على الأعمال، وهي جامعة لمعنى الاستقامة حتى النهاية.
16 - أن العبادة
سبب الطمأنينة والثبات، فالقلوب لا تثبت إلا بالقرب من الله _تبارك وتعالى_.
17 - أن التكليف
باقٍ ما بقي العقل والحياة، ولا يُرفع إلا بزوالهما بالموت.
18 - الحض إلى
محاسبة النفس باستمرار، لأن العبد لا يدري متى يأتيه الموت.
19 - أن حسن
الخاتمة يُنال بالعمل الدائم، لا بالأعمال المنقطعة أو المؤقتة.
20 - أن هذه
الآية جامعة بين الأمر والغاية: أمرٌ بالعبادة، وغايةٌ بالموت، وبينهما طريق
الاستقامة.
[1] {أَلَمْ يَأْنِ}، أي: ألم يحن الوقت ويقرب الأجل. والمعنى: أما آن
الأوان بعدُ. {لِلَّذِينَ آمَنُوا}، أي: الذين صدقوا بالله ورسوله تصديقًا جازمًا،
وظهر أثر ذلك في أعمالهم. {أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ}، الخُشوع: لين القلب وسكونه
وخضوعه، مع حضور التعظيم والانكسار لله تعالى. {لِذِكْرِ اللَّهِ}، أي: بسبب ذكر
الله، ويدخل فيه القرآن، والتسبيح، والتهليل، وكل ما يذكِّر بالله ويقرب إليه.
{وَمَا
نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ}، أي: القرآن والوحي الذي أنزله الله، وسُمِّي حقًّا لثبوته
وصدقه، وكونه هاديًا إلى الحق. {وَلَا يَكُونُوا}، أي: ولا ينبغي لهم ولا يليق
بحالهم أن يكونوا. {كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ}، أي: كاليهود
والنصارى الذين أُنزلت عليهم الكتب السماوية قبل هذه الأمة. {فَطَالَ عَلَيْهِمُ
الأَمَدُ}، الأمد: الزمان الطويل. أي: طال عليهم الزمن دون تجديد إيمان أو عمل. {فَقَسَتْ
قُلُوبُهُمْ}، قست: اشتدت ويَبِسَت، فلم تلن للحق، ولم تتأثر بالمواعظ. {وَكَثِيرٌ
مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}، الفِسق: الخروج عن طاعة الله، أي: منحرفون عن أمره وشرعه.
[2] {وَقَفَّيْنَا}، أي: أتبعنا، وجعلنا بعض الرسل يجيء بعد بعض على
نسق واحد. {بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ}، أي: أرسلنا عيسى عليه السلام بعد من سبقه من
الرسل. {وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ}، أي: أنزلنا عليه كتاب الإنجيل وحيًا من عند
الله هدايةً لبني إسرائيل. {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ}، أي:
ألقينا وخلقنا في قلوب أتباعه الصادقين. {رَأْفَةً وَرَحْمَةً}، الرأفة: شدة
الرحمة ولين القلب. الرحمة: الإحسان والعطف والشفقة على الخلق. {وَرَهْبَانِيَّةً}،الرهبانية:
الانقطاع عن الدنيا وترك ملاذها تعبّدًا، كترك الزواج والتفرغ للعبادة. {ابْتَدَعُوهَا}،
أي: أحدثوها من عند أنفسهم، ولم تكن مشروعة لهم من الله تعالى. {مَا كَتَبْنَاهَا
عَلَيْهِمْ}، أي: ما فرضناها ولا أوجبناها عليهم شرعًا. {إِلَّا ابْتِغَاءَ
رِضْوَانِ اللَّهِ}، أي: لم يقصدوا بابتداعها - في زعمهم -، إلا طلب مرضاة الله،
لا اتباع الشهوات. {فَمَا رَعَوْهَا}، أي: فما حفظوها، ولا التزموا بها. {حَقَّ
رِعَايَتِهَا}، أي: الرعاية التامة التي تليق بها من الاستمرار والقيام بحقوقها.
[3] {وَلَا تَكُونُوا}، أي: لا تشبهوا ولا تسلكوا مسلك. {كَالَّتِي
نَقَضَتْ غَزْلَهَا}، النقض: الإفساد بعد الإحكام. الغزل: ما يُغزل من الصوف أو
القطن ونحوهما من خيوط. {مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ}، أي: من بعد إحكام وشدّة وجودة في
الغزل. {أَنْكَاثًا}: جمع نِكث، وهو ما نُقض وفُكّ بعد إحكامه، أي: خيوطًا متفرقة
ضعيفة. {تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ}، الأيمان: العهود
والمواثيق المؤكدة بالقَسَم. دَخَلًا: خديعة وغشًّا وفسادًا، تُستعمل وسيلةً
للإضرار أو الخيانة. {أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ}، أربى:
أكثر عددًا أو قوةً أو نفعًا. أي: تفعلون ذلك طمعًا في مصلحة دنيوية أو غلبة. {إِنَّمَا
يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ}، يبلوكم: يختبركم ويمتحنكم ليظهر صدقكم من كذبكم. {وَلَيُبَيِّنَنَّ
لَكُمْ}، أي: ليُظهرنّ ويكشفنّ بيانًا واضحًا لا لبس فيه. {يَوْمَ الْقِيَامَةِ}: اليوم
الذي يُحاسَب فيه العباد على أعمالهم ونياتهم. {مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}،
أي: ما كنتم تختلفون فيه من عهود وأعمال ومواقف في الدنيا.
Komentar
Posting Komentar