شرح الحديث 251 (باب التبسم) من الأدب المفرد
|
251 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى
قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ
الْحَارِثِ، أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ،
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، قَالَتْ: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ ضَاحِكًا قَطُّ حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا
كَانَ يَتَبَسَّمُ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_." قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا
عُرِفَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ النَّاسَ إِذَا
رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا، رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ، وَأَرَاكَ
إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَتْ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهَةُ؟ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، مَا يُؤْمِنِّي أَنْ
يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؟ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ
الْعَذَابَ مِنْهُ فَقَالُوا: {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} [الأحقاف: 24]." [قال الشيخ الألباني: صحيح] |
رواة الحديث:
* حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى (صدوق
تُكُلِّمَ فى بعض سماعاته، قال الخطيب: "بلا حجة":
ت. 243 هـ بـ سر من رأى):
أحمد بن عيسى بن حسان المصري، أبو عبد الله بن أبى
موسى العسكري، يعرف بـ"التُّسْتَرِيُّ"
(فى التقريب: ابن التستري)، من كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خ م س ق
* قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
وَهْبٍ (ثقة
حافظ عابد: ت. 197 هـ)
عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم الفهري، أبو محمد المصري الفقيه، المولود: سنة 125 هـ، من
صغار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق
* قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ
الْحَارِثِ (ثقة فقيه حافظ: ت. قبل 150 هـ):
عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري
مولاهم، أبو أمية المصري (مولى قيس بن سعد بن عبادة)، من كبار أتباع
التابعين، روى له: خ م د ت س ق
* أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ (ثقة
ثبت، و كان يرسل: ت. 129 هـ):
سالم بن أبى أمية القرشي التيمي، أبو النضر المدني (مولى
عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي (والد بَرَدَان بن أبي النضر)، من صغار التابعين،
روى له: خ
م د ت س ق
* عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ (ثقة
فاضل أحد الفقهاء السبعة: ت. 107 هـ)[1]:
سليمان بن يسار الهلالي، أبو أيوب (ويقال: أبو عبد
الرحمن، ويقال: أبو عبد الله)، المدني (مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة)، من الوسطى من
التابعين، روى له: خ م د ت س ق
* عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ _صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ (صحابية: ت. 57 هـ على الصحيح):
عائشة بنت أبي بكر الصديق التيميّة،
أم المؤمنين، أم عبد الله (وأمها: أم رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب)،
روى له: خ
م د ت س ق
نص الحديث وشرحه:
"مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ ضَاحِكًا قَطُّ حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا
كَانَ يَتَبَسَّمُ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_."[2]
قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا
عُرِفَ فِي وَجْهِهِ،
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ النَّاسَ
إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا، رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ،
وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَتْ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهَةُ؟[3]
فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، مَا يُؤْمِنِّي أَنْ
يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؟ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ
الْعَذَابَ مِنْهُ، فَقَالُوا: {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} [الأحقاف: 24]."[4]
وفي "صحيح البخاري" (8/ 24):
"عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهَا، قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَجْمِعًا قَطُّ ضَاحِكًا، حَتَّى أَرَى مِنْهُ
لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ»."
وقال ابن حجر في "فتح الباري" (8/ 578):
"قَوْلُهُا: (حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتَهُ)،
بِالتَّحْرِيكِ: جَمْعُ لَهَاةٍ، وَهِيَ اللَّحْمَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ فِي أَعْلَى
الْحَنَكِ وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى "لَهًى" بِفَتْحِ اللَّامِ
مَقْصُورٌ." اهـ
وقال ابن حجر في "فتح الباري" (10/ 505):
وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: (فَضَحِكَ حَتَّى
بَدَتْ نَوَاجِذُهُ)،
وَالنَّوَاجِذُ: جَمْعُ نَاجِذَةٍ بِالنُّونِ
وَالْجِيمِ وَالْمُعْجَمَةِ: هِيَ الْأَضْرَاسُ،
وَلَا تَكَادُ تَظْهَرُ، إِلَّا عِنْدَ
الْمُبَالَغَةِ فِي الضَّحِكِ. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ
عَائِشَةَ ثَامِنِ أَحَادِيثِ الْبَابِ: (مَا رَأَيْتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مُسْتَجْمِعًا قَطُّ[5]،
ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ)، لِأَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى
النَّافِي، قَالَهُ بن بَطَّالٍ.
وَأَقْوَى مِنْهُ: أَنَّ الَّذِي نَفَتْهُ غَيْرُ
الَّذِي أَثْبَتَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالنَّوَاجِذِ الْأَنْيَابَ مَجَازًا أَوْ تَسَامُحًا،
وَبِالْأَنْيَابِ مَرَّةً.
فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصِّيَامِ فِي هَذَا
الْحَدِيثِ بِلَفْظِ: (حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ).
وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ
مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ:
أَنَّهُ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ كَانَ
فِي مُعْظَمِ أَحْوَالِهِ لَا يَزِيدُ عَلَى التَّبَسُّمِ، وَرُبَّمَا زَادَ عَلَى
ذَلِكَ، فَضَحِكَ. وَالْمَكْرُوهُ مِنْ ذَلِكَ: إِنَّمَا هُوَ الْإِكْثَارُ مِنْهُ
أَوِ الافراط فِيهِ، لِأَنَّهُ يذهب الْوَقار.
قَالَ ابن بَطَّالٍ: "وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ
يُقْتَدَى بِهِ مِنْ فِعْلِهِ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ__فقد روى
البُخَارِيّ فِي "الْأَدَب الْمُفْرد" وبن مَاجَهْ مِنْ وَجْهَيْنِ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: (لَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ
الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ)." اهـ
المعنى الإجمالي لهذا الحديث:
بيّن هذا الحديث أنَّ أمَّ المؤمنين عائشة بنت أبي
بكر _رضي الله عنها_ وصفتْ جانبًا من شمائل النبي محمد بن عبد الله وأخلاقه
العظيمة، وما كان عليه من كمال الوقار، وشدة الخشية من الله _تعالى_.
فبيَّنت _رضي الله عنها_ أنَّ النبي _صلى الله عليه
وسلم_ لم يكن كثيرَ القهقهة والانبساط الذي يخرج عن حدِّ الوقار، فلم تكن عادته
الضحك الشديد حتى تظهر لهواته - وهي أقصى الفم -، وإنما كان غالبُ ضحكه التبسُّمَ،
وهذا من تمام هيبته، وكمال أدبه، وحسن سَمْته _صلى الله عليه وسلم_.
ثم ذكرت حاله عند رؤية الغيم أو هبوب الريح، فكان إذا
رأى السحاب أو الرياح، ظهر في وجهه أثرُ القَلَقِ والخوفِ، بخلاف الناس الذين
يفرحون عند رؤية الغيم طمعًا في نزول المطر.
فسألتْه عائشة بنت أبي بكر عن سبب ذلك، فأخبرها أنه
لا يأمن أن يكون في هذا الغيم أو الريح عذابٌ من الله _تعالى_، لأنَّ الله _تعالى_
قد عذَّب أممًا سابقة بالريح، كما وقع لقوم عادٍ حين رأوا السحاب، فقالوا: {فَلَمَّا
رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا
عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا
عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا
يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)}
[الأحقاف: 24، 25]، فكان في الحقيقة عذابًا أليمًا.
فدل الحديث على كمال خوف النبي _صلى الله عليه وسلم_
من ربِّه، وشدة مراقبته لله _تعالى_، وأن المؤمن لا يغترُّ بظاهر النعم حتى يتفكر
في قدرة الله وعقوبته، كما دل على عظيم تواضعه وسمته الحسن، وأنَّ التبسُّم هو
الغالب من هديه _صلى الله عليه وسلم_.
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص: 97)
(رقم: 251)، وفي "صحيحه" (6/ 133) (رقم: 4828_4829)، ومسلم في "صحيحه"
(2/ 616/ 16) (رقم: 899)، وأبو داود في "سننه" (4/ 326) (رقم: 5098)، وأحمد
في "مسنده" – ط. عالم الكتب (6/ 66) (رقم: 24369)، وغيرهم.
والحديث صحيح: صححه
الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الأدب المفرد" (ص: 111) (رقم: 189)،
و"تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 479) (رقم: 1512)
من فوائد الحديث:
وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى: 852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري" (10/
505_506):
"وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَجْمُوعِ
الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي مُعْظَمِ
أَحْوَالِهِ لَا يَزِيدُ عَلَى التَّبَسُّمِ وَرُبَّمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ
فَضَحِكَ وَالْمَكْرُوهُ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الْإِكْثَارُ مِنْهُ أَوِ
الافراط فِيهِ لِأَنَّهُ يذهب الْوَقار.
قَالَ بن بَطَّالٍ وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ
يُقْتَدَى بِهِ مِنْ فِعْلِهِ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ___. فقد روى
البُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد وبن مَاجَهْ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ لَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ
الْقَلْبَ" اهـ
وقال شرف الدين الطيبي _رحمه الله_ في "الكاشف
عن حقائق السنن" (4/ 1325):
"فدل نفي الضحك البليغ عنه _صلى الله عليه
وسلم_ على أنه _صلى الله عليه وسلم_ لم يكن فرحًا لاهيًا بطرًا،
ودل إثبات التبسم له _صلى الله عليه وسلم_ علي طلاقة
وجهه وبشاشته،
ودل أثر الخوف من رؤية الغيم والريح علي رأفته ورحمته
علي الخلق. هذا هو الخلق العظيم." اهـ
"جَعَلَ التَّبَسُّمَ مِنَ الضَّحِكِ،
وَاسْتَثْنَى مِنْهُ، فَإِنَّ التَّبَسُّمَ مِنَ الضَّحِكِ بِمَنْزِلَةِ السِّنَةِ
مِنَ النَّوْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا} [النمل: 19]
، أَيْ: شَارِعًا فِي الضَّحِكِ.
وقال شيخنا عبد
المحسن بن حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد
البدر _حفظه الله_ في "شرح
سنن أبي داود" – تفريغ الشاملة (578/ 26):
"فالرسول _صلى الله عليه وسلم_ كان إذا
رأى الريح خشي العذاب. والريح كما أنها تأتي بالرحمة تأتي بالعذاب، وتكون رحمة
وتكون عذاباً، كما مر في الحديث السابق، فعلى الإنسان أن يسأل الله من خيرها
ويستعيذ بالله من شرها." اهـ
"فقه الحديث:
1 - كان رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، ضَحِكُهُ
التبسمُ، اذا رضي او أُعجب بشيء.
2 - كثره الضحك ليست من صفات الصالحين، لانها
تميت القلب.
3 - كثرة الخوف من مؤاخذة الله وعقابه من سنة الرسول _صلى
الله عليه وسلم_." اهـ
ملحق الفوائد:
في هذا الحديث الجليل فوائد كثيرة، منها:
1 ـ فيه: استحباب التبسُّم وترك الإكثار من
القهقهة، فإنَّ هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان التبسُّم، وهو أدلُّ على
الوقار، وأجمعُ للمهابة، وأقربُ إلى حسن الخلق، بخلاف كثرة الضحك، فإنها تُميت
القلب وتُذهب الهيبة.
2 ـ فيه: كمال أدب النبي _صلى الله عليه وسلم_
وحسن سمته، فقد كان _صلى الله عليه وسلم_ أتمَّ الناس خُلُقًا، وأحسنهم هديًا، فلم
يكن فاحش الضحك ولا صاخب المجلس، بل كان وقورًا هينًا ليِّنًا.
3 ـ فيه: إثبات شدة خوف النبي _صلى الله عليه
وسلم_ من ربِّه، مع أنه المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كان أشدَّ الناس
خشية لله، يخاف نزول العذاب عند رؤية أسبابٍ قد تكون سببًا له، وفي هذا تعليم
للأمة ألا يغتروا.
4 ـ فيه: أن المؤمن يجمع بين الرجاء والخوف، فالناس
يرجون المطر عند رؤية الغيم، والنبي _صلى الله عليه وسلم_ مع رجائه رحمة الله لم
يغفل جانب الخوف من عقابه، وهذا هو كمال العبودية.
5 ـ فيه: الاعتبار بأحوال الأمم السابقة، فقد
استدلَّ _صلى الله عليه وسلم_ بما وقع لقوم عاد، وهذا يدل على أن أخبار القرآن
ليست لمجرد الحكاية، بل للعظة والاعتبار والاتعاظ بسنة الله في المكذبين.
6 ـ فيه: أن الريح قد تكون رحمة، وقد تكون
عذابًا، فليست كل نعمة ظاهرة تكون خيرًا محضًا، بل قد يكون ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب،
ولهذا كان السلف _رحمه الله_ يخافون عند تغير الأحوال الكونية.
7 ـ فيه: مشروعية سؤال العالم عمَّا يُشكل، فإنَّ
عائشة بنت أبي بكر _رضي الله عنها_ سألت النبي _صلى الله عليه وسلم_ عن سبب تغيّر
وجهه، وهذا يدل على أن السؤال مفتاح العلم، وأنه لا حياء في طلب الفهم.
8 ـ فيه: حسن معاشرة النبي _صلى الله عليه
وسلم_ لأهله، فقد أجاب عائشة بنت أبي بكر _رضي الله عنها_ بلطف وبيان، ولم
يُعنّفها، وهذا يدل على حسن خلقه مع أزواجه.
9 ـ فيه: ظهور أثر ما في القلب على الجوارح، فإنَّ
ما كان في قلبه _صلى الله عليه وسلم_ من الخشية، ظهر على وجهه، وهذا يدل على أن
القلب إذا امتلأ بتعظيم الله، بان أثره على الظاهر.
10 ـ فيه: التحذير من الاغترار بظواهر الأمور،
فقوْمُ عادٍ رأوا السحاب فظنوه خيرًا، وهو يحمل هلاكهم، فالعاقل لا يحكم بمجرد
الظاهر حتى ينظر بعين الاعتبار.
11 ـ فيه: أن الأنبياء أشد الناس عبودية لله
_تعالى_، فكلما ازداد العبد معرفةً بالله ازداد له خشية، ولذلك كان النبي _صلى
الله عليه وسلم_ أكمل الناس خوفًا وإنابةً مع كمال منزلته.
12 ـ فيه: استحضار قدرة الله _تعالى_ في كل
حادثة كونية، فالغيم والريح والمطر ليست ظواهرَ عاديّةً مجردةً، بل هي جنود من
جنود الله، يصرّفها كيف يشاء رحمةً أو عقوبةً، وفي ذلك تقويةٌ للإيمان بالله
وتعلُّق القلب به.
[1] وفي
"إكمال تهذيب الكمال" (6/ 103):
"ولما
ذكره البخاري في «التاريخ الصغير» قال: وقد سمع أسامة من سليمان بن يسار، ويقال:
لم يصح، مات سنة سبع ومائة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة." اهـ
وفي "إكمال تهذيب الكمال" (6/ 105) لمغلطي
الحنفي _رحمه الله_:
"وقال محمد بن عمر: (ولم أر بينهما اختلافا أنه
توفي سنة سبع ومائة)." اهـ
[2] (مَا رَأَيْتُ
رَسُولَ اللَّهِ ضَاحِكًا قَطُّ)، أي: ما شاهدتْه _رضي الله عنها_ يضحك ضحِكًا
شديدًا في جميع الأوقات، ولفظة «قط» تستعمل لتأكيد النفي في الزمن الماضي، أي:
أبدًا فيما مضى. (حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ)، أي: حتى أرى أقصى فمه وباطن
حلقه من شدة الضحك. واللَّهَوَات: جمع لهاة، وهي اللحمة المشرفة في أقصى سقف الفم
فوق الحلق. (إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ)، أي: كان غالب ضحِكِهِ _صلى الله عليه
وسلم_ التبسُّم، وهو انبساط الوجه وإشراقه من غير قهقهة ولا رفع صوت.
[3] (وَكَانَ إِذَا
رَأَى غَيْمًا)، أي: إذا رأى سحابًا متجمعًا في السماء. والغيم: السحاب الذي يغطّي
السماء. (أَوْ رِيحًا)، أي: إذا رأى ريحًا شديدة أو هبوب ريح غير معتاد، لأن
الرياح قد تكون سببًا للرحمة، وقد تكون سببًا للعذاب. (عُرِفَ فِي وَجْهِهِ)، أي:
ظهر على وجهه الشريف أثرُ التغيّر من خوف أو قلق، حتى يُدرَك ذلك بالنظر إليه. (الْكَرَاهَةُ)،
أي: أثر عدم الارتياح والخوف والانقباض، وليس المقصودُ كراهةَ الغيم نفسه، بل
الخوف مما قد يكون فيه من عذاب الله.
[4] (مَا يُؤْمِنِّي)، أي:
ما الذي يجعلني آمنًا ومطمئنًّا؟ وكيف أطمئن أنه ليس فيه عذاب؟ (عُذِّبَ قَوْمٌ
بِالرِّيحِ)، أي: أنَّ الله أهلك بعض الأمم السابقة، كقوم عاد، بريح شديدة مدمّرة
أرسلها عليهم عقوبةً لهم. (عَارِضٌ)، أي: سحابٌ ظهر في الأفق يعترض السماء. والعرب
تسمي السحاب المقبل: عارضًا. (مُمْطِرُنَا)، أي: سيُمطرنا ويُنزل علينا المطر
النافع، فظنّوا أنه رحمة، فإذا هو عذاب. وقوله تعالى: (هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا)،
أي: هذا سحابٌ مقبل يحمل المطر لنا، فقالوا ذلك فرحًا، لكنهم أخطؤوا، إذ كان الذي
أقبل عليهم ريحَ عذابٍ مهلكة، لا مطرَ رحمة.
[5] قال
العيني _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (22/ 152):
"قَوْله:
(مستجمعاً) أَي: مجتمعاً وَهُوَ لَازم، وضاحكاً تَمْيِيز أَي: مُجْتَمع من جِهَة
الضحك، يَعْنِي: مَا رَأَيْته يضْحك تَمامًا لم يتْرك مِنْهُ شَيْئا." اهـ
Komentar
Posting Komentar