شرح الحديث 153 (باب المحافظة على الأعمال) من رياض الصالحين
|
ثم قال المؤلف
_رحمه الله_ بعد إيراده الآيات في الباب : وَأَمَّا
الأَحاديث؛ فمنها حديث عائشة: وَكَانَ أَحَبُّ الدِّين إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ
صَاحِبُهُ عَلَيهِ. وَقَدْ سَبَقَ في البَاب قَبْلَهُ. [153] وعن عمر
بن الخطاب _رضي الله عنه_ قَالَ : قَالَ رَسُول
الله _صلى الله عليه وسلم_ : «مَنْ نَامَ
عَنْ حِزْبهِ مِنَ اللَّيلِ، أَوْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ
صَلاةِ الفَجْرِ وَصَلاةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ
اللَّيلِ» رواه مسلم. |
ترجمة عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_:
وفي "مرقاة
المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (1 / 40_41) للقاري:
"(عَنْ
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) : وَهُوَ النَّاطِقُ بِالصَّوَابِ، الْمُسَمَّى
بِالْفَارُوقِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ،
* وَأَوَّلُ
مَنْ سُمِّيَ بِـ"أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ" فِيمَا بَيْنَ الْأَصْحَابِ _رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ_،
* وَهُوَ
عَدَوِيٌّ قُرَشِيٌّ يَجْتَمِعُ مَعَ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_ فِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ،
* كَنَّاهُ
النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَبِي حَفْصٍ، وَهُوَ لُغَةً:
الْأَسَدُ،
* وَلَقَّبَهُ بِالْفَارُوقِ لِفُرْقَانِهِ بَيْنَ الْحَقِّ،
وَالْبَاطِلِ.
قَالَ الْقَاضِي
فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى
الطَّاغُوتِ} [النساء: 60]
عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «أَنْ مُنَافِقًا خَاصَمَ يَهُودِيًّا
فَدَعَاهُ الْيَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،
وَدَعَاهُ الْمُنَافِقُ إِلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ،
ثُمَّ
إِنَّهُمَا احْتَكَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
- فَحَكَمَ لِلْيَهُودِيِّ، فَلَمْ يَرْضَ الْمُنَافِقُ،
وَقَالَ:
نَتَحَاكَمُ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ لِعُمَرَ: قَضَى لِي رَسُولُ
اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَلَمْ يَرْضَ بِقَضَائِهِ،
وَخَاصَمَ إِلَيْكَ، فَقَالَ عُمَرُ لِلْمُنَافِقِ: أَكَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ،
فَقَالَ: مَكَانَكُمَا حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكُمَا، فَدَخَلَ فَأَخَذَ سَيْفَهُ،
ثُمَّ خَرَجَ فَضَرَبَ بِهِ عُنُقَ الْمُنَافِقِ حَتَّى بَرَدَ، وَقَالَ: هَكَذَا
أَقْضِي لِمَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَنَزَلَتْ.
وَقَالَ
جِبْرِيلُ: إِنَّ عُمَرَ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ» فَسُمِّيَ:
الْفَارُوقَ.
* وَقِيلَ
بِإِسْلَامِهِ، إِذْ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَهُ كَانَ فِي غَايَةٍ مِنَ
الْخَفَاءِ، وَبَعْدَهُ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الظُّهُورِ، وَالْجَلَاءِ،
* أَسْلَمَ
بَعْدَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَعَشَرَةٍ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ النُّبُوَّةِ.
وَقِيلَ:
أَسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَةٌ
وَثَلَاثُونَ رَجُلًا، وَسِتُّ نِسْوَةٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ عُمَرُ، فَنَزَلَتْ: {يَا
أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}
[الأنفال: 64] .
* بُويِعَ لَهُ
بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ مَوْتِ الصِّدِّيقِ بِعَهْدِهِ إِلَيْهِ، وَنَصِّهِ
عَلَيْهِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مِنَ
الْهِجْرَةِ،
* فَفَتَحَ
الْبِلَادَ الْكَثِيرَةَ، وَالْفُتُوحَ الشَّهِيرَةَ،
* وَاسْتُشْهِدَ عَلَى يَدِ نَصْرَانِيٍّ، اسْمُهُ أَبُو
لُؤْلُؤَةٍ، غُلَامُ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ بِالْمَدِينَةِ فِي صَلَاةِ
الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ
عَامَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ
عَلَى الْأَصَحِّ،
* وَكَانَتْ
خِلَافَتُهُ عَشْرَ سِنِينَ وَنِصْفًا،
* وَصَلَّى عَلَيْهِ
صُهَيْبٌ،
* رَوَى عَنْهُ
أَبُو بَكْرٍ، وَبَاقِي الْعَشَرَةِ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ،
وَالتَّابِعِينَ،
* أَحَادِيثُهُ الْمَرْفُوعَةُ: خَمْسُمِائَةٍ وَسَبْعَةٌ
وَثَلَاثُونَ، لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَحَدٌ وَثَمَانُونَ انْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ
مِنْهَا بِأَرْبَعَةٍ وَثَلَاثِينَ، وَمُسْلِمٌ بِأَحَدٍ وَعِشْرِينَ.
* نَقْشُ
خَاتَمِهِ: كَفَى بِالْمَوْتِ_____شَدِيدًا فِي
أَمْرِ اللَّهِ، عَاقِلًا مُجْتَهِدًا صَابِرًا مُحْتَسِبًا، جُعِلَ الْحَقُّ
عَلَى لِسَانِهِ، وَأُعِزَّ الدِّينُ بِهِ، وَاسْتَبْشَرَ أَهْلُ السَّمَاءِ
بِإِسْلَامِهِ، وَلَهُ فَضَائِلُ لَا تُحَدُّ، وَشَمَائِلُ لَا تُعَدُّ." اهـ
وفي "تاريخ
الإسلام" – ت. بشار (2/ 138) للذهبي:
"عمر بْنِ
الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْن عَبْدِ العُزَّى بْن رياح بْن قُرط بْن رزَاح بْن
عديّ بْن كعْب بْن لُؤيّ، أميرُ المؤمنين، أَبُو حفص، القُرَشي العدوي، الفاروق
رضي الله عنه. [المتوفى: 23 ه]، اسْتُشْهِدَ في أواخر ذي الحجة. وأمّه حَنْتَمَة
بنت هشام المخزومية أخت أبي جهل. أسلم في السنة السادسة من النُّبُّوة وله سبعٌ
وعشرون سنة." اهـ
نص
الحديث وشرحه:
وعن عمر بن
الخطاب _رضي الله عنه_ قَالَ :
قَالَ رَسُول
الله _صلى الله عليه وسلم_ :
«مَنْ نَامَ
عَنْ حِزْبهِ مِنَ اللَّيلِ، أَوْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ
صَلاةِ الفَجْرِ وَصَلاةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ
اللَّيلِ» رواه مسلم.
شرح الجمل الغريبة:
1- «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ»، أي: غلبه النوم فلم يستيقظ. و«حِزبه»: هو
وِرده المعتاد من العبادة، كجزءٍ من القرآن أو ذكرٍ أو صلاةٍ يداوم عليه. والمراد
به: من فاته وِرده بسبب النوم.
2- «أَوْ
عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ»، أي: أو نام عن بعض هذا الورد، فلم يُدركه كاملًا. ففيه أن
الحكم يشمل من فاته الكلّ أو البعض.
3-
«فَقَرَأَهُ»، أي: تلاه وأدّاه وقضاه، والمراد غالبًا: قراءة القرآن، في قيام
الليل أو خارجه، ويدخل فيه سائر الأوراد التي تُقضى.
4- «فِيمَا
بَيْنَ صَلاَةِ الفَجْرِ وَصَلاَةِ الظُّهْرِ»، أي: في الوقت الممتد ما بين صلاة
الفجر (بعد طلوع الشمس) إلى قبيل صلاة الظهر. وهذا هو وقت القضاء المشروع لهذا
الورد.
5- «كُتِبَ
لَهُ»، أي: أثبت الله له الأجر في صحيفته، وقَبِل عمله.
6-
«كَأَنَّمَا قَرَأهُ مِنَ اللَّيْلِ»، أي: يُعطى ثوابًا كأنه قرأه في وقته الأصلي
من الليل، من غير نقصٍ في الأجر. وهذا من فضل الله وكرمه.
7- معنى
التشبيه في «كأنما»، ليس مجرد تشبيهٍ صوري، بل هو في معنى المساواة في الأجر، إذا
كان الفوات بعذر.
المعنى الإجمالي لهذا الحديث:
بيّن هذا الحديث فضلًا عظيمًا من فضل الله تعالى على عباده، وهو أن من كان
له وِردٌ من العبادة في الليل - كقراءة القرآن أو الذكر أو الصلاة - ثم غلبه النوم
أو فاته لعذر، فإنه إذا قضاه في النهار، كُتب له أجره كاملًا كأنه أدّاه في وقته
من الليل.
فقد أخبر النبي _صلى الله عليه وسلم_ أن من نام عن «حِزبه» - أي: وِرده
المعتاد من الطاعة - أو عن بعضه، ثم تداركه، فقضاه ما بين صلاة الفجر (بعد طلوع
الشمس)، وبين صلاة الظهر، فإن الله يكتب له أجره كما لو أدّاه في الليل، من غير
نقص.
فالحديث يدل على سعة رحمة الله وكرمه في تعويض العبد عمّا فاته لعذر، واستحباب
قضاء الأوراد إذا فاتت، وأن من اعتاد الطاعة ثم فاته فعلها لعذر، لا يُحرم أجرها
إذا قضاه.
فهو حديثٌ يقرر أصلًا عظيمًا، وهو أن العبد إذا صدق في نيّته، وداوم على
طاعته، ثم عجز عنها لعذر، فإن الله لا يُضيّع عمله، بل يُثيبه عليه كاملًا،
ويُعينه على تداركه.
تخريج الحديث:
أخرجه مسلم في "صحيحه" (1/ 515/ 142) (رقم: 747)، وأبو داود في
"سننه" (2/ 34) (رقم: 1313)، والترمذي "سننه" – ت. شاكر (2/
474) (رقم: 581)، والنسائي "سننه" (3/ 259 و 3/ 260) (رقم: 1790 و 1792)،
وابن ماجه "سننه" (1/ 426) (رقم: 1343)، وغيرهم.
والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 392)
(رقم: 1247)، و"صحيح أبي داود" - الأم (5/ 58) (رقم: 1186)، "صحيح
الجامع الصغير وزيادته" (2/ 1117) (رقم: 6561)، و"صحيح الترغيب والترهيب"
(1/ 419) (رقم: 663)، و"التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (4/ 299)
(رقم: 2634).
من
فوائد الحديث:
وقال
الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى:
1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/
243_244):
"فيه دليل
على أن الإنسان ينبغي له إذا كان يعتاد شيئاً من العبادة أن يحافظ عليها، ولو بعد
ذهاب وقتها.
والحزب معناه:
هو الجزء من الشيء، ومنه أحزاب القرآن، ومنه أيضاً الأحزاب من الناس، يعني الطوائف
منهم، فإذا كان الإنسان لديه عادة يصليها في الليل؛ ولكنه نام عنها، أو عن شيء
منها فقتضاه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر؛ فكأنما صلاه في ليلته، ولكن إذا كان
يوتر في الليل؛ فإنه إذا قضاه في النهر لا يوتر، ولكنه يشفع الوتر، أي يزيده ركعة،
فإذا كان من عادته أن يوتر بثلاث ركعات فليقض أربعة، وإذا كان من عادته أن يوتر
بخمس فليقض ستاً، وإذا كان من عادته أن يوتر بسبع فليقض ثماني وهكذا.
ودليل ذلك حديث
عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غلبه نوم أو وجع من
الليل؛ صلى من النهار تنتي عشرة ركعة، والقضاء فيما___بين صلاة الفجر وصلاة الظهر."
اهـ
وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في
"تطريز رياض الصالحين" (ص: 123):
"في هذا
الحديث: دليل على أنَّ كل وَرْدٍ من قول أو فعل، يفوت الإنسان أنه يثبت له أجره
إذا قضاه كاملاً." اهـ
وقال محمد عبد
الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى (المتوفى: 1353
هـ) _رحمه الله_ في "تحفة الأحوذي" (2 / 430):
"والحديث
دليل على استحباب المحافظة على الأوراد، وأنها إذا فاتت، تقضى." اهـ
محمد
بن عبد الهادي التَّتَوِيُّ، أبو الحسن، الشهير بـ"نورِ الدينِ السنديِّ" (المتوفى:
1138 هـ) في "الحاشية على سنن ابن النسائي" (3 / 259_260):
"ثم الظاهر
أنه تحريض على المبادرة ويحتمل أن فضل الأداء مع المضاعفة مشروط بخصوص الوقت وفي
الحديث دليل على أن النوافل تقضي...
وهذه الفضيلة إنما
تحصل لمن غلبه نوم أو عذر منعه من القيام مع أن نيته القيام. وظاهره: أن له أجره
مكمَّلا مضاعفًا لحسن نيته وصدق تلهُّفه وتأسفه وهو___قول بعض شيوخنا)) اهـ
وقال أبو العبَّاس أحمَدُ بنُ عُمَرَ بنِ إبراهيمَ،
الأنصاريُّ القرطبيُّ (المتوفى: 656 هـ) _رحمه
الله_ في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (3 / 251):
"هذا تفضل
من الله تعالى، ودليل على أن صلاةَ الليل أفضلُ من صلاة النهار. والحزبُ هنا
الجزءُ من القرآن يُصلَّى به. وهذه الفضيلةُ إنما تحصلُ لمن غلبه نوم، أو عذر منعه
من القيام مع أن نيَّتَهُ القيام.
وقد ذكر مالك في
"الموطأ" عنه _صلى الله عليه وسلم_، قال : (ما مِن امرىءٍ تكونُ له صلاة
بليل، فَغَلبه عليها نوم، إلا كتب الله له أجرَ صلاة، وكان نومُه صدقةَ عليه)،
وهذا أتَمُّ في
التَّفضيل والمجازاة بالنية، وظاهِرُه: أن له أجرَه مُكملاً مُضاعَفًا، وذلك لحسن
نيته، وصدق تلهّفه، وتأسّفه.
وهذا قولُ بعضِ
شيوخنا، وقال بعضُهم: يُحتمل أن يكونَ غيرَ مضاعَفٍ إذ التي يُصليها أكمل وأفضل.
قلتُ: والظاهِرُ
التمسُّكُ بالظَّاهر، فإن الثوابَ فَضلٌ من الكريم الوهاب." اهـ
وقال
أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن
عاصم النَّمَرِيُّ القرطبيُّ، المعروف بـ"ابن عبد
البر الأَنْدَلُسِيُّ" (المتوفى: 463 هـ) _رحمه الله_ في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (12
/ 272)
"وهذا
الوقت فيه من السعة ما ينوب عن صلاة الليل، فيتفضل الله برحمته على من استدرك من
ذلك ما فاته، وليس من زوال الشمس إلى صلاة الظهر ما يستدرك فيه كل أحد حزبه، وهذا
بيّن، والله أعلم." اهـ
وقال أبو عمر
يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم
النَّمَرِيُّ القرطبيُّ، المعروف بـ"ابن عبد البر
الأَنْدَلُسِيُّ" (المتوفى: 463 هـ) _رحمه الله_ في "الاستذكار"
(2 / 476):
"وفي
الحديث بيان فضل صلاة الليل على صلاة النهار، وقيامُ الليل من أفضل نوافل البر
وأعمال الخير،
وكان السلف يقومون الليل بالقرآن، ويندبون إليه
والآثار بذلك كثيرة عنهم
وفي فضل التهجد وأخبار المتهجدين كتب وأبواب
للمصنفين هي أشهر عند العلماء وأكثر من أن تجمع ها هنا
وحسبك بقول الله عز و جل {يَاأَيُّهَا
الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2)} [المزمل: 1، 2]،
أمر فيها بقيام
الليل وترتيل القرآن
وهذه الآية إن
كانت منسوخة بالصلوات الخمس، وبقوله _جل وعز_: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ
فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20]،
فإن التهجد به
مندوب إليه، محمود فاعله عليه." اهـ
وقال محمد بن
علي اليمني، المعروف بـ"الشوكاني"
(المتوفى: 1250هـ) _رحمه الله_ في "نيل الأوطار" (3 / 59):
"والحديث
يدل على مشروعية اتخاذ ورد في الليل، وعلى مشروعية قضائه إذا فات لنوم أو عذر من
الأعذار، وأن من فعله ما بين صلاة الفجر إلى صلاة الظهر، كان كمن فعله في الليل."
اهـ
وقال محمد بن
علي اليمني، المعروف بـ"الشوكاني"
(المتوفى: 1250هـ) _رحمه الله_ في "نيل الأوطار" (3 / 59):
"وفيه:
استحباب قضاء التهجد إذا فاته من الليل ولم يستحب أصحاب الشافعي قضاءه إنما
استحبوا قضاء السنن الرواتب ولم يعدوا التهجد من الرواتب." اهـ
وقال
شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد
الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728 هـ) _رحمه
الله_ في "مجموع الفتاوى" - ط: دار
الوفاء بتحقيق أنور الباز (22 / 282):
"وَاسْتَحَبَّ
الْأَئِمَّةُ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَدَدٌ مِنْ الرَّكَعَاتِ يَقُومُ بِهَا
مِنْ___اللَّيْلِ لَا يَتْرُكُهَا فَإِنْ نَشِطَ أَطَالَهَا وَإِنْ كَسِلَ
خَفَّفَهَا وَإِذَا نَامَ عَنْهَا صَلَّى بَدَلَهَا مِنْ النَّهَارِ كَمَا كَانَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا نَامَ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ
صَلَّى فِي النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً وَقَالَ : (مَنْ نَامَ عَنْ
حِزْبِهِ فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ إلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ
لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنْ اللَّيْلِ)." اهـ
وقال صالح بن
فوزان بن عبد الله الفوزان _حفظه الله_ في "الملخص
الفقهي" (1 / 99):
"أيها
المسلم! لا تحرم نفسك من المشاركة في قيام الليل، ولو بشيء قليل تداوم عليه، لتنال
من ثواب القائمين المستغفرين بالأسحار , وربما يدفع بك القليل إلى الكثير , والله
لا يضيع أجر المحسنين." اهـ
"وقوله: (من
نام عن حزبه أو عن شىء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتِب له كأنما
قرأه من الليل) تَفُضُّلٌ من الله تَفضَّل عليه به، ودليل على أن صلاة الليل___والذكر
فيها أفضل من صلاة النهار وعمله، إذ لم يُجعل له هذه الفضيلة إلا لغلبة نومه عليه."
اهـ
وقال
محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في
"البحر
المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج"
(15/ 563):
"(المسألة
الثالثة): في فوائده:
1 - (منها):
مشروعيّة اتخاذ ورد من العبادات في الليل.
2 - (ومنها):
مشروعية قضائه إذا فات لنوم، أو عذر من الأعذار.
3 - (ومنها): أن
وقت قضائه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، فمن فعله في هذا الوقت، كان كمن فعله في
الليل، والظاهر أن مَن فعله بعد ذلك لا يكون له ذلك، واللَّه تعالى أعلم.
4 - (ومنها): أن
فيه إشارةً إلى ما ورد في معنى قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ
وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا
(62)} [الفرقان: 62]، قال القاضي: أي: ذَوَيْ خِلْفَة، يخلف كل منهما الآخر، يقوم
مقامه فيما ينبغي أن يُعمل فيه، مَن فاته ورده في أحدهما تداركه في الآخر. انتهى،
وهو منقول عن كثير من السلف، كابن عباس، وقتادة، والحسن، وسلمان، كما ذكره
السيوطيّ في "الدرّ المنثور".
قيل: تخصيصه بما
قبل الزوال مع شمول الآية النهار بالكمال إشارة إلى المبادرة بقضاء الفوائت قبل
إتيان الموت، أو لأن ما قارب الشيء يُعطى حكمه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
{إِنْ أُرِيدُ
إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ
تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}." اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في
"ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (18/ 177):
"المسألة
الرابعة: في فوائده:
منها: مشروعية
اتخاذ ورد من العبادات في الليل. ومنها: مشروعية قضائه إذا فات لنوم، أو عذر من
الأعذار. ومنها: أن وقت قضائه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، فمن فعله في هذا
الوقت، كان كمن فعله فى الليل، والظاهر أن من فعله بعد ذلك لا يكون له ذلك.
واللَّه تعالى أعلم. ومنها: أن فيه إشارة إلى ما ورد في معنى قوله تعالى: {وَهُوَ
الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ
أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62]. قال القاضي: أي ذَوَيْ خِلْفَة، يخلف كلّ
منهما الآخر، يقوم مقامه فيما ينبغي أن يُعمل فيه، مَن فاته ورده في أحدهما تداركه
في الآخر انتهى، وهو منقول عن كثير من السلف، كابن عباس، وقتادة، والحسن، وسلمان،
كما ذكره السيوطي في "الدرّ المنثور".
قيل: تخصيصه بما
قبل الزوال مع شمول الآية النهار بالكمال إشارة إلى المبادرة بقضاء الفوائت قبل
إتيان الموت، أو لأن ما قارب الشيء يُعطى حكمه [أفادة في "المرعاة" ج 4
ص 246 - 247]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل." اهـ
الإفصاح عن
معاني الصحاح (1/ 212)
في هذا الحديث
من الفقه أن ما بين الفجر والظهر يعطى حكم الليل، من أجل أن العرب تقول من بعد
الصبح إلى الظهر: أين كنت ... الليلة؟ ويقولون: فعلنا الليلة، فإذا زالت الشمس
قالوا: أين كنت البارحة؟
وقد بنى على هذا
أبو حنيفة فقال: إذا نوى صوم الفرض قبل الزواج صح صومه، كأنه نوى في آخر الليل.
وقوله: (من نام
عن حزبه من الليل)، من لطف الله بعبده أنه إذا استمر في الأمور في الغالب فبدر منه
ما يخالف تلك الحال الغالبة عليه سومح؛ فإن الله تعالى قد فسح لهذا النائم في
الاستدراك ولم ينقصه من ميزان أجر ذلك الوقت الشريف شيئًا.
* وفيه من الفقه
الحض على قضاء الفوائت من النوافل على سبيل التدارك؛ لئلا يعتاد إسقاط النوافل عند
فواتها؛ فإن استدامة العمل عمل فوق العمل." اهـ
المسالك في شرح
موطأ مالك (3/ 371)
ذكر الفوائد
المنثورة في هذا الحديث:
الفائدة الأولى:
قال مالكٌ: مَنْ
فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنَ اللَّيْلِ فذَكَرَهُ بعدَ طُلُوعِ الفجر، فإنّه يُصَلِّيهِ
فيما بَيْنَهُ وبينَ صلاةِ الصُّبْحِ.
ووجه ذلك: أنّ
كلَّ وقتٍ كان محلًّا لصلاةِ الوِتْرِ، فإنَّهُ محلٌّ لصلاة اللَّيلِ. فإن___فاته
حتّى صلّى الصّبح في وقت الفجر، فالأفضل أنّ يصلِّيه ما بينه وبين صلاة الظُّهر؛
لأنّه أقرب وقت يمكنه فيه فعله والإتيان به، واللهُ أعلم.
الفائدة
الثّانية:
فيه فضل صلاة
اللّيل على صلاة النَّهار، وقيام اللّيل من أعمال البرِّ وقوافل الخير، وقد ألَّفَ
النَّاسُ في أخبار المجتهدين في اللّيل كتبًا كثيرةً حِسَانًا.
حجة الله
البالغة (2/ 35)
أَقُول:
السَّبَب الْأَصْلِيّ فِي الْقَضَاء شَيْئَانِ: أَحدهمَا أَلا تسترسل النَّفس بترك
الطَّاعَة، فيعتاده، ويحسر عَلَيْهِ إلتزامها من بعد، وَالثَّانِي أَن يخرج عَن
الْعهْدَة، وَلَا يضمر أَنه فرط فِي جنب الله، فيؤاخذ عَلَيْهِ من حَيْثُ يعلم أَو
لَا يعلم.
المنهل العذب
المورود شرح سنن أبي داود (7/ 238)
(فقه الحديث)
دلّ الحديث على مشروعية اتخاذ الأوراد ليلًا، وعلى استحباب قضاء الورد إذا فات في
الليل بنوم أو غيره من الأعذار
ملحق الفوائد:
هذا الحديث من جوامع الكَلِم في باب الأوراد والمداومة على الطاعات، وقد
اشتمل على فوائد جليلة وقواعد نفيسة، نذكر منها جملةً كثيرة:
1- فيه: استحباب
اتخاذ وِردٍ من الطاعة يُداوم عليه، وأن العبد ينبغي له أن يجعل لنفسه حِزبًا
معلومًا من عبادة الليل، ليكون ذلك سببًا لثباته واستقامته.
2- فيه: أن
النوم عذرٌ معتبر في فوات العبادة، فإن قوله «نام عن» يدل على أن ما غلب العبدَ من
غير تفريطٍ منه لا يُؤاخذ به.
3- أن من
فاته وِرْدُه لعذرٍ لا يُحْرَم أجْرَه إذا قضاه، وأن الله _تعالى_ يُتمّ للعبد
أجره إذا صدقت نيته وبادر إلى القضاء.
4- أن القضاء
يقوم مقام الأداء عند العذر، فإنه كُتب له كأنه فعله في وقته، وهذا من كمال فضل
الله.
5- فيه: أن
من فاته بعضُ العمل، يُشرعْ له قضاء ما فاته منه، لقوله «أو عن شيءٍ منه»، وأن
القليل يُجبر كما يُجبر الكثير.
6- فيه: أن
وقت القضاء يمتد إلى ما قبل الظهر، وفيه تحديد زمنٍ فاضل لقضاء أوراد الليل، وهو
ما بين الفجر والظهر.
7- فيه: أن
المبادرة إلى القضاء من كمال العبودية، فإن العبد لا يُؤخر وِرده، بل يسارع إلى
تداركه في أول أوقات الإمكان.
8- فيه: أن
النية الصادقة سببٌ لتحصيل الأجر الكامل، فإن هذا الفضل لا يكون إلا لمن عزم على
الفعل ثم منعه عذر.
9- فيه: أن
من علامات الصالحين محافظتَهم على أورادهم حتى إن فاتهم شيءٌ منها سَعَوا في جبره
وعدم التفريط فيه.
10- فيه: أن
القليل المعتاد أحبّ من الكثير المنقطع، فإن اتخاذ الحزب يدل على المداومة، وهي
المقصودة شرعًا.
11- فيه: ما
يدل على سعة رحمة الله حيث لم يُضيّع عمل العبد بفوات وقته، بل كتب له أجره
كاملًا.
12- فيه: أن
العبد لا ينبغي له أن يترك العمل إذا فاته وقته، بل يقضيه، ليبقى على صلته بربه.
13- فيه:
حثٌّ على مجاهدة النفس، فإن من اعتاد القضاء لم يترك الطاعة بسهولة.
14- فيه: أن
من فقه العبد معرفةَ الأوقات البديلة للطاعة، فإذا فاته الليل، اغتنم النهار.
15- فيه: أن
الأوراد تُقضى على حسب الإمكان، فلا يُشترط أن تكون بنفس الهيئة، بل بحسب ما
يتيسر.
16- فيه: أن
الله _تعالى_ يُجازي على العزم كما يُجازي على العمل، فمن عزم على الطاعة ثم عجز،
كُتب له أجرها.
17- فيه: أن
هذا الحديث أصلٌ في باب «من همّ بحسنة»، فإنه يُؤيّد أن النية الصادقة تُثاب، ولو
لم يقع الفعل في وقته.
18- فيه:
تربيةٌ وتدريبٌ على الانضباط في العبادة، فالحِزب لا يكون، إلا لمن نظّم عبادته.
19- فيه: أن
من أعظم أسباب الثبات في الطاعة التعويض عند الفوات، فإن القضاء يجبر النقص ويمنع
الانقطاع.
20- فيه: أن
هذا الهدي يورث محبة العبادة في القلب، لأن العبد إذا لازمها وألِفها، شقّ عليه
فواتها.
21- فيه: أن
الشرع يُراعي أحوال العباد، فلم يُسقط الأجر بسبب النوم، بل جعله مع القضاء.
22- فيه: أن
من ترك القضاء مع قدرته فقد فرّط في الخير، لأن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أرشد
إلى التدارك، لا إلى الإهمال.
23- فيه: أن
العبد ينبغي له أن يُحاسب نفسه على أوراده، فإذا نقص منها شيءٌ سعى في تكميله.
24- فيه:
دلالةٌ على فضل وقت ما بعد الفجر حيث جُعل محلًا لقضاء أعمال الليل.
25- فيه: ما
يبعث على الأمل وعدم اليأس، فمن فاته الخير لا يُحرم منه إذا تداركه.
26- فيه: أن
المداومة على الطاعة تورث الإخلاص، لأنها تُخرج العمل عن كونه عارضًا إلى كونه
سجيةً ثابتة.
27- فيه: أن
العبد إذا صدق مع الله أعانه الله على الطاعة، ومن ذلك أن يُيسّر له قضاء ما فاته.
28- في
الحديث دليل على عظيم فضل القرآن حيث جُعل له حِزبٌ يُداوم عليه ويُقضى عند
الفوات.
29- فيه: أن
من فقه العبد أن لا يُفوّت على نفسه الخير مرتين: مرةً بالفوات، ومرةً بترك
القضاء.
30- فيه: أن
هذا الحديث ميزانٌ في باب المحافظة على الأوراد، فمن عمل به كان من أهل الثبات،
ومن تركه عُرِّض للانقطاع.
فدل الحديث على أن من أعظم مقامات السالكين: لزوم الأوراد مع المداومة
عليها، وتداركها عند الفوات، وأن الله تعالى بفضله لا يُضيّع عمل من صدق في نيّته،
بل يُتمّ له أجره، ويجعل القضاء قائمًا مقام الأداء، رحمةً منه وفضلًا.
Komentar
Posting Komentar